Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 111–120 of 120

111

وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّۦنَ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِى وَبِرَسُولِى قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ

And [remember] when I inspired to the disciples, "Believe in Me and in My messenger Jesus." They said, "We have believed, so bear witness that indeed we are Muslims [in submission to Allah]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ الغَرَضَ مِن قَوْلِهِ تَعالى لِلرُّسُلِ: ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾ تَوْبِيخُ مَن تَمَرَّدَ مِن أُمَمِهِمْ، وأشَدُّ الأُمَمِ افْتِقارًا إلى التَّوْبِيخِ والمَلامَةِ النَّصارى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم أتْباعُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ طَعْنَ سائِرِ الأُمَمِ كانَ مَقْصُورًا عَلى الأنْبِياءِ، وطَعْنَ هَؤُلاءِ المَلاعِينِ تَعَدّى إلى جَلالِ اللَّهِ وكِبْرِيائِهِ، حَيْثُ وصَفُوهُ بِما لا يَلِيقُ بِعاقِلٍ أنْ يَصِفَ الإلَهَ بِهِ، وهو اتِّخاذُ الزَّوْجَةِ والوَلَدِ، فَلا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُعَدِّدُ أنْواعَ نِعَمِهِ عَلى عِيسى بِحَضْرَةِ الرُّسُلِ واحِدَةً فَواحِدَةً، والمَقْصُودُ مِنهُ تَوْبِيخُ النَّصارى وتَقْرِيعُهم عَلى سُوءِ مَقالَتِهِمْ، فَإنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ النِّعَمِ المُعَدَّدَةِ عَلى عِيسى تَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَبْدٌ ولَيْسَ بِإلَهٍ. والفائِدَةُ في هَذِهِ الحِكايَةِ تَنْبِيهُ النَّصارى الَّذِينَ كانُوا في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى قُبْحِ مَقالَتِهِمْ ورَكاكَةِ مَذْهَبِهِمْ واعْتِقادِهِمْ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَوْضِعُ (إذْ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ عَلى مَعْنى: ذاكَ إذْ قالَ اللَّهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: اذْكُرْ إذْ قالَ اللَّهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: خَرَجَ قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ﴾ عَلى لَفْظِ الماضِي دُونَ المُسْتَقْبَلِ وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: الدَّلالَةُ عَلى قُرْبِ القِيامَةِ حَتّى كَأنَّها قَدْ قامَتْ ووَقَعَتْ وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، ويُقالُ: الجَيْشُ قَدْ أتى: إذا قَرُبَ إتْيانُهم، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النَّحْلِ: ١] الثّانِي: أنَّهُ ورَدَ عَلى حِكايَةِ الحالِ ونَظِيرُهُ قَوْلُ الرَّجُلِ لِصاحِبِهِ: كَأنَّكَ بِنا وقَدْ دَخَلْنا بَلْدَةَ كَذا فَصَنَعْنا فِيها كَذا إذْ صاحَ صائِحٌ فَتَرَكْتَنِي وأجَبْتَهُ، ونَظِيرُهُ مِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ﴾ [سَبَأٍ: ٥١] ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ﴾ [الأنْفالِ: ٥٠] ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سَبَأٍ: ٣١] والوَجْهُ في كُلِّ هَذِهِ الآياتِ ما ذَكَرْناهُ، مِن أنَّهُ خَرَجَ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ عَنِ الحالِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (عِيسى) في مَحَلِّ الرَّفْعِ لِأنَّهُ مُنادى مُفْرَدٌ وُصِفَ بِمُضافٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ لِأنَّهُ في نِيَّةِ الإضافَةِ ثُمَّ جُعِلَ الِابْنُ تَوْكِيدًا، وكُلُّ ما كانَ مِثْلَ هَذا

صفحة ١٠٤

جازَ فِيهِ وجْهانِ، نَحْوَ يا زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو، ويا زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو، وأنْشَدَ النَّحْوِيُّونَ:

يا حَكَمُ بْنَ المُنْذِرِ بْنِ الجارُودِ

بِرَفْعِ الأوَّلِ ونَصْبِهِ عَلى ما بَيَّنّاهُ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ أرادَ الجَمْعَ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ (النَّحْلِ: ١٨) وإنَّما جازَ ذَلِكَ لِأنَّهُ مُضافٌ يَصْلُحُ لِلْجِنْسِ.

واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى فَسَّرَ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ بِأُمُورٍ، أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: رُوحُ القُدُسِ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، الرُّوحُ جِبْرِيلُ والقُدُسُ هو اللَّهُ تَعالى، كَأنَّهُ أضافَهُ إلى نَفْسِهِ تَعْظِيمًا لَهُ.

الثّانِي: أنَّ الأرْواحَ مُخْتَلِفَةٌ بِالماهِيَّةِ، فَمِنها طاهِرَةٌ …

Al-Maaida 5:111Listen in Qur'an →
112

إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ۖ قَالَ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

[And remember] when the disciples said, "O Jesus, Son of Mary, can your Lord send down to us a table [spread with food] from the heaven? [Jesus] said," Fear Allah, if you should be believers."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: (إذْ قالَ) وجْهانِ:

الأوَّلُ: أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ.

الثّانِي: اذْكُرْ إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ (هَلْ تَسْتَطِيعُ) بِالتّاءِ (رَبَّكَ) بِالنَّصْبِ وبِإدْغامِ اللّامِ في التّاءِ، وسَبَبُ الإدْغامِ أنَّ اللّامَ قَرِيبُ المَخْرَجِ مِنَ التّاءِ لِأنَّهُما مِن حُرُوفِ طَرَفِ اللِّسانِ وأُصُولِ الثَّنايا، وبِحَسَبَ قُرْبِ الحَرْفِ مِنَ الحَرْفِ يَحْسُنُ الإدْغامُ، وهَذِهِ القِراءَةُ مَرْوِيَّةٌ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ. وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها قالَتْ: كانُوا أعْلَمَ بِاللَّهِ مِن أنْ يَقُولُوا: هَلْ يَسْتَطِيعُ ؟ وإنَّما قالُوا: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَسْألَ رَبَّكَ. وعَنْ «مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (هَلْ تَسْتَطِيعُ) بِالتّاءِ (رَبَّكَ) بِالنَّصْبِ» . والباقُونَ (يَسْتَطِيعُ) بِالياءِ (رَبُّكَ) بِرَفْعِ الباءِ وبِالإظْهارِ، فَأمّا القِراءَةُ الأُولى فَمَعْناها: هَلْ تَسْتَطِيعُ سُؤالَ رَبِّكَ ؟ قالُوا: وهَذِهِ القِراءَةُ أوْلى مِنَ الثّانِيَةِ لِأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ تُوجِبُ شَكَّهم في اسْتِطاعَةِ عِيسى، والثّانِيَةُ تُوجِبُ شَكَّهم في اسْتِطاعَةِ اللَّهِ، ولا شَكَّ أنَّ الأُولى أوْلى، وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ فَفِيها إشْكالٌ، وهو أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم ﴿قالُوا آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ وبَعْدَ الإيمانِ كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهم بَقُوا شاكِّينَ في اقْتِدارِ اللَّهِ تَعالى عَلى ذَلِكَ ؟

والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ما وصَفَهم بِالإيمانِ والإسْلامِ بَلْ حَكى عَنْهُمُ ادِّعاءَهم لَهُما ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ حِكايَةً عَنْهم: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم كانُوا شاكِّينَ مُتَوَقِّفِينَ؛ فَإنَّ هَذا القَوْلَ لا يَصْدُرُ عَمَّنْ كانَ كامِلًا في الإيمانِ، وقالُوا: ﴿ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى مَرَضٍ في القَلْبِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم ما كانُوا كامِلِينَ في الإيمانِ.

والوَجْهُ الثّانِي في الجَوابِ: أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ إلّا أنَّهم طَلَبُوا هَذِهِ الآيَةَ لِيَحْصُلَ لَهم مَزِيدُ الطُّمَأْنِينَةِ كَما قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ فَإنَّ مُشاهَدَةَ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ لا شَكَّ أنَّها تُورِثُ الطُّمَأْنِينَةَ، ولِهَذا السَّبَبِ قالُوا: ﴿وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا﴾.

والوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ أنَّ المُرادَ مِن هَذا الكَلامِ اسْتِفْهامُ أنَّ ذَلِكَ هَلْ هو جائِزٌ في الحِكْمَةِ أمْ لا، وذَلِكَ لِأنَّ أفْعالَ اللَّهِ تَعالى لَمّا كانَتْ مَوْقُوفَةً عَلى رِعايَةِ وُجُوهِ الحِكْمَةِ، فَفي المَوْضِعِ الَّذِي لا يَحْصُلُ فِيهِ شَيْءٌ مِن وُجُوهِ الحِكْمَةِ يَكُونُ الفِعْلُ مُمْتَنِعًا، فَإنَّ المُنافِيَ مِن جِهَةِ الحِكْمَةِ كالمُنافِي مِن جِهَةِ القُدْرَةِ، وهَذا الجَوابُ

صفحة ١٠٨

يَتَمَشّى عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، وأمّا عَلى قَوْلِنا فَهو مَحْمُولٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى هَلْ قَضى بِذَلِكَ وهَلْ عَلِمَ وُقُوعَهُ ؟ فَإنَّهُ إنْ لَمْ يَقْضِ بِهِ ولَمْ يَعْلَمْ وُقُوعَهُ كانَ ذَلِكَ مُحالًا غَيْرَ مَقْدُورٍ لِأنَّ خِلافَ المَعْلُومِ …

Al-Maaida 5:112Listen in Qur'an →
113

قَالُوا۟ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ

They said, "We wish to eat from it and let our hearts be reassured and know that you have been truthful to us and be among its witnesses."

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ .

والمَعْنى: كَأنَّهم لَمّا طَلَبُوا ذَلِكَ قالَ عِيسى لَهم: إنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَتِ المُعْجِزاتُ الكَثِيرَةُ فاتَّقُوا اللَّهَ في طَلَبِ

صفحة ١٠٩

هَذِهِ المُعْجِزَةِ بَعْدَ تَقَدُّمِ تِلْكَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ، فَأجابُوا وقالُوا: إنّا لا نَطْلُبُ هَذِهِ المائِدَةَ لِمُجَرَّدِ أنْ تَكُونَ مُعْجِزَةً بَلْ لِمَجْمُوعِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ:

أحَدُها: أنّا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها فَإنَّ الجُوعَ قَدْ غَلَبَنا ولا نَجِدُ طَعامًا آخَرَ.

وثانِيها: أنّا وإنْ عَلِمْنا قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى بِالدَّلِيلِ، ولَكِنّا إذا شاهَدْنا نُزُولَ هَذِهِ المائِدَةِ ازْدادَ اليَقِينُ وقَوِيَتِ الطُّمَأْنِينَةُ.

وثالِثُها: أنّا وإنْ عَلِمْنا بِسائِرِ المُعْجِزاتِ صِدْقَكَ، ولَكِنّا إذا شاهَدْنا هَذِهِ المُعْجِزَةَ ازْدادَ اليَقِينُ والعِرْفانُ وتَأكَّدَتِ الطُّمَأْنِينَةُ.

ورابِعُها: أنَّ جَمِيعَ تِلْكَ المُعْجِزاتِ الَّتِي أوْرَدْتَها كانَتْ مُعْجِزاتٍ أرْضِيَّةً، وهَذِهِ مُعْجِزَةٌ سَماوِيَّةٌ وهي أعْجَبُ وأعْظَمُ، فَإذا شاهَدْناها كُنّا عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ، نَشْهَدُ عَلَيْها عِنْدَ الَّذِينَ لَمْ يَحْضُرُوها مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ونَكُونُ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ لِلَّهِ بِكَمالِ القُدْرَةِ، ولَكَ بِالنُّبُوَّةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا وآيَةً مِنكَ وارْزُقْنا وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾ .

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أمّا الكَلامُ في (اللَّهُمَّ) فَقَدْ تَقَدَّمَ بِالِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٢٦] فَقَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ) نِداءٌ، وقَوْلُهُ: (رَبَّنا) نِداءٌ ثانٍ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تَكُونُ لَنا﴾ صِفَةٌ لِلْمائِدَةِ ولَيْسَ بِجَوابٍ لِلْأمْرِ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ (تَكُنْ) لِأنَّهُ جَعَلَهُ جَوابَ الأمْرِ. قالَ الفَرّاءُ: وما كانَ مِن نَكِرَةٍ قَدْ وقَعَ عَلَيْها أمْرٌ جازَ في الفِعْلِ بَعْدَهُ الجَزْمُ والرَّفْعُ، ومِثالُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ ﴿يَرِثُنِي﴾ [مَرْيَمَ: ٦] بِالجَزْمِ والرَّفْعِ ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القَصَصِ: ٣٤] بِالجَزْمِ والرَّفْعِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ أيْ نَتَّخِذُ اليَوْمَ الَّذِي تَنْزِلُ فِيهِ المائِدَةُ عِيدًا نُعَظِّمُهُ نَحْنُ ومَن يَأْتِي بَعْدَنا، ونَزَلَتْ يَوْمَ الأحَدِ فاتَّخَذَهُ النَّصارى عِيدًا، والعِيدُ في اللُّغَةِ اسْمٌ لِما عادَ إلَيْكَ في وقْتٍ مَعْلُومٍ، واشْتِقاقُهُ مِن عادَ يَعُودُ، فَأصْلُهُ هو العَوْدُ، فَسُمِّيَ العِيدُ عِيدًا لِأنَّهُ يَعُودُ كُلَّ سَنَةٍ بِفَرَحٍ جَدِيدٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وآيَةً مِنكَ﴾ أيْ دَلالَةً عَلى تَوْحِيدِكَ وصِحَّةِ نُبُوَّةِ رَسُولِكَ ﴿وارْزُقْنا﴾ أيْ وارْزُقْنا طَعامًا نَأْكُلُهُ ﴿وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَأمَّلْ في هَذا التَّرْتِيبِ فَإنَّ الحَوارِيِّينَ لَمّا سَألُوا المائِدَةَ ذَكَرُوا في طَلَبِها أغْراضًا، فَقَدَّمُوا ذِكْرَ الأكْلِ فَقالُوا: ﴿نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها﴾ وأخَّرُوا الأغْراضَ الدِّينِيَّةَ الرُّوحانِيَّةَ، فَأمّا عِيسى فَإنَّهُ لَمّا طَلَبَ المائِدَةَ وذَكَرَ أغْراضَهُ فِيها قَدَّمَ الأغْراضَ الدِّينِيَّةَ وأخَّرَ غَرَضَ الأكْلِ حَيْثُ قالَ: ﴿وارْزُقْنا﴾ وعِنْدَ هَذا …

Al-Maaida 5:113Listen in Qur'an →
114

قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًۭا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةًۭ مِّنكَ ۖ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ

Said Jesus, the son of Mary, "O Allah, our Lord, send down to us a table [spread with food] from the heaven to be for us a festival for the first of us and the last of us and a sign from You. And provide for us, and You are the best of providers."

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ .

والمَعْنى: كَأنَّهم لَمّا طَلَبُوا ذَلِكَ قالَ عِيسى لَهم: إنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَتِ المُعْجِزاتُ الكَثِيرَةُ فاتَّقُوا اللَّهَ في طَلَبِ

صفحة ١٠٩

هَذِهِ المُعْجِزَةِ بَعْدَ تَقَدُّمِ تِلْكَ المُعْجِزاتِ القاهِرَةِ، فَأجابُوا وقالُوا: إنّا لا نَطْلُبُ هَذِهِ المائِدَةَ لِمُجَرَّدِ أنْ تَكُونَ مُعْجِزَةً بَلْ لِمَجْمُوعِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ:

أحَدُها: أنّا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها فَإنَّ الجُوعَ قَدْ غَلَبَنا ولا نَجِدُ طَعامًا آخَرَ.

وثانِيها: أنّا وإنْ عَلِمْنا قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى بِالدَّلِيلِ، ولَكِنّا إذا شاهَدْنا نُزُولَ هَذِهِ المائِدَةِ ازْدادَ اليَقِينُ وقَوِيَتِ الطُّمَأْنِينَةُ.

وثالِثُها: أنّا وإنْ عَلِمْنا بِسائِرِ المُعْجِزاتِ صِدْقَكَ، ولَكِنّا إذا شاهَدْنا هَذِهِ المُعْجِزَةَ ازْدادَ اليَقِينُ والعِرْفانُ وتَأكَّدَتِ الطُّمَأْنِينَةُ.

ورابِعُها: أنَّ جَمِيعَ تِلْكَ المُعْجِزاتِ الَّتِي أوْرَدْتَها كانَتْ مُعْجِزاتٍ أرْضِيَّةً، وهَذِهِ مُعْجِزَةٌ سَماوِيَّةٌ وهي أعْجَبُ وأعْظَمُ، فَإذا شاهَدْناها كُنّا عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ، نَشْهَدُ عَلَيْها عِنْدَ الَّذِينَ لَمْ يَحْضُرُوها مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ونَكُونُ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ لِلَّهِ بِكَمالِ القُدْرَةِ، ولَكَ بِالنُّبُوَّةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا وآيَةً مِنكَ وارْزُقْنا وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾ .

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أمّا الكَلامُ في (اللَّهُمَّ) فَقَدْ تَقَدَّمَ بِالِاسْتِقْصاءِ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٢٦] فَقَوْلُهُ: (اللَّهُمَّ) نِداءٌ، وقَوْلُهُ: (رَبَّنا) نِداءٌ ثانٍ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تَكُونُ لَنا﴾ صِفَةٌ لِلْمائِدَةِ ولَيْسَ بِجَوابٍ لِلْأمْرِ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ (تَكُنْ) لِأنَّهُ جَعَلَهُ جَوابَ الأمْرِ. قالَ الفَرّاءُ: وما كانَ مِن نَكِرَةٍ قَدْ وقَعَ عَلَيْها أمْرٌ جازَ في الفِعْلِ بَعْدَهُ الجَزْمُ والرَّفْعُ، ومِثالُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ ﴿يَرِثُنِي﴾ [مَرْيَمَ: ٦] بِالجَزْمِ والرَّفْعِ ﴿فَأرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي﴾ [القَصَصِ: ٣٤] بِالجَزْمِ والرَّفْعِ.

* * *

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿عِيدًا لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ أيْ نَتَّخِذُ اليَوْمَ الَّذِي تَنْزِلُ فِيهِ المائِدَةُ عِيدًا نُعَظِّمُهُ نَحْنُ ومَن يَأْتِي بَعْدَنا، ونَزَلَتْ يَوْمَ الأحَدِ فاتَّخَذَهُ النَّصارى عِيدًا، والعِيدُ في اللُّغَةِ اسْمٌ لِما عادَ إلَيْكَ في وقْتٍ مَعْلُومٍ، واشْتِقاقُهُ مِن عادَ يَعُودُ، فَأصْلُهُ هو العَوْدُ، فَسُمِّيَ العِيدُ عِيدًا لِأنَّهُ يَعُودُ كُلَّ سَنَةٍ بِفَرَحٍ جَدِيدٍ، وقَوْلُهُ: ﴿وآيَةً مِنكَ﴾ أيْ دَلالَةً عَلى تَوْحِيدِكَ وصِحَّةِ نُبُوَّةِ رَسُولِكَ ﴿وارْزُقْنا﴾ أيْ وارْزُقْنا طَعامًا نَأْكُلُهُ ﴿وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: تَأمَّلْ في هَذا التَّرْتِيبِ فَإنَّ الحَوارِيِّينَ لَمّا سَألُوا المائِدَةَ ذَكَرُوا في طَلَبِها أغْراضًا، فَقَدَّمُوا ذِكْرَ الأكْلِ فَقالُوا: ﴿نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها﴾ وأخَّرُوا الأغْراضَ الدِّينِيَّةَ الرُّوحانِيَّةَ، فَأمّا عِيسى فَإنَّهُ لَمّا طَلَبَ المائِدَةَ وذَكَرَ أغْراضَهُ فِيها قَدَّمَ الأغْراضَ الدِّينِيَّةَ وأخَّرَ غَرَضَ الأكْلِ حَيْثُ قالَ: ﴿وارْزُقْنا﴾ وعِنْدَ هَذا …

Al-Maaida 5:114Listen in Qur'an →
115

قَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّىٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابًۭا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدًۭا مِّنَ ٱلْعَٰلَمِينَ

Allah said, "Indeed, I will sent it down to you, but whoever disbelieves afterwards from among you - then indeed will I punish him with a punishment by which I have not punished anyone among the worlds."

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ اللَّهُ إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكم فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكم فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ .

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ونافِعٌ ﴿مُنَزِّلُها﴾ بِالتَّشْدِيدِ، والباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ وهُما لُغَتانِ (نَزَلَ وأنْزَلَ) وقِيلَ: بِالتَّشْدِيدِ؛ أيْ مُنَزِّلُها مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وبِالتَّخْفِيفِ مَرَّةً واحِدَةً.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ﴾ أيْ بَعْدَ إنْزالِ المائِدَةِ ﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي مَسْخَهم خَنازِيرَ، وقِيلَ: قِرَدَةً، وقِيلَ: جِنْسًا مِنَ العَذابِ لا يُعَذَّبُ بِهِ غَيْرُهم. قالَ الزَّجّاجُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ العَذابُ مُعَجَّلًا لَهم في الدُّنْيا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُؤَخَّرًا إلى الآخِرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ العالَمِينَ﴾ يَعْنِي عالَمِي زَمانِهِمْ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قِيلَ: إنَّهم سَألُوا عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا السُّؤالَ عِنْدَ نُزُولِهِمْ في مَفازَةٍ عَلى غَيْرِ ماءٍ ولا طَعامٍ، ولِذَلِكَ قالُوا: نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ هَلْ سَألَ المائِدَةَ لِنَفْسِهِ أوْ سَألَها لِقَوْمِهِ وإنْ كانَ قَدْ أضافَها إلى نَفْسِهِ في الظّاهِرِ، وكِلاهُما مُحْتَمَلٌ واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّهُ هَلْ نَزَلَتِ المائِدَةُ ؟ فَقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: ما نَزَلَتْ، واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ القَوْمَ لَمّا سَمِعُوا قَوْلَهُ: ﴿أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ اسْتَغْفَرُوا وقالُوا لا نُرِيدُها.

والثّانِي: أنَّهُ [لَمّا] وصَفَ المائِدَةَ بِكَوْنِها عِيدًا، [فَلَوْ حَصَلَ ذَلِكَ] لَبَقِيَ ذَلِكَ العِيدُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

وقالَ الجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّها نَزَلَتْ [لِأنَّهُ تَعالى قالَ]: ﴿إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ﴾ وهَذا وعْدٌ بِالإنْزالِ جَزْمًا مِن غَيْرِ تَعْلِيقٍ عَلى شَرْطٍ، فَوَجَبَ حُصُولُ هَذا النُّزُولِ.

والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكم فَإنِّي أُعَذِّبُهُ﴾ شَرْطٌ وجَزاءٌ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ﴾ .

والجَوابُ عَنِ الثّانِي أنَّ يَوْمَ نُزُولِها كانَ عِيدًا لَهم ولِمَن بَعْدَهم مِمَّنْ كانَ عَلى شَرْعِهِمْ.

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: رُوِيَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا أرادَ الدُّعاءَ لَبِسَ صُوفًا، ثُمَّ قالَ: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا﴾ فَنَزَلَتْ سُفْرَةٌ حَمْراءُ بَيْنَ غَمامَتَيْنِ غَمامَةٌ فَوْقَها وأُخْرى تَحْتَها، وهم يَنْظُرُونَ إلَيْها حَتّى سَقَطَتْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ فَبَكى عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الشّاكِرِينَ اللَّهُمَّ اجْعَلْها رَحْمَةً ولا تَجْعَلْها مُثْلَةً وعُقُوبَةً، وقالَ لَهم:

صفحة ١١١

لِيَقُمْ أحْسَنُكم عَمَلًا يَكْشِفُ عَنْها ويَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْها ويَأْكُلُ مِنها. فَقالَ شَمْعُونُ رَأْسُ الحَوارِيِّينَ: أنْتَ أوْلى بِذَلِكَ، فَقامَ عِيسى وتَوَضَّأ وصَلّى وبَكى ثُمَّ كَشَفَ المِندِيلَ، وقالَ: بِسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الرّازِقِينَ، فَإذا سَمَكَةٌ مَشْوِيَّةٌ بِلا شَوْكٍ ولا فُلُوسٍ تَسِيلُ دَسَمًا، وعِنْدَ رَأْسِها مِلْحٌ وعِنْدَ ذَنَبِها خَلٌّ، وحَوْلَها مِن ألْوانِ البُقُولِ ما خَلا الكُرّاثَ، وإذا خَمْسَةُ أرْغِفَةٍ عَلى واحِدٍ مِنها زَيْتُونٌ، وعَلى الثّانِي عَسَلٌ، وعَلى الثّالِثِ …

Al-Maaida 5:115Listen in Qur'an →
116

وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُۥ فَقَدْ عَلِمْتَهُۥ ۚ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ

And [beware the Day] when Allah will say, "O Jesus, Son of Mary, did you say to the people, 'Take me and my mother as deities besides Allah?'" He will say, "Exalted are You! It was not for me to say that to which I have no right. If I had said it, You would have known it. You know what is within myself, and I do not know what is within Yourself. Indeed, it is You who is Knower of the unseen.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ . وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: هَذا مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ وعَلى هَذا القَوْلِ فَهَذا الكَلامُ إنَّما يَذْكُرُهُ لِعِيسى يَوْمَ القِيامَةِ، ومِنهم مَن قالَ: إنَّهُ تَعالى قالَ هَذا الكَلامَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ رَفَعَهُ إلَيْهِ، وتَعَلَّقَ بِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ﴾ و(إذْ) تُسْتَعْمَلُ لِلْماضِي، والقَوْلُ الأوَّلُ أصَحُّ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى عَقَّبَ هَذِهِ القِصَّةَ بِقَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائِدَةِ: ١١٩] والمُرادُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وأمّا التَّمَسُّكُ بِكَلِمَةِ (إذْ) فَقَدَ سَبَقَ الجَوابُ عَنْهُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في قَوْلِهِ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ سُؤالانِ، أحَدُهُما: أنَّ الِاسْتِفْهامَ كَيْفَ يَلِيقُ بِعَلّامِ الغُيُوبِ ؟ وثانِيهِما: أنَّهُ كانَ عالِمًا بِأنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ فَلِمَ خاطَبَهُ بِهِ ؟ فَإنْ قُلْتُمُ: الغَرَضُ مِنهُ تَوْبِيخُ النَّصارى وتَقْرِيعُهم، فَنَقُولُ: إنَّ أحَدًا مِنَ النَّصارى لَمْ يَذْهَبْ إلى القَوْلِ بِإلَهِيَّةِ عِيسى ومَرْيَمَ مَعَ القَوْلِ بِنَفْيِ إلَهِيَّةِ اللَّهِ تَعالى، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُنْسَبَ هَذا القَوْلُ إلَيْهِمْ مَعَ أنَّ أحَدًا مِنهم لَمْ يَقُلْ بِهِ.

والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الأوَّلِ أنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ.

والجَوابُ عَنِ السُّؤالِ الثّانِي: أنَّ الإلَهَ هو الخالِقُ، والنَّصارى يَعْتَقِدُونَ أنَّ خالِقَ المُعْجِزاتِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى يَدِ عِيسى ومَرْيَمَ هو عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ومَرْيَمُ، واللَّهُ تَعالى ما خَلَقَها البَتَّةَ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فالنَّصارى قَدْ قالُوا: إنَّ خالِقَ تِلْكَ المُعْجِزاتِ هو عِيسى ومَرْيَمُ، واللَّهُ تَعالى لَيْسَ خالِقَها، فَصَحَّ أنَّهم أثْبَتُوا في حَقِّ بَعْضِ

صفحة ١١٢

الأشْياءِ كَوْنَ عِيسى ومَرْيَمَ إلَهَيْنِ لَهُ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَيْسَ إلَهًا لَهُ، فَصَحَّ بِهَذا التَّأْوِيلِ هَذِهِ الحِكايَةُ والرِّوايَةُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ أمّا قَوْلُهُ: (سُبْحانَكَ) فَقَدْ فَسَّرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا﴾ [البَقَرَةِ: ٣٢] .

واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا سَألَ عِيسى أنَّكَ هَلْ قُلْتَ كَذا ؟ لَمْ يَقُلْ عِيسى بِأنِّي قُلْتُ أوْ ما قُلْتُ، بَلْ قالَ: ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ، وهَذا لَيْسَ بِحَقٍّ؛ يُنْتِجُ أنَّهُ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ هَذا الكَلامَ، ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ لَهُ أنْ يَقُولَ هَذا الكَلامَ شَرَعَ في بَيانِ أنَّهُ هَلْ وقَعَ هَذا القَوْلُ مِنهُ أمْ لا ؟ فَلَمْ يَقُلْ بِأنِّي ما قُلْتُ هَذا الكَلامَ؛ لِأنَّ هَذا يَجْرِي مَجْرى دَعْوى الطَّهارَةِ والنَّزاهَةِ، والمَقامُ مَقامُ الخُضُوعِ والتَّواضُعِ، ولَمْ يَقُلْ بِأنِّي قُلْتُهُ، بَلْ فَوَّضَ ذَلِكَ إلى عِلْمِهِ المُحِيطِ بِالكُلِّ.

فَقالَ: ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ وهَذا مُبالَغَةٌ في الأدَبِ وفي إظْهارِ الذُّلِّ والمَسْكَنَةِ في حَضْرَةِ الجَلالِ، وتَفْوِيضِ الأُمُورِ بِالكُلِّيَّةِ إلى الحَقِّ سُبْحانَهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: المُفَسِّرُونَ ذَكَرُوا فِيهِ …

Al-Maaida 5:116Listen in Qur'an →
117

مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَآ أَمَرْتَنِى بِهِۦٓ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًۭا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدٌ

I said not to them except what You commanded me - to worship Allah, my Lord and your Lord. And I was a witness over them as long as I was among them; but when You took me up, You were the Observer over them, and You are, over all things, Witness.

ثُمَّ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ عِيسى: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ (أنْ) مُفَسِّرَةٌ، والمُفَسَّرُ هو الهاءُ في (بِهِ) الرّاجِعِ إلى القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، والمَعْنى ما قُلْتُ لَهم إلّا قَوْلًا أمَرْتَنِي بِهِ وذَلِكَ القَوْلُ هو أنْ أقُولَ لَهم: اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم، واعْلَمْ أنَّهُ كانَ الأصْلُ أنْ يُقالَ: ما أمَرْتُهم إلّا بِما أمَرْتَنِي بِهِ، إلّا أنَّهُ وضَعَ القَوْلَ مَوْضِعَ الأمْرِ، نُزُولًا عَلى مُوجِبِ الأدَبِ الحَسَنِ، لِئَلّا يَجْعَلَ نَفْسَهُ ورَبَّهُ آمِرَيْنِ مَعًا، ودَلَّ عَلى

صفحة ١١٣

الأصْلِ بِذِكْرِ (أنِ) المُفَسِّرَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أيْ كُنْتُ أشْهَدُ عَلى ما يَفْعَلُونَ ما دُمْتُ مُقِيمًا فِيهِمْ.

﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ والمُرادُ مِنهُ وفاةُ الرَّفْعِ إلى السَّماءِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٥] .

﴿كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الحافِظُ عَلَيْهِمُ المُراقِبُ لِأحْوالِهِمْ.

﴿وأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ يَعْنِي أنْتَ الشَّهِيدُ لِي حِينَ كُنْتُ فِيهِمْ وأنْتَ الشَّهِيدُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ مُفارَقَتِي لَهم، فالشَّهِيدُ الشّاهِدُ، ويَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى الرُّؤْيَةِ، ويَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى العِلْمِ، ويَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى الكَلامِ بِمَعْنى الشَّهادَةِ، فالشَّهِيدُ مِن أسْماءِ الصِّفاتِ الحَقِيقِيَّةِ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى الآيَةِ ظاهِرٌ، وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّهُ كَيْفَ جازَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَقُولَ: ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ واللَّهُ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ ؟

والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ عُلِمَ أنَّ قَوْمًا مِنَ النَّصارى حَكَوْا هَذا الكَلامَ عَنْهُ، والحاكِي لِهَذا الكُفْرِ عَنْهُ لا يَكُونُ كافِرًا بَلْ يَكُونُ مُذْنِبًا حَيْثُ كَذَبَ في هَذِهِ الحِكايَةِ، وغُفْرانُ الذَّنْبِ جائِزٌ، فَلِهَذا المَعْنى طَلَبَ المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

والثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِنا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يُدْخِلَ الكُفّارَ الجَنَّةَ وأنْ يُدْخِلَ الزُّهّادَ والعُبّادَ النّارَ؛ لِأنَّ المُلْكَ مُلْكُهُ ولا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ، فَذَكَرَ عِيسى هَذا الكَلامَ ومَقْصُودُهُ مِنهُ تَفْوِيضُ الأُمُورِ كُلِّها إلى اللَّهِ، وتَرَكَ التَّعَرُّضَ والِاعْتِراضَ بِالكُلِّيَّةِ، ولِذَلِكَ خَتَمَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ يَعْنِي أنْتَ قادِرٌ عَلى ما تُرِيدُ، حَكِيمٌ في كُلِّ ما تَفْعَلُ لا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْكَ، فَمَن أنا والخَوْضُ في أحْوالِ الرُّبُوبِيَّةِ ؟ وقَوْلُهُ: إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ، فَنَقُولُ: إنَّ غُفْرانَهُ جائِزٌ عِنْدَنا وعِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، قالُوا: لِأنَّ العِقابَ حَقُّ اللَّهِ عَلى المُذْنِبِ وفي إسْقاطِهِ مَنفَعَةٌ لِلْمُذْنِبِ، ولَيْسَ في إسْقاطِهِ عَلى اللَّهِ مَضَرَّةٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ حَسَنًا، بَلْ دَلَّ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ في شَرْعِنا عَلى أنَّهُ لا يَقَعُ، فَلَعَلَّ هَذا الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ ما كانَ مَوْجُودًا في شَرْعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: أنَّ القَوْمَ لَمّا …

Al-Maaida 5:117Listen in Qur'an →
118

إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

If You should punish them - indeed they are Your servants; but if You forgive them - indeed it is You who is the Exalted in Might, the Wise.

ثُمَّ قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ عِيسى: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ (أنْ) مُفَسِّرَةٌ، والمُفَسَّرُ هو الهاءُ في (بِهِ) الرّاجِعِ إلى القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ، والمَعْنى ما قُلْتُ لَهم إلّا قَوْلًا أمَرْتَنِي بِهِ وذَلِكَ القَوْلُ هو أنْ أقُولَ لَهم: اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم، واعْلَمْ أنَّهُ كانَ الأصْلُ أنْ يُقالَ: ما أمَرْتُهم إلّا بِما أمَرْتَنِي بِهِ، إلّا أنَّهُ وضَعَ القَوْلَ مَوْضِعَ الأمْرِ، نُزُولًا عَلى مُوجِبِ الأدَبِ الحَسَنِ، لِئَلّا يَجْعَلَ نَفْسَهُ ورَبَّهُ آمِرَيْنِ مَعًا، ودَلَّ عَلى

صفحة ١١٣

الأصْلِ بِذِكْرِ (أنِ) المُفَسِّرَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أيْ كُنْتُ أشْهَدُ عَلى ما يَفْعَلُونَ ما دُمْتُ مُقِيمًا فِيهِمْ.

﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ والمُرادُ مِنهُ وفاةُ الرَّفْعِ إلى السَّماءِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ٥٥] .

﴿كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: الحافِظُ عَلَيْهِمُ المُراقِبُ لِأحْوالِهِمْ.

﴿وأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ يَعْنِي أنْتَ الشَّهِيدُ لِي حِينَ كُنْتُ فِيهِمْ وأنْتَ الشَّهِيدُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ مُفارَقَتِي لَهم، فالشَّهِيدُ الشّاهِدُ، ويَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى الرُّؤْيَةِ، ويَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى العِلْمِ، ويَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى الكَلامِ بِمَعْنى الشَّهادَةِ، فالشَّهِيدُ مِن أسْماءِ الصِّفاتِ الحَقِيقِيَّةِ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: مَعْنى الآيَةِ ظاهِرٌ، وفِيهِ سُؤالٌ: وهو أنَّهُ كَيْفَ جازَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَقُولَ: ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ واللَّهُ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ ؟

والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ عُلِمَ أنَّ قَوْمًا مِنَ النَّصارى حَكَوْا هَذا الكَلامَ عَنْهُ، والحاكِي لِهَذا الكُفْرِ عَنْهُ لا يَكُونُ كافِرًا بَلْ يَكُونُ مُذْنِبًا حَيْثُ كَذَبَ في هَذِهِ الحِكايَةِ، وغُفْرانُ الذَّنْبِ جائِزٌ، فَلِهَذا المَعْنى طَلَبَ المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

والثّانِي: أنَّهُ يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِنا مِنَ اللَّهِ تَعالى أنْ يُدْخِلَ الكُفّارَ الجَنَّةَ وأنْ يُدْخِلَ الزُّهّادَ والعُبّادَ النّارَ؛ لِأنَّ المُلْكَ مُلْكُهُ ولا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْهِ، فَذَكَرَ عِيسى هَذا الكَلامَ ومَقْصُودُهُ مِنهُ تَفْوِيضُ الأُمُورِ كُلِّها إلى اللَّهِ، وتَرَكَ التَّعَرُّضَ والِاعْتِراضَ بِالكُلِّيَّةِ، ولِذَلِكَ خَتَمَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ يَعْنِي أنْتَ قادِرٌ عَلى ما تُرِيدُ، حَكِيمٌ في كُلِّ ما تَفْعَلُ لا اعْتِراضَ لِأحَدٍ عَلَيْكَ، فَمَن أنا والخَوْضُ في أحْوالِ الرُّبُوبِيَّةِ ؟ وقَوْلُهُ: إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ الشِّرْكَ، فَنَقُولُ: إنَّ غُفْرانَهُ جائِزٌ عِنْدَنا وعِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، قالُوا: لِأنَّ العِقابَ حَقُّ اللَّهِ عَلى المُذْنِبِ وفي إسْقاطِهِ مَنفَعَةٌ لِلْمُذْنِبِ، ولَيْسَ في إسْقاطِهِ عَلى اللَّهِ مَضَرَّةٌ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ حَسَنًا، بَلْ دَلَّ الدَّلِيلُ السَّمْعِيُّ في شَرْعِنا عَلى أنَّهُ لا يَقَعُ، فَلَعَلَّ هَذا الدَّلِيلَ السَّمْعِيَّ ما كانَ مَوْجُودًا في شَرْعِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

الوَجْهُ الثّالِثُ في الجَوابِ: أنَّ القَوْمَ لَمّا …

Al-Maaida 5:118Listen in Qur'an →
119

قَالَ ٱللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۚ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

Allah will say, "This is the Day when the truthful will benefit from their truthfulness." For them are gardens [in Paradise] beneath which rivers flow, wherein they will abide forever, Allah being pleased with them, and they with Him. That is the great attainment.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ اللَّهُ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ بِهَذا اليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ، والمَعْنى أنَّ صِدْقَهم في الدُّنْيا يَنْفَعُهم في القِيامَةِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ ما ذَكَرْنا أنَّ صِدْقَ الكُفّارِ في القِيامَةِ لا يَنْفَعُهم، ألا تَرى أنَّ إبْلِيسَ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكُمْ﴾ [إبْراهِيمَ: ٢٢] فَلَمْ يَنْفَعْهُ هَذا الصِّدْقُ، وهَذا الكَلامُ تَصْدِيقٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِعِيسى في قَوْلِهِ: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ (يَوْمُ) بِالرَّفْعِ، وقَرَأ نافِعٌ بِالنَّصْبِ، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، فَمَن قَرَأ بِالرَّفْعِ، قالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ: هَذا اليَوْمُ يَوْمُ مَنفَعَةِ الصّادِقِينَ، وأمّا النَّصْبُ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لِـ (قالَ) والتَّقْدِيرُ: قالَ اللَّهُ هَذا القَوْلَ لِعِيسى يَوْمَ يَنْفَعُ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هَذا الصِّدْقُ واقِعٌ يَوْمَ يَنْفَعُ

صفحة ١١٥

الصّادِقِينَ صِدْقُهم، ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ ظُرُوفَ الزَّمانِ أخْبارًا عَنِ الأحْداثِ بِهَذا التَّأْوِيلِ، كَقَوْلِكَ: القِتالُ يَوْمَ السَّبْتِ، والحَجُّ يَوْمَ عَرَفَةَ، أيْ واقِعٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ.

والثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: (يَوْمَ) أُضِيفَ إلى ما لَيْسَ بِاسْمٍ فَبُنِيَ عَلى الفَتْحِ كَما في يَوْمَئِذٍ. قالَ البَصْرِيُّونَ: هَذا خَطَأٌ لِأنَّ الظَّرْفَ إنَّما يُبْنى إذا أُضِيفَ إلى المَبْنِيِّ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:

عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا

بُنِيَ (حِينَ) لِإضافَتِهِ إلى المَبْنِيِّ وهو الفِعْلُ الماضِي، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ﴾ [الِانْفِطارِ: ١٩] بُنِيَ لِإضافَتِهِ إلى (لا) وهي مَبْنِيَّةٌ، أمّا هُنا فالإضافَةُ إلى مُعْرَبٍ لِأنَّ (يَنْفَعُ) فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ، والفِعْلُ المُسْتَقْبَلُ مُعْرَبٌ، فالإضافَةُ إلَيْهِ لا تُوجِبُ البِناءَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ أنَّ صِدْقَ الصّادِقِينَ في الدُّنْيا يَنْفَعُهم في القِيامَةِ، شَرَحَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ النَّفْعِ وهو الثَّوابُ، وحَقِيقَةُ الثَّوابِ أنَّها مَنفَعَةٌ خالِصَةٌ دائِمَةٌ مَقْرُونَةٌ بِالتَّعْظِيمِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ إشارَةٌ إلى المَنفَعَةِ الخالِصَةِ عَنِ الغُمُومِ والهُمُومِ، وقَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ إشارَةٌ إلى الدَّوامِ. واعْتَبِرْ هَذِهِ الدَّقِيقَةَ، فَإنَّهُ أيْنَما ذَكَرَ الثَّوابَ قالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ وأيْنَما ذَكَرَ عِقابَ الفُسّاقِ مِن أهْلِ الإيمانِ ذَكَرَ لَفْظَ الخُلُودِ ولَمْ يَذْكُرْ مَعَهُ التَّأْبِيدَ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ فَهو إشارَةٌ إلى التَّعْظِيمِ. هَذا ظاهِرُ قَوْلِ المُتَكَلِّمِينَ، وأمّا عِنْدَ أصْحابِ الأرْواحِ المُشْرِقَةِ بِأنْوارِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى، فَتَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ أسْرارٌ عَجِيبَةٌ لا تَسْمَحُ الأقْلامُ بِمِثْلِها، جَعَلَنا اللَّهُ مِن أهْلِها، وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: (ذَلِكَ) عائِدٌ إلى جُمْلَةِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ …

Al-Maaida 5:119Listen in Qur'an →
120

لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۢ

To Allah belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is within them. And He is over all things competent.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قالَ اللَّهُ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أجْمَعُوا عَلى أنَّ المُرادَ بِهَذا اليَوْمِ يَوْمُ القِيامَةِ، والمَعْنى أنَّ صِدْقَهم في الدُّنْيا يَنْفَعُهم في القِيامَةِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ ما ذَكَرْنا أنَّ صِدْقَ الكُفّارِ في القِيامَةِ لا يَنْفَعُهم، ألا تَرى أنَّ إبْلِيسَ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكُمْ﴾ [إبْراهِيمَ: ٢٢] فَلَمْ يَنْفَعْهُ هَذا الصِّدْقُ، وهَذا الكَلامُ تَصْدِيقٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِعِيسى في قَوْلِهِ: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ (يَوْمُ) بِالرَّفْعِ، وقَرَأ نافِعٌ بِالنَّصْبِ، واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، فَمَن قَرَأ بِالرَّفْعِ، قالَ الزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ: هَذا اليَوْمُ يَوْمُ مَنفَعَةِ الصّادِقِينَ، وأمّا النَّصْبُ فَفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ لِـ (قالَ) والتَّقْدِيرُ: قالَ اللَّهُ هَذا القَوْلَ لِعِيسى يَوْمَ يَنْفَعُ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هَذا الصِّدْقُ واقِعٌ يَوْمَ يَنْفَعُ

صفحة ١١٥

الصّادِقِينَ صِدْقُهم، ويَجُوزُ أنْ تَجْعَلَ ظُرُوفَ الزَّمانِ أخْبارًا عَنِ الأحْداثِ بِهَذا التَّأْوِيلِ، كَقَوْلِكَ: القِتالُ يَوْمَ السَّبْتِ، والحَجُّ يَوْمَ عَرَفَةَ، أيْ واقِعٌ في ذَلِكَ اليَوْمِ.

والثّالِثُ: قالَ الفَرّاءُ: (يَوْمَ) أُضِيفَ إلى ما لَيْسَ بِاسْمٍ فَبُنِيَ عَلى الفَتْحِ كَما في يَوْمَئِذٍ. قالَ البَصْرِيُّونَ: هَذا خَطَأٌ لِأنَّ الظَّرْفَ إنَّما يُبْنى إذا أُضِيفَ إلى المَبْنِيِّ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:

عَلى حِينَ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا

بُنِيَ (حِينَ) لِإضافَتِهِ إلى المَبْنِيِّ وهو الفِعْلُ الماضِي، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ﴾ [الِانْفِطارِ: ١٩] بُنِيَ لِإضافَتِهِ إلى (لا) وهي مَبْنِيَّةٌ، أمّا هُنا فالإضافَةُ إلى مُعْرَبٍ لِأنَّ (يَنْفَعُ) فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ، والفِعْلُ المُسْتَقْبَلُ مُعْرَبٌ، فالإضافَةُ إلَيْهِ لا تُوجِبُ البِناءَ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أخْبَرَ أنَّ صِدْقَ الصّادِقِينَ في الدُّنْيا يَنْفَعُهم في القِيامَةِ، شَرَحَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ النَّفْعِ وهو الثَّوابُ، وحَقِيقَةُ الثَّوابِ أنَّها مَنفَعَةٌ خالِصَةٌ دائِمَةٌ مَقْرُونَةٌ بِالتَّعْظِيمِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ إشارَةٌ إلى المَنفَعَةِ الخالِصَةِ عَنِ الغُمُومِ والهُمُومِ، وقَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ إشارَةٌ إلى الدَّوامِ. واعْتَبِرْ هَذِهِ الدَّقِيقَةَ، فَإنَّهُ أيْنَما ذَكَرَ الثَّوابَ قالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ وأيْنَما ذَكَرَ عِقابَ الفُسّاقِ مِن أهْلِ الإيمانِ ذَكَرَ لَفْظَ الخُلُودِ ولَمْ يَذْكُرْ مَعَهُ التَّأْبِيدَ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ فَهو إشارَةٌ إلى التَّعْظِيمِ. هَذا ظاهِرُ قَوْلِ المُتَكَلِّمِينَ، وأمّا عِنْدَ أصْحابِ الأرْواحِ المُشْرِقَةِ بِأنْوارِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى، فَتَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ أسْرارٌ عَجِيبَةٌ لا تَسْمَحُ الأقْلامُ بِمِثْلِها، جَعَلَنا اللَّهُ مِن أهْلِها، وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: (ذَلِكَ) عائِدٌ إلى جُمْلَةِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ …

Al-Maaida 5:120Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.