يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱذْكُرُوا۟ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوٓا۟ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ
O you who have believed, remember the favor of Allah upon you when a people determined to extend their hands [in aggression] against you, but He withheld their hands from you; and fear Allah. And upon Allah let the believers rely.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ مِن مُقْتَضى الإيمانِ مُلازِمَةَ شُكْرِهِ عَلى ذِكْرِ نِعَمِهِ، فَقالَ سُبْحانَهُ:
القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:
[١١] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم فَكَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم واتَّقُوا اللَّهَ وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب: ٩] أيْ: في حِفْظِهِ إيّاكم عَنْ أعْدائِكُمْ: ﴿إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهُمْ﴾ أيْ: بِأنْ يَبْطِشُوا بِكم بِالقَتْلِ والإهْلاكِ: ﴿فَكَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ أيْ: مَنَعَها أنْ تُمَدَّ إلَيْكُمْ، ورَدَ مَضَرَّتَها عَنْكم.
قِيلَ: الآيَةُ إشارَةٌ إلى ما رَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أبِي سَلَمَةَ عَنْ جابِرٍ: ««أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَزَلَ مَنزِلًا وتَفَرَّقَ النّاسُ في العِضاهِ يَسْتَظِلُّونَ تَحْتَها. وعَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ سِلاحَهُ بِشَجَرَةٍ. فَجاءَ أعْرابِيٌّ إلى سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخَذَهُ فَسَلَّهُ. ثُمَّ أقْبَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قالَ: اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. قالَ الأعْرابِيُّ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ والنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُ. قالَ: فَشامَ الأعْرابِيُّ السَّيْفَ. فَدَعا النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ فَأخْبَرَهم خَبَرَ الأعْرابِيِّ. وهو جالِسٌ إلى جَنْبِهِ، ولَمْ يُعاقِبْهُ»» .
وقالَ مَعْمَرٌ: كانَ قَتادَةُ يَذْكُرُ نَحْوَ هَذا، ويَذْكُرُ أنَّ قَوْمًا مِنَ العَرَبِ أرادُوا أنْ يَفْتِكُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. فَأرْسَلُوا هَذا الأعْرابِيَّ. وتَأوَّلَ هَذِهِ الآيَةَ.
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في "دَلائِلِ النُّبُوَّةِ" مِن طَرِيقِ الحَسَنِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، ««أنَّ رَجُلًا مِن مُحارِبٍ يُقالُ لَهُ غَوْرَثُ بْنُ الحارِثِ قالَ لِقَوْمِهِ: أقْتُلُ لَكم مُحَمَّدًا: فَأقْبَلَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو جالِسٌ وسَيْفُهُ في حِجْرِهِ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ! أأنْظُرُ إلى سَيْفِكَ هَذا؟ قالَ: نَعَمْ. فَأخَذَهُ فاسْتَلَّهُ وجَعَلَ يَهُزُّهُ ويَهُمُّ بِهِ فَيَكْبِتُهُ اللَّهُ تَعالى. فَقالَ يا مُحَمَّدُ! أما تَخافُنِي؟ قالَ: لا. قالَ: أما تَخافُنِي والسَّيْفُ في يَدِي؟ قالَ: لا. يَمْنَعُنِي اللَّهُ مِنكَ. ثُمَّ غَمَدَ السَّيْفَ ورَدَّهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ» . فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ».
وقِصَّةُ هَذا الأعْرابِيِّ ثابِتَةٌ في "الصَّحِيحِ". وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ويَزِيدَ بْنِ أبِي زِيادَةَ -واللَّفْظُ لَهُ- «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ وعَلِيٌّ وطَلْحَةُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ حَتّى دَخَلُوا عَلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ ويَهُودِ بَنِي النَّضِيرِ، يَسْتَعِينُهم في عَقْلٍ أصابَهُ. فَقالُوا: نَعَمْ. اجْلِسْ حَتّى نُطْعِمَكَ أوْ نُعْطِيَكَ الَّذِي تَسْألُنا، فَجَلَسَ. فَقالَ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ لِأصْحابِهِ: لا تَرَوْنَهُ أقْرَبَ مِنهُ الآنَ. اطْرَحُوا عَلَيْهِ حِجارَةً فاقْتُلُوهُ. ولا تَرَوْنَ شَرًّا أبَدًا، فَجاءُوا إلى رَحًى عَظِيمَةٍ لِيَطْرَحُوها عَلَيْهِ، فَأمْسَكَ اللَّهُ عَنْها أيْدِيَهم. حَتّى جاءَ جِبْرِيلُ فَأقامَهُ مِن ثَمَّتَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ». ورَوى نَحْوَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ثُمَّ أمَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يَغْدُوَ إلَيْهِمْ، فَحاصَرَهم حَتّى أنْزَلَهم فَأجْلاهم. انْتَهى.
وعَلى هَذِهِ الرِّواياتِ، فالمُرادُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٢٠] تَذْكِيرُ نِعْمَةِ اللَّهِ …