Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 111–120 of 120

111

وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّۦنَ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِى وَبِرَسُولِى قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ

And [remember] when I inspired to the disciples, "Believe in Me and in My messenger Jesus." They said, "We have believed, so bear witness that indeed we are Muslims [in submission to Allah]."

ثُمَّ بِتَأْيِيدِهِ بِالأنْصارِ؛ الَّذِينَ أحْيا أرْواحَهم بِالإيمانِ؛ وأجْسادَهم بِاخْتِراعِ المَأْكَلِ الَّذِي مِن شَأْنِهِ في العادَةِ حِفْظُ الرُّوحِ؛ وذَلِكَ في قِصَّةِ المائِدَةِ وغَيْرِها؛ فَقالَ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ﴾؛ أيْ: بِإلْهامٍ باطِنًا؛ وبِإيصالِ الأوامِرِ عَلى لِسانِكَ ظاهِرًا؛ ﴿إلى الحَوارِيِّينَ﴾؛ أيْ: الأنْصارِ؛ ﴿أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي﴾؛ أيْ: الَّذِي أمَرْتُهُ بِالإبْلاغِ؛ يَعْنِي إبْلاغَ النّاسِ ما آمُرُهم بِهِ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ - مُبَيِّنًا لِسُرْعَةِ إجابَتِهِمْ لِجَعْلِهِ مُحَبَّبًا إلَيْهِمْ؛ مُطاعًا فِيهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا آمَنّا﴾

ولَمّا كانَ الإيمانُ باطِنًا فَلا بُدَّ في إثْباتِهِ مِن دَلِيلٍ ظاهِرٍ؛ وكانَ فِي سِياقِ عَدِّ النِّعَمِ؛ والطَّواعِيَةِ لِوَحْيِ المَلِكِ الأعْظَمِ دُلُّوا عَلَيْهِ بِتَمامِ الِانْقِيادِ؛ ناسَبَ المَقامَ زِيادَةُ التَّأْكِيدِ؛ بِإثْباتِ النُّونِ الثّالِثَةِ في قَوْلِهِمْ: ﴿واشْهَدْ بِأنَّنا﴾؛ بِخِلافِ ”آلِ عِمْرانَ“؛ ﴿مُسْلِمُونَ﴾؛ أيْ: مُنْقادُونَ؛ أتَمَّ انْقِيادٍ؛ فَلا اخْتِيارَ لَنا إلّا ما تَأْمُرُنا بِهِ؛ وانْظُرْ.. ما أنْسَبَ إعادَةَ ”إذْ“؛ عِنْدَ التَّذْكِيرِ بِرُوحٍ كامِلٍ؛ حِسًّا أوْ مَعْنًى؛ وحَذْفَها عِنْدَ النّاقِصِ! فَأثْبَتَها عِنْدَ التَّأْيِيدِ بِها في أصْلِ الخُلُقِ؛ وفي الكَمالِ المُوجِبِ لِلْحَياةِ الأبَدِيَّةِ؛ وفي تَعْلِيمِ الكِتابِ؛ وما بَعْدَهُ؛ المُفِيضِ لِحَياةِ الأبَدِ عَلى كُلِّ مَن تَخَلَّقَ بِأخْلاقِهِ؛ وفي خَلْقِ الطَّيْرِ؛ وهو ظاهِرٌ؛ وهَكَذا إلى الآخِرِ.

ذِكْرُ شَيْءٍ مِمّا عُزِّيَ إلَيْهِ مِنَ الحِكْمَةِ في الإنْجِيلِ: قالَ مَتّى: وكانَ يَسُوعُ يَطُوفُ المُدُنَ والقُرى؛ ويَعَلِّمُ في مَجامِعِهِمْ؛ ويَكْرِزُ بِبِشارَةِ المَلَكُوتِ؛ ويَشْفِي كُلَّ الأمْراضِ؛ والأوْجاعِ؛ ثُمَّ قالَ: فَلَمّا سَمِعَ يُوحَنّا في السِّجْنِ بِأعْمالِ المَسِيحِ؛ أرْسَلَ إلَيْهِ اثْنَيْنِ مِن تَلامِيذِهِ؛ قائِلًا: أنْتَ هو الآتِي أمْ نَتَرَجّى آخَرَ؟ قالَ لُوقا: وفي تِلْكَ السّاعَةِ أبْرَأ كَثِيرًا مِنَ الأمْراضِ؛ والأوْجاعِ؛ والأرْواحِ الشِّرِّيرَةِ؛ ووَهَبَ النَّظَرَ لِعُمْيانٍ كَثِيرِينَ؛ فَأجابَ يَسُوعُ وقالَ لَهُما: ”اذْهَبا وأعْلِما يُوحَنّا بِما رَأيْتُما؛ وسَمِعْتُما؛ العُمْيانُ يُبْصِرُونَ؛ والعُرْجُ يَمْشُونَ؛ والبُرْصُ يَتَطَهَّرُونَ؛ والصُّمُّ يَسْمَعُونَ؛ والمَوْتى يَقُومُونَ؛ والمَساكِينُ يُبَشِّرُونَ؛ فَطُوبى لِمَن لا يَشُكُّ فِيَّ“؛ فَلَمّا ذَهَبَ تِلْمِيذا يُوحَنّا بَدَأ يَسُوعُ يَقُولُ لِلْجَمْعِ مِن أجْلِ يُوحَنّا: لِماذا خَرَجْتُمْ إلى البَرِّيَّةِ تَنْظُرُونَ؟ - قالَ لُوقا: قَصَبَةً تُحَرِّكُها الرِّيحُ؟ - أمْ لِماذا خَرَجْتُمْ تَنْظُرُونَ؟ إنْسانًا لابِسًا لِباسًا ناعِمًا؟ إنَّ اللِّباسَ النّاعِمَ يَكُونُ في بُيُوتِ المُلُوكِ؛ قالَ لُوقا: فَإنَّ الَّذِينَ عَلَيْهِمْ لِباسُ المَجْدِ والتَّنَعُّمِ هم في بُيُوتِ المُلُوكِ - انْتَهى؛ لَكِنْ لِماذا خَرَجْتُمْ تَنْظُرُونَ؟ نَبِيًّا؟ نَعَمْ؛ أقُولُ لَكُمْ: إنَّهُ أفْضَلُ مِن هَذا الَّذِي كُتِبَ مِن أجْلِهِ: هو ذا أنا مُرْسِلٌ مَلَكِي أمامَ وجْهِكَ لِيُسَهِّلَ طَرِيقَكَ قُدّامَكَ؛ الحَقَّ أقُولُ لَكُمْ؛ إنَّهُ لَمْ يَقُمْ في مَوالِيدِ النِّساءِ أعْظَمُ مِن يُوحَنّا المُعَمَّدِ؛ والصَّغِيرُ في مَلَكُوتِ السَّماءِ أعْظَمُ مِنهُ؛ وجَمِيعُ الشَّعْبِ الَّذِي سَمِعَ؛ والعَشّارُونَ شَكَرُوا اللَّهَ؛ حَيْثُ اعْتَمَدُوا مِن مَعْمُودِيَّةِ يُوحَنّا؛ فَأمّا الفَرِّيسِيُّونَ والكُتّابُ فَعَلِمُوا أنَّهم رَفَضُوا أمْرَ اللَّهِ لَهُمْ؛ إذْ لَمْ يَعْتَمِدُوا مِنهُ؛ قالَ مَتّى: ثُمَّ قالَ: مَن لَهُ أُذُنانِ سامِعَتانِ …

Al-Maaida 5:111Listen in Qur'an →
112

إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ۖ قَالَ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

[And remember] when the disciples said, "O Jesus, Son of Mary, can your Lord send down to us a table [spread with food] from the heaven? [Jesus] said," Fear Allah, if you should be believers."

ولَمّا كانَ مِنَ المَقْصُودِ بِذِكْرِ مُعْجِزاتِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَنْبِيهُ الكافِرِ لِيُؤْمِنَ؛ والمُؤْمِنِ لِيَزْدادَ إيمانًا؛ وتَسْلِيَةُ النَّبِيِّ ﷺ؛ وتَوْبِيخُ اليَهُودِ المُدَّعِينَ أنَّهم أبْناءُ وأحِبّاءُ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أرادَ اللَّهُ؛ قُرِعَتْ بِهِ الأسْماعُ؛ ولَمْ يَتَعَلَّقْ بِما يُجِيبُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ أمْرِهِ بِذَلِكَ غَرَضٌ؛ فَطُوِيَ؛ ولَمّا كانَ أجَلُّ المَقاصِدِ تَأْدِيبَ هَذِهِ الأُمَّةِ لِنَبِيِّها - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِتُجِلَّهُ عَنْ أنْ تَبْدَأهُ بِسُؤالٍ؛ أوْ تَقْتَرِحَ عَلَيْهِ شَيْئًا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ؛ ذَكَرَ لَهم شَأْنَ الحَوارِيِّينَ في اقْتِراحِهِمْ؛ بَعْدَما تَقَدَّمَ مِنَ امْتِداحِهِمْ بِعَدِّهِمْ في عِدادِ أُولِي الوَحْيِ؛ ومُبادَرَتِهِمْ إلى الإيمانِ؛ امْتِثالًا لِلْأمْرِ؛ ثُمَّ إلى الإشْهادِ عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ؛ بِتَمامِ الِانْقِيادِ؛ وسَلْبِ الِاخْتِيارِ؛ فَقالَ - مُعَلِّقًا بِـ ”قالُوا آمَنّا“؛ مُقَرِّبًا لِزَمَنِ تَعَنُّتِهِمْ مِن زَمَنِ إيمانِهِمْ؛ مُذَكِّرًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِحِفْظِها عَلى الطّاعَةِ؛ ومُبَكِّتًا لِبَنِي إسْرائِيلَ بِكَثْرَةِ تَقَلُّبِهِمْ؛ وعَدَمِ تَماسُكِهِمْ؛ إبْعادًا لَهم عَنْ دَرَجَةِ المَحَبَّةِ؛ فَضْلًا عَنِ البُنُوَّةِ؛ وهَذِهِ القِصَّةُ قَبْلَ قِصَّةِ الإيحاءِ إلَيْهِمْ؛ فَتَكُونُ ”إذْ“ هَذِهِ ظَرْفًا لِتِلْكَ؛ فَيَكُونُ الإيحاءُ إلَيْهِمْ بِالأمْرِ بِالإيمانِ في وقْتِ سُؤالِهِمْ هَذِهِ بَعْدَ ابْتِدائِهِ؛ ويَكُونُ فائِدَتُهُ حِفْظَهم مِن أنْ يَسْألُوا آيَةً أُخْرى؛ كَما سَألُوا هَذِهِ؛ بَعْدَما رَأوْا مِنهُ ﷺ مِنَ الآياتِ -: ﴿إذْ قالَ﴾؛ وأعادَ وصْفَهُمْ؛ ولَمْ يُضْمِرْهُ؛ تَنْصِيصًا عَلَيْهِمْ لِبُعْدِ ما يُذْكَرُ مِن حالِهِمْ هَذا مِن حالِهِمُ الأوَّلِ؛ فَقالَ: ﴿الحَوارِيُّونَ﴾؛ وذَكَرَ أنَّهم نادَوْهُ بِاسْمِهِ؛ واسْمِ أُمِّهِ؛ فَقالُوا: ﴿يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾؛ ولَمْ يَقُولُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ ولا يا رُوحَ اللَّهِ؛ ونَحْوَ هَذا مِنَ التَّبْجِيلِ؛ أوِ التَّعْظِيمِ؛ ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾؛ بِالياءِ؛ مُسْنَدًا إلى الرَّبِّ؛ وبِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ؛ مُسْنَدًا إلى عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ونَصْبِ الرَّبِّ؛ ومَعْناهُما واحِدٌ؛ يَرْجِعُ إلى التَّهْيِيجِ؛ والإلْهابِ؛ بِسَبَبِ الِاجْتِهادِ في الدُّعاءِ؛ بِحَيْثُ تَحْصُلُ الإجابَةُ؛ وتَكُونُ هَذِهِ العِبارَةُ أيْضًا لِلتَّلَطُّفِ؛ كَما يَقُولُ الإنْسانُ لِمَن يُعَظِّمُهُ: هَلْ تَقْدِرُ أنْ تَذْهَبَ مَعِي إلى كَذا؟ وهو يَعْلَمُ أنَّهُ قادِرٌ؛ ولَكِنَّهُ يُكَنِّي بِذَلِكَ عَنْ أنَّ السّائِلَ يُحِبُّ ذَلِكَ؛ ولا يُرِيدُ المَشَقَّةَ عَلى المَسْؤُولِ؛ ﴿أنْ يُنَـزِّلَ﴾؛ أيْ: الرَّبُّ المُحْسِنُ إلَيْكَ؛ ﴿عَلَيْنا مائِدَةً﴾؛ وهي الطَّعامُ؛ ويُقالُ أيْضًا: الخُوانُ؛ إذا كانَ عَلَيْهِ الطَّعامُ؛ والخُوانُ شَيْءٌ يُوضَعُ عَلَيْهِ الطَّعامُ لِلْأكْلِ؛ هو في العُمُومِ بِمَنزِلَةِ السُّفْرَةِ لِما يُوضَعُ فِيهِ طَعامُ المُسافِرِ بِالخُصُوصِ؛ وهي مِن ”مادَهُ“؛ إذا أعْطاهُ؛ وأطْعَمَهُ.

ولَمّا كانَ هَذا ظاهِرًا في أنَّها سَماوِيَّةٌ؛ صَرَّحُوا بِهِ احْتِرازًا عَمّا عَوَّدَهم بِهِ ﷺ مِن أنَّهُ يَدْعُو بِالقَلِيلِ مِنَ الطَّعامِ؛ فَيُبارِكُ فِيهِ؛ فَيَمُدُّهُ اللَّهُ؛ فَيَكْفِي فِيهِ القِيامَ مِنَ النّاسِ؛ فَقالُوا: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾؛ أيْ: لا صُنْعَ لِلْآدَمِيِّينَ فِيها؛ لِنُخْتَصَّ بِها عَمَّنْ تَقَدَّمَنا مِنَ الأُمَمِ.

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن هَذا وعْظَنا؛ وإرْشادَنا إلى ألّا نَسْألَ نَبِيَّنا ﷺ شَيْئًا؛ اكْتِفاءً بِما يَرْحَمُنا بِهِ رَبُّنا الَّذِي رَحِمَنا بِابْتِدائِنا؛ …

Al-Maaida 5:112Listen in Qur'an →
113

قَالُوا۟ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ

They said, "We wish to eat from it and let our hearts be reassured and know that you have been truthful to us and be among its witnesses."

ولَمّا كانَتِ المُعْجِزاتُ إنَّما تُطْلَبُ لِإيمانِ مَن لَمْ يَكُنْ آمَنَ؛ وكانَ في هَذا الجَوابِ أتَمَّ زَجْرٍ لَهُمْ؛ تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى جَوابِهِمْ؛ فَقِيلَ: لَمْ يَنْتَهُوا؛ بَلْ ﴿قالُوا﴾؛ إنّا لا نُرِيدُها لِأجْلِ إزالَةِ شَكٍّ عِنْدَنا؛ بَلْ ﴿نُرِيدُ﴾ مَجْمُوعَ أُمُورٍ: ﴿أنْ نَأْكُلَ مِنها﴾؛ فَإنّا جِياعٌ؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَتَحْصُلَ لَنا بَرَكَتُها؛ عَطَفَ عَلَيْهِ: ﴿وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا﴾؛ أيْ: بِضَمِّ ما رَأيْنا مِنها إلى ما سَبَقَ مِن مُعْجِزاتِكَ؛ مِن غَيْرِ سُؤالِنا فِيهِ؛ ﴿ونَعْلَمَ﴾؛ أيْ: بِعَيْنِ اليَقِينِ؛ وحَقِّهِ؛ ﴿أنْ قَدْ صَدَقْتَنا﴾؛ أيْ: في كُلِّ ما أخْبَرْتَنا بِهِ؛ ﴿ونَكُونَ عَلَيْها﴾؛ وأشارُوا إلى عُمُومِها بِالتَّبْعِيضِ؛ فَقالُوا: ﴿مِنَ الشّاهِدِينَ﴾؛ أيْ: شَهادَةَ رُؤْيَةٍ مُسْتَعْلِيَةٍ عَلَيْها بِأنَّها وقَعَتْ؛ لا شَهادَةَ إيمانٍ بِأنَّها جائِزَةُ الوُقُوعِ؛

Al-Maaida 5:113Listen in Qur'an →
114

قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًۭا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةًۭ مِّنكَ ۖ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ

Said Jesus, the son of Mary, "O Allah, our Lord, send down to us a table [spread with food] from the heaven to be for us a festival for the first of us and the last of us and a sign from You. And provide for us, and You are the best of providers."

﴿قالَ عِيسى﴾؛ ونَسَبَهُ زِيادَةً في التَّصْرِيحِ بِهِ؛ تَحْقِيقًا؛ ولِأنَّهُ لا أبَ لَهُ؛ وتَسْفِيهًا لِمَن أطْراهُ؛ أوْ وضَعَ مِن قَدْرِهِ؛ فَقالَ: ﴿ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ﴾؛ فافْتَتَحَ دُعاءَهُ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ؛ ثُمَّ بِوَصْفِ الإحْسانِ؛ فَقالَ: ﴿رَبَّنا﴾؛ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا؛ ﴿أنْـزِلْ عَلَيْنا﴾؛ وقَدَّمَ المَقْصُودَ؛ فَقالَ: ﴿مائِدَةً﴾؛ وحَقَّقَ مَوْضِعَ الإنْزالِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾؛ ثُمَّ وصَفَها بِما تَكُونُ بِهِ بالِغَةَ العَجَبِ؛ عالِيَةَ الرُّتَبِ؛ فَقالَ: ﴿تَكُونُ﴾؛ أيْ: هِيَ؛ أوْ يَوْمُ نُزُولِها؛ ﴿لَنا عِيدًا﴾؛ وأصْلُ العِيدِ كُلَّ يَوْمٍ فِيهِ جَمْعٌ؛ ثُمَّ قَيَّدَ بِالسُّرُورِ؛ فالمَعْنى: نَعُودُ إلَيْها مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ؛ سُرُورًا بِها؛ ولَعَلَّ مِنها ما يَأْتِي مِنَ البَرَكاتِ حِينَ تُرَدُّ لَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - - كَما في الأحادِيثِ الصّادِقَةِ؛ ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - مُبْدِلًا مِن ”لَنا“ -: ﴿لأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ ولَمّا ذَكَرَ الأمْرَ الدُّنْيَوِيَّ؛ أتْبَعَهُ الأمْرَ الدِّينِيَّ؛ فَقالَ: ﴿وآيَةً مِنكَ﴾؛ أيْ: عَلامَةً عَلى صِدْقِي؛ ﴿وارْزُقْنا﴾؛ أيْ: رِزْقًا مُطْلَقًا؛ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِها؛ ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَأنْتَ خَيْرٌ المَسْؤُولِينَ؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وأنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾؛ أيْ: فَإنَّكَ تُغْنِي مَن تُعْطِيهِ؛ وتَزِيدُهُ عَمّا يُؤَمِّلُهُ ويَرْتَجِيهِ؛ بِما لا يَنْقُصُ شَيْئًا مِمّا عِنْدَكَ؛ ولا تَطْلُبُ مِنهُ شَيْئًا غَيْرَ أنْ يَنْفَعَ نَفْسَهُ بِما قَوَّيْتَهُ عَلَيْهِ مِن طاعَتِكَ بِذَلِكَ الرِّزْقِ؛ ﴿قالَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ١١٥]؛ أيْ: المَلِكُ المُحِيطُ عِلْمًا؛ وقُدْرَةً؛

Al-Maaida 5:114Listen in Qur'an →
115

قَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّىٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابًۭا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدًۭا مِّنَ ٱلْعَٰلَمِينَ

Allah said, "Indeed, I will sent it down to you, but whoever disbelieves afterwards from among you - then indeed will I punish him with a punishment by which I have not punished anyone among the worlds."

ولَمّا كانَ ظاهِرُ سُؤالِهِمْ مِنَ الِاسْتِفْهامِ عَنِ الِاسْتِطاعَةِ لِلِاضْطِرابِ؛ وإنْ كانَ لِلْإلْهابِ؛ أكَّدَ الجَوابَ؛ فَقالَ: ﴿إنِّي مُنَـزِّلُها عَلَيْكُمْ﴾؛ أيْ: الآنَ؛ بِقُدْرَتِي الخاصَّةِ بِي؛ ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ﴾؛ أيْ: بَعْدَ إنْزالِها؛ ﴿مِنكُمْ﴾؛ وهَذا السِّياقُ مُشْعِرٌ بِأنَّهُ يَحْصُلُ مِنهم كُفْرٌ؛ وقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ؛ حَتّى في الحَوارِيِّينَ؛ عَلى ما يُقالُ في يَهُودا الإسْخَرْيُوطِيِّ؛ أحَدِهِمُ؛ الَّذِي دَلَّ عَلى عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ فَأُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلَيْهِ؛ ولِهَذا خَصَّهُ بِهَذا العَذابِ؛ فَقالَ: ﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ﴾؛ أيْ: عَلى سَبِيلِ البَتِّ؛ والقَطْعِ؛ ﴿عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ﴾؛ أيْ: مِثْلَهُ أبَدًا؛ فِيما يَأْتِي مِنَ الزَّمانِ؛ ﴿أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾؛ وفي هَذا أتَمُّ زاجِرٍ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَنِ اقْتِراحِ الآياتِ؛ وفي ذِكْرِ قِصَّةِ المائِدَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ الَّتِي افْتُتِحَتْ بِإحْلالِ المَآكِلِ؛ واخْتُتِمَتْ بِها؛ أعْظَمُ تَناسُبٍ؛ وفي ذَلِكَ كُلِّهِ إشارَةٌ إلى تَذْكِيرِ هَذِهِ الأُمَّةِ بِما أنْعَمَ عَلَيْها بِما أعْطى نَبِيَّها مِنَ المُعْجِزاتِ؛ ومَنَّ عَلَيْها بِهِ مِن حُسْنِ الِاتِّباعِ؛ وتَحْذِيرٌ مِن كُفْرانِ هَذِهِ النِّعَمِ المُعَدَّدَةِ عَلَيْهِمْ؛ وقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في حَقِيقَةِ هَذِهِ المائِدَةِ؛ وفي أحْوالِها؛ قالَ أبُو حَيّانَ: وأحْسَنُ ما يُقالُ فِيهِ ما خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ في أبْوابِ التَّفْسِيرِ؛ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”أُنْزِلَتِ المائِدَةُ مِنَ السَّماءِ خُبْزًا ولَحْمًا؛ وأُمِرُوا ألّا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ؛ ولا يَخُونُوا؛ فَخانُوا؛ وادَّخَرُوا؛ ورَفَعُوا لِغَدٍ؛ فَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ؛» انْتَهى؛ قُلْتُ: ثُمَّ صَحَّحَ التِّرْمِذِيُّ وقْفَهُ عَلى عَمّارٍ؛ وقالَ: لا نَعْلَمُ لِلْحَدِيثِ المَرْفُوعِ أصْلًا؛ غَيْرَ أنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّهُ؛ لِكَوْنِهِ لا يُقالُ مِن قِبَلِ الرَّأْيِ؛ ولا أعْلَمُ أحَدًا ذَكَرَ عَمّارًا فِيمَن أخَذَ عَنْ أهْلِ الكِتابِ؛ فَهو مَرْفُوعٌ حُكْمًا؛ وهَذا الخَبَرُ يُؤَكِّدُ أنَّ الخَبَرَ في الآيَةِ عَلى بابِهِ؛ فَيَدْفَعُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّها لَمْ تَنْزِلْ؛ لِأنَّهم لَمّا سَمِعُوا الشَّرْطَ قالُوا: لا حاجَةَ لَنا بِها؛ لِأنَّ خَبَرَهُ (تَعالى) لا يُخْلَفُ؛ ولا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ؛ وهَذا الرِّزْقُ الَّذِي مِنَ السَّماءِ قَدْ وقَعَ مِثْلُهُ لِآحادِ الأُمَّةِ؛ رَوى البَيْهَقِيُّ في أواخِرِ الدَّلائِلِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَتِ امْرَأةٌ مِن دَوْسٍ؛ يُقالُ لَها أُمُّ شَرِيكٍ؛ أسْلَمَتْ في رَمَضانَ؛ فَأقْبَلَتْ تَطْلُبُ مَن يَصْحَبُها إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَلَقِيَتْ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ؛ فَقالَ: ما لَكِ يا أُمَّ شَرِيكٍ؟ قالَتْ: أطْلُبُ رَجُلًا يَصْحَبُنِي إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ قالَ: فَتَعالَيْ فَأنا أصْحَبُكِ؛ قالَتْ: فانْتَظِرْنِي حَتّى أمْلَأ سِقائِي ماءً؛ قالَ: مَعِي ماءٌ؛ ما لا تُرِيدِينَ ماءً؛ فانْطَلَقَتْ مَعَهُمْ؛ فَسارُوا يَوْمَهم حَتّى أمْسَوْا؛ فَنَزَلَ اليَهُودِيُّ؛ ووَضَعَ سُفْرَتَهُ فَتَعَشّى؛ وقالَ: يا أُمَّ شَرِيكٍ؛ تَعالَيْ إلى العَشاءِ؛ فَقالَتْ: اسْقِنِي مِنَ الماءِ؛ فَإنِّي عَطْشى؛ ولا أسْتَطِيعُ أنْ آكُلَ حَتّى أشْرَبَ؛ فَقالَ لَها: لا أسْقِيكِ حَتّى تَهُودِي؛ فَقالَتْ: لا جَزاكَ اللَّهُ خَيْرًا؛ غَرَّبْتَنِي؛ ومَنَعْتَنِي أنْ أحْمِلَ ماءً؛ فَقالَ: لا واللَّهِ لا أسْقِيكِ مِنهُ قَطْرَةً حَتّى تَهُودِي؛ فَقالَتْ: لا واللَّهِ لا أتَهَوَّدُ أبَدًا بَعْدَ إذْ هَدانِي اللَّهُ لِلْإسْلامِ؛ فَأقْبَلَتْ إلى بَعِيرِها …

Al-Maaida 5:115Listen in Qur'an →
116

وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُۥ فَقَدْ عَلِمْتَهُۥ ۚ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ

And [beware the Day] when Allah will say, "O Jesus, Son of Mary, did you say to the people, 'Take me and my mother as deities besides Allah?'" He will say, "Exalted are You! It was not for me to say that to which I have no right. If I had said it, You would have known it. You know what is within myself, and I do not know what is within Yourself. Indeed, it is You who is Knower of the unseen.

﴿وإذْ قالَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِن صِفاتِ الجَلالِ؛ والجَمالِ؛ مُشِيرًا إلى ما لَهُ مِن عُلُوِّ الرُّتْبَةِ بِأداةِ النِّداءِ: ﴿يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾؛ وذَلِكَ تَحْقِيقًا لِأنَّهُ عَمِلَ بِمُقْتَضى النِّعْمَةِ؛ وتَبْكِيتًا لِمَن ضَلَّ فِيهِ مِنَ النَّصارى؛ وإنْكارًا عَلَيْهِمْ؛ ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ أُرْسِلْتَ إلَيْهِمْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ؛ وكَأنَّهُ عَبَّرَ بِذَلِكَ لِزِيادَةِ التَّوْبِيخِ لَهُمْ؛ لِكَوْنِهِمُ اعْتَقَدُوا ذَلِكَ؛ وفِيهِمُ الكِتابُ؛ فَكَأنَّهُ لا ناسَ غَيْرُهُمْ؛ ﴿اتَّخِذُونِي﴾؛ أيْ: كَلِّفُوا أنْفُسَكم خِلافَ ما تَعْتَقِدُونَهُ بِالفِطْرَةِ الأُولى في اللَّهِ؛ بِأنْ تَأْخُذُونِي؛ ﴿وأُمِّيَ إلَهَيْنِ﴾ ولَمّا كانَتْ عِبادَةُ غَيْرِ اللَّهِ - ولَوْ كانَتْ عَلى سَبِيلِ الشِّرْكِ - مُبْطِلَةً لِعِبادَةِ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - أغْنى الأغْنِياءِ؛ ولا يَرْضى الشِّرْكَ إلّا فَقِيرٌ؛ قالَ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ الَّذِي لا كُفُؤَ لَهُ؛ فَيَكُونُ المَعْنى: اتَّخِذُوا تَألُّهَنا سُلَّمًا تَتَوَصَّلُونَ بِهِ إلى اللَّهِ؛ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى المُغايَرَةِ؛ ولا دَخْلَ حِينَئِذٍ لِلْمُشارَكَةِ.

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ لَنا؛ في غَيْرِ مَوْضِعٍ؛ أنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ؛ صَرَّحَ بِهِ هُنا؛ تَوْبِيخًا لِمَن أطْراهُ؛ وتَأْكِيدًا لِما عِنْدَنا مِنَ العِلْمِ؛ وتَبْجِيلًا لَهُ ﷺ بِما يُبْدِي مِنَ الجَوابِ؛ وتَفْضِيلًا بِالإعْلامِ بِأنَّهُ لَمْ يَحِدْ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ؛ بَلْ بَذَلَ الجُهْدَ في الوَفاءِ بِالعَهْدِ؛ وتَقْرِيعًا لِمَن قالَ ذَلِكَ عَنْهُ وهو يَدَّعِي حُبَّهُ واتِّباعَهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وتَخْجِيلًا لَهُمْ؛ فَلَمّا تَشَوَّفَتْ لِجَوابِهِ الأسْماعُ وأصْغَتْ لَهُ الآذانُ؛ وكانَ في ذِكْرِهِ مِنَ الحِكَمِ ما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ؛ ذَكَرَهُ - سُبْحانَهُ - قائِلًا: ﴿قالَ﴾؛ مُفْتَتِحًا بِالتَّنْزِيهِ؛ ﴿سُبْحانَكَ﴾؛ أيْ: لَكَ التَّنَزُّهُ الأعْظَمُ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ؛ ودَلَّ بِالمُضارِعِ عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ لا يَزالُ مَمْنُوعًا مِنهُ؛ فَقالَ: ﴿ما يَكُونُ لِي﴾؛ أيْ: ما يَنْبَغِي؛ ولا يَصِحُّ أصْلًا؛ ﴿أنْ أقُولَ﴾؛ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ؛ ﴿ما لَيْسَ لِي﴾؛ وأغْرَقَ في النَّفْيِ؛ كَما هو حَقُّ المَقامِ؛ فَقالَ: ﴿بِحَقٍّ﴾

ولَمّا بادَرَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - إعْظامًا لِلْمَقامِ؛ إلى الإشارَةِ إلى نَفْيِ ما سُئِلَ عَنْهُ؛ أتْبَعَهُ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ يَكْفِي في الجَوابِ عَنْهُ: أنْتَ أعْلَمُ؛ وإنَّما أجابَ بِما تَقَدَّمَ؛ إشارَةً إلى أنَّ هَذا القَوْلَ تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَّ مِنهُ؛ ومُبادَرَةً إلى تَبْكِيتِ مَنِ ادَّعاهُ لَهُ؛ فَقالَ - دالًّا عَلى أنَّهُ لَمْ يَقْنَعْ بِما تَضَمَّنَ أعْظَمَ المَدْحِ؛ لِأنَّ المَقامَ لِلْخُضُوعِ -: ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ﴾؛ أيْ: مُطْلَقًا لِلنّاسِ؛ أوْ حَدَّثْتُ بِهِ نَفْسِي؛ ﴿فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾؛ وهو مُبالَغَةٌ في الأدَبِ؛ وإظْهارِ الذِّلَّةِ؛ وتَفْوِيضِ الأمْرِ كُلِّهِ إلى رَبِّ العِزَّةِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ الإخْبارَ بِعِلْمِهِ بِما هو مِن خَواصِّ الإلَهِ؛ فَقالَ: ﴿تَعْلَمُ﴾؛ ولَمّا كانَتِ النَّفْسُ يُعَبَّرُ بِها عَنِ الذّاتِ؛ وكانَ القَوْلُ يُطْلَقُ عَلى النَّفْسِ؛ فَإذا انْتَفى انْتَفى اللِّسانِيُّ؛ قالَ: ﴿ما في نَفْسِي﴾؛ أيْ: وإنِ اجْتَهَدْتُ في إخْفائِهِ؛ فَإنَّهُ خَلْقُكَ؛ وما أنا لَهُ إلّا آلَةٌ ووِعاءٌ؛ فَكَيْفَ بِهِ إنْ كُنْتُ أظْهَرْتُهُ؟!

ولَمّا أثْبَتَ لَهُ - سُبْحانَهُ - ذَلِكَ؛ نَفاهُ عَنْ نَفْسِهِ؛ تَوْبِيخًا لِمَنِ ادَّعى لَهُ الإلَهِيَّةَ؛ فَقالَ - مُشاكَلَةً -: ﴿ولا …

Al-Maaida 5:116Listen in Qur'an →
117

مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَآ أَمَرْتَنِى بِهِۦٓ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًۭا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدٌ

I said not to them except what You commanded me - to worship Allah, my Lord and your Lord. And I was a witness over them as long as I was among them; but when You took me up, You were the Observer over them, and You are, over all things, Witness.

ولَمّا نَفى عَنْ نَفْسِهِ ما يَسْتَحِقُّ النَّفْيَ؛ ودَلَّ عَلَيْهِ؛ أثْبَتَ ما قالَهُ لَهُمْ؛ عَلى وجْهٍ مُصَرِّحٍ بِنَفْيِ غَيْرِهِ؛ لِيَكُونَ ما نُسِبَ إلَيْهِ مِن دَعْوى الإلَهِيَّةِ مَنفِيًّا مَرَّتَيْنِ؛ إشارَةً؛ وعِبارَةً؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا عَنِ الأمْرِ بِالقَوْلِ؛ مُطابَقَةً لِلسُّؤالِ؛ وفَسَّرَ بِالأمْرِ؛ بَيانًا لِأنَّ كُلَّ ما قالَهُ مِن مُباحٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ دائِرٌ عَلى الأمْرِ مِن حَيْثُ الِاعْتِقادُ؛ بِمَعْنى أنَّ المُخاطَبَ بِما قالَهُ الرَّسُولُ مَأْمُورٌ بِأنْ يَعْتَقِدَ فِيهِ أنَّهُ بِتِلْكَ المَنزِلَةِ؛ لا يَجُوزُ أنْ يَعْتَقِدَ فِيهِ أنَّهُ فَوْقَها؛ ولا دُونَها؛ يَعْبُدُ اللَّهَ (تَعالى) بِذَلِكَ -: ﴿ما قُلْتُ لَهُمْ﴾؛ أيْ: ما أمَرْتُهم بِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ؛ ﴿إلا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾؛ ثُمَّ فَسَّرَهُ؛ دالًّا بِشَأْنِ المُرادِ بِالقَوْلِ؛ الأمْرَ بِالتَّعْبِيرِ في تَفْسِيرِهِ بِحَرْفِ التَّفْسِيرِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿أنِ اعْبُدُوا﴾؛ أيْ: ما أمَرْتُهم إلّا بِعِبادَةِ؛ ﴿اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَمْ يَسْتَجْمِعْ نُعُوتَ الجَلالِ والجَمالِ أحَدٌ غَيْرُهُ؛ ثُمَّ أشارَ إلى أنَّهُ كَما يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ لِذاتِهِ؛ يَسْتَحِقُّها لِنِعَمِهِ؛ فَقالَ: ﴿رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾؛ أيْ: أنا وأنْتُمْ في عُبُودِيَّتِهِ سَواءٌ؛ وهَذا الحَصْرُ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ لِلْقَلْبِ؛ عَلى أنَّ ”دُونَ“ بِمَعْنى ”غَيْرُ“؛ ولِلْإفْرادِ عَلى أنَّها بِمَعْنى سُفُولِ المَنزِلَةِ؛ وهو مِن بَدائِعِ الأمْثِلَةِ.

ولَمّا فَهِمَ ﷺ مِن هَذا السُّؤالِ أنَّ أتْباعَهُ غَلَوْا في شَأْنِهِ؛ فَنَزَّهَ اللَّهَ - سُبْحانَهُ؛ وعَزَّ شَأْنُهُ - مِن ذَلِكَ؛ وأخْبَرَهُ بِما أمَرَ النّاسَ بِهِ في حَقِّهِ - سُبْحانَهُ - مِنَ الحَقِّ؛ اعْتَذَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِما يُؤَكِّدُ ما مَضى؛ نَفْيًا وإثْباتًا؛ فَقالَ: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ لا عَلى غَيْرِهِمْ.

ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - قَدْ أرْسَلَهُ شاهِدًا؛ زادَ في الطّاعَةِ في ذَلِكَ إلى أنْ بَلَغَ جُهْدَهُ؛ كَإخْوانِهِ مِنَ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ -؛ فَقالَ - مُعَبِّرًا بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ -: ﴿شَهِيدًا﴾؛ أيْ: بالِغَ الشَّهادَةِ؛ لا أرى فِيهِمْ مُنْكَرًا إلّا اجْتَهَدْتُ في إزالَتِهِ؛ ﴿ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾؛ وأشارَ إلى الثَّناءِ عَلى اللَّهِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي﴾؛ أيْ: رَفَعْتَنِي إلى السَّماءِ؛ كامِلَ الذّاتِ والمَعْنى؛ مَعَ بَذْلِهِمْ جُهْدَهم في قَتْلِي؛ ﴿كُنْتَ أنْتَ﴾؛ أيْ: وحْدَكَ؛ ﴿الرَّقِيبَ﴾؛ أيْ: الحَفِيظَ القَدِيرَ؛ ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ لا يَغِيبُ عَلَيْكَ شَيْءٌ مِن أحْوالِهِمْ؛ وقَدْ مَنَعْتَهم أنْتَ أنْ يَقُولُوا شَيْئًا غَيْرَ ما أمَرْتُهم أنا بِهِ مِن عِبادَتِكَ؛ بِما نَصَبْتَ لَهم مِنَ الأدِلَّةِ؛ وأنْزَلْتَ عَلَيْهِمْ عَلى لِسانِي مِنَ البَيِّناتِ؛ ﴿وأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أيْ: مِنهُمْ؛ ومِن غَيْرِهِمْ؛ حَيَوانٍ؛ وجَمادٍ؛ ﴿شَهِيدٌ﴾؛ أيْ: مُطَّلِعٌ غايَةَ الِاطِّلاعِ؛ لا يَغِيبُ عَنْكَ شَيْءٌ مِنهُ؛ سَواءٌ كانَ في عالَمِ الغَيْبِ؛ أوِ الشَّهادَةِ؛ فَإنْ كانُوا قالُوا ذَلِكَ فَأنْتَ تَعْلَمُهُ دُونِي؛ لِأنِّي لَمّا بَعُدْتُ عَنْهم في المَسافَةِ انْقَطَعَ عِلْمِي عَنْ أحْوالِهِمْ.

Al-Maaida 5:117Listen in Qur'an →
118

إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

If You should punish them - indeed they are Your servants; but if You forgive them - indeed it is You who is the Exalted in Might, the Wise.

ولَمّا كانَ هَذا الَّذِي سَلَفَ كُلُّهُ؛ سُؤالًا؛ وجَوابًا؛ وإخْبارًا؛ حَمْدَ اللَّهِ (تَعالى) وثَناءً عَلَيْهِ بِما هو أهْلُهُ؛ بِالتَّنْزِيهِ لَهُ؛ والِاعْتِرافِ بِحَقِّهِ؛ والشَّهادَةِ لَهُ بِعِلْمِ الخَفايا؛ والقُدْرَةِ؛ والحِكْمَةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الجَلالِ؛ والجَمالِ؛ وكانَ هَذا السُّؤالُ يُفْهِمُ إرادَةَ التَّعْذِيبِ لِلْمَسْؤُولِ عَنْهُمْ؛ مُشِيرًا إلى الشَّفاعَةِ فِيهِمْ عَلى وجْهِ الحَمْدِ لِلَّهِ - سُبْحانَهُ وتَعالى - والثَّناءِ الجَمِيلِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ العَذابَ - ولَوْ لِلْمُطِيعِ - عَدْلٌ؛ والعَفْوَ عَنِ العاصِي - بِأيِّ ذَنْبٍ كانَ - فَضْلٌ مُطْلَقًا؛ وغُفْرانُ الشِّرْكِ لَيْسَ مُمْتَنِعًا بِالذّاتِ؛ قالَ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾؛ أيْ: القائِلِينَ بِهَذا القَوْلِ؛ ﴿فَإنَّهم عِبادُكَ﴾؛ أيْ: فَأنْتَ جَدِيرٌ بِأنْ تَرْحَمَهُمْ؛ ولا اعْتِراضَ عَلَيْكَ في عَذابِهِمْ؛ لِأنَّ كُلَّ حُكْمِكَ عَدْلٌ؛ ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾؛ أيْ: تَمْحُ ذُنُوبَهم عَيْنًا؛ وأثَرًا؛ ﴿فَإنَّكَ أنْتَ﴾؛ أيْ: خاصَّةً أنْتَ؛ ﴿العَزِيزُ﴾؛ فَلا أحَدَ يَعْتَرِضُ عَلَيْكَ؛ ولا يَنْسِبُكُ إلى وهْنٍ؛ ﴿الحَكِيمُ﴾؛ فَلا تَفْعَلُ شَيْئًا إلّا في أعْلى دَرَجِ الإحْكامِ؛ لا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلى تَعْقِيبِهِ؛ ولا الِاعْتِراضِ عَلى شَيْءٍ مِنهُ.

Al-Maaida 5:118Listen in Qur'an →
119

قَالَ ٱللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۚ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

Allah will say, "This is the Day when the truthful will benefit from their truthfulness." For them are gardens [in Paradise] beneath which rivers flow, wherein they will abide forever, Allah being pleased with them, and they with Him. That is the great attainment.

ولَمّا انْقَضى جَوابُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى هَذا الوَجْهِ الجَلِيلِ؛ تَشَوَّفَ السّامِعُ إلى جَوابِ اللَّهِ لَهُ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُشِيرًا إلى كَوْنِ جَوابِهِ حَقًّا؛ ومَضْمُونِهِ صِدْقًا؛ مُنَبِّهًا عَلى مَدْحِهِ؛ حاثًّا عَلى ما بُنِيَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ مِنَ الوَفاءِ بِالعُقُودِ -: ﴿قالَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ المُحِيطُ بِالجَلالِ والإكْرامِ؛ جَوابًا لِكَلامِهِ؛ ﴿هَذا﴾؛ أيْ: مَجْمُوعُ يَوْمِ القِيامَةِ؛ ولَمّا كانَ ظُهُورُ الجَزاءِ النّافِعِ هو المَقْصُودَ؛ قالَ: ﴿يَوْمُ﴾؛ هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ بِالرَّفْعِ؛ وقِراءَةُ نافِعٍ بِالنَّصْبِ؛ غَيْرَ مُنَوَّنٍ أيْضًا؛ لِإضافَتِهِ إلى مُتَمَكِّنٍ؛ بِمَعْنى: ”هَذا الَّذِي ذُكِرَ واقِعٌ...“؛ أوْ قالَ اللَّهُ هَذا الَّذِي تَقَدَّمَ يَوْمَ ﴿يَنْفَعُ الصّادِقِينَ﴾؛ أيْ: العَرِيقِينَ في هَذا الوَصْفِ؛ نَفْعًا لا يَضُرُّهم مَعَهُ شَيْءٌ؛ ﴿صِدْقُهُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِي كانَ لَهم في الدُّنْيا وصْفًا ثابِتًا؛ فَحَداهم عَلى الوَفاءِ بِما عاهَدُوا عَلَيْهِ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: يَنْفَعُهم بِأيِّ شَيْءٍ؟ فَقالَ: ﴿لَهم جَنّاتٌ﴾؛ أيْ: هي مِن رَيِّ الأرْضِ؛ الَّذِي يَسْتَلْزِمُ زُكاءَ الشَّجَرِ؛ وطِيبَ الثَّمَرِ؛ بِحَيْثُ ﴿تَجْرِي﴾؛ ولَمّا كانَ تَفَرُّقُ المِياهِ في الأراضِي أبْهَجَ؛ بَعَّضَ؛ فَقالَ: ﴿مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾؛ ولَمّا كانَ مِثْلُ هَذا لا يُرِيحُ إلّا إذا دامَ؛ قالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾؛ وأكَّدَ مَعْنى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿أبَدًا﴾

ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَتِمُّ إلّا بِرِضى المالِكِ؛ قالَ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ ﴿عَنْهُمْ﴾؛ أيْ: بِجَمِيعِ ما لَهُ مِنَ الصِّفاتِ؛ وهو كِنايَةٌ عَنْ أنَّهُ أثابَهم بِما يَكُونُ مِنَ الرّاضِي ثَوابًا مُتَنَوِّعًا بِتَنَوُّعِ ما لَهُ مِن جَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ؛ والجَمالِ؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَكْمُلُ ويَبْسُطُ؛ ويَجْمُلُ؛ إلّا بِرِضاهُمْ؛ قالَ: ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾؛ يَعْنِي أنَّهُ لَمْ يَدَعْ لَهم شَهْوَةً إلّا أنالَهم إيّاها؛ وقالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بَعْدَما أسْلَفْتُهُ عَنْهُ: فَلَمّا طَلَبَ (تَعالى) المُؤْمِنِينَ بِالوَفاءِ فِيما نَقَضَ بِهِ غَيْرُهُمْ؛ وذَكَّرَهم بِبَعْضِ ما وقَعَ فِيهِ النَّقْضُ؛ وما أعْقَبَ ذَلِكَ فاعِلَهُ؛ وأعْلَمَهم بِثَمَرَةِ التِزامِ التَّسْلِيمِ؛ والِامْتِثالِ؛ أراهم - جَلَّ وتَعالى - ثَمَرَةَ الوَفاءِ؛ وعاقِبَتَهُ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ﴾؛ إلى آخِرِها؛ فَيَحْصُلُ مِن جُمْلَتِها الأمْرُ بِالوَفاءِ فِيما تَقَدَّمَها؛ وحالُ مَن حادَّ ونَقَضَ؛ وعاقِبَةُ مَن وفى؛ وأنَّهُمُ الصّادِقُونَ؛ وقَدْ أمَرَنا أنْ نَكُونَ مَعَهُمْ؛ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]؛ انْتَهى.

ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - قَدْ أمَرَهم أوَّلَ السُّورَةِ بِالوَفاءِ؛ شُكْرًا عَلى ما أحَلَّ لَهم في دُنْياهُمْ؛ ثُمَّ أخْبَرَ أنَّهُ زادَ الشّاكِرِينَ مِنهُمْ؛ ورَقّاهم إلى أنْ أباحَهم أجَلَّ النَّفائِسِ في أُخْراهُمْ؛ ووَصَفَ - سُبْحانَهُ - هَذا الَّذِي أباحَهُ لَهُمْ؛ إلى أنْ بَلَغَ في وصْفِهِ ما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ؛ أخَذَ يَغْبِطُهم بِهِ؛ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرُ العالِي؛ لا غَيْرُهُ؛ ﴿الفَوْزُ العَظِيمُ﴾

Al-Maaida 5:119Listen in Qur'an →
120

لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۢ

To Allah belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is within them. And He is over all things competent.

ولَمّا كانَ هَذا الَّذِي أباحَهُ لَهم وأباحَهم إيّاهُ؛ لا يَكُونُ إلّا بِأسْبابٍ لا تَسَعُها العُقُولُ؛ ولا تَكْتَنِهُ بِفُرُوعٍ؛ ولا أُصُولٍ؛ عَلَّلَ إعْطاءَهُ إيّاهُ؛ وسُهُولَتَهُ لَدَيْهِ؛ بِقَوْلِهِ - مُشِيرًا إلى أنَّ كُلَّ ما ادُّعِيَتْ فِيهِ الإلَهِيَّةُ مِمّا تَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ؛ وغَيْرِها؛ بَعِيدٌ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مِلْكُهُ؛ وفي مُلْكِهِ؛ وتَحْتَ قَهْرِهِ: ﴿لِلَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لا تُكْتَنَهُ عَظَمَتُهُ؛ ولا تَضْعُفُ قُدْرَتُهُ؛ لا لِغَيْرِهِ؛ ﴿مُلْكُ السَّماواتِ﴾؛ بَدَأ بِها لِأنَّها أشْرَفُ؛ وأكْبَرُ؛ وآياتُها أدَلُّ؛ وأكْثَرُ؛ ﴿والأرْضِ﴾؛ عَلى اتِّساعِهِما؛ وعِظَمِهِما؛ وتَباعُدِ ما بَيْنَهُما؛ ﴿وما فِيهِنَّ﴾؛ أيْ: مِن جَوْهَرٍ؛ وعَرَضٍ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ أنْهى ما نَعْلَمُهُ؛ عَمَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أيْ: مِن ذَلِكَ؛ وغَيْرِهِ؛ مِن كُلِّ ما يُرِيدُ؛ ﴿قَدِيرٌ﴾؛ فَلِذَلِكَ هو يَحْكُمُ ما يُرِيدُ؛ لِأنَّهُ هو الإلَهُ وحْدَهُ؛ وهو قادِرٌ عَلى إسْعادِ مَن شاءَ؛ وإشْقاءِ مَن شاءَ؛ وإحْلالِ ما شاءَ؛ وتَحْرِيمِ ما شاءَ؛ والحُكْمِ بِما يُرِيدُ؛ ونَفْعِ الصّادِقِينَ المُوفِينَ بِالعُقُودِ؛ الثّابِتِينَ عَلى العُهُودِ؛ لِأنَّ لَهُ مُلْكَ هَذِهِ العَوالِمِ؛ وما فِيها؛ مِمّا ادُّعِيَ فِيهِ الإلَهِيَّةُ؛ مِن عِيسى وغَيْرِهِ؛ والكُلُّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ أمْواتٌ؛ بَلْ مَواتٌ؛ جَدِيرُونَ بِأنْ يُعَبَّرَ عَنْهم بِـ ”ما“؛ لا بِـ ”مَن“؛ فَمَن يَسْتَحِقُّ مَعَهُ شَيْئًا؟ ومَن يَمْلِكُ مَعَهُ ضَرًّا أوْ نَفْعًا؟ وقَدِ انْطَبَقَ آخِرُ السُّورَةِ عَلى أوَّلِها كَما تَرى؛ أيَّ انْطِباقٍ؛ واتَّسَقَتْ جَمِيعُ آياتِها آخِذًا بَعْضُها بِحَجُزِ بَعْضٍ؛ أيَّ اتِّساقٍ؛ فَسُبْحانَ مَن أنْزَلَ هَذا القُرْآنَ عَلى أعْظَمِ البَيانِ؛ مُخْجِلًا لِمَن أباهُ مِنَ الأُمَمِ؛ مُعْجِزًا لِأصْحابِ السَّيْفِ والقَلَمِ! واللَّهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى - أعْلَمُ.

Al-Maaida 5:120Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.