Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 1–10 of 120

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلْأَنْعَٰمِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ

O you who have believed, fulfill [all] contracts. Lawful for you are the animals of grazing livestock except for that which is recited to you [in this Qur'an] - hunting not being permitted while you are in the state of ihram. Indeed, Allah ordains what He intends.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الجُزْءُ السّادِسُ

سُورَةُ المائِدَةِ

سُمِّيَتْ بِها لِأنَّ قِصَّتَها أعْجَبُ ما ذُكِرَ فِيها. لِاشْتِمالِها عَلى آياتٍ كَثِيرَةٍ ولُطْفٍ عَظِيمٍ عَلى مَن آمَنَ. وعُنْفٍ شَدِيدٍ عَلى مَن كَفَرَ. فَهو أعْظَمُ دَواعِي قَبُولِ التَّكالِيفِ، المُفِيدَةِ عُقْدَةَ المَحَبَّةِ مِنَ الِاتِّصالِ الإيمانِيِّ بَيْنَ اللَّهِ وبَيْنَ عَبِيدِهِ. أفادَهُ المَهايِمِيُّ.

وهَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ. وآياتُها مِائَةٌ وعِشْرُونَ.

قالَ الشِّهابُ الخَفاجِيُّ: السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ، إلّا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] إلَخْ، فَإنَّها نَزَلَتْ بِمَكَّةَ. انْتَهى.

أقُولُ: في كَلامِهِ نَظَرانِ:

الأوَّلُ: - إنَّ هَذا بِناءً عَلى أنَّ المَكِّيَّ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ ولَوْ بَعْدَ الهِجْرَةِ. والمَدَنِيَّ ما نَزَلَ بِالمَدِينَةِ، وهو اصْطِلاحٌ لِبَعْضِ السَّلَفِ. ولَكِنَّ الأشْهَرَ كَما في (الإتْقانِ) أنَّ المَكِّيَّ ما نَزَلَ قَبْلَ الهِجْرَةِ. والمَدَنِيَّ ما نَزَلَ بَعْدَها، سَواءٌ نَزَلَ بِمَكَّةَ أمْ بِالمَدِينَةِ، عامَ الفَتْحِ أوْ عامَ حَجَّةِ الوَداعِ، أمْ بِسَفَرٍ مِنَ الأسْفارِ.

الثّانِي - بَقِيَ عَلَيْهِ، لَوْ مَشى عَلى ذاكَ الِاصْطِلاحِ آياتٌ آخَرُ.

قالَ السُّيُوطِيُّ في (الإتْقانِ): في (النَّوْعِ الثّانِي مَعْرِفَةُ الحَضَرِيِّ والسَّفَرِيِّ) لِلسَّفَرِيِّ أمْثِلَةٌ.

مِنها: أوَّلُ المائِدَةِ. أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ) عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ أنَّها نَزَلَتْ بِمِنًى. وأخْرَجَ في (الدَّلائِلِ) عَنْ أُمِّ عَمْرٍو، عَنْ عَمِّها أنَّها نَزَلَتْ في مَسِيرٍ لَهُ، وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ المائِدَةِ في حَجَّةِ الوَداعِ، فِيما بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ.

ومِنها: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] في الصَّحِيحِ عَنْ عُمَرَ:

أنَّها نَزَلَتْ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، يَوْمَ الجُمْعَةِ، عامَ حَجَّةِ الوَداعِ، ولَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ. لَكِنْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أنَّها نَزَلَتْ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ. وأخْرَجَ مِثْلَهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، وفِيهِ: إنَّهُ اليَوْمُ الثّامِنَ عَشَرَ مِن ذِي الحِجَّةِ، مَرْجِعَهُ مِن حَجَّةِ الوَداعِ، وكِلاهُما لا يَصِحُّ.

ومِنها: آيَةُ التَّيَمُّمِ فِيها. في الصَّحِيحِ عَنْ عائِشَةَ أنَّها نَزَلَتْ بِالبَيْداءِ وهم داخِلُونَ المَدِينَةَ.

ومِنها: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ﴾ [المائدة: ١١] الآيَةَ. نَزَلَتْ بِبَطْنِ نَخْلٍ.

ومِنها: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] نَزَلَتْ في ذاتِ الرِّقاعِ. انْتَهى.

وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى بَسْطُ هَذِهِ الرِّواياتِ، عِنْدَ هَذِهِ الآياتِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: رَوى الإمامُ أحْمَدُ «عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ قالَتْ: إنِّي لَآخِذَةٌ بِزِمامِ العَضْباءِ - ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - إذْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ المائِدَةُ كُلُّها. فَكادَتْ مِن ثِقَلِها تَدُقُّ عَضُدَ النّاقَةِ».

ورَوى الإمامُ أحْمَدُ أيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: «أُنْزِلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُورَةُ المائِدَةِ وهو راكِبٌ عَلى راحِلَتِهِ، لَمْ تَسْتَطِعْ أنْ تَحْمِلَهُ، فَنَزَلَ عَنْها». تَفَرَّدَ بِهِ أحْمَدُ.

ورَوى الحاكِمُ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قالَ: حَجَجْتُ فَدَخَلْتُ عَلى عائِشَةَ فَقالَتْ لِي: يا جُبَيْرُ! تَقْرَأُ المائِدَةَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقالَتْ: أما إنَّها آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ. فَما وجَدْتُمْ فِيها مِن حَلالٍ …

2

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحِلُّوا۟ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلَا ٱلْهَدْىَ وَلَا ٱلْقَلَٰٓئِدَ وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًۭا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَٰنًۭا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُوا۟ ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا۟ ۘ وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

O you who have believed, do not violate the rites of Allah or [the sanctity of] the sacred month or [neglect the marking of] the sacrificial animals and garlanding [them] or [violate the safety of] those coming to the Sacred House seeking bounty from their Lord and [His] approval. But when you come out of ihram, then [you may] hunt. And do not let the hatred of a people for having obstructed you from al-Masjid al-Haram lead you to transgress. And cooperate in righteousness and piety, but do not cooperate in sin and aggression. And fear Allah; indeed, Allah is severe in penalty.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ ولا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِن رَبِّهِمْ ورِضْوانًا وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ أنْ صَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ أنْ تَعْتَدُوا وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى ولا تَعاوَنُوا عَلى الإثْمِ والعُدْوانِ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾ .

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ أيْ: مَعالِمَ دِينِهِ. وهي المَناسِكُ. وإحْلالُها أنْ يُتَهاوَنَ بِحُرْمَتِها، وأنْ يُحالَ بَيْنَها وبَيْنَ المُتَنَسِّكِينَ بِها. وقَدْ رَوى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ قالا: نَزَلَتْ في الحُطَمِ، واسْمُهُ شُرَيْحُ بْنُ هِنْدٍ البَكْرِيُّ. «أتى المَدِينَةَ وحْدَهُ. وخَلَّفَ خَيْلَهُ خارِجَ المَدِينَةِ. ودَخَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ لَهُ: إلامَ تَدْعُو النّاسَ؟ قالَ ﷺ: إلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ. فَقالَ: حَسَنٌ. إلّا أنَّ لِي أُمَراءَ لا أقْطَعُ أمْرًا دُونَهم. ولَعَلِّي أُسْلِمُ وآتِي بِهِمْ. فَخَرَجَ مِن عِنْدِهِ، وقَدْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ: يَدْخُلُ عَلَيْكم رَجُلٌ مِنرَبِيعَةَ يَتَكَلَّمُ بِلِسانِ شَيْطانٍ. فَلَمّا خَرَجَ شُرَيْحٌ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَقَدْ دَخَلَ بِوَجْهِ كافِرٍ، وخَرَجَ بِقَفا غادِرٍ، وما الرَّجُلُ بِمُسْلِمٍ، فَمَرَّ بِسَرْحٍ مِن سَراحِ المَدِينَةِ فاسْتاقَهُ وانْطَلَقَ بِهِ وهو يَرْتَجِزُ ويَقُولُ:

؎قَدْ لَفَّها اللَّيْلُ بِسَوّاقٍ حُطَمْ لَيْسَ بِراعِي إبِلٍ ولا غَنَمْ

؎ولا بِجَزّارٍ عَلى ظَهْرِ الوَضَمْ ∗∗∗ باتُوا نِيامًا وابْنُ هِنْدٍ لَمْ يَنَمْ

؎باتَ يُقاسِيها غُلامٌ كالزَّلَمْ ∗∗∗ خَدَلَّجُ السّاقَيْنِ مَمْسُوحُ القَدَمْ

فَتَبِعُوهُ فَلَمْ يُدْرِكُوهُ. فَلَمّا كانَ العامُ القابِلُ، خَرَجَ شُرَيْحٌ حاجًّا مَعَ حُجّاجِ بَكْرِ بْنِ وائِلٍ، مِنَ اليَمامَةِ. ومَعَهُ تِجارَةٌ عَظِيمَةٌ. وقَدْ قَلَّدَ الهَدْيَ. فَقالَ المُسْلِمُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! هَذا الحُطَمُ قَدْ خَرَجَ حاجًّا فَخَلِّ بَيْنَنا وبَيْنَهُ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: إنَّهُ قَدْ قَلَّدَ الهَدْيَ. فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ! هَذا شَيْءٌ كُنّا نَفْعَلُهُ في الجاهِلِيَّةِ. فَأبى النَّبِيُّ ﷺ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾» قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي المَناسِكُ. كانَ المُشْرِكُونَ يَحُجُّونَ ويَهْدُونَ. فَأرادَ المُسْلِمُونَ أنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ. فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ هي أنْ تَصِيدَ وأنْتَ مُحْرِمٌ. ويُقالُ: شَعائِرُ اللَّهِ، شَرائِعُ دِينِهِ الَّتِي حَدَّها لِعِبادِهِ. وإخْلالُها الإخْلالُ بِها. وظاهِرٌ أنَّ عُمُومَ اللَّفْظِ يَشْمَلُ الجَمِيعَ.

﴿ولا الشَّهْرَ الحَرامَ﴾ المُرادُ بِهِ الجِنْسُ. فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ جَمِيعُ الأشْهُرِ الحُرُمِ.

وهِيَ أرْبَعَةٌ: ذُو القِعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، ومُحَرَّمٌ، ورَجَبٌ. أيْ: لا تُحِلُّوها بِالقِتالِ فِيها. وقَدْ كانَتِ العَرَبُ تُحَرِّمُ القِتالَ فِيها في الجاهِلِيَّةِ. فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ لَمْ يَنْقُضْ هَذا الحُكْمَ. بَلْ أكَّدَهُ. كَذا في "لُبابِ التَّأْوِيلِ".

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿ولا الشَّهْرَ الحَرامَ﴾ تَحْرِيمَهُ والِاعْتِرافَ بِتَعْظِيمِهِ، وتَرْكَ ما نَهى اللَّهُ عَنْ تَعاطِيهِ فِيهِ، مِنَ الِابْتِداءِ بِالقِتالِ. كَما قالَ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ …

3

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا۟ بِٱلْأَزْلَٰمِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ۚ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَٰمَ دِينًۭا ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍۢ لِّإِثْمٍۢ ۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Prohibited to you are dead animals, blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allah, and [those animals] killed by strangling or by a violent blow or by a head-long fall or by the goring of horns, and those from which a wild animal has eaten, except what you [are able to] slaughter [before its death], and those which are sacrificed on stone altars, and [prohibited is] that you seek decision through divining arrows. That is grave disobedience. This day those who disbelieve have despaired of [defeating] your religion; so fear them not, but fear Me. This day I have perfected for you your religion and completed My favor upon you and have approved for you Islam as religion. But whoever is forced by severe hunger with no inclination to sin - then indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٣] ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْـزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ والمُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ والمُتَرَدِّيَةُ والنَّطِيحَةُ وما أكَلَ السَّبُعُ إلا ما ذَكَّيْتُمْ وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ ذَلِكم فِسْقٌ اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكم فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِ اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لإثْمٍ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ وهي ما فارَقَهُ الرُّوحُ بِغَيْرِ سَبَبٍ خارِجِيٍّ. لِأنَّها تَنَجَّسَتْ بِمُفارَقَتِهِ مِن غَيْرِ مُطَهِّرٍ، مِن ذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَحْقِيقًا أوْ تَقْدِيرًا، كَإسْلامِ الذّابِحِ. كَذا في "التَّبْصِيرِ". وقَدْ خُصَّ مِنَ (المَيْتَةِ) السَّمَكُ بِالسُّنَّةِ: فَإنَّهُ حَلالٌ. ماتَ بِتَذْكِيَةٍ أوْ غَيْرِها. لِما رَواهُ مالِكٌ في مُوَطَّئِهِ، والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ في مَسْنَدَيْهِما، وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ في سُنَنِهِمْ، وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِيهِما، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ ماءِ البَحْرِ؟ فَقالَ: «هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ»» . وهَكَذا الجَرادُ. لِما سَيَأْتِي. قالَ الرّازِيُّ: تَحْرِيمُ المَيْتَةِ مُوافِقٌ لِما في العُقُولِ. لِأنَّ الدَّمَ جَوْهَرٌ لَطِيفٌ جِدًّا. فَإذا ماتَ الحَيَوانُ حَتْفَ أنْفِهِ احْتَبَسَ الدَّمُ في عُرُوقِهِ، وتَعَفَّنَ وفَسَدَ، وحَصَلَ مِن أكْلِهِ مَضارُّ عَظِيمَةٌ. انْتَهى.

أخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ في كِتابِ (الصَّحابَةِ) مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ حِبّانَ بْنِ حَجَرٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ حِبّانَ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأنا أُوقِدُ تَحْتَ قِدْرٍ فِيها لَحْمُ مَيْتَةٍ. فَأُنْزِلَ تَحْرِيمُ المَيْتَةِ فَأكْفَأْتُ القِدْرَ:» والدَّمَ أيِ: المَسْفُوحَ مِنهُ. لِقَوْلِهِ تَعالى في الأنْعامِ: ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] وقَدْ رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الطِّحالِ؟ فَقالَ: كُلُوهُ. فَقالُوا: إنَّهُ دَمٌ. فَقالَ: إنَّما حُرِّمَ عَلَيْكُمُ الدَّمُ المَسْفُوحُ. وكَذا رَواهُ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدِ بْنِ القاسِمِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: إنَّما نُهِيَ عَنِ الدَّمِ السّافِحِ.

قالَ الإمامُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الشّافِعِيُّ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أحِلُّ لَنا مَيْتَتانِ ودَمانِ. فَأمّا المَيْتَتانِ فالسَّمَكُ والجَرادُ. وأمّا الدَّمانِ فالكَبِدُ والطِّحالُ»» . وكَذا رَواهُ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وابْنُ ماجَهْ والدّارَقُطْنِيُّ والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ. وهو ضَعِيفٌ. قالَ الحافِظُ البَيْهَقِيُّ: ورَواهُ إسْماعِيلُ بْنُ أبِي إدْرِيسَ، عَنْ أُسامَةَ، وعَبْدُ اللَّهِ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، مَرْفُوعًا. قالَ الحافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وثَلاثَتُهم كُلُّهم ضُعَفاءُ. ولَكِنَّ بَعْضَهم أصْلَحُ مِن بَعْضٍ. وقَدْ رَواهُ سُلَيْمانُ بْنُ بِلالٍ، أحَدُ الأثْباتِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، فَوَقَفَهُ بَعْضُهم عَلَيْهِ، قالَ الحافِظُ أبُو زُرْعَةَ الرّازِيُّ: وهو أصَحُّ. نَقَلَهُ ابْنُ …

4

يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ ۖ فَكُلُوا۟ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَٱذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ

They ask you, [O Muhammad], what has been made lawful for them. Say, "Lawful for you are [all] good foods and [game caught by] what you have trained of hunting animals which you train as Allah has taught you. So eat of what they catch for you, and mention the name of Allah upon it, and fear Allah." Indeed, Allah is swift in account.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٤] ﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهم قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكم واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ .

﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ أيْ: مِنَ المَطاعِمِ: قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ أيْ: ما لَيْسَ بِخَبِيثٍ مِنها. وهو كُلُّ ما لَمْ يَأْتِ تَحْرِيمُهُ في كِتابٍ أوْ سُنَّةٍ. و(الطَّيِّبُ) في اللُّغَةِ هو المُسْتَلَذُّ. و(الحَلالُ) المَأْذُونُ فِيهِ، يُسَمّى طَيِّبًا تَشْبِيهًا بِما هو مُسْتَلَذٌّ. لِأنَّهُما اجْتَمَعا في انْتِفاءِ المَضَرَّةِ: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ﴾ عَطْفٌ عَلى (الطَّيِّباتُ) بِتَقْدِيرِ مُضافٍ. أيْ: وصَيْدُ ما عَلَّمْتُمُوهُ. أوْ مُبْتَدَأٌ، عَلى أنَّ (ما) شَرْطِيَّةٌ وجَوابُها (فَكُلُوا). و(الجَوارِحُ): الكَواسِبُ مِن سِباعِ البَهائِمِ والطَّيْرِ - كالكَلْبِ والفَهْدِ والعُقابِ والصَّقْرِ والبازِيِّ والشّاهِينِ - لِأنَّها تَجْرَحُ لِأهْلِها أيْ: تَكْسِبُ لَهم. الواحِدَةُ جارِحَةٌ. تَقُولُ العَرَبُ: فُلانٌ جَرَحَ أهْلَهُ خَيْرًا، أيْ: كَسَبَهم خَيْرًا. وفُلانٌ لا جارِحَ لَهُ؛ أيْ: لا كاسِبَ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أيْ: كَسَبْتُمْ. وقِيلَ: سُمِّيَتْ (جَوارِحَ) لِأنَّها تَجْرَحُ الصَّيْدَ عِنْدَ إمْساكِهِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ أيْ: مُعَلِّمِينَ لَها أنْ تَسْتَشْلِيَ إذا أُشْلِيَتْ، وتَنْزَجِرَ إذا زُجِرَتْ، وتَجْتَنِبَ عِنْدَ الدَّعْوَةِ، ولا تَنْفِرَ عِنْدَ الإرادَةِ، فَتَصِيرُ كَأنَّها وُكَلاؤُكم لِتَعَلُّمِهِنَّ. إلّا إذا قَتَلَتْ بِأنْفُسِها مِن غَيْرِ تَعْلِيمٍ، فَلا يَحِلُّ صَيْدُها.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (المُكَلَّبُ) مُؤَدَّبُ الجَوارِحِ ومُضْرِيها بِالصَّيْدِ لِصاحِبِها ورائِضُها لِذَلِكَ، بِما عُلِّمَ مِنَ الحِيَلِ وطُرُقِ التَّأْدِيبِ والتَّثْقِيفِ. واشْتِقاقُهُ مِنَ (الكَلْبِ) لِأنَّ التَّأْدِيبَ أكْثَرَ ما يَكُونُ في الكِلابِ. فاشْتُقَّ مِن لَفْظِهِ لِكَثْرَتِهِ في جِنْسِهِ. أوْ لِأنَّ السَّبُعَ يُسَمّى كَلْبًا. ومِنهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا مِن كِلابِكَ. فَأكَلَهُ الأسَدُ»» . (الحَدِيثُ حَسَنٌ، أخْرَجَهُ الحاكِمُ)، أوْ مِنَ الكَلْبِ الَّذِي هو بِمَعْنى الضَّراوَةِ، يُقالُ: هو كَلْبٌ بِكَذا إذا كانَ ضارِيًا بِهِ. وانْتِصابُ (مُكَلِّبِينَ) عَلى الحالِ مِن (عَلَّمْتُمْ). فَإذا قُلْتَ: ما فائِدَةُ هَذِهِ الحالِ وقَدِ اسْتُغْنِيَ عَنْها بِ (عَلَّمْتُمْ)؟ قُلْتُ: فائِدَتُها أنْ يَكُونَ مَن يُعَلِّمُ الجَوارِحَ نِحْرِيرًا في عِلْمِهِ، مُدَرِّبًا فِيهِ، مَوْصُوفًا بِالتَّكْلِيبِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ أوِ اسْتِئْنافٌ، وفِيهِ فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ. وهي أنَّ عَلى كُلِّ آخِذٍ عِلْمًا أنْ لا يَأْخُذَهُ إلّا مَن أقْتَلِ أهْلِهِ عِلْمًا، وأنْحَرِهِمْ دِرايَةً، وأغْوَصِهِمْ عَلى لَطائِفِهِ وحَقائِقِهِ. وإنِ احْتاجَ إلى أنْ يَضْرِبَ إلَيْهِ أكْبادَ الإبِلِ. فَكَمْ مِن آخِذٍ، عَنْ غَيْرِهِ مُتْقِنٍ، قَدْ ضَيَّعَ أيّامَهُ، وعَضَّ عِنْدَ لِقاءِ النَّحارِيرِ أنامِلَهُ: مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ أيْ: مِن عِلْمِ التَّكْلِيبِ، لِأنَّهُ إلْهامٌ مِنَ اللَّهِ ومُكْتَسَبٌ بِالعَقْلِ. أوْ مِمّا عَرَّفَكم أنْ تُعَلِّمُوهُ مِن إتْباعِ الصَّيْدِ بِإرْسالِ صاحِبِهِ. وانْزِجارِهِ بِزَجْرِهِ. وانْصِرافِهِ بِدُعائِهِ. وإمْساكِ الصَّيْدِ عَلَيْهِ وأنْ لا يَأْكُلَ مِنهُ. …

5

ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ ۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ حِلٌّۭ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّۭ لَّهُمْ ۖ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىٓ أَخْدَانٍۢ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلْإِيمَٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

This day [all] good foods have been made lawful, and the food of those who were given the Scripture is lawful for you and your food is lawful for them. And [lawful in marriage are] chaste women from among the believers and chaste women from among those who were given the Scripture before you, when you have given them their due compensation, desiring chastity, not unlawful sexual intercourse or taking [secret] lovers. And whoever denies the faith - his work has become worthless, and he, in the Hereafter, will be among the losers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٥] ﴿اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكم وطَعامُكم حِلٌّ لَهم والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ ولا مُتَّخِذِي أخْدانٍ ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ أيْ: مِنَ الذَّبائِحِ والصَّيْدِ. تَكْرِيرُهُ تَأْكِيدٌ لِلْمِنَّةِ. قالَ أبُو السُّعُودِ: قِيلَ: المُرادُ بِالأيّامِ الثَّلاثَةِ وقْتٌ واحِدٌ. وإنَّما كَرَّرَ لِلتَّأْكِيدِ. ولِاخْتِلافِ الأحْداثِ الواقِعَةِ فِيهِ حَسُنَ تَكْرِيرُهُ. والمُرادُ بِالطَّيِّباتِ ما مَرَّ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى جَوازِ أكْلِ العالِي مِنَ الأطْعِمَةِ والأصْباغِ. قالَ في "الرَّوْضَةِ والغَدِيرِ": وإنْ كانَ التَّقَنُّعُ بِالأدْوَنِ هو الأوْلى، كَما فَعَلَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ وغَيْرُهُ مِنَ الفُضَلاءِ. فَقَدْ رُوِيَ أنَّ عَلِيًّا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُطْعِمُ النّاسَ أطْيَبَ الطَّعامِ. فَرَأى بَعْضُ أصْحابِهِ طَعامَهُ. وهو خَبْزُ شَعِيرٍ غَيْرُ مَنخُولٍ، ومِلْحٌ جَرِيشٌ، وهو مَخْتُومٌ عَلَيْهِ لِئَلّا يُبَدَّلَ. ومِن كَلامِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ: واللَّهِ! لَأُرَوِّضَنَّ نَفْسِي رِياضَةً تَهَشُّ إلى القُرْصِ إنْ وجَدَتْهُ مَطْعُومًا، وإلى المِلْحِ إنْ وجَدَتْهُ مَأْدُومًا. ولِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في كَراهَةِ الإدامَيْنِ مُجْتَمَعَيْنِ. انْتَهى.

﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو أُمامَةَ ومُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وغَيْرُهُمْ: يَعْنِي ذَبائِحَهم.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا أمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ العُلَماءِ؛ أنَّ ذَبائِحَهم حَلالٌ لِلْمُسْلِمِينَ. لِأنَّهم يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَ الذَّبْحِ لِغَيْرِ اللَّهِ ولا يَذْكُرُونَ عَلى ذَبائِحِهِمْ إلّا اسْمَ اللَّهِ، وإنِ اعْتَقَدُوا فِيهِ ما هو مُنَزَّهٌ عَنْهُ، تَعالى وتَقَدَّسَ. انْتَهى.

قالَ المَهايِمِيُّ: وإنْ لَمْ يُعْتَدَّ بِذِكْرِهِمُ اسْمَ اللَّهِ، لَكِنَّهم لَمّا ذَكَرُوهُ، أشْبَهَ ما يُعْتَدُّ بِذِكْرِهِ، فَأشْبَهَ طَعامُهُمُ الطَّيِّباتِ.

مَباحِثُ:

الأوَّلُ: ما ذَكَرْناهُ مِن أنَّ المَعْنِيَّ بِالطَّعامِ الذَّبائِحُ، هو الَّذِي قالَهُ أئِمَّةُ السَّلَفِ: صَحابَةٌ كابْنِ عَبّاسٍ وأبِي أُمامَةَ، وأتْباعًا كَمُجاهِدٍ وثَمانِيَةٍ غَيْرِهِ، كَما في ابْنِ جَرِيرٍ وابْنِ كَثِيرٍ. وفي "اللُّبابِ": أجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ ذَبائِحُهم خاصَّةً. لِأنَّ ما سِوى الذَّبائِحِ فَهي مُحَلَّلَةٌ قَبْلَ أنْ كانَتْ لِأهْلِ الكِتابِ وبَعْدَ أنْ صارَتْ لَهم. فَلا يَبْقى لِتَخْصِيصِها بِأهْلِ الكِتابِ فائِدَةٌ. ولِأنَّ ما قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ في بَيانِ حُكْمِ الصَّيْدِ والذَّبائِحِ. فَحَمْلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلَيْهِ أوْلى. لِأنَّ سائِرَ الطَّعامِ لا يَخْتَلِفُ، مَن تَوَلّاهُ مِن كِتابِيٍّ أوْ غَيْرِهِ. وإنَّما تَخْتَلِفُ الذَّكاةُ. فَلَمّا خُصَّ أهْلُ الكِتابِ بِالذِّكْرِ، دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِطَعامِهِمْ ذَبائِحُهم. انْتَهى.

الثّانِي: اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى جَمِيعِ أجْزاءِ ذَبائِحِهِمْ. وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في "الفَتْحِ": وعَنْ مالِكٍ وأحْمَدَ، تَحْرِيمُ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلى أهْلِ الكِتابِ كالشُّحُومِ. قالَ ابْنُ القاسِمِ: لِأنَّ الَّذِي أباحَهُ اللَّهُ طَعامُهم. …

6

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُوا۟ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًۭا فَٱطَّهَّرُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌۭ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًۭا طَيِّبًۭا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍۢ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

O you who have believed, when you rise to [perform] prayer, wash your faces and your forearms to the elbows and wipe over your heads and wash your feet to the ankles. And if you are in a state of janabah, then purify yourselves. But if you are ill or on a journey or one of you comes from the place of relieving himself or you have contacted women and do not find water, then seek clean earth and wipe over your faces and hands with it. Allah does not intend to make difficulty for you, but He intends to purify you and complete His favor upon you that you may be grateful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٦] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكم ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ .

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ﴾ لَمّا كانَ مِن جُمْلَةِ الإيفاءِ بِالعُقُودِ الَّتِي افْتُتِحَتْ بِهِ هَذِهِ السُّورَةُ إقامَةَ الصَّلاةِ، وكانَتْ مَشْرُوطَةً بِالطَّهارَةِ، بَيَّنَ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ كَيْفِيَّتَها.

قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ وكانَ جَرِيحًا: وقِيلَ لِما احْتُبِسَ ﷺ في سَفَرٍ لَيْلًا - بِسَبَبِ عِقْدٍ ضاعَ لِعائِشَةَ، وأصْبَحُوا عَلى غَيْرِ ماءٍ. انْتَهى.

والثّانِي رَواهُ البُخارِيُّ - كَما في "أسْبابِ النُّزُولِ" لِلسُّيُوطِيِّ - وقَدْ قَدَّمْنا الكَلامَ عَلى ذَلِكَ في سُورَةِ النِّساءِ في (آيَةِ التَّيَمُّمِ) ثَمَّةَ. فانْظُرْهُ.

ولِهَذِهِ الآيَةِ ثَمَراتٌ هي أحْكامٌ شَرْعِيَّةٌ.

الأُولى: وُجُوبُ الوُضُوءِ وقْتَ القِيامِ إلى الصَّلاةِ أيْ: إرادَتُهُ. فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨] وكَقَوْلِكَ: إذا ضَرَبْتَ غُلامَكَ فَهَوِّنْ عَلَيْهِ: في أنَّ المُرادَ إرادَةُ الفِعْلِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ جازَ أنْ يُعَبَّرَ عَنْ إرادَةِ الفِعْلِ بِالفِعْلِ؟ قُلْتُ: لِأنَّ الفِعْلَ يُوجَدُ بِقُدْرَةِ الفاعِلِ عَلَيْهِ وإرادَتِهِ لَهُ، وهو قَصْدُهُ إلَيْهِ ومَيْلُهُ وخُلُوصُ داعِيهِ. فَكَما عَبَّرَ عَنِ القُدْرَةِ عَلى الفِعْلِ بِالفِعْلِ في قَوْلِهِمُ: الإنْسانُ لا يَطِيرُ، والأعْمى لا يُبْصِرُ، أيْ: لا يَقْدِرانِ عَلى الطَّيَرانِ والإبْصارِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] يَعْنِي إنّا كُنّا قادِرِينَ عَلى الإعادَةِ - كَذَلِكَ عَبَّرَ عَنْ إرادَةِ الفِعْلِ بِالفِعْلِ، وذَلِكَ لِأنَّ الفِعْلَ مُسَبَّبٌ عَنِ القُدْرَةِ والإرادَةِ. فَأُقِيمَ المُسَبَّبُ مَقامِ السَّبَبِ لِلْمُلابَسَةِ بَيْنَهُما. ولِإيجازِ الكَلامِ ونَحْوِهِ، مِن إقامَةِ المُسَبَّبِ مَقامَ السَّبَبِ، قَوْلُهُمْ: كَما تَدِينُ تُدانُ. عَبَّرَ عَنِ الفِعْلِ المُبْتَدَأِ - الَّذِي هو سَبَبُ الجَزاءِ - بِلَفْظِ الجَزاءِ الَّذِي هو مُسَبَّبٌ عَنْهُ.

الثّانِيَةُ: ظاهِرُ الآيَةِ وُجُوبُ الوُضُوءِ عَلى كُلِّ قائِمٍ إلى الصَّلاةِ وإنْ لَمْ يَكُنْ مُحْدِثًا. نَظَرًا إلى عُمُومِ: الَّذِينَ آمَنُوا مِن غَيْرِ اخْتِصاصٍ بِالمُحْدِثِينَ. والجُمْهُورُ عَلى خِلافِهِ؛ لِما رَوى الإمامُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: ««كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ. فَلَمّا كانَ يَوْمَ الفَتْحِ تَوَضَّأ ومَسَحَ عَلى خُفَّيْهِ وصَلّى الصَّلَواتِ بِوُضُوءٍ واحِدٍ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إنَّكَ فَعَلْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ. قالَ: إنِّي عَمْدًا فَعَلْتُهُ يا عُمَرُ»» .

ورَوى البُخارِيُّ عَنْ سُوِيدِ بْنِ النُّعْمانِ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، عامَ …

7

وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَٰقَهُ ٱلَّذِى وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ

And remember the favor of Allah upon you and His covenant with which He bound you when you said, "We hear and we obey"; and fear Allah. Indeed, Allah is Knowing of that within the breasts.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٧] ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ .

﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ بِالهِدايَةِ لِهَذا الدِّينِ القَوِيمِ لِتُذَكِّرَكُمُ المُنْعِمَ وتُرَغِّبَكم فِي شُكْرِهِ: ﴿ومِيثاقَهُ﴾ أيْ: عَهْدَهُ الوَثِيقَ: ﴿الَّذِي واثَقَكم بِهِ﴾ أيْ: أكَّدَ عَلَيْكم بِقَوْلِهِ: ﴿إذْ قُلْتُمْ﴾ أيْ: لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ حِينَ بايَعْتُمُوهُ عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ في العُسْرِ واليُسْرِ والمَنشَطِ والمَكْرَهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: في نَقْضِ شَيْءٍ مِن عُهُودِهِ ولَوْ بِالقَلْبِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ أيْ: بِخَفِيّاتِها.

8

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ

O you who have believed, be persistently standing firm for Allah, witnesses in justice, and do not let the hatred of a people prevent you from being just. Be just; that is nearer to righteousness. And fear Allah; indeed, Allah is Acquainted with what you do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٨] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالقِسْطِ ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ .

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ﴾ أيْ: مُقْتَضى إيمانِكُمُ الِاسْتِقامَةُ، فَكُونُوا مُبالِغِينَ في الِاسْتِقامَةِ باذِلِينَ جُهْدَكم فِيها لِلَّهِ. وهي إنَّما تَتِمُّ بِالنَّظَرِ في حُقُوقِ اللَّهِ وحُقُوقِ خَلْقِهِ فَكُونُوا: ﴿شُهَداءَ بِالقِسْطِ﴾ أيِ: العَدْلِ. لا تَتْرُكُوهُ لِمَحَبَّةِ أحَدٍ ولا لِعَداوَةِ أحَدٍ: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكُمْ: ﴿شَنَآنُ﴾ أيْ: شِدَّةُ عَداوَةِ: ﴿قَوْمٍ عَلى ألا تَعْدِلُوا﴾ في حَقِّهِمْ. قالَ المَهايِمِيُّ: أيْ: فَإنّا لا نَأْمُرُكم بِهِ مِن حَيْثُ ما فِيهِ مِن تَوْفِيَةِ حُقُوقِ الأعْداءِ. بَلْ مِن حَيْثُ ما فِيهِ مِن تَوْفِيَةِ حُقُوقِ أنْفُسِكم في الِاسْتِقامَةِ: ﴿اعْدِلُوا هُوَ﴾ أيِ: العَدْلُ -: ﴿أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ أيْ: لِحِفْظِ الأنْفُسِ أنْ تَتَجاوَزَ حَدَّ اسْتِقامَتِها: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: أنْ تَطْلُبُوا حُقُوقَهُ أوْ حُقُوقَ عِبادِهِ ولَوْ بِطْرِيقٍ تَوَهَّمُونَ فِيهِ العَدْلَ: ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ مِنَ الأعْمالِ فَيُجازِيكم بِذَلِكَ. وقَدْ ثَبَتَ في "الصَّحِيحَيْنِ" عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ أنَّهُ قالَ: «نَحَلَنِي أبِي نُحْلًا. فَقالَتْ أُمِّي: لا أرْضى حَتّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. فَجاءَهُ لِيُشْهِدَهُ عَلى صَدَقَتِي فَقالَ: أكُلَّ ولَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ؟ قالَ: لا. فَقالَ: اتَّقُوا اللَّهَ واعْدِلُوا بَيْنَ أوْلادِكُمْ، وقالَ: إنِّي لا: أشْهَدُ عَلى جَوْرٍ. قالَ: فَرَجَعَ أبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ».

قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: ثَمَرَةُ الآيَةِ الدَّلالَةُ عَلى وُجُوبِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ والقِيامِ بِالقِسْطِ. يَدْخُلُ فِيهِ الشَّهادَةُ بِالعَدْلِ والحُكْمُ بِهِ. وكَذَلِكَ الفَتْوى. وأنَّ قَوْلَ الحَقِّ لا يُتْرَكُ وُجُوبُهُ بِعَدُوٍّ ولا صَدِيقٍ. ولا يَجُوزُ اتِّباعُ الهَوى.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وفي هَذا تَنْبِيهٌ عَظِيمٌ عَلى أنَّ العَدْلَ إذا كانَ واجِبًا مَعَ الكُفّارِ الَّذِينَ هم أعْداءُ اللَّهِ، إذا كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنَ القُوَّةِ، فَما الظَّنُّ بِوُجُوبِهِ مَعَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هم أوْلِياؤُهُ وأحِبّاؤُهُ.

9

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ۙ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌ عَظِيمٌۭ

Allah has promised those who believe and do righteous deeds [that] for them there is forgiveness and great reward.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٩] ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .

﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ الَّتِي مِن جُمْلَتِها العَدْلُ والتَّقْوى: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ يَعْنِي ثَوابًا وافِرًا في الجَنَّةِ.

10

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ

But those who disbelieve and deny Our signs - those are the companions of Hellfire.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠] ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾

﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ الَّتِي مِنها ما تُلِيَ مِنَ الأمْرِ بِالعَدْلِ والتَّقْوى.

﴿أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ أهْلُ النّارِ.

Al-Maaida 5:10Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.