Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah

Ayahs 111–120 of 120

111

وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّۦنَ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِى وَبِرَسُولِى قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ

And [remember] when I inspired to the disciples, "Believe in Me and in My messenger Jesus." They said, "We have believed, so bear witness that indeed we are Muslims [in submission to Allah]."

Explained together with ayah 109

Al-Maaida 5:111Listen in Qur'an →
112

إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ۖ قَالَ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

[And remember] when the disciples said, "O Jesus, Son of Mary, can your Lord send down to us a table [spread with food] from the heaven? [Jesus] said," Fear Allah, if you should be believers."

Explained together with ayah 109

Al-Maaida 5:112Listen in Qur'an →
113

قَالُوا۟ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ

They said, "We wish to eat from it and let our hearts be reassured and know that you have been truthful to us and be among its witnesses."

Explained together with ayah 109

Al-Maaida 5:113Listen in Qur'an →
114

قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًۭا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةًۭ مِّنكَ ۖ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ

Said Jesus, the son of Mary, "O Allah, our Lord, send down to us a table [spread with food] from the heaven to be for us a festival for the first of us and the last of us and a sign from You. And provide for us, and You are the best of providers."

(فصل)

وأما السؤال السابع والعشرون: وهو ما الحكمة في ورود الثناء على الله في التشهد بلفظ الغيبة مع كونه سبحانه هو المخاطب الذي يناجيه العبد والسلام على النبي ﷺ بلفظ الخطاب مع كونه غائبا؟

فجوابه أن الثناء على الله عامة ما يجيء مضافا إلى أسمائه الحسنى الظاهرة دون الضمير إلا أن يتقدم ذكر الاسم الظاهر فيجيء بعده المضمر وهذا نحو قول المصلي: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إيّاكَ نَعْبُدُ﴾ وقوله في الركوع: "سبحان ربي العظيم" وفي السجود "سبحان ربي الأعلى " وفي هذا من السر أن تعليق الثناء بأسمائه الحسنى هو لما تضمنت معانيها من صفات الكمال ونعوت الجلال فأتى بالاسم الظاهر الدال على المعنى الذي يثنى به ولأجله عليه تعالى ولفظ الضمير لا إشعار له بذلك ولهذا إذا كان ولا بد من الثناء عليه بخطاب المواجهة أتى بالاسم الظاهر مقرونا بميم الجمع الدالة على جميع الأسماء والصفات نحو قوله في رفع رأسه من الركوع "اللهم ربنا لك الحمد" وربما اقتصر على ذكر الرب تعالى لدلالة لفظه على هذا المعنى فتأمله. فإنه لطيف المنزع جدا وتأمل كيف صدر الدعاء المتضمن للثناء والطلب بلفظة "اللهم كما في سيد الاستغفار "اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك" الحديث ..

رواه البخاري والترمذي والنسائي.

وجاء الدعاء المجرد مصدرا بلفظ الرب نحو قول المؤمنين: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ وقول آدم: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾ وقول موسى: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي﴾ وقول نوح: ﴿رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ وكان النبي ﷺ يقول بين السجدتين: "رب اغفر لي رب اغفر لي" صحيح وسر ذلك أن الله تعالى يسأل بربوبيته

المتضمنة قدرته وإحسانه وتربيته عبده وإصلاح أمره ويثنى عليه بإلهيته المتضمنة إثبات ما يجب له من الصفات العلى والأسماء الحسنى وتدبر طريقة القرآن تجدها كما ذكرت لك فأما الدعاء فقد ذكرنا منه أمثلة وهو في القرآن حيث وقع لا يكاد يجيء إلا مصدرا باسم الرب، وأما الثناء فحيث وقع فمصدر بالأسماء الحسنى وأعظم ما يصدر به اسم الله جل جلاله نحو: ﴿الحمد لله﴾ حيث جاء ونحو: ﴿فَسُبْحانَ اللَّهِ﴾ وجاء: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ﴾ ونحوه ﴿سبح لله ما في السماوات وما في الأرض﴾ حيث وقعت ونحو: ﴿تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾، ﴿فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ﴾: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ ونظائره وجاء في دعاء المسيح: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ فذكر الأمرين ولم يجئ في القرآن سواه ولا رأيت أحدا تعرض لهذا ولا نبه عليه سر عجيب دال على كمال معرفة المسيح بربه وتعظيمه له فإن هذا السؤال كان عقيب سؤال قومه له: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ فخوفهم الله وأعلمهم أن هذا مما لا يليق أن يسأل عنه وأن الإيمان يرده فلما ألحوا في الطلب وخاف المسيح أن يداخلهم الشك إن لم يجابوا إلى ما سألوا بدأ في السؤال باسم ﴿اللَّهُمَّ﴾ الدال على الثناء على الله بجميع أسمائه وصفاته ففي ضمن ذلك تصوره بصورة المثني الحامد الذاكر لأسماء ربه المثني عليه بها وأن المقصود من هذا الدعاء وقضاء هذه الحاجة إنما هو أن يثني على الرب بذلك ويمجده به ويذكر آلاءه ويظهر شواهد قدرته وربوبيته ويكون برهانا على صدق رسوله فيحصل بذلك من زيادة الإيمان والثناء على الله أمر يحسن معه الطلب ويكون كالعذر فيه فأتى بالاسمين اسم الله الذي يثني عليه به واسم الرب الذي يدعي ويسأل به لما كان المقام مقام الأمرين.

فتأمل هذا السر العجيب ولا يثب عنه فهمك فإنه من الفهم الذي يؤتيه الله من يشاء في كتابه وله الحمد.

Al-Maaida 5:114Listen in Qur'an →
115

قَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّىٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابًۭا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدًۭا مِّنَ ٱلْعَٰلَمِينَ

Allah said, "Indeed, I will sent it down to you, but whoever disbelieves afterwards from among you - then indeed will I punish him with a punishment by which I have not punished anyone among the worlds."

Explained together with ayah 114

Al-Maaida 5:115Listen in Qur'an →
116

وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُۥ فَقَدْ عَلِمْتَهُۥ ۚ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ

And [beware the Day] when Allah will say, "O Jesus, Son of Mary, did you say to the people, 'Take me and my mother as deities besides Allah?'" He will say, "Exalted are You! It was not for me to say that to which I have no right. If I had said it, You would have known it. You know what is within myself, and I do not know what is within Yourself. Indeed, it is You who is Knower of the unseen.

(مسألة)

قال تعالى عن عيسى عليه الصلاة والسلام: ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ فهذا شرط دخل على ماضي اللفظ وهو ماضي المعنى قطعا لأن المسيح إما أن يكون هذا الكلام قد صدر منه بعد رفعه إلى السماء أو يكون حكاية ما يقوله يوم القيامة وعلى التقديرين فإنما تعلق الشرط وجزاؤه بالماضي وغلط على الله من قال إن هذا القول وقع منه في الدنيا قبل رفعه والتقدير إن أكن أقول هذا فإنك تعلمه وهذا تحريف للآية لأن هذا الجواب إنما صدر منه بعد سؤال الله له عن ذلك والله لم يسأله وهو بين أظهر قومه ولا اتخذوه وأمه إلهين إلا بعد رفعه بمئين من السنين فلا يجوز تحريف كلام الله انتصارا لقاعدة نحوية هدم مائة أمثالها أسهل من تحريف معنى الآية وقال ابن السراج: في أصوله يجب تأويلهما بفعلين مستقبلين تقديرهما إن ثبت في المستقبل أني قلته في الماضي يثبت أنك علمته وكل شيء تقرر في الماضي كان ثبوته في المستقبل فيحسن التعليق عليه وهذا الجواب أيضا ضعيف جدا ولا ينبئ عنه اللفظ وليت شعري ما يصنعون بقول النبي ﷺ

" إن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه"

رواه البخاري ومسلم.

هل يقول عاقل إن الشرط هنا مستقبل؟

أما التأويل الأول فمنتف هنا قطعا وأما الثاني فلا يخفي وجه التعسف فيه وأنه لم يقصد أنه يثبت في المستقبل أنك أذنبت في الماضي فتوبي ولا قصد هذا المعنى وإنما المقصود المراد ما دل عليه الكلام إن كان صدر منك ذنب فيما مضى فاستقبليه بالتوبة لم يرد إلا هذا الكلام وإذا ظهر فساد الجوابين فالصواب أن يقال جملة الشرط والجزاء تارة تكون تعليقا محضا غير متضمن جوابا لسائل هل كان كذا ولا يتضمن لنفي قول من قال قد كان كذا فهذا يقتضي الاستقبال وتارة يكون مقصودة ومضمنة جواب سائل هل وقع كذا أو رد قوله قد وقع كذا فإذا علق الجواب هنا على شرط لم يلزم أن يكون مستقبلا لا لفظا ولا معنى بل لا يصح فيه الاستقبال بحال كمن يقول لرجل هل أعتقت عبدك فيقول إن كنت قد أعتقته فقد أعتقه الله فما للاستقبال هنا معنى قط وكذلك إذا قلته لمن قال صحبت فلانا فيقول إن كنت صحبته فقد أصبت بصحبته خيرا وكذلك إذا قلت له هل أذنبت فيقول إن كنت قد أذنبت فإني قد تبت إلى الله واستغفرته وكذلك إذا قال هل قلت لفلان كذا وهو يعلم أنه علم بقوله له فيقول إن قلته فقد علمته فقد عرفت أن هذه المواضع كلها مواضع ماض لفظا ومعنى ليطابق السؤال الجواب ويصح التعليق الخبري لا الوعدي فالتعليق الوعدي يستلزم الاستقبال وأما التعليق الخبري فلا يستلزمه ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِنَ الصّادِقِينَ﴾ وتقول إن كانت البينة شهدت بكذا وكذا فقد صدقت وهذه دقيقة خلت منها كتب النحاة والفضلاء وهي كما ترى وضوحا وبرهانا ولله الحمد.

Al-Maaida 5:116Listen in Qur'an →
117

مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَآ أَمَرْتَنِى بِهِۦٓ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًۭا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدٌ

I said not to them except what You commanded me - to worship Allah, my Lord and your Lord. And I was a witness over them as long as I was among them; but when You took me up, You were the Observer over them, and You are, over all things, Witness.

Explained together with ayah 116

Al-Maaida 5:117Listen in Qur'an →
118

إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

If You should punish them - indeed they are Your servants; but if You forgive them - indeed it is You who is the Exalted in Might, the Wise.

والرَّبُّ تَعالى يُحِبُّ ذاتَهُ وأوْصافَهُ وأسْماءَهُ، فَهو عَفْوٌ يُحِبُّ العَفْوَ، ويُحِبُّ المَغْفِرَةَ، ويُحِبُّ التَّوْبَةَ، ويَفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إلَيْهِ أعْظَمَ فَرَحٍ يَخْطُرُ بِالبالِ

وَكانَ تَقْدِيرُ ما يَغْفِرُهُ ويَعْفُو عَنْ فاعِلِهِ، ويَحْلُمُ عَنْهُ، ويَتُوبُ عَلَيْهِ ويُسامِحُهُ مِن مُوجَبِ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ، وحُصُولُ ما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ مِن ذَلِكَ، وما يَحْمَدُ بِهِ نَفْسَهُ ويَحْمَدُهُ بِهِ أهْلُ سَماواتِهِ وأهْلُ أرْضِهِ ما هو مِن مُوجَباتِ كَمالِهِ ومُقْتَضى حَمْدِهِ.

وَهُوَ سُبْحانَهُ الحَمِيدُ المَجِيدُ، وحَمْدُهُ ومَجْدُهُ يَقْتَضِيانِ آثارَهُما.

وَمِن آثارِهِما مَغْفِرَةُ الزَّلّاتِ، وإقالَةُ العَثَراتِ، والعَفْوُ عَنِ السَّيِّئاتِ، والمُسامَحَةُ عَلى الجِناياتِ، مَعَ كَمالِ القُدْرَةِ عَلى اسْتِيفاءِ الحَقِّ. والعِلْمُ مِنهُ سُبْحانَهُ بِالجِنايَةِ ومِقْدارِ عُقُوبَتِها، فَحِلْمُهُ بَعْدَ عِلْمِهِ، وعَفْوُهُ بَعْدَ قُدْرَتِهِ، ومَغْفِرَتُهُ عَنْ كَمالِ عِزَّتِهِ وحَكَمْتِهِ، كَما قالَ المَسِيحُ ﷺ ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾

أيْ فَمَغْفِرَتُكَ عَنْ كَمالِ قُدْرَتِكَ وحِكْمَتِكَ، لَسْتَ كَمَن يَغْفِرُ عَجْزًا، ويُسامِحُ جَهْلًا بِقَدْرِ الحَقِّ، بَلْ أنْتَ عَلِيمٌ بِحَقِّكَ، قادِرٌ عَلى اسْتِيفائِهِ، حَكِيمٌ في الأخْذِ بِهِ.

فَمَن تَأمَّلَ سَرَيانَ آثارِ الأسْماءِ والصِّفاتِ في العالَمِ، وفي الأمْرِ، تَبَيَّنَ لَهُ أنَّ مَصْدَرَ قَضاءِ هَذِهِ الجِناياتِ مِنَ العَبِيدِ، وتَقْدِيرُها: هو مِن كَمالِ الأسْماءِ والصِّفاتِ والأفْعالِ. وغاياتُها أيْضًا: مُقْتَضى حَمْدِهِ ومَجْدِهِ، كَما هو مُقْتَضى رُبُوبِيَّتِهِ وإلَهِيَّتِهِ.

فَلَهُ في كُلِّ ما قَضاهُ وقَدَّرَهُ الحِكْمَةُ البالِغَةُ، والآياتُ الباهِرَةُ، والتَّعَرُّفاتُ إلى عِبادِهِ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، واسْتِدْعاءُ مَحَبَّتِهِمْ لَهُ، وذِكْرِهِمْ لَهُ، وشُكْرِهِمْ لَهُ، وتَعَبُّدِهِمْ لَهُ بِأسْمائِهِ الحُسْنى، إذْ كَلُّ اسْمٍ فَلَهُ تَعَبُّدٌ مُخْتَصٌّ بِهِ، عِلْمًا ومَعْرِفَةً وحالًا، وأكْمَلُ النّاسِ عُبُودِيَّةً المُتَعَبِّدُ بِجَمِيعِ الأسْماءِ والصِّفاتِ الَّتِي يَطَّلِعُ عَلَيْها البَشَرُ، فَلا تَحْجُبُهُ عُبُودِيَّةُ اسْمٍ عَنْ عُبُودِيَّةِ اسْمٍ آخَرَ، كَمَن يَحْجُبُهُ التَّعَبُّدُ بِاسْمِهِ القَدِيرِ عَنِ التَّعَبُّدِ بِاسْمِهِ الحَلِيمِ الرَّحِيمِ، أوْ يَحْجُبُهُ عُبُودِيَّةُ اسْمِهِ المُعْطِي عَنْ عُبُودِيَّةِ اسْمِهِ المانِعِ، أوْ عُبُودِيَّةُ اسْمِهِ الرَّحِيمِ والعَفُوِّ والغَفُورِ عَنِ اسْمِهِ المُنْتَقِمِ، أوِ التَّعَبُّدُ بِأسْماءِ التَّوَدُّدِ، والبِرِّ، واللُّطْفِ، والإحْسانِ عَنْ أسْماءِ العَدْلِ، والجَبَرُوتِ، والعَظَمَةِ، والكِبْرِياءِ ونَحْوِ ذَلِكَ.

وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الكُمَّلِ مِنَ السّائِرِينَ إلى اللَّهِ، وهي طَرِيقَةٌ مُشْتَقَّةٌ مِن قَلْبِ القُرْآنِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَلِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنى فادْعُوهُ بِها﴾ [الأعراف: ١٨٠] والدُّعاءُ بِها يَتَناوَلُ دُعاءَ المَسْألَةِ، ودُعاءَ

الثَّناءِ، ودُعاءَ التَّعَبُّدِ، وهو سُبْحانُهُ يَدْعُو عِبادَهُ إلى أنْ يَعْرِفُوهُ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، ويُثْنُوا عَلَيْهِ بِها، ويَأْخُذُوا بِحَظِّهِمْ مِن عُبُودِيَّتِها.

وَهُوَ سُبْحانُهُ يُحِبُّ مُوجَبَ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ.

فَهُوَ عَلِيمٌ يُحِبُّ كُلَّ عَلِيمٍ، جَوّادٌ يُحِبُّ كُلَّ جَوّادٍ، وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ، جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمالَ، عَفُوٌّ يُحِبُّ العَفْوَ وأهْلَهُ، حَيِّيٌّ يُحِبُّ الحَياءَ وأهْلَهُ، بَرٌّ يُحِبُّ الأبْرارَ، شَكُورٌ يُحِبُّ …

Al-Maaida 5:118Listen in Qur'an →
119

قَالَ ٱللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۚ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

Allah will say, "This is the Day when the truthful will benefit from their truthfulness." For them are gardens [in Paradise] beneath which rivers flow, wherein they will abide forever, Allah being pleased with them, and they with Him. That is the great attainment.

(فصل: الرِّضا بِالقَضاءِ يَصِحُّ مِنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ)

وَغايَتُهُ التَّسْلِيمُ لِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ. فَأيْنَ هَذا مِنَ الرِّضا بِهِ رَبًّا وإلَهًا ومَعْبُودًا؟

وَأيْضًا فالرِّضا بِهِ رَبًّا فَرْضٌ. بَلْ هو مِن آكَدِ الفُرُوضِ بِاتِّفاقِ الأُمَّةِ. فَمَن لَمْ يَرْضَ بِهِ رَبًّا، لَمْ يَصِحَّ لَهُ إسْلامٌ ولا عَمَلٌ ولا حالٌ.

وَأمّا الرِّضا بِقَضائِهِ: فَأكْثَرُ النّاسِ عَلى أنَّهُ مُسْتَحَبٌّ. ولَيْسَ بِواجِبٍ.

وَقِيلَ: بَلْ هو واجِبٌ، وهُما قَوْلانِ في مَذْهَبِ أحْمَدَ.

فالفَرْقُ بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ فَرْقُ ما بَيْنَ الفَرْضِ والنَّدْبِ. وفي الحَدِيثِ الإلَهِيِّ الصَّحِيحِ «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِمِثْلِ أداءِ ما افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ» فَدَلَّ عَلى أنَّ التَّقَرُّبَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ بِأداءِ فَرائِضِهِ أفْضَلُ وأعْلى مِنَ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ بِالنَّوافِلِ.

وَأيْضًا: فَإنَّ الرِّضا بِهِ رَبًّا يَتَضَمَّنُ الرِّضا عَنْهُ، ويَسْتَلْزِمُهُ. فَإنَّ الرِّضا بِرُبُوبِيَّتِهِ: هو رِضا العَبْدِ بِما يَأْمُرُهُ بِهِ، ويَنْهاهُ عَنْهُ، ويَقْسِمُهُ لَهُ ويُقَدِّرُهُ عَلَيْهِ، ويُعْطِيهِ إيّاهُ، ويَمْنَعُهُ مِنهُ. فَمَتى لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ كُلِّهِ لَمْ يَكُنْ قَدْ رَضِيَ بِهِ رَبًّا مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ. وإنْ كانَ راضِيًا بِهِ رَبًّا مِن بَعْضِها. فالرِّضا بِهِ رَبًّا مِن كُلِّ وجْهٍ: يَسْتَلْزِمُ الرِّضا عَنْهُ، ويَتَضَمَّنُهُ بِلا رَيْبٍ.

وَأيْضًا: فالرِّضا بِهِ رَبًّا مُتَعَلِّقٌ بِذاتِهِ، وصِفاتِهِ وأسْمائِهِ، ورُبُوبِيَّتِهِ العامَّةِ والخاصَّةِ، فَهو الرِّضا بِهِ خالِقًا ومُدَبِّرًا، وآمِرًا وناهِيًا، ومَلِكًا، ومُعْطِيًا ومانِعًا، وحَكَمًا، ووَكِيلًا ووَلِيًّا، وناصِرًا ومُعِينًا، وكافِيًا وحَسِيبًا ورَقِيبًا، ومُبْتَلِيًا ومُعافِيًا، وقابِضًا وباسِطًا، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِ رُبُوبِيَّتِهِ.

وَأمّا الرِّضا عَنْهُ: فَهو رِضا العَبْدِ بِما يَفْعَلُهُ بِهِ، ويُعْطِيهِ إيّاهُ، ولِهَذا لَمْ يَجِئْ إلّا في الثَّوابِ والجَزاءِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٧] فَهَذا بِرِضاها عَنْهُ لِما حَصَلَ لَها مِن كَرامَتِهِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: ٨].

والرِّضا بِهِ: أصْلُ الرِّضا عَنْهُ، والرِّضا عَنْهُ: ثَمَرَةُ الرِّضا بِهِ.

وَسِرُّ المَسْألَةِ: أنَّ الرِّضا بِهِ مُتَعَلِّقٌ بِأسْمائِهِ وصِفاتِهِ. والرِّضا عَنْهُ: مُتَعَلِّقٌ بِثَوابِهِ وجَزائِهِ.

وَأيْضًا: فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّقَ ذَوْقَ طَعْمِ الإيمانِ بِمَن رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا. ولَمْ يُعَلِّقْهُ بِمَن رَضِيَ عَنْهُ، كَما قالَ ﷺ «ذاقَ طَعْمَ الإيمانِ مَن رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ ﷺ رَسُولًا.». فَجَعَلَ الرِّضا بِهِ قَرِينَ الرِّضا بِدِينِهِ ونَبِيِّهِ. وهَذِهِ الثَّلاثَةُ هي أُصُولُ الإسْلامِ، الَّتِي لا يَقُومُ إلّا بِها وعَلَيْها.

وَأيْضًا: فالرِّضا بِهِ رَبًّا يَتَضَمَّنُ تَوْحِيدَهُ وعِبادَتَهُ، والإنابَةَ إلَيْهِ، والتَّوَكُّلَ عَلَيْهِ، وخَوْفَهُ ورَجاءَهُ ومَحَبَّتَهُ، والصَّبْرَ لَهُ وبِهِ. والشُّكْرُ عَلى نِعَمِهِ: يَتَضَمَّنُ رُؤْيَةَ كُلِّ ما مِنهُ نِعْمَةً وإحْسانًا، وإنْ ساءَ عَبْدُهُ. فالرِّضا بِهِ يَتَضَمَّنُ شَهادَةَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ والرِّضا بِمُحَمَّدٍ رَسُولًا يَتَضَمَّنُ شَهادَةَ أنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ والرِّضا بِالإسْلامِ دِينًا: يَتَضَمَّنُ التِزامَ عُبُودِيَّتِهِ، وطاعَتَهُ وطاعَةَ …

Al-Maaida 5:119Listen in Qur'an →
120

لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۢ

To Allah belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is within them. And He is over all things competent.

Explained together with ayah 119

Al-Maaida 5:120Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.