يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلْأَنْعَٰمِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ
O you who have believed, fulfill [all] contracts. Lawful for you are the animals of grazing livestock except for that which is recited to you [in this Qur'an] - hunting not being permitted while you are in the state of ihram. Indeed, Allah ordains what He intends.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الجُزْءُ السّادِسُ
سُورَةُ المائِدَةِ
سُمِّيَتْ بِها لِأنَّ قِصَّتَها أعْجَبُ ما ذُكِرَ فِيها. لِاشْتِمالِها عَلى آياتٍ كَثِيرَةٍ ولُطْفٍ عَظِيمٍ عَلى مَن آمَنَ. وعُنْفٍ شَدِيدٍ عَلى مَن كَفَرَ. فَهو أعْظَمُ دَواعِي قَبُولِ التَّكالِيفِ، المُفِيدَةِ عُقْدَةَ المَحَبَّةِ مِنَ الِاتِّصالِ الإيمانِيِّ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ عَبِيدِهِ. أفادَهُ المَهايِمِيُّ.
وهَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ. وآياتُها مِائَةٌ وعِشْرُونَ.
قالَ الشِّهابُ الخَفاجِيُّ: السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ، إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] إلَخْ، فَإنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. انْتَهى.
أقُولُ: في كَلامِهِ نَظَرانِ:
الأوَّلُ: - إنَّ هَذا بِناءً عَلى أنَّ المَكِّيَّ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ ولَوْ بَعْدَ الهِجْرَةِ. والمَدَنِيَّ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، وهو اصْطِلاحٌ لِبَعْضِ السَّلَفِ. ولَكِنَّ الأشْهَرَ كَما في (الإتْقانِ) أنَّ المَكِّيَّ ما نَزَلَ قَبْلَ الهِجْرَةِ. والمَدَنِيَّ ما نَزَلَ بَعْدَها، سَواءٌ نَزَلَ بِمَكَّةَ أمْ بِالمَدِينَةِ، عامَ الفَتْحِ أوْ عامَ حَجَّةِ الوَداعِ، أمْ بِسَفَرٍ مِنَ الأسْفارِ.
الثّانِي - بَقِيَ عَلَيْهِ، لَوْ مَشى عَلى ذاكَ الِاصْطِلاحِ آياتٌ آخَرُ.
قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإتْقانِ): في (النَّوْعِ الثّانِي مَعْرِفَةُ الحَضَرِيِّ والسَّفَرِيِّ) لِلسَّفَرِيِّ أمْثِلَةٌ.
مِنها: أوَّلُ المائِدَةِ. أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ) عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ أنَّها نَزَلَتْ بِمِنًى. وأخْرَجَ في (الدَّلائِلِ) عَنْ أُمِّ عَمْرٍو، عَنْ عَمِّها أنَّها نَزَلَتْ في مَسِيرٍ لَهُ، وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المائِدَةِ في حَجَّةِ الوَداعِ، فِيما بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ.
ومِنها: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] في الصَّحِيحِ عَنْ عُمَرَ:
أنَّها نَزَلَتْ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، يَوْمَ الجُمْعَةِ، عامَ حَجَّةِ الوَداعِ، ولَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ. لَكِنْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أنَّها نَزَلَتْ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ. وأخْرَجَ مِثْلَهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، وفِيهِ: إنَّهُ اليَوْمُ الثّامِنَ عَشَرَ مِن ذِي الحِجَّةِ، مَرْجِعَهُ مِن حَجَّةِ الوَداعِ، وكِلاهُما لا يَصِحُّ.
ومِنها: آيَةُ التَّيَمُّمِ فِيها. في الصَّحِيحِ عَنْ عائِشَةَ أنَّها نَزَلَتْ بِالبَيْداءِ وهم داخِلُونَ المَدِينَةَ.
ومِنها: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ﴾ [المائدة: ١١] الآيَةَ. نَزَلَتْ بِبَطْنِ نَخْلٍ.
ومِنها: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] نَزَلَتْ في ذاتِ الرِّقاعِ. انْتَهى.
وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَسْطُ هَذِهِ الرِّواياتِ، عِنْدَ هَذِهِ الآياتِ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: رَوى الإمامُ أحْمَدُ «عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ قالَتْ: إنِّي لَآخِذَةٌ بِزِمامِ العَضْباءِ - ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - إذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ المائِدَةُ كُلُّها. فَكادَتْ مِن ثِقَلِها تَدُقُّ عَضُدَ النّاقَةِ».
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ أيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: «أُنْزِلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُورَةُ المائِدَةِ وهو راكِبٌ عَلى راحِلَتِهِ، لَمْ تَسْتَطِعْ أنْ تَحْمِلَهُ، فَنَزَلَ عَنْها». تَفَرَّدَ بِهِ أحْمَدُ.
ورَوى الحاكِمُ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قالَ: حَجَجْتُ فَدَخَلْتُ عَلى عائِشَةَ فَقالَتْ لِي: يا جُبَيْرُ! تَقْرَأُ المائِدَةَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقالَتْ: أما إنَّها آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ. فَما وجَدْتُمْ فِيها مِن حَلالٍ …