Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 11–20 of 120

11

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوٓا۟ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ

O you who have believed, remember the favor of Allah upon you when a people determined to extend their hands [in aggression] against you, but He withheld their hands from you; and fear Allah. And upon Allah let the believers rely.

ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مِن مُقْتَضى الإيمانِ مُلازِمَةَ شُكْرِهِ عَلى ذِكْرِ نِعَمِهِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم فَكَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم واتَّقُوا اللَّهَ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب: ٩] أيْ: في حِفْظِهِ إيّاكم عَنْ أعْدائِكُمْ: ﴿إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهُمْ﴾ أيْ: بِأنْ يَبْطِشُوا بِكم بِالقَتْلِ والإهْلاكِ: ﴿فَكَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ أيْ: مَنَعَها أنْ تُمَدَّ إلَيْكُمْ، ورَدَ مَضَرَّتَها عَنْكم.

قِيلَ: الآيَةُ إشارَةٌ إلى ما رَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أبِي سَلَمَةَ عَنْ جابِرٍ: ««أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَزَلَ مَنزِلًا وتَفَرَّقَ النّاسُ في العِضاهِ يَسْتَظِلُّونَ تَحْتَها. وعَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ سِلاحَهُ بِشَجَرَةٍ. فَجاءَ أعْرابِيٌّ إلى سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخَذَهُ فَسَلَّهُ. ثُمَّ أقْبَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قالَ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. قالَ الأعْرابِيُّ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ والنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُ. قالَ: فَشامَ الأعْرابِيُّ السَّيْفَ. فَدَعا النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ فَأخْبَرَهم خَبَرَ الأعْرابِيِّ. وهو جالِسٌ إلى جَنْبِهِ، ولَمْ يُعاقِبْهُ»» .

وقالَ مَعْمَرٌ: كانَ قَتادَةُ يَذْكُرُ نَحْوَ هَذا، ويَذْكُرُ أنَّ قَوْمًا مِنَ العَرَبِ أرادُوا أنْ يَفْتِكُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَأرْسَلُوا هَذا الأعْرابِيَّ. وتَأوَّلَ هَذِهِ الآيَةَ.

وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في "دَلائِلِ النُّبُوَّةِ" مِن طَرِيقِ الحَسَنِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، ««أنَّ رَجُلًا مِن مُحارِبٍ يُقالُ لَهُ غَوْرَثُ بْنُ الحارِثِ قالَ لِقَوْمِهِ: أقْتُلُ لَكم مُحَمَّدًا: فَأقْبَلَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو جالِسٌ وسَيْفُهُ في حِجْرِهِ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ! أأنْظُرُ إلى سَيْفِكَ هَذا؟ قالَ: نَعَمْ. فَأخَذَهُ فاسْتَلَّهُ وجَعَلَ يَهُزُّهُ ويَهُمُّ بِهِ فَيَكْبِتُهُ اللَّهُ تَعالى. فَقالَ يا مُحَمَّدُ! أما تَخافُنِي؟ قالَ: لا. قالَ: أما تَخافُنِي والسَّيْفُ في يَدِي؟ قالَ: لا. يَمْنَعُنِي اللَّهُ مِنكَ. ثُمَّ غَمَدَ السَّيْفَ ورَدَّهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ» . فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ».

وقِصَّةُ هَذا الأعْرابِيِّ ثابِتَةٌ في "الصَّحِيحِ". وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ويَزِيدَ بْنِ أبِي زِيادَةَ -واللَّفْظُ لَهُ- «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ وعَلِيٌّ وطَلْحَةُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ حَتّى دَخَلُوا عَلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ ويَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ، يَسْتَعِينُهم في عَقْلٍ أصابَهُ. فَقالُوا: نَعَمْ. اجْلِسْ حَتّى نُطْعِمَكَ أوْ نُعْطِيَكَ الَّذِي تَسْألُنا، فَجَلَسَ. فَقالَ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ لِأصْحابِهِ: لا تَرَوْنَهُ أقْرَبَ مِنهُ الآنَ. اطْرَحُوا عَلَيْهِ حِجارَةً فاقْتُلُوهُ. ولا تَرَوْنَ شَرًّا أبَدًا، فَجاءُوا إلى رَحًى عَظِيمَةٍ لِيَطْرَحُوها عَلَيْهِ، فَأمْسَكَ اللَّهُ عَنْها أيْدِيَهم. حَتّى جاءَ جِبْرِيلُ فَأقامَهُ مِن ثَمَّتَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ». ورَوى نَحْوَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ثُمَّ أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يَغْدُوَ إلَيْهِمْ، فَحاصَرَهم حَتّى أنْزَلَهم فَأجْلاهم. انْتَهى.

وعَلى هَذِهِ الرِّواياتِ، فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٢٠] تَذْكِيرُ نِعْمَةِ اللَّهِ …

Al-Maaida 5:11Listen in Qur'an →
12

۞ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ ٱثْنَىْ عَشَرَ نَقِيبًۭا ۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّى مَعَكُمْ ۖ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيْتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ ٱللَّهَ قَرْضًا حَسَنًۭا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ ۚ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ

And Allah had already taken a covenant from the Children of Israel, and We delegated from among them twelve leaders. And Allah said, "I am with you. If you establish prayer and give zakah and believe in My messengers and support them and loan Allah a goodly loan, I will surely remove from you your misdeeds and admit you to gardens beneath which rivers flow. But whoever of you disbelieves after that has certainly strayed from the soundness of the way."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٢] ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وقالَ اللَّهُ إنِّي مَعَكم لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وآمَنتُمْ بِرُسُلِي وعَزَّرْتُمُوهم وأقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عَنْكم سَيِّئاتِكم ولأُدْخِلَنَّكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكم فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾

﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مُشْتَمِلٌ عَلى ذِكْرِ بَعْضِ ما صَدَرَ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ - مِنَ الخِيانَةِ ونَقْضِ المِيثاقِ - وما أدّى إلَيْهِ ذَلِكَ مِنَ التَّبِعاتِ، مَسُوقٌ لِتَقْرِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلى ذِكْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى ومُراعاةِ حَقِّ المِيثاقِ الَّذِي واثَقَهم بِهِ. وتَحْذِيرِهِمْ مِن نَقْضِهِ. أوْ لِتَقْرِيرِ ما ذُكِرَ مِن هَمِّ بَنِي قُرَيْظَةَ بِالبَطْشِ وتَحْقِيقِهِ حَسْبَما مَرَّ مِنَ الرِّوايَةِ بِبَيانِ أنَّ الغَدْرَ والخِيانَةَ عادَةٌ لَهم قَدِيمَةٌ تَوارَثُوها مِن أسْلافِهِمْ - أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

زادَ الرّازِيُّ: تَقْرِيرُ الإلْزامِ بِالتَّكْلِيفِ بِأنَّهُ سُنَّةُ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا.

﴿وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ رَئِيسًا. سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُفَتِّشُ حالَ القَوْمِ ويَعْلَمُ دَخِيلَةَ أمْرِهِمْ: ﴿وقالَ اللَّهُ﴾ أيْ: لَهم. وفي الِالتِفاتِ تَرْبِيَةُ المَهابَةِ وتَأْكِيدُ ما يَتَضَمَّنُهُ الكَلامُ مِنَ الوَعْدِ: ﴿إنِّي مَعَكُمْ﴾ أيْ: بِالعِلْمِ والقُدْرَةِ والنُّصْرَةِ: ﴿لَئِنْ أقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وآمَنتُمْ بِرُسُلِي﴾ أيِ: الَّذِينَ يَجِيئُونَ إلَيْكم ﴿وعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: أعَنْتُمُوهم ونَصَرْتُمُوهم بِالسَّيْفِ عَلى الأعْداءِ ﴿وأقْرَضْتُمُ اللَّهَ﴾ أيْ: بِالإنْفاقِ في سَبِيلِ الخَيْرِ ﴿قَرْضًا حَسَنًا﴾ بِلا مَنٍّ ولا طَلَبِ رِبْحٍ دُنْيَوِيٍّ، مِن رِياءٍ وسُمْعَةٍ ﴿لأُكَفِّرَنَّ﴾ أيْ: لَأمْحُوَنَّ عَنْكم سَيِّئاتِكم ذُنُوبَكم ﴿ولأُدْخِلَنَّكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها﴾ أيْ: تَطَّرِدُ مِن تَحْتِ شَجَرِها ومَساكِنِها ﴿الأنْهارُ﴾ أنْهارُ الماءِ واللَّبَنِ والخَمْرِ والعَسَلِ ﴿فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيْ: بَعْدَ أخْذِ المِيثاقِ والإقْرارِ بِهِ مِنكم ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أيْ: واضِحَ السَّبِيلِ، المُوصِلَ إلى كُلِّ مَطْلَبٍ عالٍ.

Al-Maaida 5:12Listen in Qur'an →
13

فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَٰقَهُمْ لَعَنَّٰهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَٰسِيَةًۭ ۖ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ ۙ وَنَسُوا۟ حَظًّۭا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ ۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٍۢ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًۭا مِّنْهُمْ ۖ فَٱعْفُ عَنْهُمْ وَٱصْفَحْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ

So for their breaking of the covenant We cursed them and made their hearts hard. They distort words from their [proper] usages and have forgotten a portion of that of which they were reminded. And you will still observe deceit among them, except a few of them. But pardon them and overlook [their misdeeds]. Indeed, Allah loves the doers of good.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٣] ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهم وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ونَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ ولا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهم إلا قَلِيلا مِنهم فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾

﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ [ الباءُ ] سَبَبِيَّةٌ و(ما) مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ الكَلامِ وتَمْكِينِهِ في النَّفْسِ. أيْ: بِسَبَبِ نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم. أوْ نَكَرَةٌ. أيْ: بِشَيْءٍ عَظِيمٍ صَدَرَ مِنهم مِن نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمُ المُؤَكَّدَ، المَوْعُودَ عَلَيْهِ النَّصْرُ والمَغْفِرَةُ والأجْرُ العَظِيمُ ﴿لَعَنّاهُمْ﴾ أيْ: أبْعَدْناهم عَنْ رَحْمَتِنا ﴿وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ بِحَيْثُ لا تَلِينُ لِرُؤْيَةِ الآياتِ والنُّذُرِ، ولا تَتَّعِظُ بِمَوْعِظَةٍ، لِغِلَظِها وقَساوَتِها لِغَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وبَقِيَتْ تِلْكَ القَساوَةُ واللَّعْنَةُ في ذُرِّيَّتِهِمْ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾ أيْ: كَلِمَ اللَّهِ في التَّوْراةِ، بِصَرْفِ ألْفاظِهِ أوْ مَعانِيهِ ﴿عَنْ مَواضِعِهِ﴾ الَّتِي أُنْزِلَتْ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: فَسَدَتْ فُهُومُهُمْ، وساءَ تَصَرُّفُهم في آياتِ اللَّهِ، وتَأوَّلُوا كِتابَهُ عَلى غَيْرِ ما أنْزَلَهُ، وحَمَلُوهُ عَلى غَيْرِ مُرادِهِ، وقالُوا عَلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْ. عِياذًا بِاللَّهِ مِن ذَلِكَ. قالَ أبُو السُّعُودِ: والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ لِبَيانِ مَرْتَبَةِ قَساوَةِ قُلُوبِهِمْ. فَإنَّهُ لا مَرْتَبَةَ أعْظَمُ مِمّا يُصَحِّحُ الِاجْتِراءَ عَلى تَغْيِيرِ كَلامِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، والِافْتِراءِ عَلَيْهِ. وقِيلَ: حالٌ مِن مَفْعُولِ (لَعَنّاهُمْ).

﴿ونَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أيْ: تَرَكُوا نَصِيبًا وافِرًا مِمّا أُمِرُوا بِهِ في التَّوْراةِ، تَرْكَ النّاسِي لِلشَّيْءِ لِقِلَّةِ مُبالاتِهِ بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهم رُجُوعٌ عَلَيْهِ. أوْ مِنَ اتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿ولا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهُمْ﴾ أيْ: خِيانَةٍ. عَلى أنَّها مَصْدَرٌ كَ (لاغِيَةٍ وكاذِبَةٍ). أوْ طائِفَةٍ خائِنَةٍ. يَعْنِي: أنَّ الغَدْرَ والخِيانَةَ عادَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ لَهم ولِأسْلافِهِمْ، بِحَيْثُ لا يَكادُونَ يَتْرُكُونَها أوْ يَكْتُمُونَها. فَلا تَزالُ تَرى ذَلِكَ مِنهم.

قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ بِذَلِكَ تَمالُؤُهم عَلى الفَتْكِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

﴿إلا قَلِيلا مِنهُمْ﴾ وهُمُ المُؤْمِنُونَ مِنهم ﴿فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ﴾ أيْ: لا تُعاقِبْهم.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا مُوجِبُ النَّصْرِ والظَّفَرِ. كَما قالَ عُمَرُ: ما عامَلْتَ مَن عَصى اللَّهَ فِيكَ بِمِثْلِ أنْ تُطِيعَ اللَّهَ فِيهِ. وبِهَذا، يَحْصُلُ لَهم تَأْلِيفٌ وجَمْعٌ عَلى الحَقِّ. ولَعَلَّ اللَّهَ يَهْدِيهِمْ.

ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ يَعْنِي بِهِ الصَّفْحَ عَمَّنْ أساءَ؛ فَإنَّهُ مِن بابِ الإحْسانِ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: في هَذا دَلالَةٌ عَلى جَوازِ التَّحْلِيفِ عَلى الأُمُورِ المُسْتَقْبَلَةِ. وأخْذِ الكَفِيلِ عَلى الحَقِّ الَّذِي يُفْعَلُ في المُسْتَقْبَلِ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ إلَخْ، دَلِيلٌ عَلى تَأْكِيدِ المِيثاقِ، وقُبْحِ نَقْضِهِ، وأنَّهُ قَدْ يَسْلُبُ اللُّطْفَ المُبْعِدَ مِنَ المَعاصِي. ويُورِثُ النِّسْيانَ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿ونَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: قَدْ يَنْسى المَرْءُ بَعْضَ العِلْمِ بِالمَعْصِيَةِ. انْتَهى.

Al-Maaida 5:13Listen in Qur'an →
14

وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذْنَا مِيثَٰقَهُمْ فَنَسُوا۟ حَظًّۭا مِّمَّا ذُكِّرُوا۟ بِهِۦ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ ٱلْعَدَاوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ۚ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُوا۟ يَصْنَعُونَ

And from those who say, "We are Christians" We took their covenant; but they forgot a portion of that of which they were reminded. So We caused among them animosity and hatred until the Day of Resurrection. And Allah is going to inform them about what they used to do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٤] ﴿ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهم فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ وسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾

﴿ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى أخَذْنا مِيثاقَهُمْ﴾ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، وأنْ لا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وحِفْظِ شِرْعَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. وإنَّما نَسَبَ تَسْمِيَتَهم نَصارى إلى أنْفُسِهِمْ - دُونَ أنْ يُقالَ (ومِنَ النَّصارى) - إيذانًا بِأنَّهم في قَوْلِهِمْ: نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ. بِمَعْزِلٍ مِنَ الصِّدْقِ. وإنَّما هو تَقَوُّلٌ مَحْضٌ مِنهم. ولَيْسُوا مِن نُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى في شَيْءٍ. أوْ إظْهارًا لِكَمالِ سُوءِ صَنِيعِهِمْ بِبَيانِ التَّناقُضِ بَيْنَ أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ. فَإنَّ ادِّعاءَهم لِنُصْرَتِهِ تَعالى يَسْتَدْعِي ثَباتَهم عَلى طاعَتِهِ تَعالى ومُراعاةَ مِيثاقِهِ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ. قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": وبَقِيَتْ نُكْتَةٌ في تَخْصِيصِ هَذا المَوْضِعِ بِإسْنادِ النَّصْرانِيَّةِ إلى دَعْواهم. ولَمْ يَتَّفِقْ ذَلِكَ في غَيْرِهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] فالوَجْهُ في ذَلِكَ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصُودُ في هَذِهِ الآيَةِ ذَمَّهم بِنَقْضِ المِيثاقِ المَأْخُوذِ عَلَيْهِمْ في نُصْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ناسَبَ ذَلِكَ أنْ يَصْدُرَ الكَلامُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يَنْصُرُوا اللَّهَ ولَمْ يَفُوا بِما واثَقُوا عَلَيْهِ مِنَ النُّصْرَةِ. وما كانَ حاصِلُ أمْرِهِمْ إلّا التَّفَوُّهَ بِدَعْوى النُّصْرَةِ وقَوْلِها دُونَ فِعْلِها. واللَّهُ أعْلَمُ.

قالَ الشِّهابُ الخَفاجِيُّ: المَوْجُودُ في كُتُبِ اللُّغَةِ والتّارِيخِ أنَّ النَّصارى نُسِبَتْ إلى بَلْدَةِ (ناصِرَةَ) أيِ: الَّتِي حُبِلَ فِيهِ المَسِيحُ وتَرَبّى فِيها. ولِذَلِكَ كانَ يُدْعى عَلَيْهِ السَّلامُ (ناصِرِيًّا). ثُمَّ قالَ: فَلَوْ قِيلَ في الآيَةِ: إنَّهم عَلى دِينِ النَّصْرانِيَّةِ ولَيْسُوا عَلَيْها لِعَدَمِ عَمَلِهِمْ بِمُوجِبِها ومُخالَفَتِهِمْ لِما في الإنْجِيلِ مِنَ التَّبْشِيرِ بِنَبِيِّنا ﷺ - لَكانَ أقْرَبَ مِن وجْهِ التَّسْمِيَةِ الَّذِي ذَكَرُوهُ.

﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأغْرَيْنا﴾ أيْ: ألْقَيْنا ﴿بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ أيْ: يَتَعادَوْنَ ويَتَباغَضُونَ إلى قِيامِ السّاعَةِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ أهْواؤُهُمُ المُخْتَلِفَةُ، وآراؤُهُمُ الزّائِغَةُ المُؤَدِّيَةُ إلى التَّفَرُّقِ فِرَقًا مُتَبايِنَةً، يَلْعَنُ بَعْضُها بَعْضًا، ويُكَفِّرُ بَعْضُها بَعْضًا ﴿وسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ﴾ يُخْبِرُهُمُ اللَّهُ في الآخِرَةِ ﴿بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ مِنَ المُخالَفَةِ وكِتْمانِ الحَقِّ والعَداوَةِ والبَغْضاءِ. ونِسْيانِ الحَظِّ الوافِرِ مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ. وهَذا وعِيدٌ شَدِيدٌ بِالجَزاءِ والعَذابِ.

لَطِيفَةٌ:

تَطَرَّقَ البِقاعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - في "تَفْسِيرِهِ" هُنا إلى ذِكْرِ نُقَباءِ بَنِي إسْرائِيلَ بِأسْمائِهِمْ، وأنَّ عِدَّتَهم طابَقَتْ عِدَّةَ نُقَباءِ النَّصارى - وهُمُ الحَوارِيُّونَ - كَما طابَقَتْ عِدَّةَ نُقَباءِ الأنْصارِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ الأخِيرَةَ، حِينَ بايَعَ النَّبِيُّ ﷺ الأنْصارَ عَلى الحَرْبِ، وأنْ يَمْنَعُوهُ إذا وصَلَ إلَيْهِمْ، وقالَ لَهُمْ: أخْرِجُوا إلَيَّ مِنكُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا - كَما اخْتارَ مُوسى مِن قَوْمِهِ - فَأخْرَجُوا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا: تِسْعَةٌ مِنَ …

Al-Maaida 5:14Listen in Qur'an →
15

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًۭا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَٰبِ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍۢ ۚ قَدْ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌۭ وَكِتَٰبٌۭ مُّبِينٌۭ

O People of the Scripture, there has come to you Our Messenger making clear to you much of what you used to conceal of the Scripture and overlooking much. There has come to you from Allah a light and a clear Book.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٥] ﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾

﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ﴾ أيْ: مِن نَحْوِ بِعْثَتِهِ ﷺ، وآيَةِ الرَّجْمِ في التَّوْراةِ، وبِشارَةِ عِيسى بِهِ، إظْهارًا لِلْحَقِّ ﴿ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ أيْ: مِمّا تُخْفُونَهُ. لا يُبَيِّنُهُ. مِمّا لا ضَرُورَةَ في بَيانِهِ، صِيانَةً لَكم عَنْ زِيادَةِ الِافْتِضاحِ. أوْ يَعْفُو فَلا يُؤاخِذُ. وفي هَذِهِ الآيَةِ بَيانُ مُعْجِزَةٍ لَهُ ﷺ. فَإنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ كِتابًا ولَمْ يَتَعَلَّمْ عِلْمًا مِن أحَدٍ، فَإخْبارُهُ بِأسْرارِ ما في كِتابِهِمْ إخْبارٌ عَنِ الغَيْبِ، فَيَكُونُ مُعْجِزًا ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾ يُرِيدُ القُرْآنَ. لِكَشْفِهِ ظُلُماتِ الشِّرْكِ والشَّكِّ. ولِإبانَتِهِ ما كانَ خافِيًا عَلى النّاسِ مِنَ الحَقِّ. أوْ لِأنَّهُ ظاهِرُ الإعْجازِ. أوِ النُّورِ، مُحَمَّدٍ ﷺ لِأنَّهُ يُهْتَدى بِهِ، كَما سُمِّيَ سِراجًا.

Al-Maaida 5:15Listen in Qur'an →
16

يَهْدِى بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِۦ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ

By which Allah guides those who pursue His pleasure to the ways of peace and brings them out from darknesses into the light, by His permission, and guides them to a straight path.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٦] ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ﴾ أيْ: رِضاهُ بِالإيمانِ بِهِ ﴿سُبُلَ السَّلامِ﴾ أيْ: طُرُقَ السَّلامَةِ والنَّجاةِ مِن عَذابِ اللَّهِ ﴿ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ﴾ أيْ: ظُلُماتِ الكُفْرِ والشُّبَهِ إلى نُورِ الإيمانِ والدَّلائِلِ القَطْعِيَّةِ ﴿بِإذْنِهِ﴾ أيْ: بِتَوْفِيقِهِ وإرادَتِهِ ﴿ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو الدِّينُ الحَقُّ السَّوِيُّ في الِاعْتِقاداتِ والأعْمالِ، العَرِيُّ عَنِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ فِيها. ثُمَّ أشارَ إلى إفْراطِ بَعْضِ النَّصارى في حَقِّ عِيسى، وتَفْرِيطِهِمْ في حَقِّ اللَّهِ جَلَّ شَأْنُهُ فَقالَ:

Al-Maaida 5:16Listen in Qur'an →
17

لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًۭا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

They have certainly disbelieved who say that Allah is Christ, the son of Mary. Say, "Then who could prevent Allah at all if He had intended to destroy Christ, the son of Mary, or his mother or everyone on the earth?" And to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them. He creates what He wills, and Allah is over all things competent.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٧] ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وأُمَّهُ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: إنَّ ما أفادَتْهُ مِنَ الحَصْرِ - وإنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ - إلّا أنَّهُ نُسِبَ إلَيْهِمْ لِأنَّهُ لازِمُ مَذْهَبِهِمْ لِأنَّ مُعْتَقَدَهم مُؤَدٍّ إلَيْهِ.

قالَ الرّازِيُّ: لِأنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ أُقْنُومَ الكَلِمَةِ اتَّحَدَ بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ. فَأُقْنُومُ الكَلِمَةِ إمّا أنْ يَكُونَ ذاتًا أوْ صِفَةً. فَإنْ كانَ ذاتًا فَذاتُ اللَّهِ تَعالى قَدْ حَلَّتْ في عِيسى واتَّحَدَتْ بِعِيسى فَيَكُونُ عِيسى هو الإلَهَ عَلى هَذا القَوْلِ. وإنْ قُلْنا: إنَّ الأُقْنُومَ عِبارَةٌ عَنِ الصِّفَةِ، فانْتِقالُ الصِّفَةِ مِن ذاتٍ إلى ذاتٍ أُخْرى غَيْرُ مَعْقُولٍ. ثُمَّ بِتَقْدِيرِ انْتِقالِ أُقْنُومِ العِلْمِ عَنْ ذاتِ اللَّهِ تَعالى إلى عِيسى، يَلْزَمُ خُلُوُّ ذاتِ اللَّهِ عَنِ العِلْمِ. ومَن لَمْ يَكُنْ عالِمًا لَمْ يَكُنْ إلَهًا. فَحِينَئِذٍ يَكُونُ الإلَهُ هو عِيسى. عَلى قَوْلِهِمْ. فَثَبَتَ أنَّ النَّصارى - وإنْ كانُوا لا يُصَرِّحُونَ بِهَذا القَوْلِ - إلّا أنَّ حاصِلَ مَذْهَبِهِمْ لَيْسَ إلّا ذَلِكَ. انْتَهى.

وبُطْلانُ الِاتِّحادِ مَعْلُومٌ بِالبَداهَةِ.

قالَ العَلّامَةُ العَضُدُ في (المَوْقِفِ الثّانِي): المَقْصِدُ الثّامِنُ: الِاثْنانِ لا يَتَّحِدانِ. وهَذا حُكْمٌ ضَرُورِيٌّ. فَإنَّ الِاخْتِلافَ بَيْنَ الماهِيَّتَيْنِ والهُوِيَّتَيْنِ اخْتِلافٌ بِالذّاتِ فَلا يُعْقَلُ زَوالُهُ. وهَذا رُبَّما يُزادُ تَوْضِيحُهُ فَيُقالُ: إنْ عُدِمَ الهُوِيَّتانِ فَلا اتِّحادَ، بَلْ وحَدَثَ أمْرٌ ثالِثٌ غَيْرَهُما - وإنْ عُدِمَ أحَدُهُما - فَلا يَتَّحِدُ المَعْدُومُ بِالمَوْجُودِ، وإنْ وُجِدا فَهُما اثْنانِ كَما كانا، فَلا اتِّحادَ أيْضًا. انْتَهى.

الوَجْهُ الثّانِي: إنَّهُ عُنِيَ بِهَذِهِ الآيَةِ قَوْمٌ يَقُولُونَ بِأنَّ حَقِيقَةَ اللَّهِ هو المَسِيحُ لا غَيْرَ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قِيلَ: كانَ في النَّصارى قَوْمٌ يَقُولُونَ ذَلِكَ. انْتَهى.

قالَ الإمامُ الشَّهْرِسْتانِيُّ في "المِلَلِ والنِّحَلِ" عِنْدَ ذِكْرِ فِرَقِ النَّصارى:

ومِنهُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ أصْحابُ يَعْقُوبَ. قالُوا بِالأقانِيمِ الثَّلاثَةِ - كَما ذَكَرْنا - إلّا أنَّهم قالُوا: انْقَلَبَتِ الكَلِمَةُ لَحْمًا ودَمًا فَصارَ الإلَهُ هو المَسِيحَ، وهو الظّاهِرُ بِجَسَدِهِ بَلْ هو هو. وعَنْهم أخْبَرَنا القُرْآنُ الكَرِيمُ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ فَمِنهم مَن قالَ: المَسِيحُ هو اللَّهُ. ومِنهم مَن قالَ: ظَهَرَ اللّاهُوتُ بِالنّاسُوتِ فَصارَ ناسُوتُ المَسِيحِ مَظْهَرَ الحَقِّ. لا عَلى طَرِيقِ حُلُولِ جُزْءٍ فِيهِ. ولا عَلى سَبِيلِ اتِّحادِ الكَلِمَةِ الَّتِي هي في حُكْمِ الصِّفَةِ بَلْ صارَ هو هو. وهَذا كَما يُقالُ: ظَهَرَ المَلَكُ بِصُورَةِ الإنْسانِ. أوْ ظَهَرَ الشَّيْطانُ بِصُورَةِ حَيَوانٍ.. إلَخْ.

وذَكَرَ الإمامُ اَلْماوَرْدِيُّ في "أعْلامِ النُّبُوَّةِ": إنَّ أوائِلَ النَّسْطُورِيَّةِ قالُوا: إنَّ عِيسى هو اللَّهُ. انْتَهى.

وذَكَرَ الإمامُ ابْنُ إسْحاقَ في "السِّيرَةِ": إنَّ نَصارى نَجْرانَ لَمّا وفَدُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كانُوا مِنَ النَّصْرانِيَّةِ عَلى دِينِ مَلِكِهِمْ، …

Al-Maaida 5:17Listen in Qur'an →
18

وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحْنُ أَبْنَٰٓؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥ ۚ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم ۖ بَلْ أَنتُم بَشَرٌۭ مِّمَّنْ خَلَقَ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ۚ وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۖ وَإِلَيْهِ ٱلْمَصِيرُ

But the Jews and the Christians say, "We are the children of Allah and His beloved." Say, "Then why does He punish you for your sins?" Rather, you are human beings from among those He has created. He forgives whom He wills, and He punishes whom He wills. And to Allah belongs the dominion of the heavens and the earth and whatever is between them, and to Him is the [final] destination.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٨] ﴿وقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكم بَلْ أنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾

﴿وقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ حِكايَةٌ لِما صَدَرَ عَنِ الفَرِيقَيْنِ مِنَ الدَّعْوى الباطِلَةِ. وبَيانٌ لِبُطْلانِها بَعْدَ بُطْلانِ ما صَدَرَ عَنْ أحَدِهِما. أيْ: قالُوا: نَحْنُ مِنَ اللَّهِ بِمَنزِلَةِ الأبْناءِ مِنَ الآباءِ في المَنزِلَةِ والكَرامَةِ. ونَحْنُ أحِبّاؤُهُ لِأنَّنا عَلى دِينِهِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ونَقَلُوا عَنْ كِتابِهِمْ أنَّ اللَّهَ قالَ لِعَبْدِهِ إسْرائِيلَ: أنْتَ ابْنِي بِكْرِيٌّ. فَحَمَلُوا هَذا عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ وحَرَّفُوهُ. وقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ مِمَّنْ أسْلَمَ مِن عُقَلائِهِمْ. وقالُوا: هَذا يُطْلَقُ عِنْدَهم عَلى التَّشْرِيفِ والإكْرامِ. كَما نَقَلَ النَّصارى عَنْ كِتابِهِمْ أنَّ عِيسى قالَ لَهُمْ: إنِّي ذاهِبٌ إلى أبِي وأبِيكُمْ، يَعْنِي رَبِّي ورَبَّكم. ومَعْلُومٌ أنَّهم لَمْ يَدَّعُوا لِأنْفُسِهِمْ مِنَ النُّبُوَّةِ ما ادَّعَوْها في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وإنَّما أرادُوا بِذَلِكَ مَعَزَّتَهم لَدَيْهِ، وحُظْوَتَهم عِنْدَهُ...! انْتَهى.

وقالَ الجَلالُ الدَّوانِيُّ في "شَرْحِ عَقائِدِ العَضُدِ": وما نُقِلَ عَنِ الإنْجِيلِ - فَعَلى فَرْضِ صِحَّتِهِ وعَدَمِ التَّحْرِيفِ - يَكُونُ إطْلاقُ الأبِ عَلَيْهِ بِمَعْنى المَبْدَأِ. فَإنَّ القُدَماءَ كانُوا يُسَمُّونَ المَبادِئَ بِالآباءِ. وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المُتَشابِهاتِ في القُرْآنِ وغَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ كَثِيرَةٌ. ويَرُدُّها العُلَماءُ بِالتَّأْوِيلِ إلى ما عُلِمَ بِالدَّلِيلِ. فَلَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ لَكانَ مِن هَذا القَبِيلِ. انْتَهى. وقالَ الدَّهْلَوِيُّ في "الفَوْزِ الكَبِيرِ": إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ شَرَّفَ الأنْبِياءَ وتابِعِيهِمْ في كُلِّ مِلَّةٍ بِلَقَبِ المُقَرَّبِ والمَحْبُوبِ. وذَمَّ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ المِلَّةَ بِصِفَةِ المَبْغُوضِيَّةِ. وقَدْ وقَعَ التَّكَلُّمُ في هَذا البابِ بِلَفْظٍ شائِعٍ في كُلِّ قَوْمٍ، فَلا عَجَبَ أنْ يَكُونَ قَدْ ذَكَرَ الأبْناءُ مَقامَ المَحْبُوبِينَ، فَظَنَّ اليَهُودُ أنَّ ذَلِكَ التَّشْرِيفَ دائِرٌ مَعَ اسْمِ اليَهُودِيِّ والعِبْرِيِّ والإسْرائِيلِيِّ. ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ دائِرٌ عَلى صِفَةِ الِانْقِيادِ والخُضُوعِ وتَمْشِيَةِ ما أرادَ الحَقُّ سُبْحانَهُ بِبَعْثَةِ الأنْبِياءِ لا غَيْرَ. وكانَ ارْتَكَزَ مِن هَذا القَبِيلِ في خاطِرِهِمْ كَثِيرٌ مِنَ التَّأْوِيلاتِ الفاسِدَةِ المَأْخُوذَةِ مِن آبائِهِمْ وأجْدادِهِمْ، فَأزالَ القُرْآنُ هَذِهِ الشُّبَهاتِ عَلى وجْهٍ أتَمَّ. انْتَهى.

﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ﴾ أيْ: لَوْ كُنْتُمْ أبْناءَهُ وأحِبّاءَهُ لَما عَذَّبَكُمْ، لَكِنَّ اللّازِمَ مُنْتَفٍ إذْ عَذَّبَكم في الدُّنْيا بِالقَتْلِ والأسْرِ والمَسْخِ، واعْتَرَفْتُمْ بِأنَّهُ سَيُعَذِّبُكم بِالنّارِ أيّامًا مَعْدُودَةً.

لَطِيفَةٌ:

قالَ بَعْضُ شُيُوخِ الصُّوفِيَّةِ لِبَعْضِ الفُقَهاءِ: أيْنَ تَجِدُ في القُرْآنِ أنَّ الحَبِيبَ لا يُعَذِّبُ حَبِيبَهُ؟ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، فَتَلا عَلَيْهِ الصُّوفِيُّ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ﴾ وهَذا الَّذِي قالَهُ حَسَنٌ. ولَهُ شاهِدٌ في "المُسْنَدِ" لِلْإمامِ أحْمَدَ حَيْثُ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ أبِي عَدِيٍّ. عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أنَسٍ قالَ: ««مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ في نَفَرٍ مِن …

Al-Maaida 5:18Listen in Qur'an →
19

يَٰٓأَهْلَ ٱلْكِتَٰبِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍۢ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُوا۟ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٍۢ وَلَا نَذِيرٍۢ ۖ فَقَدْ جَآءَكُم بَشِيرٌۭ وَنَذِيرٌۭ ۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌۭ

O People of the Scripture, there has come to you Our Messenger to make clear to you [the religion] after a period [of suspension] of messengers, lest you say, "There came not to us any bringer of good tidings or a warner." But there has come to you a bringer of good tidings and a warner. And Allah is over all things competent.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٩] ﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكم بَشِيرٌ ونَذِيرٌ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ أيْ: ما أُمِرْتُمْ بِهِ وما نُهِيتُمْ عَنْهُ ﴿عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ (جاءَكُمْ) أيْ: جاءَكم عَلى حِينِ فُتُورٍ مِن إرْسالِ الرُّسُلِ، وانْقِطاعٍ مِنَ الوَحْيِ. إذْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وبَيْنَ عِيسى رَسُولٌ. ومُدَّةُ الفَتْرَةِ بَيْنَهُما خَمْسُمِائَةٍ وتِسْعٌ وسِتُّونَ سَنَةً ﴿أنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِن بَشِيرٍ ولا نَذِيرٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِمَجِيءِ الرَّسُولِ بِالبَيانِ عَلى حَذْفِ المُضافِ. أيْ: كَراهَةَ أنْ تَعْتَذِرُوا بِذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، وتَقُولُوا: ما جاءَنا مِن رَسُولٍ - بَعْدَ ما دَرَسَ الدِّينُ - يُبَشِّرُنا لِنَرْغَبَ فَنَعْمَلَ بِما يُسْعِدُنا فَنَفُوزَ. ويُنْذِرُنا لِنَرْهَبَ فَنَتْرُكَ ما يُشْقِينا فَنَسْلَمَ. وقَدْ كانَ اخْتَلَطَ في تِلْكَ الفَتْرَةِ الحَقُّ بِالباطِلِ - كَما سَنُبَيِّنُهُ -: ﴿فَقَدْ جاءَكم بَشِيرٌ ونَذِيرٌ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تُنْبِئُ عَنْهُ الفاءُ الفَصِيحَةُ وتُبَيِّنُ أنَّهُ مُعَلَّلٌ بِهِ. أيْ: لا تَعْتَذِرُوا (بِما جاءَنا) فَقَدْ جاءَكم بَشِيرٌ أيُّ بَشِيرٍ، ونَذِيرٌ أيُّ نَذِيرٍ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ مِن إرْسالِ الرُّسُلِ، والثَّوابُ لِمَن أجابَ الرُّسُلَ، والعُقابُ لِمَن لَمْ يُجِبْهم.

قالَ البِقاعِيُّ: وفي الخَتْمِ بِوَصْفِ القُدْرَةِ، وإتْباعُهُ تَذْكِيرُهم ما صارُوا إلَيْهِ مِنَ العِزِّ بِالنُّبُوَّةِ والمُلْكِ، بَعْدَ ما كانُوا فِيهِ مِنَ الذُّلِّ بِالعُبُودِيَّةِ والجَهْلِ، إشارَةً إلى أنَّ إنْكارَهم لِأنْ يَكُونَ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ نَبِيٌّ، يَلْزَمُ مِنهُ إنْكارُهم لِلْقُدْرَةِ.

تَنْبِيهٌ:

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: كانَتِ الفَتْرَةُ بَيْنَ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ - آخِرِ أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ - وبَيْنَ مُحَمَّدٍ خاتَمِ النَّبِيِّينَ مِن بَنِي آدَمَ عَلى الإطْلاقِ. كَما ثَبَتَ في "صَحِيحِ البُخارِيِّ"، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««أنا أوْلى النّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ لَيْسَ بَيْنِي وبَيْنَهُ نَبِيٌّ»» . وهَذا فِيهِ رَدٌّ عَلى مَن زَعَمَ أنَّهُ بُعِثَ بَعْدَ عِيسى نَبِيٌّ يُقالُ لَهُ خالِدُ بْنُ سِنانٍ. كَما حَكاهُ القُضاعِيُّ وغَيْرُهُ. انْتَهى.

وقالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في "فَتْحِ البارِي": اسْتُدِلَّ بِهِ - يَعْنِي بِحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ - عَلى أنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ بَعْدَ عِيسى أحَدٌ إلّا نَبِيُّنا ﷺ. وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّهُ ورَدَ أنَّ الرُّسُلَ الثَّلاثَةَ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إلى أصْحابِ القَرْيَةِ - المَذْكُورَةِ قِصَّتُهم في سُورَةِ (يس) - كانُوا مِن أتْباعِ عِيسى. وأنَّ جِرْجِيسَ وخالِدَ بْنَ سِنانٍ كانا نَبِيَّيْنِ، وكانا بَعْدَ عِيسى. والجَوابُ: أنَّ هَذا الحَدِيثَ يُضَعِّفُ ما ورَدَ مِن ذَلِكَ. فَإنَّهُ صَحِيحٌ بِلا تَرَدُّدٍ. وفي غَيْرِهِ مَقالٌ. أوِ المُرادُ: أنَّهُ لَمْ يُبْعَثْ بَعْدَ عِيسى نَبِيٌّ بِشَرِيعَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ. وإنَّما بُعِثَ بَعْدَهُ، مَن بُعِثَ، بِتَقْرِيرِ شَرِيعَةِ عِيسى. وقِصَّةُ خالِدِ بْنِ سِنانٍ أخْرَجَها الحاكِمُ في "المُسْتَدْرَكِ" مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَها طُرُقٌ جَمَعْتُها في تَرْجَمَتِها في كِتابِي في "الصَّحابَةِ". انْتَهى.

وقَدْ ذَكَرْتُ في كِتابِي "إيضاحُ الفِطْرَةِ في أهْلِ الفَتْرَةِ" في البابِ الحادِي عَشَرَ مِن كانَ في الفَتْرَةِ مِنَ الأنْبِياءِ عَلى …

Al-Maaida 5:19Listen in Qur'an →
20

وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَٰقَوْمِ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًۭا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًۭا مِّنَ ٱلْعَٰلَمِينَ

And [mention, O Muhammad], when Moses said to his people, "O my people, remember the favor of Allah upon you when He appointed among you prophets and made you possessors and gave you that which He had not given anyone among the worlds.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[٢٠] ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾

﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أيِ: الَّتِي هي فَوْقَ نِعَمِهِ عَلى مَن سِواكُمْ، فَلا تُفَرِّطُوا في أمْرِهِ إذْ لَمْ يُفَرِّطْ في حَقِّكم ﴿إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ﴾ أيْ: وهم أكْمَلُ الخَلائِقِ ومُكَمَّلُوهُمْ، ولَمْ يَبْعَثْ في أُمَّةٍ ما بُعِثَ في بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأنْبِياءِ ﴿وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ يَعْنِي: وجَعَلَكم أحْرارًا تَمْلِكُونَ أنْفُسَكم بَعْدَ ما كُنْتُمْ في أيْدِي القِبْطِ مَمْلُوكِينَ، فَأنْقَذَكُمُ اللَّهُ. فَسَمّى إنْقاذَهم مُلْكًا ﴿وآتاكُمْ﴾ أعْطاكم ﴿ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ مِن أنْواعِ الإكْرامِ الَّتِي خَصَّكم بِها - كَفَلْقِ البَحْرِ لَهُمْ، وإهْلاكِ عَدُوِّهِمْ، وتَوْرِيثِهِمْ أمْوالَهُمْ، وإنْزالِ المَنِّ والسَّلْوى عَلَيْهِمْ، وإخْراجِ المِياهِ العَذْبَةِ مِنَ الحَجَرِ، وإظْلالِ الغَمامِ فَوْقَهم... - فَمُقْتَضى هَذِهِ النِّعَمِ المُبادَرَةُ إلى امْتِثالِ أوامِرِ المُنْعِمِ، شُكْرًا لَهُ. ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عَنْ تَحْرِيضِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْمِهِ عَلى الجِهادِ والدُّخُولِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ الَّذِي اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِ الجَبابِرَةُ، وأنَّهم نَكَّلُوا وعَصَوْا أمْرَهُ، فَعُوقِبُوا بِالتِّيهِ لِتَفْرِيطِهِمْ، فَقالَ سُبْحانَهُ مُخْبَرًا عَنْ مُوسى:

Al-Maaida 5:20Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.