Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 11–20 of 120

11

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوٓا۟ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ

O you who have believed, remember the favor of Allah upon you when a people determined to extend their hands [in aggression] against you, but He withheld their hands from you; and fear Allah. And upon Allah let the believers rely.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم فَكَفَّ أيْدِيَهم عنكم واتَّقُوا اللهِ وعَلى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾

هَذِهِ آيَةُ وعْدٍ لِلْمُؤْمِنِينَ بِسَتْرِ الذُنُوبِ عَلَيْهِمْ؛ وبِالجَنَّةِ؛ فَهي الأجْرُ العَظِيمُ؛ و"وَعَدَ"؛ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ؛ ويَجُوزُ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِهِما؛ وكَذَلِكَ هو في هَذِهِ الآيَةِ؛ فالمَفْعُولُ الثانِي مُقَدَّرٌ؛ يُفَسِّرُهُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: "لَهم مَغْفِرَةٌ"؛ ثُمَّ عَقَّبَ تَعالى بِذِكْرِ حالِ الكُفّارِ؛ لِيُبَيِّنَ الفارِقَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٨] خِطابٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وأُمَّتِهِ؛ والنِعْمَةُ هي العامِلَةُ في "إذْ"؛ وهي نِعْمَةٌ مَخْصُوصَةٌ؛ و"هَمَّ الرَجُلُ بِالشَيْءِ"؛ إذا أرادَ فِعْلَهُ؛ ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ هَلْ يَنْفَعنكَ اليَوْمَ إنْ هَمَّتْ بِهَمْ ∗∗∗ كَثْرَةُ ما تُوصِي وتَعْقادُ الرَتَمْ؟

ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:

؎ هَمَمْتُ ولَمْ أفْعَلْ وكِدْتُ ولَيْتَنِي ∗∗∗ ∗∗∗ تَرَكْتُ عَلى عُثْمانَ تَبْكِي حَلائِلُهْ

واخْتَلَفَ الناسُ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ؛ وما النازِلَةُ الَّتِي وقَعَ فِيها الهَمُّ بِبَسْطِ اليَدِ؛ والكَفِّ مِنَ اللهِ تَعالى ؟؛ فَقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ سَبَبَ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ «لَمّا قُتِلَ أهْلُ بِئْرِ مَعُونَةَ نَجا مِنَ القَوْمِ عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَمْرِيُّ ؛ ورَجُلٌ آخَرَ مَعَهُ؛ فَلَقِيا بِقُرْبِ المَدِينَةِ رَجُلَيْنِ مِن سُلَيْمٍ؛ قَدْ كانا أخَذا عَهْدًا مِنَ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وانْصَرَفا؛ فَسَألَهُما عَمْرٌو: مِمَّنْ أنْتُما؟ فانْتَسَبا إلى بَنِي عامِرِ بْنِ الطُفَيْلِ ؛ وهو كانَ الجانِي عَلى المُسْلِمِينَ في بِئْرِ مَعُونَةَ؛ فَقَتَلَهُما عَمْرٌو وصاحِبُهُ؛ وأتَيا بِسَلْبِهِما النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَقالَ: "لَقَدْ قَتَلْتُما قَتِيلَيْنِ؛ لَأدِيَّنَّهُما"؛ ثُمَّ شَرَعَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في جَمْعِ الدِيَةِ؛ فَذَهَبَ يَوْمًا إلى بَنِي النَضِيرِ يَسْتَعِينُهم في الدِيَةِ؛ ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ ؛ وعُمَرُ ؛ وعَلِيٌّ - رَضِيَ اللهُ عنهم -؛ فَكَلَّمَهُمْ؛ فَقالُوا: نَعَمْ يا أبا القاسِمِ ؛ انْزِلْ حَتّى نَصْنَعَ لَكَ طَعامًا؛ ونَنْظُرَ في مَعُونَتِكَ؛ فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في ظِلِّ جِدارٍ؛ فَتَآمَرُوا بَيْنَهم في قَتْلِهِ؛ وقالُوا: ما ظَفِرْتُمْ بِمُحَمَّدٍ قَطُّ أقْرَبَ مَرامًا مِنهُ اليَوْمَ؛ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: مَن رَجُلٌ يَظْهَرُ عَلى الحائِطِ فَيَصُبَّ عَلَيْهِ حَجَرًا يَشْدَخُهُ؟ فانْتُدِبَ لِذَلِكَ عَمْرُو بْنُ جَحّاشٍ؛ فِيما رُوِيَ؛ وجاءَ جِبْرِيلُ فَأخْبَرَ النَبِيَّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ فَقامَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ المَكانِ؛ وتَوَجَّهَ إلى المَدِينَةِ؛ ونَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ؛» وفي الخَبَرِ زَوائِدُ لا تَخُصُّ الآيَةَ؛ وقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحاقَ وغَيْرُهُ؛ وهَذا القَوْلُ يَتَرَجَّحُ بِما يَأْتِي بَعْدُ مِنَ الآياتِ في وصْفِ غَدْرِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ ونَقْضِهِمُ المَواثِيقَ.

وقالَتْ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ: سَبَبُ الآيَةِ فِعْلُ الأعْرابِيِّ في غَزْوَةِ "ذاتِ الرِقاعِ"؛ وهي «غَزْوَةُ النَبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - …

Al-Maaida 5:11Listen in Qur'an →
12

۞ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًۭا ۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيْتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ۚ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ

And Allah had already taken a covenant from the Children of Israel, and We delegated from among them twelve leaders. And Allah said, "I am with you. If you establish prayer and give zakah and believe in My messengers and support them and loan Allah a goodly loan, I will surely remove from you your misdeeds and admit you to gardens beneath which rivers flow. But whoever of you disbelieves after that has certainly strayed from the soundness of the way."

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَلَقَدْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وقالَ اللهُ إنِّي مَعَكم لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَلاةَ وآتَيْتُمُ الزَكاةَ وآمَنتُمْ بِرُسُلِي وعَزَّرْتُمُوهم وأقْرَضْتُمُ اللهُ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عنكم سَيِّئاتِكم ولأُدْخِلَنَّكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَبِيلِ﴾

هَذِهِ الآياتُ المُتَضَمِّنَةُ الخَبَرَ عن نَقْضِهِمْ مَواثِيقَ اللهِ تَعالى تُقَوِّي أنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ في كَفِّ الأيْدِي إنَّما كانَتْ في أمْرِ بَنِي النَضِيرِ؛ واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في كَيْفِيَّةِ بِعْثَةِ هَؤُلاءِ النُقَباءِ؛ بَعْدَ الإجْماعِ عَلى أنَّ النَقِيبَ كَبِيرُ القَوْمِ؛ القائِمُ بِأُمُورِهِمْ؛ الَّذِي يُنَقِّبُ عنها؛ وعن مَصالِحِهِمْ فِيها؛ و"اَلنَّقّابُ": الرَجُلُ العَظِيمُ الَّذِي هو في الناسِ كُلِّهِمْ عَلى هَذِهِ الطَرِيقَةِ؛ وَمِنهُ قِيلَ في عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عنهُ -: إنَّهُ كانَ لَنَقّابًا؛ فالنُقَباءُ: اَلضُّمّانُ؛ واحِدُهُمْ: نَقِيبٌ؛ وهو شاهِدُ القَوْمِ وضَمِينُهُمْ؛ وقالَ قَوْمٌ: اَلنُّقَباءُ: اَلْأُمَناءُ عَلى قَوْمِهِمْ؛ وهَذا كُلُّهُ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ؛ والنَقِيبُ أكْبَرُ مَكانًا مِنَ العَرِّيفِ؛ قالَ قَتادَةُ - رَحِمَهُ اللهُ -؛ وغَيْرُهُ: هَؤُلاءِ النُقَباءُ قَوْمٌ كِبارٌ مِن كُلِّ سِبْطٍ؛ تَكَفَّلَ كُلُّ واحِدٍ بِسِبْطِهِ بِأنْ يُؤْمِنُوا ويَتَّقُوا اللهَ تَعالى.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ونَحْوَ هَذا كانَ النُقَباءُ لَيْلَةَ بَيْعَةِ العَقَبَةِ مَعَ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وهي العَقَبَةُ الثالِثَةُ؛ بايَعَ فِيها سَبْعُونَ رَجُلًا وامْرَأتانِ؛ فاخْتارَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مِنَ السَبْعِينَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا؛ وسَمّاهُمُ النُقَباءَ؛ وقالَ الرَبِيعُ؛ والسُدِّيُّ ؛ وغَيْرُهُما: إنَّما بُعِثَ النُقَباءُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أُمَناءَ عَلى الِاطِّلاعِ عَلى الجَبّارِينَ؛ والسَبْرِ لِقُوَّتِهِمْ؛ ومَنعَتِهِمْ؛ فَسارُوا حَتّى لَقِيَهم رَجُلٌ مِنَ الجَبّارِينَ؛ فَأخَذَهم جَمِيعًا فَجَعَلَهم في حُجُزَتِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: في قَصَصٍ طَوِيلٍ ضَعِيفٍ؛ مُقْتَضاهُ أنَّهُمُ اطَّلَعُوا مِنَ الجَبّارِينَ عَلى قُوَّةٍ عَظِيمَةٍ؛ وظَنُّوا أنَّهم لا قِبَلَ لَهم بِهِمْ؛ فَتَعاقَدُوا بَيْنَهم عَلى أنْ يُخْفُوا ذَلِكَ عن بَنِي إسْرائِيلَ؛ وأنْ يُعْلِمُوا بِهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لِيَرى فِيهِ أمْرَ رَبِّهِ؛ فَلَمّا انْصَرَفُوا إلى بَنِي إسْرائِيلَ خانَ مِنهم عَشَرَةٌ؛ فَعَرَّفُوا قَراباتِهِمْ؛ ومَن وثَّقُوهُ عَلى سِرِّهِمْ؛ فَفَشا الخَبَرُ حَتّى اعْوَجَّ أمْرُ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وقالُوا: اذْهَبْ أنتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا هَهُنا قاعِدُونَ.

وأسْنَدَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما - قالَ: اَلنُّقَباءُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ بَعَثَهم مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لِيَنْظُرُوا إلى مَدِينَةِ الجَبّارِينَ؛ فَذَهَبُوا؛ ونَظَرُوا؛ فَجاؤُوا بِحَبَّةٍ مِن فاكِهَتِهِمْ وِقْرَ رَجُلٍ؛ فَقالُوا: اُقْدُرُوا قَدْرَ قُوَّةِ قَوْمٍ هَذِهِ فاكِهَتُهُمْ؛ فَكانَ ذَلِكَ سَبَبَ فِتْنَةِ بَنِي إسْرائِيلَ ونُكُولِهِمْ.

وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ ؛ أيْ مَلِكًا؛ وأنَّ الآيَةَ تَعْدِيدُ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْهِمْ في أنْ بَعَثَ لِإصْلاحِهِمْ هَذا العَدَدَ مِنَ المُلُوكِ؛ قالَ: فَما وفى مِنهم إلّا خَمْسَةٌ: داوُدُ - عَلَيْهِ السَلامُ - …

Al-Maaida 5:12Listen in Qur'an →
13

فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَٰقَهُمْ لَعَنَّٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَٰسِيَةًۭ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ ۙ وَنَسُوا۟ حَظًّۭا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍۢ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنْهُمْ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ

So for their breaking of the covenant We cursed them and made their hearts hard. They distort words from their [proper] usages and have forgotten a portion of that of which they were reminded. And you will still observe deceit among them, except a few of them. But pardon them and overlook [their misdeeds]. Indeed, Allah loves the doers of good.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهم وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عن مَواضِعِهِ ونَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ ولا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهم إلا قَلِيلا مِنهم فاعْفُ عنهم واصْفَحْ إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾

يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "ما" زائِدَةً؛ والتَقْدِيرُ: "فَبِنَقْضِهِمْ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ اسْمًا نَكِرَةً أُبْدِلَ مِنهُ النَقْضَ؛ عَلى بَدَلِ المَعْرِفَةِ مِنَ النَكِرَةِ؛ التَقْدِيرُ: "فَبِفِعْلٍ هو نَقْضُهم لِلْمِيثاقِ؛ وهَذا هو المَعْنى في هَذا التَأْوِيلِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ في "اَلنِّساءِ"؛ نَظِيرُ هَذا؛ و"لَعَنّاهُمْ"؛ مَعْناهُ: أبْعَدْناهم مِنَ الخَيْرِ أجْمَعِهِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ؛ ونافِعٌ ؛ وعاصِمٌ ؛ وأبُو عَمْرٍو ؛ وابْنُ عامِرٍ: "قاسِيَةً"؛ بِالألِفِ؛ وقَرَأ حَمْزَةُ ؛ والكِسائِيُّ: "قَسِيَّةً"؛ دُونَ ألِفٍ؛ وزْنُها "فَعِيلَةً"؛ فَحُجَّةُ الأُولى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ [الزمر: ٢٢] ؛ وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٧٤] ؛ والقَسْوَةُ: غِلَظُ القَلْبِ؛ ونَبْوُهُ عَنِ الرِقَّةِ والمَوْعِظَةِ؛ وصَلابَتُهُ؛ حَتّى لا يَنْفَعِلَ لِخَيْرٍ.

ومَن قَرَأ "قَسِيَّةً"؛ فَهو مِن هَذا المَعْنى: "فَعِيلَةً"؛ بِمَعْنى "فاعِلَةً"؛ كَـ "شاهِدٌ"؛ و"شَهِيدٌ"؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأمْثِلَةِ؛ وحَكىالطَبَرِيُّ عن قَوْمٍ أنَّهم قالُوا: "قَسِيَّةً"؛ لَيْسَتْ مِن مَعْنى القَسْوَةِ؛ وإنَّما هي كالقَسِيِّ مِنَ الدَراهِمِ؛ وهي الَّتِي خالَطَها غِشٌّ وتَدْلِيسٌ؛ فَكَذا القُلُوبُ؛ لَمْ تَصْفُ لِلْإيمانِ؛ بَلْ خالَطَها الكُفْرُ؛ والفَسادُ؛ ومِن ذَلِكَ قَوْلُ أبِي زُبَيْدٍ:

؎ لَها صَواهِلُ في صُمِّ السَلامِ كَما ∗∗∗ صاحَ القَسِيّاتُ في أيْدِي الصَيارِيفِ

وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ:

؎ فَما زَوَّدانِي غَيْرَ سَحْقِ عِمامَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وخَمْسِمِئٍ مِنها قَسِيٌّ وزائِفُ

قالَ أبُو عَلِيٍّ: هَذِهِ اللَفْظَةُ مُعَرَّبَةٌ؛ ولَيْسَتْ بِأصْلٍ في كَلامِ العَرَبِ.

واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾ ؛ فَقالَ قَوْمٌ - مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ -: تَحْرِيفُهم هو بِالتَأْوِيلِ؛ ولا قُدْرَةَ لَهم عَلى تَبْدِيلِ الألْفاظِ في التَوْراةِ؛ ولا يُتَمَكَّنُّ لَهم ذَلِكَ؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ بَقاءُ آيَةِ الرَجْمِ؛ واحْتِياجُهم إلى أنْ يَضَعَ القارِئُ يَدَهُ عَلَيْها. وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ حَرَّفُوا الكَلامَ وبَدَّلُوهُ أيْضًا؛ وفَعَلُوا الأمْرَيْنِ جَمِيعًا بِحَسَبِ ما أمْكَنَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وألْفاظُ القُرْآنِ تَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ؛ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩] ؛ يَقْتَضِي التَبْدِيلَ؛ ولا شَكَّ أنَّهم فَعَلُوا الأمْرَيْنِ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "اَلْكَلِمَ"؛ بِفَتْحِ الكافِ؛ وكَسْرِ اللامِ؛ وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ ؛ وإبْراهِيمُ النَخَعِيُّ: "اَلْكَلامَ"؛ بِالألِفِ؛ وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: "اَلْكِلْمَ"؛ بِكَسْرِ الكافِ؛ وسُكُونِ اللامِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ ؛ نَصٌّ عَلى سُوءِ فِعْلِهِمْ بِأنْفُسِهِمْ؛ أيْ: قَدْ كانَ لَهم حَظٌّ عَظِيمٌ فِيما ذُكِّرُوا بِهِ؛ فَنَسُوهُ؛ وتَرَكُوهُ؛ ثُمَّ أخْبَرَ - تَبارَكَ وتَعالى- نَبِيَّهُ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أنَّهُ لا يَزالُ في مُؤْتَنَفِ الزَمانِ يَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهُمْ؛ وغائِلَةٍ؛ وأُمُورٍ فاسِدَةٍ؛ واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى: "خائِنَةٍ"؛ في هَذا المَوْضِعِ؛ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: "خائِنَةٍ": مَصْدَرٌ؛ كَـ "اَلْعاقِبَةُ"؛ وكَقَوْلِهِ …

Al-Maaida 5:13Listen in Qur'an →
14

وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذْنَا مِيثَٰقَهُمْ فَنَسُوا۟ حَظًّۭا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ

And from those who say, "We are Christians" We took their covenant; but they forgot a portion of that of which they were reminded. So We caused among them animosity and hatred until the Day of Resurrection. And Allah is going to inform them about what they used to do.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهم فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ ويَعْفُو عن كَثِيرٍ﴾

"وَمِن": مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "أخَذْنا"؛ اَلتَّقْدِيرُ: "وَأخَذْنا مِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى مِيثاقَهُمْ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "وَمِنَ"؛ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ "خائِنَةٍ مِنهُمْ"؛﴾ [المائدة: ١٣] ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ "أخَذْنا مِيثاقَهُمْ"؛﴾ اِبْتِداءَ خَبَرٍ عنهُمْ؛ والأوَّلُ أرْجَحُ؛ وعُلِّقَ كَوْنُهم نَصارى بِقَوْلِهِمْ ودَعْواهُمْ؛ مِن حَيْثُ هو اسْمٌ شَرْعِيٌّ يَقْتَضِي نَصْرَ دِينِ اللهِ؛ وسَمَّوْا بِهِ أنْفُسَهم دُونَ اسْتِحْقاقٍ؛ ولا مُشابَهَةٍ بَيْنَ فِعْلِهِمْ؛ وقَوْلِهِمْ؛ فَجاءَتْ هَذِهِ العِبارَةُ مُوَبِّخَةً لَهُمْ؛ مُزَحْزِحَةً عن طَرِيقِ نَصْرِ دِينِ اللهِ ؛ وأنْبِيائِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ﴾ ؛ مَعْناهُ: أثْبَتْناها بَيْنَهُمْ؛ وألْصَقْناها؛ والإغْراءُ مَأْخُوذٌ مِنَ الغِراءِ الَّذِي يُلْصَقُ بِهِ؛ والضَمِيرِ في "بَيْنَهُمُ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اليَهُودِ؛ والنَصارى؛ لِأنَّ العَداوَةَ بَيْنَهم مَوْجُودَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَصارى فَقَطْ؛ لِأنَّها أُمَّةٌ مُتَقاتِلَةٌ؛ بَيْنَها الفِتَنُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ ثُمَّ تَوَعَّدَهُمُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِعِقابِ الآخِرَةِ؛ إذْ إنْباؤُهم بِصُنْعِهِمْ إنَّما هو تَقْرِيرٌ؛ وتَوْبِيخٌ لِلْعَذابِ؛ إذْ صُنْعُهم كُفْرٌ يُوجِبُ الخُلُودُ في النارِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ ؛ لَفْظٌ يَعُمُّ اليَهُودَ والنَصارى؛ ولَكِنَّ نَوازِلَ الإخْفاءِ - كالرَجْمِ؛ وغَيْرِهِ - إنَّما حُفِظَتْ لِلْيَهُودِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُجاوِرِي رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في مَهاجِرِهِ؛ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: أوَّلُ ما نَزَلَ مِن هَذِهِ السُورَةِ هاتانِ الآيَتانِ في شَأْنِ اليَهُودِ والنَصارى؛ ثُمَّ نَزَلَ سائِرُ السُورَةِ بِعَرَفَةَ؛ في حِجَّةِ الوَداعِ.

وقَوْلُهُ: "رَسُولُنا"؛ يَعْنِي مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وفي الآيَةِ الدَلالَةُ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ؛ لِأنَّ إعْلامَهُ بِخَفِيِّ ما في كُتُبِهِمْ؛ وهو أُمِّيٌّ لا يَقْرَأُ؛ ولا يَصْحَبُ القَرَأةَ؛ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَأْتِيهِ مِن عِنْدِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى.

وأشْهَرُ النَوازِلِ الَّتِي أخْفَوْها فَأظْهَرَها اللهُ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ؛ أمْرُ الرَجْمِ؛ وحَدِيثُهُ مَشْهُورٌ؛ ومِن ذَلِكَ صِفاتُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ و"مِنَ الكِتابِ"؛ يَعْنِي: مِنَ التَوْراةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وَيَعْفُو عن كَثِيرٍ﴾ ؛ مَعْناهُ: ويَتْرُكُ كَثِيرًا لا يَفْضَحُكم فِيهِ؛ إبْقاءً عَلَيْكُمْ؛ وهَذا المَتْرُوكُ هو في مَعْنى افْتِخارِهِمْ؛ ووَصْفِهِمْ أيّامَ اللهِ قِبَلَهُمْ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لا يَتَعَيَّنُ في مِلَّةِ الإسْلامِ فَضْحُهم فِيهِ؛ وتَكْذِيبُهُمْ؛ والفاعِلُ في "وَيَعْفُو"؛ هو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُسْتَنَدَ الفِعْلُ إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى؛ وإذا كانَ العَفْوُ مِنَ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - فَبِأمْرِ رَبِّهِ؛ وإنْ كانَ مِنَ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى-؛ فَعَلى لِسانِ نَبِيِّهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والِاحْتِمالانِ قَرِيبٌ بَعْضُهُما …

Al-Maaida 5:14Listen in Qur'an →
15

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًۭا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍۢ ۚ قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌۭ وَكِتَٰبٌۭ مُّبِينٌۭ

O People of the Scripture, there has come to you Our Messenger making clear to you much of what you used to conceal of the Scripture and overlooking much. There has come to you from Allah a light and a clear Book.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهم فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ ويَعْفُو عن كَثِيرٍ﴾

"وَمِن": مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "أخَذْنا"؛ اَلتَّقْدِيرُ: "وَأخَذْنا مِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى مِيثاقَهُمْ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: "وَمِنَ"؛ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ "خائِنَةٍ مِنهُمْ"؛﴾ [المائدة: ١٣] ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ "أخَذْنا مِيثاقَهُمْ"؛﴾ اِبْتِداءَ خَبَرٍ عنهُمْ؛ والأوَّلُ أرْجَحُ؛ وعُلِّقَ كَوْنُهم نَصارى بِقَوْلِهِمْ ودَعْواهُمْ؛ مِن حَيْثُ هو اسْمٌ شَرْعِيٌّ يَقْتَضِي نَصْرَ دِينِ اللهِ؛ وسَمَّوْا بِهِ أنْفُسَهم دُونَ اسْتِحْقاقٍ؛ ولا مُشابَهَةٍ بَيْنَ فِعْلِهِمْ؛ وقَوْلِهِمْ؛ فَجاءَتْ هَذِهِ العِبارَةُ مُوَبِّخَةً لَهُمْ؛ مُزَحْزِحَةً عن طَرِيقِ نَصْرِ دِينِ اللهِ ؛ وأنْبِيائِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ﴾ ؛ مَعْناهُ: أثْبَتْناها بَيْنَهُمْ؛ وألْصَقْناها؛ والإغْراءُ مَأْخُوذٌ مِنَ الغِراءِ الَّذِي يُلْصَقُ بِهِ؛ والضَمِيرِ في "بَيْنَهُمُ"؛ يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى اليَهُودِ؛ والنَصارى؛ لِأنَّ العَداوَةَ بَيْنَهم مَوْجُودَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَصارى فَقَطْ؛ لِأنَّها أُمَّةٌ مُتَقاتِلَةٌ؛ بَيْنَها الفِتَنُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ ثُمَّ تَوَعَّدَهُمُ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى بِعِقابِ الآخِرَةِ؛ إذْ إنْباؤُهم بِصُنْعِهِمْ إنَّما هو تَقْرِيرٌ؛ وتَوْبِيخٌ لِلْعَذابِ؛ إذْ صُنْعُهم كُفْرٌ يُوجِبُ الخُلُودُ في النارِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ ؛ لَفْظٌ يَعُمُّ اليَهُودَ والنَصارى؛ ولَكِنَّ نَوازِلَ الإخْفاءِ - كالرَجْمِ؛ وغَيْرِهِ - إنَّما حُفِظَتْ لِلْيَهُودِ؛ لِأنَّهم كانُوا مُجاوِرِي رَسُولِ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في مَهاجِرِهِ؛ وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: أوَّلُ ما نَزَلَ مِن هَذِهِ السُورَةِ هاتانِ الآيَتانِ في شَأْنِ اليَهُودِ والنَصارى؛ ثُمَّ نَزَلَ سائِرُ السُورَةِ بِعَرَفَةَ؛ في حِجَّةِ الوَداعِ.

وقَوْلُهُ: "رَسُولُنا"؛ يَعْنِي مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وفي الآيَةِ الدَلالَةُ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ؛ لِأنَّ إعْلامَهُ بِخَفِيِّ ما في كُتُبِهِمْ؛ وهو أُمِّيٌّ لا يَقْرَأُ؛ ولا يَصْحَبُ القَرَأةَ؛ دَلِيلٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَأْتِيهِ مِن عِنْدِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى.

وأشْهَرُ النَوازِلِ الَّتِي أخْفَوْها فَأظْهَرَها اللهُ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ؛ أمْرُ الرَجْمِ؛ وحَدِيثُهُ مَشْهُورٌ؛ ومِن ذَلِكَ صِفاتُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ و"مِنَ الكِتابِ"؛ يَعْنِي: مِنَ التَوْراةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿وَيَعْفُو عن كَثِيرٍ﴾ ؛ مَعْناهُ: ويَتْرُكُ كَثِيرًا لا يَفْضَحُكم فِيهِ؛ إبْقاءً عَلَيْكُمْ؛ وهَذا المَتْرُوكُ هو في مَعْنى افْتِخارِهِمْ؛ ووَصْفِهِمْ أيّامَ اللهِ قِبَلَهُمْ؛ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لا يَتَعَيَّنُ في مِلَّةِ الإسْلامِ فَضْحُهم فِيهِ؛ وتَكْذِيبُهُمْ؛ والفاعِلُ في "وَيَعْفُو"؛ هو مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُسْتَنَدَ الفِعْلُ إلى اللهِ تَبارَكَ وتَعالى؛ وإذا كانَ العَفْوُ مِنَ النَبِيِّ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - فَبِأمْرِ رَبِّهِ؛ وإنْ كانَ مِنَ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى-؛ فَعَلى لِسانِ نَبِيِّهِ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ والِاحْتِمالانِ قَرِيبٌ بَعْضُهُما …

Al-Maaida 5:15Listen in Qur'an →
16

يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِۦ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

By which Allah guides those who pursue His pleasure to the ways of peace and brings them out from darknesses into the light, by His permission, and guides them to a straight path.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥] ﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَلامِ ويُخْرِجُهم مَنِ الظُلُماتِ إلى النُورِ بِإذْنِهِ ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللهَ شَيْئًا إنَّ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا ولِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥] ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والقُرْآنَ؛ وهَذا هو ظاهِرُ الألْفاظِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - والتَوْراةَ؛ أيْ: "وَلَوِ اتَّبَعْتُمُوها حَقَّ الِاتِّباعِ لَآمَنتُمْ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ إذْ هي آمِرَةٌ بِذَلِكَ؛ مُبَشِّرَةٌ بِهِ؛ وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ؛ والزُهْرِيُّ ؛ وسَلّامٌ؛ وحُمَيْدٌ؛ ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ: "بِهُ اللهُ"؛ بِضَمِّ الهاءِ؛ حَيْثُ وقَعَ مِثْلُهُ.

و"اِتَّبَعَ رِضْوانَهُ"؛ مَعْناهُ: بِالتَكَسُّبِ؛ والنِيَّةِ؛ والإقْبالِ عَلَيْهِ؛ والسُبُلُ: اَلطُّرُقُ؛ والقِراءَةُ في "رِضْوانَهُ"؛ بِضَمِّ الراءِ؛ وبِكَسْرِها؛ وهُما لُغَتانِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ؛ وقَرَأ ابْنُ شِهابٍ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "سُبْلَ"؛ ساكِنَةَ الباءِ؛ و"اَلسَّلامُ" في هَذِهِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمًا مِن أسْماءِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى-؛ فالمَعْنى: "طُرُقَ اللهِ تَعالى الَّتِي أمَرَ بِها عِبادَهُ؛ وشَرَعَها لَهُمْ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا؛ كَـ "اَلسَّلامَةُ"؛ فالمَعْنى: "طُرُقَ النَجاةِ والسَلامَةِ مِنَ النارِ".

وقَوْلُهُ: "وَيُخْرِجُهُمْ"؛ يَعْنِي المُتَّبَعِينَ الرِضْوانَ؛ فالضَمِيرُ عَلى مَعْنى "مَن"؛ لا عَلى لَفْظِها؛ والظُلُماتُ: اَلْكُفْرُ؛ والنُورُ: اَلْإيمانُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بِإذْنِهِ"؛ أيْ: "يُمَكِّنُهم مِن أقْوالِ الإيمانِ؛ وأفْعالِهِ؛ ويَعْلَمُ فِعْلَهم لِذَلِكَ؛ والتِزامَهم إيّاهُ؛ فَهَذا هو حَدُّ الإذْنِ: اَلْعِلْمُ بِالشَيْءِ؛ والتَمْكِينُ مِنهُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ"؛ والصِراطُ المُسْتَقِيمُ: هو دِينُ اللهِ ؛ وتَوْحِيدُهُ؛ وما تَرَكَّبَ عَلَيْهِ مِن شَرْعِهِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِكُفْرِ النَصارى القائِلِينَ بِأنَّ اللهَ هو المَسِيحُ؛ وهَذِهِ فِرْقَةٌ مِنَ النَصارى؛ وكُلُّ فِرَقِهِمْ - عَلى اخْتِلافِ أقْوالِهِمْ - يَجْعَلُ لِلْمَسِيحِ - عَلَيْهِ السَلامُ - حَظًّا مِنَ الأُلُوهِيَّةِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في لَفْظِ "اَلْمَسِيحُ"؛ في سُورَةِ "آلِ عِمْرانَ ".

ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ تَعالى بِقَوْلِهِ لِنَبِيِّهِ: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾ ؛ أيْ: وَلا رادَّ لِإرادَةِ اللهِ تَعالى في المَسِيحِ؛ ولا في غَيْرِهِ؛ فَهَذا مِمّا تَقْضِي العُقُولُ مَعَهُ أنَّ مَن تَنْفُذُ الإرادَةُ فِيهِ لَيْسَ بِإلَهٍ؛ ثُمَّ قَرَّرَ - تَبارَكَ وتَعالى- مُلْكَهُ في السَماواتِ والأرْضِ؛ وما بَيْنَهُما؛ فَحَصَلَ المَسِيحُ - عَلَيْهِ السَلامُ - أقَلَّ أجْزاءِ مُلْكِ اللهِ تَعالى؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى خَلْقِهِ المَسِيحَ في رَحِمِ مَرْيَمَ مِن غَيْرِ والِدٍ؛ بَلِ اخْتِراعًا؛ كَآدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقَدْ تَقَدَّمَ في آلِ عِمْرانَ الفارِقُ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ زَكَرِيّا: ﴿يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠] ؛ وفي قِصَّةِ مَرْيَمَ: ﴿يَخْلُقُ ما …

Al-Maaida 5:16Listen in Qur'an →
17

لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

They have certainly disbelieved who say that Allah is Christ, the son of Mary. Say, "Then who could prevent Allah at all if He had intended to destroy Christ, the son of Mary, or his mother or everyone on the earth?" And to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them. He creates what He wills, and Allah is over all things competent.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥] ﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَلامِ ويُخْرِجُهم مَنِ الظُلُماتِ إلى النُورِ بِإذْنِهِ ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللهَ شَيْئًا إنَّ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا ولِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ١٥] ؛ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مُحَمَّدًا - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ والقُرْآنَ؛ وهَذا هو ظاهِرُ الألْفاظِ؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - والتَوْراةَ؛ أيْ: "وَلَوِ اتَّبَعْتُمُوها حَقَّ الِاتِّباعِ لَآمَنتُمْ بِمُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ -؛ إذْ هي آمِرَةٌ بِذَلِكَ؛ مُبَشِّرَةٌ بِهِ؛ وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ؛ والزُهْرِيُّ ؛ وسَلّامٌ؛ وحُمَيْدٌ؛ ومُسْلِمُ بْنُ جُنْدُبٍ: "بِهُ اللهُ"؛ بِضَمِّ الهاءِ؛ حَيْثُ وقَعَ مِثْلُهُ.

و"اِتَّبَعَ رِضْوانَهُ"؛ مَعْناهُ: بِالتَكَسُّبِ؛ والنِيَّةِ؛ والإقْبالِ عَلَيْهِ؛ والسُبُلُ: اَلطُّرُقُ؛ والقِراءَةُ في "رِضْوانَهُ"؛ بِضَمِّ الراءِ؛ وبِكَسْرِها؛ وهُما لُغَتانِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ؛ وقَرَأ ابْنُ شِهابٍ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "سُبْلَ"؛ ساكِنَةَ الباءِ؛ و"اَلسَّلامُ" في هَذِهِ الآيَةِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمًا مِن أسْماءِ اللهِ - تَبارَكَ وتَعالى-؛ فالمَعْنى: "طُرُقَ اللهِ تَعالى الَّتِي أمَرَ بِها عِبادَهُ؛ وشَرَعَها لَهُمْ"؛ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا؛ كَـ "اَلسَّلامَةُ"؛ فالمَعْنى: "طُرُقَ النَجاةِ والسَلامَةِ مِنَ النارِ".

وقَوْلُهُ: "وَيُخْرِجُهُمْ"؛ يَعْنِي المُتَّبَعِينَ الرِضْوانَ؛ فالضَمِيرُ عَلى مَعْنى "مَن"؛ لا عَلى لَفْظِها؛ والظُلُماتُ: اَلْكُفْرُ؛ والنُورُ: اَلْإيمانُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بِإذْنِهِ"؛ أيْ: "يُمَكِّنُهم مِن أقْوالِ الإيمانِ؛ وأفْعالِهِ؛ ويَعْلَمُ فِعْلَهم لِذَلِكَ؛ والتِزامَهم إيّاهُ؛ فَهَذا هو حَدُّ الإذْنِ: اَلْعِلْمُ بِالشَيْءِ؛ والتَمْكِينُ مِنهُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ في سُورَةِ "اَلْبَقَرَةِ"؛ والصِراطُ المُسْتَقِيمُ: هو دِينُ اللهِ ؛ وتَوْحِيدُهُ؛ وما تَرَكَّبَ عَلَيْهِ مِن شَرْعِهِ.

ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِكُفْرِ النَصارى القائِلِينَ بِأنَّ اللهَ هو المَسِيحُ؛ وهَذِهِ فِرْقَةٌ مِنَ النَصارى؛ وكُلُّ فِرَقِهِمْ - عَلى اخْتِلافِ أقْوالِهِمْ - يَجْعَلُ لِلْمَسِيحِ - عَلَيْهِ السَلامُ - حَظًّا مِنَ الأُلُوهِيَّةِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في لَفْظِ "اَلْمَسِيحُ"؛ في سُورَةِ "آلِ عِمْرانَ ".

ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ تَعالى بِقَوْلِهِ لِنَبِيِّهِ: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا﴾ ؛ أيْ: وَلا رادَّ لِإرادَةِ اللهِ تَعالى في المَسِيحِ؛ ولا في غَيْرِهِ؛ فَهَذا مِمّا تَقْضِي العُقُولُ مَعَهُ أنَّ مَن تَنْفُذُ الإرادَةُ فِيهِ لَيْسَ بِإلَهٍ؛ ثُمَّ قَرَّرَ - تَبارَكَ وتَعالى- مُلْكَهُ في السَماواتِ والأرْضِ؛ وما بَيْنَهُما؛ فَحَصَلَ المَسِيحُ - عَلَيْهِ السَلامُ - أقَلَّ أجْزاءِ مُلْكِ اللهِ تَعالى؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ ؛ إشارَةٌ إلى خَلْقِهِ المَسِيحَ في رَحِمِ مَرْيَمَ مِن غَيْرِ والِدٍ؛ بَلِ اخْتِراعًا؛ كَآدَمَ - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ وقَدْ تَقَدَّمَ في آلِ عِمْرانَ الفارِقُ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى في قِصَّةِ زَكَرِيّا: ﴿يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ [آل عمران: ٤٠] ؛ وفي قِصَّةِ مَرْيَمَ: ﴿يَخْلُقُ ما …

Al-Maaida 5:17Listen in Qur'an →
18

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌۭ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ

But the Jews and the Christians say, "We are the children of Allah and His beloved." Say, "Then why does He punish you for your sins?" Rather, you are human beings from among those He has created. He forgives whom He wills, and He punishes whom He wills. And to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them, and to Him is the [final] destination.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَقالَتِ اليَهُودُ والنَصارى نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكم بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ولِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُسُلِ أنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنَ بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكم بَشِيرٍ ونَذِيرٌ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

فِي الكَلامِ لَفٌّ وإيجازٌ يُحالُ المُسْتَمِعُ عَلى تَفْرِيقِهِ بِذِهْنِهِ؛ وذَلِكَ أنَّ ظاهِرَ اللَفْظِ يَقْتَضِي أنَّ جَمِيعَ اليَهُودِ والنَصارى يَقُولُونَ عن جَمِيعِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ ؛ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ كُلُّ فِرْقَةٍ تَقُولُ خاصَّةً: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ ؛ والبُنُوَّةُ في قَوْلِهِمْ هَذا بُنُوَّةُ الحَنانِ؛ والرَأْفَةِ؛ وذَكَرُوا أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ أوَّلَ أولادِي بِكْرِيٌّ؛ فَضَّلُوا بِذَلِكَ؛ وقالُوا: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ ؛ ولَوْ صَحَّ ما رَوَوْا لَكانَ مَعْناهُ بِكْرًا في التَشْرِيفِ؛ أوِ النُبُوَّةِ ونَحْوِهِ؛ و"أحِبّاءُ": جَمْعُ "حَبِيبٌ"؛ وكانَتْ هَذِهِ المَقالَةُ مِنهم عِنْدَما دَعاهُمُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى الإيمانِ بِهِ؛ وخَوَّفَهُمُ العَذابَ؛ فَقالُوا: "نَحْنُ لا نَخافُ ما تَقُولُ؛ لِأنَّنا أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ" وذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وقَدْ كانُوا قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في غَيْرِ ما مَوْطِنٍ: "نَحْنُ نَدْخُلُ النارَ فَنُقِيمُ بِها أرْبَعِينَ يَوْمًا؛ ثُمَّ تَخْلُفُونَنا فِيها"؛ فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ؛ فَقالَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ﴾ أيْ: لَوْ كانَتْ مَنزِلَتُكم فَوْقَ مَنازِلِ البَشَرِ لَما عَذَّبَكُمْ؛ وأنْتُمْ قَدْ أقْرَرْتُمْ أنَّهُ يُعَذِّبُكم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عَلى أنَّ التَعْذِيبَ هو بِنارِ الآخِرَةِ؛ وقَدْ تَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما كانَ اللهُ تَعالى يُعَذِّبُهم بِهِ في الدُنْيا؛ وذَلِكَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا إذا أصابَ الرَجُلُ مِنهم خَطِيئَةً أصْبَحَ مَكْتُوبًا عَلى بابِهِ ذِكْرُ ذَنْبِهِ؛ وذِكْرُ عُقُوبَتِهِ؛ فَيَنْفُذُ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ فَهَذا تَعْذِيبٌ في الدُنْيا عَلى الذُنُوبِ؛ يُنافِي أنَّهم أبْناءُ؛ وأحِبّاءُ.

ثُمَّ تَرَكَ الكَلامَ الأوَّلَ؛ وأضْرَبَ عنهُ غَيْرَ مُفْسِدٍ لَهُ؛ ودَخَلَ في غَيْرِهِ مِن تَقْرِيرِ كَوْنِهِمْ بَشَرًا كَسائِرِ الناسِ والخَلْقِ؛ أكْرَمُهم أتْقاهُمْ؛ يَهْدِي مَن يَشاءُ لِلْإيمانِ؛ فَيَغْفِرُ لَهُ؛ ويُوَرِّطُ مَن يَشاءُ في الكُفْرِ؛ فَيُعَذِّبُهُ؛ ولَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما؛ فَلَهُ بِحَقِّ المُلْكِ أنْ يَفْعَلَ ما شاءَ؛ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ؛ وإلَيْهِ مَصِيرُ العالَمِ بِالحَشْرِ والمَعادِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ ؛ خِطابٌ لِلْيَهُودِ والنَصارى؛ والرَسُولُ في قَوْلِهِ: "رَسُولُنا": مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وقَوْلُهُ: ﴿عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُسُلِ﴾ ؛ أيْ: عَلى انْقِطاعٍ مِن مَجِيئِهِمْ مُدَّةً ما؛ والفَتْرَةُ: سُكُونٌ بَعْدَ حَرَكَةٍ في جِرْمٍ؛ ويُسْتَعارُ ذَلِكَ في المَعانِي؛ وقَدْ قالَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةٌ؛ ولِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ"؛» وقالَ الشاعِرُ:

؎ وإنِّي لَتَعْرُونِي لِذِكْراكَ …

Al-Maaida 5:18Listen in Qur'an →
19

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍۢ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُوا۟ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٍۢ وَلَا نَذِيرٍۢ ۖ فَقَدْ جَآءَكُم بَشِيرٌۭ وَنَذِيرٌۭ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

O People of the Scripture, there has come to you Our Messenger to make clear to you [the religion] after a period [of suspension] of messengers, lest you say, "There came not to us any bringer of good tidings or a warner." But there has come to you a bringer of good tidings and a warner. And Allah is over all things competent.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَقالَتِ اليَهُودُ والنَصارى نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكم بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ولِلَّهِ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ ﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُسُلِ أنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنَ بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكم بَشِيرٍ ونَذِيرٌ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

فِي الكَلامِ لَفٌّ وإيجازٌ يُحالُ المُسْتَمِعُ عَلى تَفْرِيقِهِ بِذِهْنِهِ؛ وذَلِكَ أنَّ ظاهِرَ اللَفْظِ يَقْتَضِي أنَّ جَمِيعَ اليَهُودِ والنَصارى يَقُولُونَ عن جَمِيعِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ ؛ ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ بَلْ كُلُّ فِرْقَةٍ تَقُولُ خاصَّةً: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ ؛ والبُنُوَّةُ في قَوْلِهِمْ هَذا بُنُوَّةُ الحَنانِ؛ والرَأْفَةِ؛ وذَكَرُوا أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى بَنِي إسْرائِيلَ أنَّ أوَّلَ أولادِي بِكْرِيٌّ؛ فَضَّلُوا بِذَلِكَ؛ وقالُوا: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ ؛ ولَوْ صَحَّ ما رَوَوْا لَكانَ مَعْناهُ بِكْرًا في التَشْرِيفِ؛ أوِ النُبُوَّةِ ونَحْوِهِ؛ و"أحِبّاءُ": جَمْعُ "حَبِيبٌ"؛ وكانَتْ هَذِهِ المَقالَةُ مِنهم عِنْدَما دَعاهُمُ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - إلى الإيمانِ بِهِ؛ وخَوَّفَهُمُ العَذابَ؛ فَقالُوا: "نَحْنُ لا نَخافُ ما تَقُولُ؛ لِأنَّنا أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ" وذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُما -؛ وقَدْ كانُوا قالُوا لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - في غَيْرِ ما مَوْطِنٍ: "نَحْنُ نَدْخُلُ النارَ فَنُقِيمُ بِها أرْبَعِينَ يَوْمًا؛ ثُمَّ تَخْلُفُونَنا فِيها"؛ فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِمْ؛ فَقالَ لِمُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ﴾ أيْ: لَوْ كانَتْ مَنزِلَتُكم فَوْقَ مَنازِلِ البَشَرِ لَما عَذَّبَكُمْ؛ وأنْتُمْ قَدْ أقْرَرْتُمْ أنَّهُ يُعَذِّبُكم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا عَلى أنَّ التَعْذِيبَ هو بِنارِ الآخِرَةِ؛ وقَدْ تَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما كانَ اللهُ تَعالى يُعَذِّبُهم بِهِ في الدُنْيا؛ وذَلِكَ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا إذا أصابَ الرَجُلُ مِنهم خَطِيئَةً أصْبَحَ مَكْتُوبًا عَلى بابِهِ ذِكْرُ ذَنْبِهِ؛ وذِكْرُ عُقُوبَتِهِ؛ فَيَنْفُذُ ذَلِكَ عَلَيْهِ؛ فَهَذا تَعْذِيبٌ في الدُنْيا عَلى الذُنُوبِ؛ يُنافِي أنَّهم أبْناءُ؛ وأحِبّاءُ.

ثُمَّ تَرَكَ الكَلامَ الأوَّلَ؛ وأضْرَبَ عنهُ غَيْرَ مُفْسِدٍ لَهُ؛ ودَخَلَ في غَيْرِهِ مِن تَقْرِيرِ كَوْنِهِمْ بَشَرًا كَسائِرِ الناسِ والخَلْقِ؛ أكْرَمُهم أتْقاهُمْ؛ يَهْدِي مَن يَشاءُ لِلْإيمانِ؛ فَيَغْفِرُ لَهُ؛ ويُوَرِّطُ مَن يَشاءُ في الكُفْرِ؛ فَيُعَذِّبُهُ؛ ولَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما؛ فَلَهُ بِحَقِّ المُلْكِ أنْ يَفْعَلَ ما شاءَ؛ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ؛ وإلَيْهِ مَصِيرُ العالَمِ بِالحَشْرِ والمَعادِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ ؛ خِطابٌ لِلْيَهُودِ والنَصارى؛ والرَسُولُ في قَوْلِهِ: "رَسُولُنا": مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وقَوْلُهُ: ﴿عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُسُلِ﴾ ؛ أيْ: عَلى انْقِطاعٍ مِن مَجِيئِهِمْ مُدَّةً ما؛ والفَتْرَةُ: سُكُونٌ بَعْدَ حَرَكَةٍ في جِرْمٍ؛ ويُسْتَعارُ ذَلِكَ في المَعانِي؛ وقَدْ قالَ النَبِيُّ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: « "لِكُلِّ عَمَلٍ شِرَّةٌ؛ ولِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةٌ"؛» وقالَ الشاعِرُ:

؎ وإنِّي لَتَعْرُونِي لِذِكْراكَ …

Al-Maaida 5:19Listen in Qur'an →
20

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَٰقَوْمِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًۭا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًۭا مِّنَ ٱلْعَٰلَمِينَ

And [mention, O Muhammad], when Moses said to his people, "O my people, remember the favor of Allah upon you when He appointed among you prophets and made you possessors and gave you that which He had not given anyone among the worlds.

قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -:

﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكم ولا تَرْتَدُّوا عَلى أدْبارِكم فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ ﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ وإنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنها فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ﴾

اَلْمَعْنى: "واذْكُرْ لَهم يا مُحَمَّدُ عَلى جِهَةِ إعْلامِهِمْ؛ بِغَيْرِ كُتُبِهِمْ؛ لِيَتَحَقَّقُوا نُبُوَّتَكَ؛ ويَنْتَظِمَ في ذَلِكَ نِعَمُ اللهِ عَلَيْهِمْ؛ وتَلَقِّيهِمْ تِلْكَ النِعَمِ بِالكُفْرِ وقِلَّةِ الطاعَةِ والإنابَةِ".

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يا قَوْمُ"؛ بِالرَفْعِ؛ وكَذَلِكَ حَيْثُ وقَعَ مِنَ القُرْآنِ؛ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ ؛ و"نِعْمَةَ اللهِ"؛ هُنا اسْمُ الجِنْسِ؛ ثُمَّ عَدَّدَ عُيُونَ تِلْكَ النِعَمِ؛ والأنْبِياءُ الَّذِينَ جَعَلَ فِيهِمْ؛ أمْرُهم مَشْهُورٌ مِن لَدُنْ إسْرائِيلَ إلى زَمانِ عِيسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ والأنْبِياءُ حاطَةٌ؛ ومُنْقِذُونَ مِنَ النارِ؛ وشَرَفٌ في الدُنْيا والآخِرَةِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ ؛ يَحْتَمِلُ مَعانِيَ؛ أحَدُها أنْ يُعَدِّدَ عَلَيْهِمْ مُلْكَ مَن مَلَكَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ لِأنَّ المُلُوكَ شَرَفٌ في الدُنْيا؛ وحاطَةٌ مِن نَوائِبِها؛ والمَعْنى الآخَرُ أنْ يُرِيدَ: "اِسْتَنْقَذَكم مِنَ القِبْطِ الَّذِينَ كانُوا يَسْتَخْدِمُونَكُمْ؛ فَصِرْتُمْ أحْرارًا تَمْلِكُونَ؛ ولا تُمْلَكُونَ"؛ فَهم مُلُوكٌ بِهَذا الوَجْهِ؛ وبِنَحْوِ هَذا فَسَّرَ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ؛ وقالَ قَتادَةُ: إنَّما قالَ: ﴿وَجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ ؛ لِأنّا كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّهم أوَّلُ مَن خَدَمَهُ أحَدٌ مِن بَنِي آدَمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ القِبْطَ كانُوا يَسْتَخْدِمُونَ بَنِي إسْرائِيلَ؛ وظاهِرُ أمْرِ بَنِي آدَمَ أنَّ بَعْضَهم كانَ يُسَخِّرُ بَعْضًا مُذْ تَناسَلُوا وكَثُرُوا؛ وإنَّما اخْتَلَفَتِ الأُمَمُ في مَعْنى التَمَلُّكِ فَقَطْ؛ وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العاصِ ؛ والحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ؛ وجَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: مَن كانَ لَهُ مَسْكَنٌ؛ وامْرَأةٌ؛ وخادِمٌ؛ فَهو مَلِكٌ؛ وقِيلَ: مَن لَهُ مَسْكُنٌ لا يُدْخَلُ عَلَيْهِ فِيهِ إلّا بِإذْنٍ فَهو مَلِكٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ ؛ قالَ فِيهِ أبُو مالِكٍ ؛ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: اَلْخِطابُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -؛ وهَذا ضَعِيفٌ؛ وقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: اَلْخِطابُ هو مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ - لِقَوْمِهِ؛ ثُمَّ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ: ما الَّذِي أُوتُوا ولَمْ يُؤْتَ أحَدٌ مِثْلَهُ؟ فَقالَ مُجاهِدٌ: اَلْمَنُّ والسَلْوى؛ والحَجَرُ؛ والغَمامُ؛ وقالَ غَيْرُهُ: كَثْرَةُ الأنْبِياءِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: وعَلى هَذا في كَثْرَةِ الأنْبِياءِ؛ فالعالَمُونَ عَلى العُمُومِ؛ والإطْلاقِ؛ وعَلى القَوْلِ بِأنَّ المُؤْتى هو آياتُ مُوسى - عَلَيْهِ السَلامُ -؛ فالعالِمُونَ مُقَيَّدُونَ بِالزَمانِ الَّذِي كانُوا فِيهِ؛ لِأنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ قَدْ أُوتِيَتْ مِن آياتِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - أكْثَرَ مِن ذَلِكَ؛ قَدْ ظُلِّلَ رَسُولُ اللهِ - صَلّى اللَـهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِغَمامَةٍ قَبْلَ مَبْعَثِهِ؛ وكَلَّمَتْهُ الحِجارَةُ والبَهائِمُ؛ وأقْبَلَتْ إلَيْهِ الشَجَرَةُ؛ وحَنَّ الجِذْعُ؛ ونَبَعَ الماءُ مِن بَيْنِ أصابِعِهِ؛ …

Al-Maaida 5:20Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.