Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 11–20 of 120

11

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوٓا۟ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ

O you who have believed, remember the favor of Allah upon you when a people determined to extend their hands [in aggression] against you, but He withheld their hands from you; and fear Allah. And upon Allah let the believers rely.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهُمْ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ رَجُلًا مِن مُحارِبٍ قالَ لِقَوْمِهِ: ألا أقْتُلُ لَكم مُحَمَّدًا؟ فَقالُوا: وكَيْفَ تَقْتُلُهُ؟ فَقالَ: أفْتِكُ بِهِ، فَأقْبَلَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وسَيْفُهُ في حِجْرِهِ، فَأخَذَهُ، وجَعَلَ يَهُزُّهُ، ويَهِمُّ بِهِ، فَيَكْبِتُهُ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ ما تَخافُنِي؟ قالَ: لا، قالَ: لا تَخافُنِي وفي يَدِي السَّيْفُ؟! قالَ: يَمْنَعُنِي اللَّهُ مِنكَ، فَأغْمَدَ السَّيْفَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ الحَسَنُ البَصْرِيُّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. وفي بَعْضِ الألْفاظِ: فَسَقَطَ السَّيْفُ مِن يَدِهِ. وفي لَفْظٍ آخَرَ: فَما قالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا، ولا عاقَبَهُ. واسْمُ هَذا الرَّجُلِ: غَوْرَثُ بْنُ الحارِثِ مِن مُحارِبِ خَصْفَةَ.

والثّانِي: أنَّ اليَهُودَ عَزَمُوا عَلى الفَتْكِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَفاهُ اللَّهُ شَرَّهم.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صَنَعُوا لَهُ طَعامًا، فَأُوحِي إلَيْهِ بِشَأْنِهِمْ، فَلَمْ يَأْتِ. وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: خَرَجَ إلَيْهِمْ يَسْتَعِينُهم في دِيَةٍ، فَقالُوا: اجْلِسْ حَتّى نُعْطِيَكَ، فَجَلَسَ هو وأصْحابُهُ، فَخَلا بَعْضُهم بِبَعْضٍ، وقالُوا: لَنْ تَجِدُوا مُحَمَّدًا أقْرَبَ مِنهُ الآنَ، فَمَن يَظْهَرُ عَلى هَذا البَيْتِ، فَيَطْرَحُ عَلَيْهِ صَخْرَةً؟ فَقالَ: عَمْرُو بْنُ جِحاشٍ: أنا، فَجاءَ إلى رَحى عَظِيمَةٍ لِيَطْرَحَها عَلَيْهِ، فَأمْسَكَ اللَّهُ يَدَهُ، وجاءَ جِبْرِيلُ، فَأخْبَرَهُ، وخَرَجَ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

والثّالِثُ: «أنَّ بَنِي ثَعْلَبَةَ، وبَنِي مُحارِبٍ أرادُوا أنْ يَفْتِكُوا بِالنَّبِيِّ وأصْحابِهِ، وهم بِبَطْنِ نَخْلَةَ في غَزاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ السّابِعَةِ، فَقالُوا: إنَّ لَهم صَلاةً هي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِن آبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ، فَإذا سَجَدُوا وقَعْنا بِهِمْ، فَأطْلَعُ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى ذَلِكَ، وَأنْزَلَ صَلاةَ الخَوْفِ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» هَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في حَقِّ اليَهُودِ حِينَ ظاهَرُوا المُشْرِكِينَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، هَذا قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ.

Al-Maaida 5:11Listen in Qur'an →
12

۞ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًۭا ۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيْتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ۚ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ

And Allah had already taken a covenant from the Children of Israel, and We delegated from among them twelve leaders. And Allah said, "I am with you. If you establish prayer and give zakah and believe in My messengers and support them and loan Allah a goodly loan, I will surely remove from you your misdeeds and admit you to gardens beneath which rivers flow. But whoever of you disbelieves after that has certainly strayed from the soundness of the way."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ أبُو العالِيَةِ: أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَهم أنْ يُخْلِصُوا لَهُ العِبادَةَ، ولا يَعْبُدُوا غَيْرَهُ. وقالَ مُقاتِلٌ: أنْ يَعْمَلُوا بِما في التَّوْراةِ. وفي مَعْنى النَّقِيبِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الضَّمِينُ، قالَهُ الحَسَنُ، ومَعْناهُ: أنَّهُ ضَمِينٌ لِيَعْرِفَ أحْوالَ مَن تَحْتَ يَدِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِينًا عَنْهم بِالوَفاءِ، لِأنَّ ذَلِكَ لا يَصِحُّ ضَمانُهُ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هو الكَفِيلُ عَلى القَوْمِ. والنِّقابَةُ شَبِيهَةٌ بِالعَرافَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ الشّاهِدُ، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: النَّقِيبُ: شاهِدُ القَوْمِ وضَمِينُهم.

والثّالِثُ: الأمِينُ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، واليَزِيدِيُّ، وهَذِهِ الأقْوالُ تَتَقارَبُ. قالَ الزَّجّاجُ: النَّقِيبُ في اللُّغَةِ، كالأمِينِ والكَفِيلِ، يُقالُ: نَقَبَ الرَّجُلُ عَلى القَوْمِ يَنْقُبُ: إذا صارَ نَقِيبًا عَلَيْهِمْ، وصِناعَتُهُ النِّقابَةُ، وكَذَلِكَ عَرُفَ عَلَيْهِمْ: إذا صارَ عَرِيفًا، ويُقالُ لِأوَّلِ ما يَبْدُو مِنَ الجَرَبِ: النُّقْبَةُ، ويَجْمَعُ النُّقَبَ والنُّقْبَ. قالَ الشّاعِرُ:

؎ مُتَبَذِّلًا تَبْدُو مَحاسِنُهُ يَضَعُ الهَناءَ مَواضِعَ النُّقْبِ

وَيُقالُ: في فُلانٍ مَناقِبُ جَمِيلَةٌ، وكُلُّ البابِ مَعْناهُ: التَّأْثِيرُ الَّذِي لَهُ عُمْقٌ ودُخُولٌ، ومِن ذَلِكَ نَقَبْتُ الحائِطَ، أيْ: بَلَغْتُ في النَّقْبِ آخِرَهُ، والنُّقْبَةُ مِنَ الجَرَبِ: داءٌ شَدِيدُ الدُّخُولِ. وإنَّما قِيلَ: نَقِيبٌ، لِأنَّهُ يَعْلَمُ دَخِيلَةَ أمْرِ القَوْمِ، ويَعْرِفُ مَناقِبَهم، وهو الطَّرِيقُ إلى مَعْرِفَةِ أُمُورِهِمْ. ونُقِلَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ مُوسى وقَوْمَهُ بِالسَّيْرِ إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، وكانَ يَسْكُنُها الجَبّارُونَ، فَقالَ تَعالى يا مُوسى اخْرُجْ إلَيْها وَجاهِدْ مَن فِيها مِنَ العَدُوِّ، وخُذْ مِن قَوْمِكَ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا، مِن كُلِّ سِبْطٍ نَقِيبًا يَكُونُ كَفِيلًا عَلى قَوْمِهِ بِالوَفاءِ بِما أُمِرُوا بِهِ، فاخْتارُوا النُّقَباءَ.

وَفِيما بُعِثُوا لَهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ مُوسى بَعَثَهم إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، لِيَأْتُوهُ بِخَبَرِ الجَبّارِينَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهم بُعِثُوا ضُمَناءَ عَلى قَوْمِهِمْ بِالوَفاءِ بِمِيثاقِهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ إسْحاقَ. وفي نُبُوَّتِهِمْ قَوْلانِ. أصَحُّهُما: أنَّهم لَيْسُوا بِأنْبِياءَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ اللَّهُ﴾ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ. تَقْدِيرُهُ: وقالَ اللَّهُ لَهم.

وَفِي المَقُولِ لَهم قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم بَنُو إسْرائِيلَ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّهُمُ النُّقَباءُ، قالَهُ الرَّبِيعُ، ومُقاتِلٌ. ومَعْنى: "إنِّي مَعَكُمْ" أيْ: بِالعَوْنِ والنُّصْرَةِ. وفي مَعْنى: "وَعَزَّرْتُمُوهُمْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الإعانَةُ والنَّصْرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والحُسْنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ التَّعْظِيمُ والتَّوْقِيرُ، قالَهُ عَطاءٌ، واليَزِيدِيُّ، وأبُو عُبَيْدَةَ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ في هَذا الإقْراضِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ الزَّكاةُ الواجِبَةُ. والثّانِي: صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ. وقَدْ شَرَحْنا في (البَقَرَةِ) مَعْنى القَرْضِ الحَسَنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ﴾ يُشِيرُ إلى: المِيثاقِ ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أيْ: أخْطَأ قَصْدَ الطَّرِيقِ.

Al-Maaida 5:12Listen in Qur'an →
13

فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَٰقَهُمْ لَعَنَّٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَٰسِيَةًۭ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ ۙ وَنَسُوا۟ حَظًّۭا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍۢ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنْهُمْ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ

So for their breaking of the covenant We cursed them and made their hearts hard. They distort words from their [proper] usages and have forgotten a portion of that of which they were reminded. And you will still observe deceit among them, except a few of them. But pardon them and overlook [their misdeeds]. Indeed, Allah loves the doers of good.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ في الكَلامِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: فَنَقَضُوا، فَبِنَقْضِهِمْ لَعَنّاهم. وفي المُرادِ بِهَذِهِ اللَّعْنَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها التَّعْذِيبُ بِالجِزْيَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: التَّعْذِيبُ بِالمَسْخِ، قالَهُ الحَسَنُ، ومُقاتِلٌ والثّالِثُ: الإبْعادُ مِنَ الرَّحْمَةِ، قالَهُ عَطاءٌ، والزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "قاسِيَةً" بِالألْفِ، يُقالُ: قَسَتْ، فَهي قاسِيَةٌ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ: "قَسِيَّةً" بِغَيْرِ ألِفٍ مَعَ تَشْدِيدِ الياءِ، لِأنَّهُ قَدْ يَجِيءُ فاعِلٌ وفَعِيلٌ، مِثْلَ شاهِدٍ وشَهِيدٍ، وعالِمٍ وعَلِيمٍ، و "القَسْوَةُ": خِلافُ اللِّينِ والرِّقَّةِ. وقَدْ ذَكَرْنا هَذا في (البَقَرَةِ) . وفي تَحْرِيفِهِمُ الكَلِمَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: تَغْيِيرُ حُدُودِ التَّوْراةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: تَغْيِيرُ صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: تَفْسِيرُهُ عَلى غَيْرِ ما أُنْزِلَ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَنْ مَواضِعِهِ﴾ مُبَيَّنٌ في سُورَةِ (النِّساءِ)

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ "النِّسْيانُ" هاهُنا: التَّرْكُ عَنْ عَمْدٍ. و "الحَظُّ": النَّصِيبُ. قالَ مُجاهِدٌ: نَسُوا كِتابَ اللَّهِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ. وقالَ غَيْرُهُ: تَرَكُوا نَصِيبَهم مِنَ المِيثاقِ المَأْخُوذِ عَلَيْهِمْ. وفي مَعْنى (ذُكِّرُوا بِهِ) قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أُمِرُوا. والثّانِي: أُوصُوا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهُمْ﴾ وقَرَأ الأعْمَشُ: "عَلى خِيانَةٍ مِنهم "قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الخائِنَةُ: الخِيانَةُ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِفَةً لِلْخائِنِ، كَما يُقالُ: رَجُلٌ طاغِيَةٌ، وراوِيَةٌ لِلْحَدِيثِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وذَلِكَ مِثْلُ نَقْضِ قُرَيْظَةَ عَهْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وخُرُوجِ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ إلى أهْلِ مَكَّةَ لِلتَّحْرِيضِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ﴿إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾ لَمْ يَنْقُضُوا العَهْدَ، وهم عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ. وقِيلَ: بَلِ القَلِيلُ مِمَّنْ لَمْ يُؤْمِن.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ﴾ واخْتَلَفُوا في نَسْخِها عَلى قَوْلَيْنِ

أحَدُهُما: أنَّها مَنسُوخَةٌ، قالَهُ الجُمْهُورُ. واخْتَلَفُوا في ناسِخِها عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها آيَةُ السَّيْفِ. والثّانِي: قَوْلُهُ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التَّوْبَةِ: ٢٩] والثّالِثُ: قَوْلُهُ: ﴿وَإمّا تَخافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيانَةً﴾ [الأنْفالِ: ٥٨]

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ عَهْدٌ، فَغَدَرُوا، وأرادُوا قَتْلَ النَّبِيِّ ﷺ، فَأظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. ولَمْ تُنْسَخْ.

قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَجُوزُ أنْ يُعْفى عَنْهم في غَدْرَةٍ فَعَلُوها، ما لَمْ يَنْصِبُوا حَرْبًا، ولَمْ يَمْتَنِعُوا مِن أداءِ الجِزْيَةِ والإقْرارِ بِالصَّغارِ، فَلا يَتَوَجَّهُ النَّسْخُ.

Al-Maaida 5:13Listen in Qur'an →
14

وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذْنَا مِيثَٰقَهُمْ فَنَسُوا۟ حَظًّۭا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ

And from those who say, "We are Christians" We took their covenant; but they forgot a portion of that of which they were reminded. So We caused among them animosity and hatred until the Day of Resurrection. And Allah is going to inform them about what they used to do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهُمْ﴾ قالَ الحَسَنُ: إنَّما قالَ: قالُوا إنّا نَصارى، ولَمْ يَقُلْ: مِنَ النَّصارى، لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم لَيْسُوا عَلى مِنهاجِ النَّصارى حَقِيقَةً، وهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا المَسِيحَ. وقالَ قَتادَةُ: كانُوا بِقَرْيَةٍ، يُقالُ لَها: ناصِرَةٌ، فَسُمُّوا بِهَذا الِاسْمِ. قالَ مُقاتِلٌ: أُخِذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقُ، كَما أُخِذَ عَلى أهْلِ التَّوْراةِ أنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ، فَتَرَكُوا ما أُمِرُوا بِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ﴾ قالَ النَّضْرُ: هَيَّجْنا، وقالَ المُؤَرِّجُ: حَرَّشْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: ألْصَقْنا بِهِمْ ذَلِكَ، يُقالُ: غَرَيْتُ بِالرَّجُلِ غَرًى مَقْصُورًا: إذا لَصِقْتَ بِهِ، هَذا قَوْلُ الأصْمَعِيِّ. وقالَ غَيْرُ الأصْمَعِيِّ: غَرَّيْتُ بِهِ غِراءً مَمْدُودٌ، وهَذا الغِراءُ الَّذِي يُغْرّى بِهِ إنَّما يُلْصَقُ بِهِ الأشْياءُ، ومَعْنى أغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ: أنَّهم صارُوا فِرَقًا يُكَفِّرُ بَعْضُهم بَعْضًا. وفي الهاءِ والمِيمِ مِن قَوْلِهِ "بَيْنَهُمْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اليَهُودِ والنَّصارى، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى النَّصارى خاصَّةً، قالَهُ الرَّبِيعُ. وقالَ الزَّجّاجُ: هُمُ النَّصارى، مِنهُمُ النَّسْطُورِيَّةُ، واليَعْقُوبِيَّةُ، والمَلَكِيَّةُ، وكُلُّ فِرْقَةٍ مِنهم تُعادِي الأُخْرى. وفي تَمامِ الآيَةِ وعِيدٌ شَدِيدٌ لَهم.

Al-Maaida 5:14Listen in Qur'an →
15

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًۭا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍۢ ۚ قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌۭ وَكِتَٰبٌۭ مُّبِينٌۭ

O People of the Scripture, there has come to you Our Messenger making clear to you much of what you used to conceal of the Scripture and overlooking much. There has come to you from Allah a light and a clear Book.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ. والثّانِي: اليَهُودُ والنَّصارى. والرَّسُولُ مُحَمَّدٌ ﷺ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أخْفَوْا آيَةَ الرَّجْمِ وأمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ وصِفَتَهُ ﴿وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ يَتَجاوَزُ، فَلا يُخْبِرُهم بِكِتْمانِهِ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ كانَ لَهُ أنْ يُمْسِكَ عَنْ حَقٍّ كَتَمُوهُ فَلا يُبَيِّنُهُ؟ فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ مُتَلَقِّيًا ما يُؤْمَرُ بِهِ، فَإذا أُمِرَ بِإظْهارِ شَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ، أظْهَرَهُ، وأخَذَهم بِهِ، وإلّا سَكَتَ.

والثّانِي: أنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ إنَّما كانَ عَلى أنْ يُقِرُّوا عَلى دِينِهِمْ، فَلَمّا كَتَمُوا كَثِيرًا مِمّا أُمِرُوا بِهِ، واتَّخَذُوا غَيْرَهُ دِينًا، أظْهَرَ عَلَيْهِمْ ما كَتَمُوهُ مِن صِفَتِهِ وعَلامَةِ نُبُوَّتِهِ، لِتَتَحَقَّقَ مُعْجِزَتُهُ عِنْدَهم، واحْتَكَمُوا إلَيْهِ في الرَّجْمِ، فَأظْهَرَ ما كَتَمُوا مِمّا يُوافِقُ شَرِيعَتَهُ، وسَكَتَ عَنْ أشْياءَ لِيَتَحَقَّقَ إقْرارُهم عَلى دِينِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ﴾ قالَ قَتادَةُ: يَعْنِي بِالنُّورِ: النَّبِيَّ مُحَمَّدًا ﷺ .

وَقالَ غَيْرُهُ: هو الإسْلامُ، فَأمّا الكِتابُ المُبِينُ، فَهو القُرْآنُ.

Al-Maaida 5:15Listen in Qur'an →
16

يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِۦ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

By which Allah guides those who pursue His pleasure to the ways of peace and brings them out from darknesses into the light, by His permission, and guides them to a straight path.

وَ "السُّبُلُ": جَمْعُ سَبِيلٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سُبُلُ السَّلامِ: دِينُ الإسْلامِ. وقالَ السُّدِّيُّ: "السَّلامُ": هو اللَّهُ، و "سُبُلُهُ": دِينُهُ الَّذِي شَرَعَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: وجائِزٌ أنْ يَكُونَ "سُبُلُ السَّلامِ" طَرِيقَ السَّلامَةِ الَّتِي مَن سَلَكَها سَلِمَ في دِينِهِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ "السَّلامُ" اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَيَكُونُ المَعْنى: طُرُقَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي: الكُفْرَ ﴿إلى النُّورِ﴾ يَعْنِي: الإيمانَ ﴿بِإذْنِهِ﴾ أيْ: بِأمْرِهِ ﴿وَيَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو الإسْلامُ. وقالَ الحَسَنُ: طَرِيقُ الحَقِّ.

Al-Maaida 5:16Listen in Qur'an →
17

لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

They have certainly disbelieved who say that Allah is Christ, the son of Mary. Say, "Then who could prevent Allah at all if He had intended to destroy Christ, the son of Mary, or his mother or everyone on the earth?" And to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them. He creates what He wills, and Allah is over all things competent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَؤُلاءِ نَصارى أهْلِ نَجْرانَ، وذَلِكَ أنَّهُمُ اتَّخَذُوهُ إلَهًا ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أيْ: فَمَن يَقْدِرُ أنْ يَدْفَعَ مِن عَذابِهِ شَيْئًا ﴿إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ أيْ: فَلَوْ كانَ إلَهًا كَما تَزْعُمُونَ لَقَدَرَ أنْ يَرُدَّ أمْرَ اللَّهِ إذا جاءَهُ بِإهْلاكِهِ أوْ إهْلاكِ أُمِّهِ، ولَمّا نَزَلَ أمْرُ اللَّهِ بِأُمِّهِ، لَمْ يَقْدِرْ أنْ يَدْفَعَ عَنْها. وفي قَوْلِهِ: ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ رَدٌّ عَلَيْهِمْ حَيْثُ قالُوا لِلنَّبِيِّ: فَهاتِ مِثْلَهُ مِن غَيْرِ أبٍ.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما﴾ ولَمْ يَقُلْ: وما بَيْنَهُنَّ؟ فالجَوابُ: أنَّ المَعْنى: وما بَيْنَ هَذَيْنَ النَّوْعَيْنِ مِنَ الأشْياءِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

Al-Maaida 5:17Listen in Qur'an →
18

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌۭ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ

But the Jews and the Christians say, "We are the children of Allah and His beloved." Say, "Then why does He punish you for your sins?" Rather, you are human beings from among those He has created. He forgives whom He wills, and He punishes whom He wills. And to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them, and to Him is the [final] destination.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى﴾ قالَ مُقاتِلٌ: هم يَهُودُ المَدِينَةِ، ونَصارى نَجْرانَ. وقالَ السُّدِّيُّ: قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى أوْحى إلى إسْرائِيلَ: إنَّ ولَدَكَ بِكْرِيٌّ مِنَ الوَلَدِ، فَأُدْخِلُهُمُ النّارَ فَيَكُونُونَ فِيها أرْبَعِينَ يَوْمًا حَتّى تُطَهِّرَهم، وتَأْكُلَ خَطاياهم، ثُمَّ يُنادِي مُنادٍ: أخْرِجُوا كُلَّ مَخْتُونٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. وقِيلَ: إنَّهم لَمّا قالُوا: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، كانَ مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ﴾ أيْ: مِنّا ابْنُ اللَّهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ﴾ إبْطالٌ لِدَعْواهم، لِأنَّ الأبَ لا يُعَذِّبُ ولَدَهُ، والحَبِيبَ لا يُعَذِّبُ حَبِيبَهُ وهم يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُنا أرْبَعِينَ يَوْمًا بِالنّارِ.

وَقِيلَ: مَعْنى الكَلامِ: فَلِمَ عَذَّبَ مِنكم مَن مَسَخَهُ قِرَدَةً وخَنازِيرَ؟ وهم أصْحابُ السَّبْتِ والمائِدَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ أيْ: أنْتُمْ كَسائِرِ بَنِي آدَمَ تُجازَوْنَ بِالإحْسانِ والإساءَةِ. قالَ عَطاءٌ: يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ، وهُمُ المُوَحِّدُونَ، ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ، وهُمُ المُشْرِكُونَ.

Al-Maaida 5:18Listen in Qur'an →
19

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍۢ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُوا۟ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٍۢ وَلَا نَذِيرٍۢ ۖ فَقَدْ جَآءَكُم بَشِيرٌۭ وَنَذِيرٌۭ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

O People of the Scripture, there has come to you Our Messenger to make clear to you [the religion] after a period [of suspension] of messengers, lest you say, "There came not to us any bringer of good tidings or a warner." But there has come to you a bringer of good tidings and a warner. And Allah is over all things competent.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ، وسَعْدَ بْنَ عُبادَةَ، وعُقْبَةَ بْنَ وهْبٍ قالُوا: يا مَعْشَرَ اليَهُودِ اتَّقُوا اللَّهَ، واللَّهِ إنَّكم لَتَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، كُنْتُمْ تَذْكُرُونَهُ لَنا قَبْلَ مَبْعَثِهِ، وتَصِفُونَهُ بِصِفَتِهِ.

فَقالَ: وهَبُ بْنُ يَهُوذا، ورافِعٌ: ما قُلْنا هَذا لَكم، وما أنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ مُوسى مِن كِتابٍ، ولا أرْسَلَ رَسُولًا بَشِيرًا ولا نَذِيرًا [بَعْدَهُ]، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

فَأمّا "الفَتْرَةُ" فَأصْلُها السُّكُونُ، يُقالُ: فَتَرَ الشَّيْءُ يَفْتُرُ فُتُورًا: إذا سَكَنَتْ حِدَّتُهُ، وانْقَطَعَ عَمّا كانَ عَلَيْهِ، والطَّرْفُ الفاتِرُ: الَّذِي لَيْسَ بِحَدِيدٍ. والفُتُورُ: الضَّعْفُ. وفي مُدَّةِ الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ كانَ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وسِتُّونَ سَنَةً، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أرْبَعُ مِائَةٍ وبِضْعٌ وثَلاثُونَ سَنَةً، قالَهُ الضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وأرْبَعُونَ سَنَةً، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. وقالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ أيِ: انْقِطاعٍ مِنهم، قالَ: وكانَ بَيْنَ مِيلادِ عِيسى، ومِيلادِ مُحَمَّدٍ ﷺ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ سَنَةً، وهي فَتْرَةٌ. وكانَ بَعْدَ عِيسى أرْبَعَةٌ مِنَ الرُّسُلِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ﴾ [يس: ١٤] . قالَ: والرّابِعُ لا أدْرِي مَن هو. وكانَ بَيْنَ تِلْكَ السِّنِينَ مِائَةُ سَنَةٍ، وأرْبَعٌ وثَلاثُونَ نُبُوَّةً وسائِرُها فَتْرَةٌ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: والرّابِعُ -واللَّهُ أعْلَمُ- خالِدُ بْنُ سِنانٍ الَّذِي قالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ « "نَبِيٌّ ضَيَّعَهُ قَوْمُهُ" .»

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولُوا﴾ قالَ الفَرّاءُ: كَيْ لا تَقُولُوا: ﴿ [ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ]﴾ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ [النِّساءِ: ١٧٦] وقالَ غَيْرُهُ: لِئَلّا تَقُولُوا، وقِيلَ: كَراهَةَ أنْ تَقُولُوا.

Al-Maaida 5:19Listen in Qur'an →
20

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَٰقَوْمِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًۭا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًۭا مِّنَ ٱلْعَٰلَمِينَ

And [mention, O Muhammad], when Moses said to his people, "O my people, remember the favor of Allah upon you when He appointed among you prophets and made you possessors and gave you that which He had not given anyone among the worlds.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ السَّبْعُونَ الَّذِينَ اخْتارَهم مُوسى، وانْطَلَقُوا مَعَهُ إلى الجَبَلِ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ أنْبِياءَ بَعْدَ مُوسى، وهارُونَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ السّائِبِ، ومُقاتِلٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الأنْبِياءُ الَّذِينَ أُرْسِلُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ مُوسى، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وبِماذا جَعَلَهم مُلُوكًا؟ فِيهِ ثَمانِيَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: بِالمَنِّ والسَّلْوى والحَجَرِ. والثّانِي: بِأنْ جَعَلَ لِلرَّجُلِ مِنهم زَوْجَةً وخادِمًا. والثّالِثُ: بِالزَّوْجَةِ والخادِمِ والبَيْتِ، رُوِيَتْ هَذِهِ الثَّلاثَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهَذا الثّالِثُ اخْتِيارُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ. والرّابِعُ: بِالخادِمِ والبَيْتِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والخامِسُ: بِتَمْلِيكِهِمُ الخَدَمَ، وكانُوا أوَّلَ مَن تَمَلَّكَ الخَدَمَ، ومَنِ اتَّخَذَ خادِمًا فَهو مَلِكٌ، قالَهُ قَتادَةُ. والسّادِسُ: بِكَوْنِهِمْ أحْرارًا يَمْلِكُ الإنْسانُ مِنهم نَفْسَهُ وأهْلَهُ ومالَهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ. والسّابِعُ: بِالمَنازِلِ الواسِعَةِ، فِيها المِياهُ الجارِيَةُ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والثّامِنُ: بِأنْ جَعَلَ لَهُمُ المُلْكَ والسُّلْطانَ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن خُوطِبَ بِهَذا عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهم قَوْمُ مُوسى، وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ويَعْنِي بِالعالَمِينَ: الَّذِينَ هم بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ. وفي الَّذِي آتاهم ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: المَنُّ والسَّلْوى والحَجَرُ والغَمامُ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقالَ بِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ الدّارُ والخادِمُ والزَّوْجَةُ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ما أُوتِيَ أحَدٌ مِنَ النِّعَمِ في زَمانِ قَوْمِ مُوسى ما أُوتُوا.

والثّالِثُ: كَثْرَةُ الأنْبِياءِ فِيهِمْ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

والثّانِي: أنَّ الخِطابَ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي مالِكٍ.

Al-Maaida 5:20Listen in Qur'an →

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.