Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 111–120 of 120

111

وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّۦنَ أَنْ ءَامِنُوا۟ بِى وَبِرَسُولِى قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ

And [remember] when I inspired to the disciples, "Believe in Me and in My messenger Jesus." They said, "We have believed, so bear witness that indeed we are Muslims [in submission to Allah]."

قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ؛ أيِ: اسْمَعُوا، أوِ اذْكُرُوا، أوِ احْذَرُوا. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: واتَّقُوا اللَّهَ المَذْكُورِ في الآيَةِ الأُولى، وقِيلَ بَدَلٌ مِن مَفْعُولِ اتَّقُوا بَدَلُ اشْتِمالٍ، وقِيلَ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: لا يَهْدِي [المائدة: ١٠٩] المَذْكُورِ قَبْلَهُ، وقِيلَ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مُتَأخِّرٍ تَقْدِيرُهُ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ يَكُونُ مِنَ الأحْوالِ كَذا وكَذا.

قَوْلُهُ: ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾ أيْ: أيُّ إجابَةٍ أجابَتْكم بِهِ أُمَمُكُمُ الَّذِينَ بَعَثَكُمُ اللَّهُ إلَيْهِمْ ؟ أوْ أيُّ جَوابٍ أجابُوكم بِهِ ؟ وعَلى الوَجْهَيْنِ تَكُونُ ما مَنصُوبَةً بِالفِعْلِ المَذْكُورِ بَعْدَها، وتَوْجِيهُ السُّؤالِ إلى الرُّسُلِ لِقَصْدِ تَوْبِيخِ قَوْمِهِمْ، وجَوابِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ مَعَ أنَّهم عالِمُونَ بِما أجابُوا بِهِ عَلَيْهِمْ تَفْوِيضٌ مِنهم، وإظْهارٌ لِلْعَجْزِ، وعَدَمِ القُدْرَةِ، ولا سِيَّما مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ السُّؤالَ سُؤالُ تَوْبِيخٍ فَإنَّ تَفْوِيضَ الجَوابِ إلى اللَّهِ أبْلَغُ في حُصُولِ ذَلِكَ، وقِيلَ: المَعْنى: لا عِلْمَ لَنا بِما أحْدَثُوا بَعْدَنا، وقِيلَ لا عِلْمَ لَنا بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ بَواطِنُهم، وقِيلَ: المَعْنى: لا عِلْمَ لَنا إلّا عِلْمُ ما أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنّا، وقِيلَ إنَّهم ذُهِلُوا عَمّا أجابَ بِهِ قَوْمُهم لِهَوْلِ المَحْشَرِ. قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ إذْ بَدَلٌ مِن يَوْمَ يَجْمَعُ، وهو تَخْصِيصٌ بَعْدَ التَّعْمِيمِ وتَخْصِيصُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن بَيْنِ الرُّسُلِ لِاخْتِلافِ طائِفَتَيِ اليَهُودِ والنَّصارى فِيهِ إفْراطًا وتَفْرِيطًا، هَذِهِ تَجْعَلُهُ إلَهًا، وهَذِهِ تَجْعَلُهُ كاذِبًا، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِتَقْدِيرِ اذْكُرْ.

قَوْلُهُ: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ﴾ ذَكَّرَهُ سُبْحانَهُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ وعَلى أُمِّهِ مَعَ كَوْنِهِ ذاكِرًا لَها عالِمًا بِتَفَضُّلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِها لِقَصْدِ تَعْرِيفِ الأُمَمِ بِما خَصَّهُما اللَّهُ بِهِ مِنَ الكَرامَةِ ومَيَّزَهُما بِهِ مِن عُلُوِّ المَقامِ، أوْ لِتَأْكِيدِ الحُجَّةِ وتَبْكِيتِ الجاحِدِ بِأنَّ مَنزِلَتَهُما عِنْدَ اللَّهِ هَذِهِ المَنزِلَةُ، وتَوْبِيخُ مَنِ اتَّخَذَهُما إلَهَيْنِ بِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ الإنْعامَ عَلَيْهِما كُلَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وأنَّهُما عَبْدانِ مِن جُمْلَةِ عِبادِهِ مُنْعَمٌ عَلَيْهِما بِنِعَمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَيْسَ لَهُما مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ.

قَوْلُهُ: ﴿إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ إذْ ظَرْفٌ لِلنِّعْمَةِ لِأنَّها بِمَعْنى المَصْدَرِ؛ أيِ: اذْكُرْ إنْعامِي عَلَيْكَ وقْتَ تَأْيِيدِي لَكَ، أوْ حالٌ مِنَ النِّعْمَةِ؛ أيْ: كائِنَةً ذَلِكَ الوَقْتِ أيَّدْتُكَ قَوَّيْتُكَ مَأْخُوذٌ مِنَ الأيْدِ وهو القُوَّةُ.

وفِي رُوحِ القُدُسِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّها الرُّوحُ الطّاهِرَةُ الَّتِي خَصَّهُ اللَّهُ بِها، وقِيلَ: إنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: إنَّهُ الكَلامُ الَّذِي يُحْيِي بِهِ الأرْواحَ. والقُدُسُ: الطُّهْرُ، وإضافَتُهُ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ سَبَبَهُ، وجُمْلَةُ ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِمَعْنى التَّأْيِيدِ، و﴿فِي المَهْدِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ أيْ: تُكَلِّمُ النّاسَ حالَ كَوْنِكَ صَبِيًّا وكَهْلًا لا يَتَفاوَتُ كَلامُكَ في الحالَتَيْنِ مَعَ أنَّ غَيْرَكَ يَتَفاوَتُ كَلامُهُ فِيهِما تَفاوُتًا بَيِّنًا.

وقَوْلُهُ: ﴿وإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿إذْ أيَّدْتُكَ﴾ أيْ واذْكُرْ نِعْمَتِي …

Al-Maaida 5:111Listen in Qur'an →
112

إِذْ قَالَ ٱلْحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَآئِدَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ۖ قَالَ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ

[And remember] when the disciples said, "O Jesus, Son of Mary, can your Lord send down to us a table [spread with food] from the heaven? [Jesus] said," Fear Allah, if you should be believers."

قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ؛ أيِ: اذْكُرْ أوْ نَحْوَهُ كَما تَقَدَّمَ، قِيلَ والخِطابُ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.

قَرَأ الكِسائِيُّ: ( هَلْ تَسْتَطِيعُ ) بِالفَوْقِيَّةِ، ونَصْبُ ( رَبَّكَ ) وبِهِ قَرَأ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ ورَفْعِ " رَبُّكَ " . واسْتَشْكَلَتِ القِراءَةُ الثّانِيَةُ بِأنَّهُ قَدْ وصَفَ سُبْحانَهُ الحَوارِيُّونَ بِأنَّهم قالُوا: ﴿آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ والسُّؤالُ عَنِ اسْتِطاعَتِهِ لِذَلِكَ يُنافِي ما حَكَوْهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ. وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا كانَ في أوَّلِ مَعْرِفَتِهِمْ قَبْلَ أنْ تَسْتَحْكِمَ مَعْرِفَتُهم بِاللَّهِ، ولِهَذا قالَ عِيسى في الجَوابِ عَنْ هَذا الِاسْتِفْهامِ الصّادِرِ مِنهم: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ لا تَشُكُّوا في قُدْرَةِ اللَّهِ، وقِيلَ: إنَّهُمُ ادَّعَوُا الإيمانَ والإسْلامَ دَعْوى باطِلَةً، ويَرُدُّهُ أنَّ الحَوارِيِّينَ هم خُلَصاءُ عِيسى وأنْصارُهُ كَما قالَ: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ صَدَرَ مِمَّنْ كانَ مَعَهم، وقِيلَ إنَّهم لَمْ يَشُكُّوا في اسْتِطاعَةِ البارِي سُبْحانَهُ، فَإنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ عارِفِينَ بِذَلِكَ، وإنَّما هو كَقَوْلِ الرَّجُلِ: هَلْ يَسْتَطِيعُ فُلانٌ أنْ يَأْتِيَ مَعَ عِلْمِهِ بِأنْ يَسْتَطِيعَ ذَلِكَ ويَقْدِرَ عَلَيْهِ، فالمَعْنى: هَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ وهَلْ يَجِبُ إلَيْهِ ؟ وقِيلَ إنَّهم طَلَبُوا الطُّمَأْنِينَةَ كَما قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ [البقرة: ٢٦٠] الآيَةَ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهم مِن بَعْدُ ﴿وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا﴾ وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى، فالمَعْنى: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَسْألَ رَبَّكَ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى هَلْ تَسْتَدْعِي طاعَةَ رَبِّكَ فِيما تَسْألُهُ فَهو مِن بابِ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، والمائِدَةُ: الخُوانُ إذا كانَ عَلَيْهِ الطَّعامُ، مِن مادَّهُ: إذا أعْطاهُ ورَفَدَهُ كَأنَّها تُمِيدُ مَن تَقَدَّمَ إلَيْهِ قالَهُ قُطْرُبٌ وغَيْرُهُ، وقِيلَ هي فاعِلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ كَ ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، فَأجابَهم عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيِ اتَّقُوهُ مِن هَذا السُّؤالِ وأمْثالِهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في إيمانِكم، فَإنَّ شَأْنَ المُؤْمِنِ تَرْكُ الِاقْتِراحَ عَلى رَبِّهِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، وقِيلَ إنَّهُ أمَرَهم بِالتَّقْوى لِيَكُونَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلى حُصُولِ ما طَلَبُوهُ.

قَوْلُهُ: ﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها﴾ بَيَّنُوا بِهِ الغَرَضَ مِن سُؤالِهِمْ نُزُولَ المائِدَةِ، وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ والمَعْنى: تَطْمَئِنُّ قُلُوبُنا بِكَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ، أوْ بِأنَّكَ مُرْسَلٌ إلَيْنا مِن عِنْدِهِ، أوْ بِأنَّ اللَّهَ قَدْ أجابَنا إلى ما سَألْناهُ، ونَعْلَمُ عِلْمًا يَقِينًا بِأنَّكَ قَدْ صَدَقْتَنا في نُبُوَّتِكَ، ونَكُونُ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ عِنْدَ مَن لَمْ يَحْضُرْها مِن بَنِي إسْرائِيلَ أوْ مِن سائِرِ النّاسِ أوْ مِنَ الشّاهِدِينَ لِلَّهِ بِالوَحْدانِيَّةِ، أوْ مِنَ الشّاهِدِينَ؛ أيِ: الحاضِرِينَ دُونَ السّامِعِينَ. ولَمّا رَأى عِيسى ما حَكَوْهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ مِنَ الغَرَضِ بِنُزُولِ المائِدَةِ قالَ: ﴿اللَّهُمَّ …

Al-Maaida 5:112Listen in Qur'an →
113

قَالُوا۟ نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ

They said, "We wish to eat from it and let our hearts be reassured and know that you have been truthful to us and be among its witnesses."

قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ؛ أيِ: اذْكُرْ أوْ نَحْوَهُ كَما تَقَدَّمَ، قِيلَ والخِطابُ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.

قَرَأ الكِسائِيُّ: ( هَلْ تَسْتَطِيعُ ) بِالفَوْقِيَّةِ، ونَصْبُ ( رَبَّكَ ) وبِهِ قَرَأ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ ورَفْعِ " رَبُّكَ " . واسْتَشْكَلَتِ القِراءَةُ الثّانِيَةُ بِأنَّهُ قَدْ وصَفَ سُبْحانَهُ الحَوارِيُّونَ بِأنَّهم قالُوا: ﴿آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ والسُّؤالُ عَنِ اسْتِطاعَتِهِ لِذَلِكَ يُنافِي ما حَكَوْهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ. وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا كانَ في أوَّلِ مَعْرِفَتِهِمْ قَبْلَ أنْ تَسْتَحْكِمَ مَعْرِفَتُهم بِاللَّهِ، ولِهَذا قالَ عِيسى في الجَوابِ عَنْ هَذا الِاسْتِفْهامِ الصّادِرِ مِنهم: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ لا تَشُكُّوا في قُدْرَةِ اللَّهِ، وقِيلَ: إنَّهُمُ ادَّعَوُا الإيمانَ والإسْلامَ دَعْوى باطِلَةً، ويَرُدُّهُ أنَّ الحَوارِيِّينَ هم خُلَصاءُ عِيسى وأنْصارُهُ كَما قالَ: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ صَدَرَ مِمَّنْ كانَ مَعَهم، وقِيلَ إنَّهم لَمْ يَشُكُّوا في اسْتِطاعَةِ البارِي سُبْحانَهُ، فَإنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ عارِفِينَ بِذَلِكَ، وإنَّما هو كَقَوْلِ الرَّجُلِ: هَلْ يَسْتَطِيعُ فُلانٌ أنْ يَأْتِيَ مَعَ عِلْمِهِ بِأنْ يَسْتَطِيعَ ذَلِكَ ويَقْدِرَ عَلَيْهِ، فالمَعْنى: هَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ وهَلْ يَجِبُ إلَيْهِ ؟ وقِيلَ إنَّهم طَلَبُوا الطُّمَأْنِينَةَ كَما قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ [البقرة: ٢٦٠] الآيَةَ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهم مِن بَعْدُ ﴿وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا﴾ وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى، فالمَعْنى: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَسْألَ رَبَّكَ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى هَلْ تَسْتَدْعِي طاعَةَ رَبِّكَ فِيما تَسْألُهُ فَهو مِن بابِ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، والمائِدَةُ: الخُوانُ إذا كانَ عَلَيْهِ الطَّعامُ، مِن مادَّهُ: إذا أعْطاهُ ورَفَدَهُ كَأنَّها تُمِيدُ مَن تَقَدَّمَ إلَيْهِ قالَهُ قُطْرُبٌ وغَيْرُهُ، وقِيلَ هي فاعِلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ كَ ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، فَأجابَهم عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيِ اتَّقُوهُ مِن هَذا السُّؤالِ وأمْثالِهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في إيمانِكم، فَإنَّ شَأْنَ المُؤْمِنِ تَرْكُ الِاقْتِراحَ عَلى رَبِّهِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، وقِيلَ إنَّهُ أمَرَهم بِالتَّقْوى لِيَكُونَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلى حُصُولِ ما طَلَبُوهُ.

قَوْلُهُ: ﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها﴾ بَيَّنُوا بِهِ الغَرَضَ مِن سُؤالِهِمْ نُزُولَ المائِدَةِ، وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ والمَعْنى: تَطْمَئِنُّ قُلُوبُنا بِكَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ، أوْ بِأنَّكَ مُرْسَلٌ إلَيْنا مِن عِنْدِهِ، أوْ بِأنَّ اللَّهَ قَدْ أجابَنا إلى ما سَألْناهُ، ونَعْلَمُ عِلْمًا يَقِينًا بِأنَّكَ قَدْ صَدَقْتَنا في نُبُوَّتِكَ، ونَكُونُ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ عِنْدَ مَن لَمْ يَحْضُرْها مِن بَنِي إسْرائِيلَ أوْ مِن سائِرِ النّاسِ أوْ مِنَ الشّاهِدِينَ لِلَّهِ بِالوَحْدانِيَّةِ، أوْ مِنَ الشّاهِدِينَ؛ أيِ: الحاضِرِينَ دُونَ السّامِعِينَ. ولَمّا رَأى عِيسى ما حَكَوْهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ مِنَ الغَرَضِ بِنُزُولِ المائِدَةِ قالَ: ﴿اللَّهُمَّ …

Al-Maaida 5:113Listen in Qur'an →
114

قَالَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةًۭ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًۭا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةًۭ مِّنكَ ۖ وَٱرْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلرَّٰزِقِينَ

Said Jesus, the son of Mary, "O Allah, our Lord, send down to us a table [spread with food] from the heaven to be for us a festival for the first of us and the last of us and a sign from You. And provide for us, and You are the best of providers."

قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ؛ أيِ: اذْكُرْ أوْ نَحْوَهُ كَما تَقَدَّمَ، قِيلَ والخِطابُ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.

قَرَأ الكِسائِيُّ: ( هَلْ تَسْتَطِيعُ ) بِالفَوْقِيَّةِ، ونَصْبُ ( رَبَّكَ ) وبِهِ قَرَأ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ ورَفْعِ " رَبُّكَ " . واسْتَشْكَلَتِ القِراءَةُ الثّانِيَةُ بِأنَّهُ قَدْ وصَفَ سُبْحانَهُ الحَوارِيُّونَ بِأنَّهم قالُوا: ﴿آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ والسُّؤالُ عَنِ اسْتِطاعَتِهِ لِذَلِكَ يُنافِي ما حَكَوْهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ. وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا كانَ في أوَّلِ مَعْرِفَتِهِمْ قَبْلَ أنْ تَسْتَحْكِمَ مَعْرِفَتُهم بِاللَّهِ، ولِهَذا قالَ عِيسى في الجَوابِ عَنْ هَذا الِاسْتِفْهامِ الصّادِرِ مِنهم: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ لا تَشُكُّوا في قُدْرَةِ اللَّهِ، وقِيلَ: إنَّهُمُ ادَّعَوُا الإيمانَ والإسْلامَ دَعْوى باطِلَةً، ويَرُدُّهُ أنَّ الحَوارِيِّينَ هم خُلَصاءُ عِيسى وأنْصارُهُ كَما قالَ: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ صَدَرَ مِمَّنْ كانَ مَعَهم، وقِيلَ إنَّهم لَمْ يَشُكُّوا في اسْتِطاعَةِ البارِي سُبْحانَهُ، فَإنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ عارِفِينَ بِذَلِكَ، وإنَّما هو كَقَوْلِ الرَّجُلِ: هَلْ يَسْتَطِيعُ فُلانٌ أنْ يَأْتِيَ مَعَ عِلْمِهِ بِأنْ يَسْتَطِيعَ ذَلِكَ ويَقْدِرَ عَلَيْهِ، فالمَعْنى: هَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ وهَلْ يَجِبُ إلَيْهِ ؟ وقِيلَ إنَّهم طَلَبُوا الطُّمَأْنِينَةَ كَما قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ [البقرة: ٢٦٠] الآيَةَ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهم مِن بَعْدُ ﴿وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا﴾ وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى، فالمَعْنى: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَسْألَ رَبَّكَ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى هَلْ تَسْتَدْعِي طاعَةَ رَبِّكَ فِيما تَسْألُهُ فَهو مِن بابِ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، والمائِدَةُ: الخُوانُ إذا كانَ عَلَيْهِ الطَّعامُ، مِن مادَّهُ: إذا أعْطاهُ ورَفَدَهُ كَأنَّها تُمِيدُ مَن تَقَدَّمَ إلَيْهِ قالَهُ قُطْرُبٌ وغَيْرُهُ، وقِيلَ هي فاعِلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ كَ ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، فَأجابَهم عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيِ اتَّقُوهُ مِن هَذا السُّؤالِ وأمْثالِهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في إيمانِكم، فَإنَّ شَأْنَ المُؤْمِنِ تَرْكُ الِاقْتِراحَ عَلى رَبِّهِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، وقِيلَ إنَّهُ أمَرَهم بِالتَّقْوى لِيَكُونَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلى حُصُولِ ما طَلَبُوهُ.

قَوْلُهُ: ﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها﴾ بَيَّنُوا بِهِ الغَرَضَ مِن سُؤالِهِمْ نُزُولَ المائِدَةِ، وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ والمَعْنى: تَطْمَئِنُّ قُلُوبُنا بِكَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ، أوْ بِأنَّكَ مُرْسَلٌ إلَيْنا مِن عِنْدِهِ، أوْ بِأنَّ اللَّهَ قَدْ أجابَنا إلى ما سَألْناهُ، ونَعْلَمُ عِلْمًا يَقِينًا بِأنَّكَ قَدْ صَدَقْتَنا في نُبُوَّتِكَ، ونَكُونُ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ عِنْدَ مَن لَمْ يَحْضُرْها مِن بَنِي إسْرائِيلَ أوْ مِن سائِرِ النّاسِ أوْ مِنَ الشّاهِدِينَ لِلَّهِ بِالوَحْدانِيَّةِ، أوْ مِنَ الشّاهِدِينَ؛ أيِ: الحاضِرِينَ دُونَ السّامِعِينَ. ولَمّا رَأى عِيسى ما حَكَوْهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ مِنَ الغَرَضِ بِنُزُولِ المائِدَةِ قالَ: ﴿اللَّهُمَّ …

Al-Maaida 5:114Listen in Qur'an →
115

قَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّىٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابًۭا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدًۭا مِّنَ ٱلْعَٰلَمِينَ

Allah said, "Indeed, I will sent it down to you, but whoever disbelieves afterwards from among you - then indeed will I punish him with a punishment by which I have not punished anyone among the worlds."

قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ؛ أيِ: اذْكُرْ أوْ نَحْوَهُ كَما تَقَدَّمَ، قِيلَ والخِطابُ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.

قَرَأ الكِسائِيُّ: ( هَلْ تَسْتَطِيعُ ) بِالفَوْقِيَّةِ، ونَصْبُ ( رَبَّكَ ) وبِهِ قَرَأ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ ورَفْعِ " رَبُّكَ " . واسْتَشْكَلَتِ القِراءَةُ الثّانِيَةُ بِأنَّهُ قَدْ وصَفَ سُبْحانَهُ الحَوارِيُّونَ بِأنَّهم قالُوا: ﴿آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ والسُّؤالُ عَنِ اسْتِطاعَتِهِ لِذَلِكَ يُنافِي ما حَكَوْهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ. وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا كانَ في أوَّلِ مَعْرِفَتِهِمْ قَبْلَ أنْ تَسْتَحْكِمَ مَعْرِفَتُهم بِاللَّهِ، ولِهَذا قالَ عِيسى في الجَوابِ عَنْ هَذا الِاسْتِفْهامِ الصّادِرِ مِنهم: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ لا تَشُكُّوا في قُدْرَةِ اللَّهِ، وقِيلَ: إنَّهُمُ ادَّعَوُا الإيمانَ والإسْلامَ دَعْوى باطِلَةً، ويَرُدُّهُ أنَّ الحَوارِيِّينَ هم خُلَصاءُ عِيسى وأنْصارُهُ كَما قالَ: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ صَدَرَ مِمَّنْ كانَ مَعَهم، وقِيلَ إنَّهم لَمْ يَشُكُّوا في اسْتِطاعَةِ البارِي سُبْحانَهُ، فَإنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ عارِفِينَ بِذَلِكَ، وإنَّما هو كَقَوْلِ الرَّجُلِ: هَلْ يَسْتَطِيعُ فُلانٌ أنْ يَأْتِيَ مَعَ عِلْمِهِ بِأنْ يَسْتَطِيعَ ذَلِكَ ويَقْدِرَ عَلَيْهِ، فالمَعْنى: هَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ وهَلْ يَجِبُ إلَيْهِ ؟ وقِيلَ إنَّهم طَلَبُوا الطُّمَأْنِينَةَ كَما قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ [البقرة: ٢٦٠] الآيَةَ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهم مِن بَعْدُ ﴿وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا﴾ وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى، فالمَعْنى: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَسْألَ رَبَّكَ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى هَلْ تَسْتَدْعِي طاعَةَ رَبِّكَ فِيما تَسْألُهُ فَهو مِن بابِ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، والمائِدَةُ: الخُوانُ إذا كانَ عَلَيْهِ الطَّعامُ، مِن مادَّهُ: إذا أعْطاهُ ورَفَدَهُ كَأنَّها تُمِيدُ مَن تَقَدَّمَ إلَيْهِ قالَهُ قُطْرُبٌ وغَيْرُهُ، وقِيلَ هي فاعِلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ كَ ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، فَأجابَهم عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيِ اتَّقُوهُ مِن هَذا السُّؤالِ وأمْثالِهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في إيمانِكم، فَإنَّ شَأْنَ المُؤْمِنِ تَرْكُ الِاقْتِراحَ عَلى رَبِّهِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، وقِيلَ إنَّهُ أمَرَهم بِالتَّقْوى لِيَكُونَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلى حُصُولِ ما طَلَبُوهُ.

قَوْلُهُ: ﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها﴾ بَيَّنُوا بِهِ الغَرَضَ مِن سُؤالِهِمْ نُزُولَ المائِدَةِ، وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ والمَعْنى: تَطْمَئِنُّ قُلُوبُنا بِكَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ، أوْ بِأنَّكَ مُرْسَلٌ إلَيْنا مِن عِنْدِهِ، أوْ بِأنَّ اللَّهَ قَدْ أجابَنا إلى ما سَألْناهُ، ونَعْلَمُ عِلْمًا يَقِينًا بِأنَّكَ قَدْ صَدَقْتَنا في نُبُوَّتِكَ، ونَكُونُ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ عِنْدَ مَن لَمْ يَحْضُرْها مِن بَنِي إسْرائِيلَ أوْ مِن سائِرِ النّاسِ أوْ مِنَ الشّاهِدِينَ لِلَّهِ بِالوَحْدانِيَّةِ، أوْ مِنَ الشّاهِدِينَ؛ أيِ: الحاضِرِينَ دُونَ السّامِعِينَ. ولَمّا رَأى عِيسى ما حَكَوْهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ مِنَ الغَرَضِ بِنُزُولِ المائِدَةِ قالَ: ﴿اللَّهُمَّ …

Al-Maaida 5:115Listen in Qur'an →
116

وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِىٓ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُۥ فَقَدْ عَلِمْتَهُۥ ۚ تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآ أَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ

And [beware the Day] when Allah will say, "O Jesus, Son of Mary, did you say to the people, 'Take me and my mother as deities besides Allah?'" He will say, "Exalted are You! It was not for me to say that to which I have no right. If I had said it, You would have known it. You know what is within myself, and I do not know what is within Yourself. Indeed, it is You who is Knower of the unseen.

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِعامِلِهِ أوْ بِعامِلٍ مُقَدَّرٍ هُنا؛ أيِ: اذْكُرْ. وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا القَوْلَ مِنهُ سُبْحانَهُ هو يَوْمُ القِيامَةِ. والنُّكْتَةُ تَوْبِيخُ عُبّادِ المَسِيحِ وأُمِّهِ مِنَ النَّصارى.

وقالَ السُّدِّيُّ وقُطْرُبٌ: إنَّهُ قالَ لَهُ هَذا القَوْلَ عِنْدَ رَفْعِهِ إلى السَّماءِ لَمّا قالَتِ النَّصارى فِيهِ ما قالَتْ، والأوَّلُ أوْلى: قِيلَ: " وإذْ " هُنا بِمَعْنى إذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا﴾ [سبأ: ٥١] أيْ إذا فَزِعُوا، وقَوْلِ أبِي النَّجْمِ:

؎ثُمَّ جَزاكَ اللَّهُ عَنِّي إذْ جَزى جَنّاتِ عَدْنٍ في السَّماواتِ العُلى

أيْ إذا جَزى، وقَوْلِ الأسْوَدِ بْنِ جَعْفَرٍ الأسَدِيِّ:

؎فِي الآنِ إذْ هازَلْتُهُنَّ فَإنَّما ∗∗∗ يَقُلْنَ ألا لَمْ يَذْهَبِ الشَّيْخُ مَذْهَبًا

أيْ إذا هازَلْتُهُنَّ تَعْبِيرًا عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ. وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ هَذا الِاسْتِفْهامِ مِنهُ تَعالى إنَّهُ لِقَصْدِ التَّوْبِيخِ كَما سَبَقَ، وقِيلَ لِقَصْدِ تَعْرِيفِ المَسِيحِ بِأنَّ قَوْمَهُ غَيَّرُوا بَعْدَهُ وادَّعَوْا عَلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْهُ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: اتَّخِذُونِي عَلى أنَّهُ حالٌ؛ أيْ: مُتَجاوِزِينَ الحَدَّ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِإلَهَيْنِ؛ أيْ: كائِنِينَ مِن دُونِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: سُبْحانَكَ تَنْزِيهٌ لَهُ سُبْحانَهُ؛ أيْ: أُنَزِّهُكَ تَنْزِيهًا ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ أيْ: ما يَنْبَغِي لِي أنْ أدَّعِيَ لِنَفْسِي ما لَيْسَ مِن حَقِّها ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ رَدَّ ذَلِكَ إلى عِلْمِهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ عَدَمُ القَوْلِ مِنهُ.

قَوْلُهُ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ في حُكْمِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَها؛ أيْ: تَعْلَمُ مَعْلُومِي ولا أعْلَمُ مَعْلُومَكَ، وهَذا الكَلامُ مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَما هو مَعْرُوفٌ عِنْدَ عُلَماءِ المَعانِي والبَيانِ، وقِيلَ: المَعْنى: تَعْلَمُ ما في غَيْبِي ولا أعْلَمُ ما في غَيْبِكَ، وقِيلَ: تَعْلَمُ ما أُخْفِيهِ ولا أعْلَمُ ما تُخْفِيهِ، وقِيلَ: تَعْلَمُ ما أُرِيدُ ولا أعْلَمُ ما تُرِيدُ. قَوْلُهُ: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما تَقَدَّمَ؛ أيْ: ما أمَرْتُهم إلّا بِما أمَرْتَنِي ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ هَذا تَفْسِيرٌ لِمَعْنى ﴿ما قُلْتُ لَهُمْ﴾ أيْ ما أمَرْتُهم، وقِيلَ: عَطْفُ بَيانٍ لِلْمُضْمَرِ في " بِهِ " وقِيلَ بَدَلٌ مِنهُ ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أيْ: حَفِيظًا ورَقِيبًا أرْعى أحْوالَهم وأمْنَعُهم عَنْ مُخالَفَةِ أمْرِكَ ﴿ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أيْ: مُدَّةَ دَوّامِي فِيهِمْ.

﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ قِيلَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ تَوَفّاهُ قَبْلَ أنْ يَرْفَعَهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الأخْبارَ قَدْ تَظافَرَتْ بِأنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وأنَّهُ باقٍ في السَّماءِ عَلى الحَياةِ الَّتِي كانَ عَلَيْها في الدُّنْيا حَتّى يَنْزِلَ إلى الأرْضِ آخِرَ الزَّمانِ، وإنَّما المَعْنى: فَلَمّا رَفَعْتَنِي إلى السَّماءِ. قِيلَ الوَفاةُ في كِتابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ جاءَتْ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: بِمَعْنى المَوْتِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢] وبِمَعْنى النَّوْمِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ …

Al-Maaida 5:116Listen in Qur'an →
117

مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَآ أَمَرْتَنِى بِهِۦٓ أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّى وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًۭا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ شَهِيدٌ

I said not to them except what You commanded me - to worship Allah, my Lord and your Lord. And I was a witness over them as long as I was among them; but when You took me up, You were the Observer over them, and You are, over all things, Witness.

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِعامِلِهِ أوْ بِعامِلٍ مُقَدَّرٍ هُنا؛ أيِ: اذْكُرْ. وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا القَوْلَ مِنهُ سُبْحانَهُ هو يَوْمُ القِيامَةِ. والنُّكْتَةُ تَوْبِيخُ عُبّادِ المَسِيحِ وأُمِّهِ مِنَ النَّصارى.

وقالَ السُّدِّيُّ وقُطْرُبٌ: إنَّهُ قالَ لَهُ هَذا القَوْلَ عِنْدَ رَفْعِهِ إلى السَّماءِ لَمّا قالَتِ النَّصارى فِيهِ ما قالَتْ، والأوَّلُ أوْلى: قِيلَ: " وإذْ " هُنا بِمَعْنى إذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا﴾ [سبأ: ٥١] أيْ إذا فَزِعُوا، وقَوْلِ أبِي النَّجْمِ:

؎ثُمَّ جَزاكَ اللَّهُ عَنِّي إذْ جَزى جَنّاتِ عَدْنٍ في السَّماواتِ العُلى

أيْ إذا جَزى، وقَوْلِ الأسْوَدِ بْنِ جَعْفَرٍ الأسَدِيِّ:

؎فِي الآنِ إذْ هازَلْتُهُنَّ فَإنَّما ∗∗∗ يَقُلْنَ ألا لَمْ يَذْهَبِ الشَّيْخُ مَذْهَبًا

أيْ إذا هازَلْتُهُنَّ تَعْبِيرًا عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ. وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ هَذا الِاسْتِفْهامِ مِنهُ تَعالى إنَّهُ لِقَصْدِ التَّوْبِيخِ كَما سَبَقَ، وقِيلَ لِقَصْدِ تَعْرِيفِ المَسِيحِ بِأنَّ قَوْمَهُ غَيَّرُوا بَعْدَهُ وادَّعَوْا عَلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْهُ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: اتَّخِذُونِي عَلى أنَّهُ حالٌ؛ أيْ: مُتَجاوِزِينَ الحَدَّ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِإلَهَيْنِ؛ أيْ: كائِنِينَ مِن دُونِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: سُبْحانَكَ تَنْزِيهٌ لَهُ سُبْحانَهُ؛ أيْ: أُنَزِّهُكَ تَنْزِيهًا ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ أيْ: ما يَنْبَغِي لِي أنْ أدَّعِيَ لِنَفْسِي ما لَيْسَ مِن حَقِّها ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ رَدَّ ذَلِكَ إلى عِلْمِهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ عَدَمُ القَوْلِ مِنهُ.

قَوْلُهُ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ في حُكْمِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَها؛ أيْ: تَعْلَمُ مَعْلُومِي ولا أعْلَمُ مَعْلُومَكَ، وهَذا الكَلامُ مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَما هو مَعْرُوفٌ عِنْدَ عُلَماءِ المَعانِي والبَيانِ، وقِيلَ: المَعْنى: تَعْلَمُ ما في غَيْبِي ولا أعْلَمُ ما في غَيْبِكَ، وقِيلَ: تَعْلَمُ ما أُخْفِيهِ ولا أعْلَمُ ما تُخْفِيهِ، وقِيلَ: تَعْلَمُ ما أُرِيدُ ولا أعْلَمُ ما تُرِيدُ. قَوْلُهُ: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما تَقَدَّمَ؛ أيْ: ما أمَرْتُهم إلّا بِما أمَرْتَنِي ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ هَذا تَفْسِيرٌ لِمَعْنى ﴿ما قُلْتُ لَهُمْ﴾ أيْ ما أمَرْتُهم، وقِيلَ: عَطْفُ بَيانٍ لِلْمُضْمَرِ في " بِهِ " وقِيلَ بَدَلٌ مِنهُ ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أيْ: حَفِيظًا ورَقِيبًا أرْعى أحْوالَهم وأمْنَعُهم عَنْ مُخالَفَةِ أمْرِكَ ﴿ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أيْ: مُدَّةَ دَوّامِي فِيهِمْ.

﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ قِيلَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ تَوَفّاهُ قَبْلَ أنْ يَرْفَعَهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الأخْبارَ قَدْ تَظافَرَتْ بِأنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وأنَّهُ باقٍ في السَّماءِ عَلى الحَياةِ الَّتِي كانَ عَلَيْها في الدُّنْيا حَتّى يَنْزِلَ إلى الأرْضِ آخِرَ الزَّمانِ، وإنَّما المَعْنى: فَلَمّا رَفَعْتَنِي إلى السَّماءِ. قِيلَ الوَفاةُ في كِتابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ جاءَتْ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: بِمَعْنى المَوْتِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢] وبِمَعْنى النَّوْمِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ …

Al-Maaida 5:117Listen in Qur'an →
118

إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ

If You should punish them - indeed they are Your servants; but if You forgive them - indeed it is You who is the Exalted in Might, the Wise.

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِعامِلِهِ أوْ بِعامِلٍ مُقَدَّرٍ هُنا؛ أيِ: اذْكُرْ. وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا القَوْلَ مِنهُ سُبْحانَهُ هو يَوْمُ القِيامَةِ. والنُّكْتَةُ تَوْبِيخُ عُبّادِ المَسِيحِ وأُمِّهِ مِنَ النَّصارى.

وقالَ السُّدِّيُّ وقُطْرُبٌ: إنَّهُ قالَ لَهُ هَذا القَوْلَ عِنْدَ رَفْعِهِ إلى السَّماءِ لَمّا قالَتِ النَّصارى فِيهِ ما قالَتْ، والأوَّلُ أوْلى: قِيلَ: " وإذْ " هُنا بِمَعْنى إذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا﴾ [سبأ: ٥١] أيْ إذا فَزِعُوا، وقَوْلِ أبِي النَّجْمِ:

؎ثُمَّ جَزاكَ اللَّهُ عَنِّي إذْ جَزى جَنّاتِ عَدْنٍ في السَّماواتِ العُلى

أيْ إذا جَزى، وقَوْلِ الأسْوَدِ بْنِ جَعْفَرٍ الأسَدِيِّ:

؎فِي الآنِ إذْ هازَلْتُهُنَّ فَإنَّما ∗∗∗ يَقُلْنَ ألا لَمْ يَذْهَبِ الشَّيْخُ مَذْهَبًا

أيْ إذا هازَلْتُهُنَّ تَعْبِيرًا عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ. وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ هَذا الِاسْتِفْهامِ مِنهُ تَعالى إنَّهُ لِقَصْدِ التَّوْبِيخِ كَما سَبَقَ، وقِيلَ لِقَصْدِ تَعْرِيفِ المَسِيحِ بِأنَّ قَوْمَهُ غَيَّرُوا بَعْدَهُ وادَّعَوْا عَلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْهُ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: اتَّخِذُونِي عَلى أنَّهُ حالٌ؛ أيْ: مُتَجاوِزِينَ الحَدَّ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِإلَهَيْنِ؛ أيْ: كائِنِينَ مِن دُونِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: سُبْحانَكَ تَنْزِيهٌ لَهُ سُبْحانَهُ؛ أيْ: أُنَزِّهُكَ تَنْزِيهًا ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ أيْ: ما يَنْبَغِي لِي أنْ أدَّعِيَ لِنَفْسِي ما لَيْسَ مِن حَقِّها ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ رَدَّ ذَلِكَ إلى عِلْمِهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ عَدَمُ القَوْلِ مِنهُ.

قَوْلُهُ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ في حُكْمِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَها؛ أيْ: تَعْلَمُ مَعْلُومِي ولا أعْلَمُ مَعْلُومَكَ، وهَذا الكَلامُ مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَما هو مَعْرُوفٌ عِنْدَ عُلَماءِ المَعانِي والبَيانِ، وقِيلَ: المَعْنى: تَعْلَمُ ما في غَيْبِي ولا أعْلَمُ ما في غَيْبِكَ، وقِيلَ: تَعْلَمُ ما أُخْفِيهِ ولا أعْلَمُ ما تُخْفِيهِ، وقِيلَ: تَعْلَمُ ما أُرِيدُ ولا أعْلَمُ ما تُرِيدُ. قَوْلُهُ: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما تَقَدَّمَ؛ أيْ: ما أمَرْتُهم إلّا بِما أمَرْتَنِي ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ هَذا تَفْسِيرٌ لِمَعْنى ﴿ما قُلْتُ لَهُمْ﴾ أيْ ما أمَرْتُهم، وقِيلَ: عَطْفُ بَيانٍ لِلْمُضْمَرِ في " بِهِ " وقِيلَ بَدَلٌ مِنهُ ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أيْ: حَفِيظًا ورَقِيبًا أرْعى أحْوالَهم وأمْنَعُهم عَنْ مُخالَفَةِ أمْرِكَ ﴿ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أيْ: مُدَّةَ دَوّامِي فِيهِمْ.

﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ قِيلَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ تَوَفّاهُ قَبْلَ أنْ يَرْفَعَهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الأخْبارَ قَدْ تَظافَرَتْ بِأنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وأنَّهُ باقٍ في السَّماءِ عَلى الحَياةِ الَّتِي كانَ عَلَيْها في الدُّنْيا حَتّى يَنْزِلَ إلى الأرْضِ آخِرَ الزَّمانِ، وإنَّما المَعْنى: فَلَمّا رَفَعْتَنِي إلى السَّماءِ. قِيلَ الوَفاةُ في كِتابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ جاءَتْ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: بِمَعْنى المَوْتِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢] وبِمَعْنى النَّوْمِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ …

Al-Maaida 5:118Listen in Qur'an →
119

قَالَ ٱللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ ٱلصَّٰدِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّٰتٌۭ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۚ رَّضِىَ ٱللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا۟ عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

Allah will say, "This is the Day when the truthful will benefit from their truthfulness." For them are gardens [in Paradise] beneath which rivers flow, wherein they will abide forever, Allah being pleased with them, and they with Him. That is the great attainment.

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِعامِلِهِ أوْ بِعامِلٍ مُقَدَّرٍ هُنا؛ أيِ: اذْكُرْ. وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا القَوْلَ مِنهُ سُبْحانَهُ هو يَوْمُ القِيامَةِ. والنُّكْتَةُ تَوْبِيخُ عُبّادِ المَسِيحِ وأُمِّهِ مِنَ النَّصارى.

وقالَ السُّدِّيُّ وقُطْرُبٌ: إنَّهُ قالَ لَهُ هَذا القَوْلَ عِنْدَ رَفْعِهِ إلى السَّماءِ لَمّا قالَتِ النَّصارى فِيهِ ما قالَتْ، والأوَّلُ أوْلى: قِيلَ: " وإذْ " هُنا بِمَعْنى إذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا﴾ [سبأ: ٥١] أيْ إذا فَزِعُوا، وقَوْلِ أبِي النَّجْمِ:

؎ثُمَّ جَزاكَ اللَّهُ عَنِّي إذْ جَزى جَنّاتِ عَدْنٍ في السَّماواتِ العُلى

أيْ إذا جَزى، وقَوْلِ الأسْوَدِ بْنِ جَعْفَرٍ الأسَدِيِّ:

؎فِي الآنِ إذْ هازَلْتُهُنَّ فَإنَّما ∗∗∗ يَقُلْنَ ألا لَمْ يَذْهَبِ الشَّيْخُ مَذْهَبًا

أيْ إذا هازَلْتُهُنَّ تَعْبِيرًا عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ. وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ هَذا الِاسْتِفْهامِ مِنهُ تَعالى إنَّهُ لِقَصْدِ التَّوْبِيخِ كَما سَبَقَ، وقِيلَ لِقَصْدِ تَعْرِيفِ المَسِيحِ بِأنَّ قَوْمَهُ غَيَّرُوا بَعْدَهُ وادَّعَوْا عَلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْهُ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: اتَّخِذُونِي عَلى أنَّهُ حالٌ؛ أيْ: مُتَجاوِزِينَ الحَدَّ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِإلَهَيْنِ؛ أيْ: كائِنِينَ مِن دُونِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: سُبْحانَكَ تَنْزِيهٌ لَهُ سُبْحانَهُ؛ أيْ: أُنَزِّهُكَ تَنْزِيهًا ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ أيْ: ما يَنْبَغِي لِي أنْ أدَّعِيَ لِنَفْسِي ما لَيْسَ مِن حَقِّها ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ رَدَّ ذَلِكَ إلى عِلْمِهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ عَدَمُ القَوْلِ مِنهُ.

قَوْلُهُ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ في حُكْمِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَها؛ أيْ: تَعْلَمُ مَعْلُومِي ولا أعْلَمُ مَعْلُومَكَ، وهَذا الكَلامُ مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَما هو مَعْرُوفٌ عِنْدَ عُلَماءِ المَعانِي والبَيانِ، وقِيلَ: المَعْنى: تَعْلَمُ ما في غَيْبِي ولا أعْلَمُ ما في غَيْبِكَ، وقِيلَ: تَعْلَمُ ما أُخْفِيهِ ولا أعْلَمُ ما تُخْفِيهِ، وقِيلَ: تَعْلَمُ ما أُرِيدُ ولا أعْلَمُ ما تُرِيدُ. قَوْلُهُ: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما تَقَدَّمَ؛ أيْ: ما أمَرْتُهم إلّا بِما أمَرْتَنِي ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ هَذا تَفْسِيرٌ لِمَعْنى ﴿ما قُلْتُ لَهُمْ﴾ أيْ ما أمَرْتُهم، وقِيلَ: عَطْفُ بَيانٍ لِلْمُضْمَرِ في " بِهِ " وقِيلَ بَدَلٌ مِنهُ ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أيْ: حَفِيظًا ورَقِيبًا أرْعى أحْوالَهم وأمْنَعُهم عَنْ مُخالَفَةِ أمْرِكَ ﴿ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أيْ: مُدَّةَ دَوّامِي فِيهِمْ.

﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ قِيلَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ تَوَفّاهُ قَبْلَ أنْ يَرْفَعَهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الأخْبارَ قَدْ تَظافَرَتْ بِأنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وأنَّهُ باقٍ في السَّماءِ عَلى الحَياةِ الَّتِي كانَ عَلَيْها في الدُّنْيا حَتّى يَنْزِلَ إلى الأرْضِ آخِرَ الزَّمانِ، وإنَّما المَعْنى: فَلَمّا رَفَعْتَنِي إلى السَّماءِ. قِيلَ الوَفاةُ في كِتابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ جاءَتْ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: بِمَعْنى المَوْتِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢] وبِمَعْنى النَّوْمِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ …

Al-Maaida 5:119Listen in Qur'an →
120

لِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۢ

To Allah belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is within them. And He is over all things competent.

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِعامِلِهِ أوْ بِعامِلٍ مُقَدَّرٍ هُنا؛ أيِ: اذْكُرْ. وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا القَوْلَ مِنهُ سُبْحانَهُ هو يَوْمُ القِيامَةِ. والنُّكْتَةُ تَوْبِيخُ عُبّادِ المَسِيحِ وأُمِّهِ مِنَ النَّصارى.

وقالَ السُّدِّيُّ وقُطْرُبٌ: إنَّهُ قالَ لَهُ هَذا القَوْلَ عِنْدَ رَفْعِهِ إلى السَّماءِ لَمّا قالَتِ النَّصارى فِيهِ ما قالَتْ، والأوَّلُ أوْلى: قِيلَ: " وإذْ " هُنا بِمَعْنى إذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا﴾ [سبأ: ٥١] أيْ إذا فَزِعُوا، وقَوْلِ أبِي النَّجْمِ:

؎ثُمَّ جَزاكَ اللَّهُ عَنِّي إذْ جَزى جَنّاتِ عَدْنٍ في السَّماواتِ العُلى

أيْ إذا جَزى، وقَوْلِ الأسْوَدِ بْنِ جَعْفَرٍ الأسَدِيِّ:

؎فِي الآنِ إذْ هازَلْتُهُنَّ فَإنَّما ∗∗∗ يَقُلْنَ ألا لَمْ يَذْهَبِ الشَّيْخُ مَذْهَبًا

أيْ إذا هازَلْتُهُنَّ تَعْبِيرًا عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ. وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ هَذا الِاسْتِفْهامِ مِنهُ تَعالى إنَّهُ لِقَصْدِ التَّوْبِيخِ كَما سَبَقَ، وقِيلَ لِقَصْدِ تَعْرِيفِ المَسِيحِ بِأنَّ قَوْمَهُ غَيَّرُوا بَعْدَهُ وادَّعَوْا عَلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْهُ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: اتَّخِذُونِي عَلى أنَّهُ حالٌ؛ أيْ: مُتَجاوِزِينَ الحَدَّ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِإلَهَيْنِ؛ أيْ: كائِنِينَ مِن دُونِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: سُبْحانَكَ تَنْزِيهٌ لَهُ سُبْحانَهُ؛ أيْ: أُنَزِّهُكَ تَنْزِيهًا ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ أيْ: ما يَنْبَغِي لِي أنْ أدَّعِيَ لِنَفْسِي ما لَيْسَ مِن حَقِّها ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ رَدَّ ذَلِكَ إلى عِلْمِهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ عَدَمُ القَوْلِ مِنهُ.

قَوْلُهُ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ في حُكْمِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَها؛ أيْ: تَعْلَمُ مَعْلُومِي ولا أعْلَمُ مَعْلُومَكَ، وهَذا الكَلامُ مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَما هو مَعْرُوفٌ عِنْدَ عُلَماءِ المَعانِي والبَيانِ، وقِيلَ: المَعْنى: تَعْلَمُ ما في غَيْبِي ولا أعْلَمُ ما في غَيْبِكَ، وقِيلَ: تَعْلَمُ ما أُخْفِيهِ ولا أعْلَمُ ما تُخْفِيهِ، وقِيلَ: تَعْلَمُ ما أُرِيدُ ولا أعْلَمُ ما تُرِيدُ. قَوْلُهُ: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما تَقَدَّمَ؛ أيْ: ما أمَرْتُهم إلّا بِما أمَرْتَنِي ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ هَذا تَفْسِيرٌ لِمَعْنى ﴿ما قُلْتُ لَهُمْ﴾ أيْ ما أمَرْتُهم، وقِيلَ: عَطْفُ بَيانٍ لِلْمُضْمَرِ في " بِهِ " وقِيلَ بَدَلٌ مِنهُ ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أيْ: حَفِيظًا ورَقِيبًا أرْعى أحْوالَهم وأمْنَعُهم عَنْ مُخالَفَةِ أمْرِكَ ﴿ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أيْ: مُدَّةَ دَوّامِي فِيهِمْ.

﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ قِيلَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ تَوَفّاهُ قَبْلَ أنْ يَرْفَعَهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الأخْبارَ قَدْ تَظافَرَتْ بِأنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وأنَّهُ باقٍ في السَّماءِ عَلى الحَياةِ الَّتِي كانَ عَلَيْها في الدُّنْيا حَتّى يَنْزِلَ إلى الأرْضِ آخِرَ الزَّمانِ، وإنَّما المَعْنى: فَلَمّا رَفَعْتَنِي إلى السَّماءِ. قِيلَ الوَفاةُ في كِتابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ جاءَتْ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: بِمَعْنى المَوْتِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢] وبِمَعْنى النَّوْمِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ …

Al-Maaida 5:120Listen in Qur'an →

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.