Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 101–110 of 120

101

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَسْـَٔلُوا۟ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْـَٔلُوا۟ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌۭ

O you who have believed, do not ask about things which, if they are shown to you, will distress you. But if you ask about them while the Qur'an is being revealed, they will be shown to you. Allah has pardoned that which is past; and Allah is Forgiving and Forbearing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ .

المَسْألَةُ الأُولى: في اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ صارَ التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قالَ: ما بَلَّغَهُ الرَّسُولُ إلَيْكم فَخُذُوهُ وكُونُوا مُنْقادِينَ لَهُ، وما لَمْ يُبَلِّغْهُ الرَّسُولُ إلَيْكم

صفحة ٨٧

فَلا تَسْألُوا عَنْهُ ولا تَخُوضُوا فِيهِ، فَإنَّكم إنْ خُضْتُمْ فِيما لا تَكْلِيفَ فِيهِ عَلَيْكم فَرُبَّما جاءَكم بِسَبَبِ ذَلِكَ الخَوْضِ الفاسِدِ مِنَ التَّكالِيفِ ما يَثْقُلُ عَلَيْكم ويَشُقُّ عَلَيْكم.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ وهَذا ادِّعاءٌ مِنهُ لِلرِّسالَةِ، ثُمَّ إنَّ الكُفّارَ كانُوا يُطالِبُونَهُ بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ، بِمُعْجِزاتٍ أُخَرَ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، كَما قالَ تَعالى حاكِيًا عَنْهم: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسْراءِ: ٩٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسْراءِ: ٩٣] والمَعْنى أنِّي رَسُولٌ أُمِرْتُ بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ والشَّرائِعِ والأحْكامِ إلَيْكم، واللَّهُ تَعالى قَدْ أقامَ الدَّلالَةَ عَلى صِحَّةِ دَعْوايَ في الرِّسالَةِ بِإظْهارِ أنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ المُعْجِزاتِ، فَبَعْدَ ذَلِكَ طَلَبُ الزِّيادَةِ مِن بابِ التَّحَكُّمِ وذَلِكَ لَيْسَ في وُسْعِي، ولَعَلَّ إظْهارَها يُوجِبُ ما يَسُوءُكم مِثْلُ أنَّها لَوْ ظَهَرَتْ فَكُلُّ مَن خالَفَ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتَوْجَبَ العِقابَ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّ المُسْلِمِينَ لَمّا سَمِعُوا الكُفّارَ يُطالِبُونَ الرَّسُولَ ﷺ بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ، وقَعَ في قُلُوبِهِمْ مَيْلٌ إلى ظُهُورِها فَعَرَفُوا في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لا يَنْبَغِي أنْ يَطْلُبُوا ذَلِكَ فَرُبَّما كانَ ظُهُورُها يُوجِبُ ما يَسُوءُهم.

الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ فاتْرُكُوا الأُمُورَ عَلى ظَواهِرِها ولا تَسْألُوا عَنْ أحْوالٍ مُخِيفَةٍ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (أشْياءَ) جَمْعُ شَيْءٍ، وإنَّها غَيْرُ مُنْصَرِفَةٍ، ولِلنَّحْوِيِّينَ في سَبَبِ امْتِناعِ الصَّرْفِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: قَوْلُنا: شَيْءٌ، جَمْعُهُ في الأصْلِ شَيْآءُ، عَلى وزْنِ فَعْلاءَ، فاسْتَثْقَلُوا اجْتِماعَ الهَمْزَتَيْنِ في آخِرِهِ، فَنَقَلُوا الهَمْزَةَ الأُولى الَّتِي هي لامُ الفِعْلِ إلى أوَّلِ الكَلِمَةِ فَجاءَتْ: لَفْعاءُ، وذَلِكَ يُوجِبُ مَنعَ الصَّرْفِ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ، واحِدٌ مِنها مَذْكُورٌ، واثْنانِ خَطَرا بِبالِي:

أمّا الأوَّلُ: وهو المَذْكُورُ؛ فَهو أنَّ الكَلِمَةَ لَمّا كانَتْ في الأصْلِ عَلى وزْنِ فَعَلاءَ، مِثْلُ حَمْراءَ، لا جَرَمَ لَمْ تَنْصَرِفْ حَمْراءُ. ٥٠ والثّانِي: أنَّها لَمّا كانَتْ في الأصْلِ (شَيَآءَ) ثُمَّ جُعِلَتْ (أشْياءَ) كانَ ذَلِكَ تَشْبِيهًا بِالمَعْدُولِ كَما في عامِرٍ وعُمَرَ، وزافِرٍ وزُفَرَ، والعَدْلُ أحَدُ أسْبابِ مَنعِ الصَّرْفِ.

الثّالِثُ: وهو أنّا لَمّا قَطَعْنا الحَرْفَ الأخِيرَ مِنهُ وجَعَلْناهُ أوَّلَهُ، والكَلِمَةُ مِن حَيْثُ إنَّها قُطِعَ مِنها الحَرْفُ الأخِيرُ صارَتْ كَنِصْفِ الكَلِمَةِ، ونِصْفُ الكَلِمَةِ لا يَقْبَلُ الإعْرابَ، ومِن حَيْثُ إنَّ ذَلِكَ الحَرْفَ الَّذِي قَطَعْناهُ مِنها ما حَذَفْناهُ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ ألْصَقْناهُ بِأوَّلِها، كانَتِ الكَلِمَةُ كَأنَّها باقِيَةٌ بِتَمامِها، فَلا جَرَمَ مَنَعْناهُ بَعْضَ وُجُوهِ …

Al-Maaida 5:101Listen in Qur'an →
102

قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌۭ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا۟ بِهَا كَٰفِرِينَ

A people asked such [questions] before you; then they became thereby disbelievers.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ .

المَسْألَةُ الأُولى: في اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ صارَ التَّقْدِيرُ كَأنَّهُ قالَ: ما بَلَّغَهُ الرَّسُولُ إلَيْكم فَخُذُوهُ وكُونُوا مُنْقادِينَ لَهُ، وما لَمْ يُبَلِّغْهُ الرَّسُولُ إلَيْكم

صفحة ٨٧

فَلا تَسْألُوا عَنْهُ ولا تَخُوضُوا فِيهِ، فَإنَّكم إنْ خُضْتُمْ فِيما لا تَكْلِيفَ فِيهِ عَلَيْكم فَرُبَّما جاءَكم بِسَبَبِ ذَلِكَ الخَوْضِ الفاسِدِ مِنَ التَّكالِيفِ ما يَثْقُلُ عَلَيْكم ويَشُقُّ عَلَيْكم.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا قالَ: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ وهَذا ادِّعاءٌ مِنهُ لِلرِّسالَةِ، ثُمَّ إنَّ الكُفّارَ كانُوا يُطالِبُونَهُ بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ، بِمُعْجِزاتٍ أُخَرَ عَلى سَبِيلِ التَّعَنُّتِ، كَما قالَ تَعالى حاكِيًا عَنْهم: ﴿وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسْراءِ: ٩٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسْراءِ: ٩٣] والمَعْنى أنِّي رَسُولٌ أُمِرْتُ بِتَبْلِيغِ الرِّسالَةِ والشَّرائِعِ والأحْكامِ إلَيْكم، واللَّهُ تَعالى قَدْ أقامَ الدَّلالَةَ عَلى صِحَّةِ دَعْوايَ في الرِّسالَةِ بِإظْهارِ أنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ المُعْجِزاتِ، فَبَعْدَ ذَلِكَ طَلَبُ الزِّيادَةِ مِن بابِ التَّحَكُّمِ وذَلِكَ لَيْسَ في وُسْعِي، ولَعَلَّ إظْهارَها يُوجِبُ ما يَسُوءُكم مِثْلُ أنَّها لَوْ ظَهَرَتْ فَكُلُّ مَن خالَفَ بَعْدَ ذَلِكَ اسْتَوْجَبَ العِقابَ في الدُّنْيا، ثُمَّ إنَّ المُسْلِمِينَ لَمّا سَمِعُوا الكُفّارَ يُطالِبُونَ الرَّسُولَ ﷺ بِهَذِهِ المُعْجِزاتِ، وقَعَ في قُلُوبِهِمْ مَيْلٌ إلى ظُهُورِها فَعَرَفُوا في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لا يَنْبَغِي أنْ يَطْلُبُوا ذَلِكَ فَرُبَّما كانَ ظُهُورُها يُوجِبُ ما يَسُوءُهم.

الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ هَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ فاتْرُكُوا الأُمُورَ عَلى ظَواهِرِها ولا تَسْألُوا عَنْ أحْوالٍ مُخِيفَةٍ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (أشْياءَ) جَمْعُ شَيْءٍ، وإنَّها غَيْرُ مُنْصَرِفَةٍ، ولِلنَّحْوِيِّينَ في سَبَبِ امْتِناعِ الصَّرْفِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: قَوْلُنا: شَيْءٌ، جَمْعُهُ في الأصْلِ شَيْآءُ، عَلى وزْنِ فَعْلاءَ، فاسْتَثْقَلُوا اجْتِماعَ الهَمْزَتَيْنِ في آخِرِهِ، فَنَقَلُوا الهَمْزَةَ الأُولى الَّتِي هي لامُ الفِعْلِ إلى أوَّلِ الكَلِمَةِ فَجاءَتْ: لَفْعاءُ، وذَلِكَ يُوجِبُ مَنعَ الصَّرْفِ لِثَلاثَةِ أوْجُهٍ، واحِدٌ مِنها مَذْكُورٌ، واثْنانِ خَطَرا بِبالِي:

أمّا الأوَّلُ: وهو المَذْكُورُ؛ فَهو أنَّ الكَلِمَةَ لَمّا كانَتْ في الأصْلِ عَلى وزْنِ فَعَلاءَ، مِثْلُ حَمْراءَ، لا جَرَمَ لَمْ تَنْصَرِفْ حَمْراءُ. ٥٠ والثّانِي: أنَّها لَمّا كانَتْ في الأصْلِ (شَيَآءَ) ثُمَّ جُعِلَتْ (أشْياءَ) كانَ ذَلِكَ تَشْبِيهًا بِالمَعْدُولِ كَما في عامِرٍ وعُمَرَ، وزافِرٍ وزُفَرَ، والعَدْلُ أحَدُ أسْبابِ مَنعِ الصَّرْفِ.

الثّالِثُ: وهو أنّا لَمّا قَطَعْنا الحَرْفَ الأخِيرَ مِنهُ وجَعَلْناهُ أوَّلَهُ، والكَلِمَةُ مِن حَيْثُ إنَّها قُطِعَ مِنها الحَرْفُ الأخِيرُ صارَتْ كَنِصْفِ الكَلِمَةِ، ونِصْفُ الكَلِمَةِ لا يَقْبَلُ الإعْرابَ، ومِن حَيْثُ إنَّ ذَلِكَ الحَرْفَ الَّذِي قَطَعْناهُ مِنها ما حَذَفْناهُ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ ألْصَقْناهُ بِأوَّلِها، كانَتِ الكَلِمَةُ كَأنَّها باقِيَةٌ بِتَمامِها، فَلا جَرَمَ مَنَعْناهُ بَعْضَ وُجُوهِ …

Al-Maaida 5:102Listen in Qur'an →
103

مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٍۢ وَلَا سَآئِبَةٍۢ وَلَا وَصِيلَةٍۢ وَلَا حَامٍۢ ۙ وَلَٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ

Allah has not appointed [such innovations as] bahirah or sa'ibah or wasilah or ham. But those who disbelieve invent falsehood about Allah, and most of them do not reason.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا مَنَعَ النّاسَ مِنَ البَحْثِ عَنْ أُمُورٍ ما كُلِّفُوا بِالبَحْثِ عَنْها، كَذَلِكَ مَنَعَهم عَنِ التِزامِ أُمُورٍ ما كُلِّفُوا التِزامَها، ولَمّا كانَ الكُفّارُ يُحَرِّمُونَ عَلى أنْفُسِهِمُ الِانْتِفاعَ بِهَذِهِ الحَيَواناتِ وإنْ كانُوا في غايَةِ الِاحْتِياجِ إلى الِانْتِفاعِ بِها، بَيَّنَ تَعالى أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ فَقالَ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّهُ يُقالُ: فَعَلَ وعَمِلَ وطَفِقَ وجَعَلَ وأنْشَأ وأقْبَلَ، وبَعْضُها أعَمُّ مِن بَعْضٍ، وأكْثَرُها عُمُومًا فَعَلَ؛ لِأنَّهُ واقِعٌ عَلى أعْمالِ الجَوارِحِ وأعْمالِ القُلُوبِ، أمّا إنَّهُ واقِعٌ عَلى أعْمالِ الجَوارِحِ فَظاهِرٌ، وأمّا إنَّهُ واقِعٌ عَلى أعْمالِ القُلُوبِ، فَدَلِيلٌ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَحْنُ ولا آباؤُنا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النَّحْلِ: ٣٣] وأمّا (عَمِلَ) فَإنَّهُ أخَصُّ مِن فَعَلَ؛ لِأنَّهُ لا يَقَعُ إلّا عَلى أعْمالِ الجَوارِحِ، ولا يَقَعُ عَلى الهَمِّ والعَزْمِ والقَصْدِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«نِيَّةُ المُؤْمِنِ خَيْرٌ مِن عَمَلِهِ» “ جَعَلَ النِّيَّةَ خَيْرًا مِنَ العَمَلِ، فَلَوْ كانَتِ النِّيَّةُ عَمَلًا، لَزِمَ كَوْنُ النِّيَّةِ خَيْرًا مِن نَفْسِها، وأمّا ”جَعَلَ“ فَلَهُ وُجُوهٌ:

أحَدُها: الحُكْمُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا﴾ [الزُّخْرُفِ: ١٩] .

وثانِيها: الخَلْقُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ﴾ [الأنْعامِ: ١] . وثالِثُها: بِمَعْنى التَّصْيِيرِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: (إنّا)

صفحة ٩١

﴿جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزُّخْرُفِ: ٣] .

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قَوْلُهُ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ﴾ أيْ ما حَكَمَ اللَّهُ بِذَلِكَ ولا شَرَعَ ولا أمَرَ بِهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ هاهُنا أرْبَعَةَ أشْياءَ:

أوَّلُها: البَحِيرَةُ، وهي فَعِيلَةٌ مِنَ البَحْرِ وهو الشَّقُّ، يُقالُ: بَحَرَ ناقَتَهُ: إذا شَقَّ أُذُنَها، وهي بِمَعْنى المَفْعُولِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ: النّاقَةُ إذا نَتَجَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ وكانَ آخِرُها ذَكَرًا شَقُّوا أُذُنَ النّاقَةِ وامْتَنَعُوا مِن رُكُوبِها وذَبْحِها وسَيَّبُوها لِآلِهَتِهِمْ، ولا يُجَزُّ لَها وبَرٌ، ولا يُحْمَلُ عَلى ظَهْرِها، ولا تُطْرَدُ عَنْ ماءٍ، ولا تُمْنَعُ عَنْ مَرْعًى، ولا يُنْتَفَعُ بِها، وإذا لَقِيَها المُعْيى لَمْ يَرْكَبْها تَحْرِيجًا.

وأمّا السّائِبَةُ: فَهي فاعِلَةٌ مِن سابَ: إذا جَرى عَلى وجْهِ الأرْضِ، يُقالُ: سابَ الماءُ وسابَتِ الحَيَّةُ، فالسّائِبَةُ هي الَّتِي تُرِكَتْ حَتّى تَسِيبَ إلى حَيْثُ شاءَتْ، وهي المُسَيَّبَةُ، كَعِيشَةٍ راضِيَةٍ، بِمَعْنى مَرْضِيَّةٍ، وذَكَرُوا فِيها وُجُوهًا:

أحَدُها: ما ذَكَرَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وهو أنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا مَرِضَ أوْ قَدِمَ مِن سَفَرٍ أوْ نَذَرَ نَذْرًا أوْ شَكَرَ نِعْمَةً سَيَّبَ بَعِيرًا، فَكانَ بِمَنزِلَةِ البَحِيرَةِ في جَمِيعِ ما حَكَمُوا لَها.

وثانِيها: قالَ الفَرّاءُ: إذا ولَدَتِ النّاقَةُ عَشَرَةَ أبْطُنٍ كُلُّهُنَّ إناثٌ، سُيِّبَتْ فَلَمْ تُرْكَبْ ولَمْ تُحْلَبْ ولَمْ يُجَزَّ لَها وبَرٌ، ولَمْ يَشْرَبْ لَبَنَها إلّا ولَدٌ أوْ ضَيْفٌ.

وثالِثُها: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السّائِبَةُ هي الَّتِي تُسَيَّبُ …

Al-Maaida 5:103Listen in Qur'an →
104

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُوا۟ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ ۚ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْـًۭٔا وَلَا يَهْتَدُونَ

And when it is said to them, "Come to what Allah has revealed and to the Messenger," they say, "Sufficient for us is that upon which we found our fathers." Even though their fathers knew nothing, nor were they guided?

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ .

والمَعْنى مَعْلُومٌ، وهو رَدٌّ عَلى أصْحابِ التَّقْلِيدِ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا الكَلامَ فِيهِ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ.

واعْلَمْ أنَّ الواوَ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ﴾ واوُ الحالِ قَدْ دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الإنْكارِ، وتَقْدِيرُهُ: أحْسُبُهم كَذَلِكَ ولَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ.

واعْلَمْ أنَّ الِاقْتِداءَ إنَّما يَجُوزُ بِالعالِمِ المُهْتَدِي، وإنَّما يَكُونُ عالِمًا مُهْتَدِيًا إذا بَنى قَوْلَهُ عَلى الحُجَّةِ والدَّلِيلِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عالِمًا مُهْتَدِيًا، فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ الِاقْتِداءُ بِهِ.

Al-Maaida 5:104Listen in Qur'an →
105

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

O you who have believed, upon you is [responsibility for] yourselves. Those who have gone astray will not harm you when you have been guided. To Allah is you return all together; then He will inform you of what you used to do.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: لَمّا بَيَّنَ أنْواعَ التَّكالِيفِ والشَّرائِعِ والأحْكامِ ثُمَّ قالَ: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: إنَّ هَؤُلاءِ الجُهّالَ مَعَ ما تَقَدَّمَ مِن أنْواعِ المُبالَغَةِ في الإعْذارِ والإنْذارِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِشَيْءٍ مِنهُ بَلْ بَقُوا مُصِرِّينَ عَلى جَهْلِهِمْ مُجِدِّينَ عَلى جَهالاتِهِمْ وضَلالَتِهِمْ، فَلا تُبالُوا أيُّها المُؤْمِنُونَ بِجَهالَتِهِمْ وضَلالَتِهِمْ، بَلْ كُونُوا مُنْقادِينَ لِتَكالِيفِ اللَّهِ مُطِيعِينَ لِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ، فَلا يَضُرُّكم ضَلالَتُهم

صفحة ٩٣

وجَهالَتُهم، فَلِهَذا قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ أيِ احْفَظُوا أنْفُسَكم مِن مُلابَسَةِ المَعاصِي والإصْرارِ عَلى الذُّنُوبِ، قالَ النَّحْوِيُّونَ: عَلَيْكَ وعِنْدَكَ ودُونَكَ، مِن جُمْلَةِ أسْماءِ الأفْعالِ؛ تَقُولُ العَرَبُ: عَلَيْكَ وعِنْدَكَ ودُونَكَ، فَيُعَدُّونَها إلى المَفْعُولِ ويُقِيمُونَها مُقامَ الفِعْلِ، ويَنْصِبُونَ بِها، فَيُقالُ: عَلَيْكَ زَيْدًا، كَأنَّهُ قِيلَ: خُذْ زَيْدًا فَقَدْ عَلاكَ، أيْ أشْرَفَ عَلَيْكَ، وعِنْدَكَ زَيْدًا، أيْ حَضَرَكَ فَخُذْهُ، ودُونَكَ؛ أيْ قَرُبَ مِنكَ فَخُذْهُ، فَهَذِهِ الأحْرُفُ الثَّلاثَةُ لا اخْتِلافَ بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ في إجازَةِ النَّصْبِ بِها، ونَقَلَ صاحِبُ الكَشّافِ (عَلَيْكم أنْفُسُكم) بِالرَّفْعِ عَنْ نافِعٍ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ذَكَرُوا في سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهًا:

أحَدُها: ما رَوى الكَلْبِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا قَبِلَ مِن أهْلِ الكِتابِ الجِزْيَةَ ولَمْ يَقْبَلْ مِنَ العَرَبِ إلّا الإسْلامَ أوِ السَّيْفَ، عَيَّرَ المُنافِقُونَ المُؤْمِنِينَ بِقَبُولِ الجِزْيَةِ مِن بَعْضِ الكُفّارِ دُونَ البَعْضِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ أيْ ﴿لا يَضُرُّكُمْ﴾ مَلامَةُ اللّائِمِينَ إذا كُنْتُمْ عَلى الهُدى» .

وثانِيها: أنَّ المُؤْمِنِينَ كانَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ بَقاءُ الكُفّارِ في كُفْرِهِمْ وضَلالَتِهِمْ، فَقِيلَ لَهم: عَلَيْكم أنْفُسَكم، وما كُلِّفْتُمْ مِن إصْلاحِها والمَشْيِ بِها في طَرِيقِ الهُدى ﴿لا يَضُرُّكُمْ﴾ ضَلالُ الضّالِّينَ ولا جَهْلُ الجاهِلِينَ.

وثالِثُها: أنَّهم كانُوا يَغْتَمُّونَ لِعَشائِرِهِمْ لَمّا ماتُوا عَلى الكُفْرِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، والأقْرَبُ عِنْدِي أنَّهُ لَمّا حَكى عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ إذا قِيلَ لَهم: ﴿تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ ذَكَرَ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، والمَقْصُودُ مِنها بَيانُ أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَتَشَبَّهُوا بِهِمْ في هَذِهِ الطَّرِيقَةِ الفاسِدَةِ، بَلْ يَنْبَغِي أنْ يَكُونُوا مُصِرِّينَ عَلى دِينِهِمْ، وأنْ يَعْلَمُوا أنَّهُ لا يَضُرُّهم جَهْلُ أُولَئِكَ الجاهِلِينَ إذا كانُوا راسِخِينَ في دِينِهِمْ ثابِتِينَ فِيهِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يُوهِمُ أنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ غَيْرُ واجِبٍ.

قُلْنا: الجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ وهو الَّذِي عَلَيْهِ أكْثَرُ النّاسِ، …

Al-Maaida 5:105Listen in Qur'an →
106

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ شَهَٰدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍۢ مِّنكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَأَصَٰبَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ ۚ تَحْبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعْدِ ٱلصَّلَوٰةِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِۦ ثَمَنًۭا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۙ وَلَا نَكْتُمُ شَهَٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلْءَاثِمِينَ

O you who have believed, testimony [should be taken] among you when death approaches one of you at the time of bequest - [that of] two just men from among you or two others from outside if you are traveling through the land and the disaster of death should strike you. Detain them after the prayer and let them both swear by Allah if you doubt [their testimony, saying], "We will not exchange our oath for a price, even if he should be a near relative, and we will not withhold the testimony of Allah. Indeed, we would then be of the sinful."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِحِفْظِ النَّفْسِ في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ أمَرَ بِحِفْظِ المالِ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ تَمِيمًا الدّارِيَّ وأخاهُ عَدِيًّا كانا نَصْرانِيَّيْنِ خَرَجا

صفحة ٩٥

إلى الشّامِ ومَعَهُما بَدِيلٌ مَوْلى عَمْرِو بْنِ العاصِ وكانَ مُسْلِمًا مُهاجِرًا، خَرَجُوا لِلتِّجارَةِ، فَلَمّا قَدِمُوا الشّامَ مَرِضَ بَدِيلٌ فَكَتَبَ كِتابًا فِيهِ نُسْخَةُ جَمِيعِ ما مَعَهُ وألْقاهُ فِيما بَيْنَ الأقْمِشَةِ ولَمْ يُخْبِرْ صاحِبَهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ أوْصى إلَيْهِما وأمَرَهُما أنْ يَدْفَعا مَتاعَهُ إذا رَجَعا إلى أهْلِهِ، وماتَ بَدِيلٌ فَأخَذا مِن مَتاعِهِ إناءً مِن فِضَّةٍ مَنقُوشًا بِالذَّهَبِ ثَلاثَمِائَةِ مِثْقالٍ، ودَفَعا باقِيَ المَتاعِ إلى أهْلِهِ لَمّا قَدِما، فَفَتَّشُوا فَوَجَدُوا الصَّحِيفَةَ وفِيها ذِكْرُ الإناءِ، فَقالُوا لِتَمِيمٍ وعَدِيٍّ: أيْنَ الإناءُ ؟ فَقالا: لا نَدْرِي، والَّذِي دَفَعَ إلَيْنا دَفَعْناهُ إلَيْكم، فَرَفَعُوا الواقِعَةَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ» .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ يَعْنِي شَهادَةَ ما بَيْنَكم، وما بَيْنَكم كِنايَةٌ عَنِ التَّنازُعِ والتَّشاجُرِ، وإنَّما أضافَ الشَّهادَةَ إلى التَّنازُعِ لِأنَّ الشُّهُودَ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِمْ عِنْدَ وُقُوعِ التَّنازُعِ، وحَذْفُ (ما) مِن قَوْلِهِ: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ جائِزٌ لِظُهُورِهِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ [الكَهْفِ: ٧٨] أيْ ما بَيْنِي وبَيْنَكَ، وقَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنْعامِ: ٩٤] في قِراءَةِ مَن نَصَبَ، وقَوْلُهُ: ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ يَعْنِي الشَّهادَةَ المُحْتاجَ إلَيْها عِنْدَ حُضُورِ المَوْتِ، و﴿حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ﴾ لِأنَّ زَمانَ حُضُورِ المَوْتِ هو زَمانُ حُضُورِ الوَصِيَّةِ، فَعُرِفَ ذَلِكَ الزَّمانُ بِهَذَيْنِ الأمْرَيْنِ الواقِعَيْنِ فِيهِ، كَما يُقالُ: ائْتِنِي إذا زالَتِ الشَّمْسُ حِينَ صَلاةِ الظُّهْرِ. والمُرادُ بِحُضُورِ المَوْتِ مُشارَفَتُهُ وظُهُورُ أماراتِ وُقُوعِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ﴾ [البَقَرَةِ: ١٨٠] قالُوا: وقَوْلُهُ: ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الوَصِيَّةِ؛ لِأنَّهُ تَعالى جَعَلَ زَمانَ حُضُورِ المَوْتِ غَيْرَ زَمانِ الوَصِيَّةِ، وهَذا إنَّما يَكُونُ إذا كانا مُتَلازِمَيْنِ، وإنَّما تَحْصُلُ هَذِهِ المُلازَمَةُ عِنْدَ وُجُوبِ الوَصِيَّةِ.

﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ .

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ وفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: في الآيَةِ حَذْفٌ، والمُرادُ أنْ يَشْهَدَ ذَوا عَدْلٍ مِنكم، وتَقْدِيرُ الآيَةِ: شَهادَةُ ما بَيْنَكم عِنْدَ المَوْتِ المَوْصُوفِ، هي أنْ يَشْهَدَ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم، وإنَّما حَسُنَ هَذا الحَذْفُ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا.

المَسْألَةُ …

Al-Maaida 5:106Listen in Qur'an →
107

فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْمًۭا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْأَوْلَيَٰنِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ إِنَّآ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

But if it is found that those two were guilty of perjury, let two others stand in their place [who are] foremost [in claim] from those who have a lawful right. And let them swear by Allah, "Our testimony is truer than their testimony, and we have not transgressed. Indeed, we would then be of the wrongdoers."

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ قالَ اللَّيْثُ رَحِمَهُ اللَّهُ: عَثَرَ الرَّجُلُ يَعْثُرُ عُثُورًا: إذا هَجَمَ عَلى أمْرٍ لَمْ يَهْجُمْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وأعْثَرْتُ فُلانًا عَلى أمْرِي؛ أيْ أطْلَعْتُهُ عَلَيْهِ، وعَثَرَ الرَّجُلُ يَعْثُرُ عَثْرَةً: إذا وقَعَ عَلى شَيْءٍ، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: وأصْلُ عَثَرَ بِمَعْنى اطَّلَعَ مِنَ العَثْرَةِ الَّتِي هي الوُقُوعُ، وذَلِكَ لِأنَّ العاثِرَ إنَّما يَعْثُرُ بِشَيْءٍ كانَ لا يَراهُ، فَلَمّا عَثَرَ بِهِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ ونَظَرَ ما هو، فَقِيلَ لِكُلِّ مَنِ اطَّلَعَ عَلى أمْرٍ كانَ خَفِيًّا عَلَيْهِ: قَدْ عَثَرَ عَلَيْهِ، وأعْثَرَ غَيْرَهُ: إذا أطْلَعَهُ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ [الكَهْفِ: ٢١] أيْ أطْلَعْنا، ومَعْنى الآيَةِ فَإنْ حَصَلَ العُثُورُ والوُقُوفُ عَلى أنَّهُما أتَيا بِخِيانَةٍ واسْتَحَقّا الإثْمَ بِسَبَبِ اليَمِينِ الكاذِبَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ مَعْنى الآيَةِ: فَإنْ عُثِرَ بَعْدَما حَلَفَ الوَصِيّانِ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا؛ أيْ حَنَثا في اليَمِينِ بِكَذِبٍ في قَوْلٍ أوْ خِيانَةٍ في مالٍ، قامَ في اليَمِينِ مَقامَهُما رَجُلانِ مِن قَرابَةِ المَيِّتِ فَيَحْلِفانِ بِاللَّهِ لَقَدْ ظَهَرْنا عَلى خِيانَةِ الذِّمِّيَّيْنِ وكَذِبِهِما وتَبْدِيلِهِما وما اعْتَدَيْنا في ذَلِكَ وما كَذَبْنا. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ الأُولى «صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العَصْرَ ودَعا بِتَمِيمٍ وعَدِيٍّ فاسْتَحْلَفَهُما عِنْدَ المِنبَرِ بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنّا خِيانَةٌ في هَذا المالِ، ولَمّا حَلَفا خَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَبِيلَهُما وكَتَما الإناءَ مُدَّةً، ثُمَّ ظَهَرَ، واخْتَلَفُوا فَقِيلَ: وُجِدَ بِمَكَّةَ، وقِيلَ: لَمّا طالَتِ المُدَّةُ أظْهَرا الإناءَ فَبَلَغَ ذَلِكَ بَنِي سَهْمٍ فَطالَبُوهُما، فَقالا: كُنّا قَدِ اشْتَرَيْناهُ مِنهُ، فَقالُوا: ألَمْ نَقُلْ لَكم: هَلْ باعَ صاحِبُنا شَيْئًا، فَقُلْتُما لا ؟ فَقالا: لَمْ يَكُنْ عِنْدَنا بَيِّنَةٌ فَكَرِهْنا أنْ نُعْثَرَ فَكَتَمْنا، فَرَفَعُوا القِصَّةَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإنْ عُثِرَ﴾ الآيَةَ، فَقامَ عَمْرُو بْنُ العاصِ والمُطَّلِبُ بْنُ أبِي رِفاعَةَ السَّهْمِيّانِ فَحَلَفا بِاللَّهِ بَعْدَ العَصْرِ فَدَفَعَ الرَّسُولُ ﷺ الإناءَ إلَيْهِما وإلى أوْلِياءِ المَيِّتِ.

وكانَ تَمِيمٌ الدّارِيُّ يَقُولُ بَعْدَما أسْلَمَ: صَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أنا أخَذْتُ الإناءَ فَأتُوبُ إلى اللَّهِ تَعالى» . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ بَقِيَتْ تِلْكَ الواقِعَةُ مَخْفِيَّةً إلى أنْ أسْلَمَ تَمِيمٌ الدّارِيُّ، فَلَمّا أسْلَمَ أخْبَرَ بِذَلِكَ وقالَ: حَلَفْتُ كاذِبًا، وأنا وصاحِبِي بِعْنا الإناءَ بِألْفٍ وقَسَمْنا الثَّمَنَ، ثُمَّ دَفَعَ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ مِن نَفْسِهِ ونَزَعَ مِن صاحِبِهِ خَمْسَمِائَةٍ أُخْرى ودَفَعَ الألْفَ إلى مَوالِي المَيِّتِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ أيْ مَقامَ الشّاهِدَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما مِن غَيْرِ مِلَّتِهِما، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ المُرادُ بِهِ مَوالِي المَيِّتِ، وقَدْ أكْثَرَ النّاسُ في أنَّهُ لِمَ وصَفَ مَوالِيَ المَيِّتِ بِهَذا الوَصْفِ، والأصَحُّ عِنْدِي فِيهِ وجْهٌ واحِدٌ، وهو أنَّهم إنَّما وُصِفُوا بِذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا أُخِذَ مالُهم فَقَدِ اسْتَحَقَّ

صفحة ١٠٠ …

Al-Maaida 5:107Listen in Qur'an →
108

ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِٱلشَّهَٰدَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ أَوْ يَخَافُوٓا۟ أَن تُرَدَّ أَيْمَٰنٌۢ بَعْدَ أَيْمَٰنِهِمْ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ

That is more likely that they will give testimony according to its [true] objective, or [at least] they would fear that [other] oaths might be taken after their oaths. And fear Allah and listen; and Allah does not guide the defiantly disobedient people.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ قالَ اللَّيْثُ رَحِمَهُ اللَّهُ: عَثَرَ الرَّجُلُ يَعْثُرُ عُثُورًا: إذا هَجَمَ عَلى أمْرٍ لَمْ يَهْجُمْ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وأعْثَرْتُ فُلانًا عَلى أمْرِي؛ أيْ أطْلَعْتُهُ عَلَيْهِ، وعَثَرَ الرَّجُلُ يَعْثُرُ عَثْرَةً: إذا وقَعَ عَلى شَيْءٍ، قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: وأصْلُ عَثَرَ بِمَعْنى اطَّلَعَ مِنَ العَثْرَةِ الَّتِي هي الوُقُوعُ، وذَلِكَ لِأنَّ العاثِرَ إنَّما يَعْثُرُ بِشَيْءٍ كانَ لا يَراهُ، فَلَمّا عَثَرَ بِهِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ ونَظَرَ ما هو، فَقِيلَ لِكُلِّ مَنِ اطَّلَعَ عَلى أمْرٍ كانَ خَفِيًّا عَلَيْهِ: قَدْ عَثَرَ عَلَيْهِ، وأعْثَرَ غَيْرَهُ: إذا أطْلَعَهُ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ [الكَهْفِ: ٢١] أيْ أطْلَعْنا، ومَعْنى الآيَةِ فَإنْ حَصَلَ العُثُورُ والوُقُوفُ عَلى أنَّهُما أتَيا بِخِيانَةٍ واسْتَحَقّا الإثْمَ بِسَبَبِ اليَمِينِ الكاذِبَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ مَعْنى الآيَةِ: فَإنْ عُثِرَ بَعْدَما حَلَفَ الوَصِيّانِ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا؛ أيْ حَنَثا في اليَمِينِ بِكَذِبٍ في قَوْلٍ أوْ خِيانَةٍ في مالٍ، قامَ في اليَمِينِ مَقامَهُما رَجُلانِ مِن قَرابَةِ المَيِّتِ فَيَحْلِفانِ بِاللَّهِ لَقَدْ ظَهَرْنا عَلى خِيانَةِ الذِّمِّيَّيْنِ وكَذِبِهِما وتَبْدِيلِهِما وما اعْتَدَيْنا في ذَلِكَ وما كَذَبْنا. ورُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ الأُولى «صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العَصْرَ ودَعا بِتَمِيمٍ وعَدِيٍّ فاسْتَحْلَفَهُما عِنْدَ المِنبَرِ بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنّا خِيانَةٌ في هَذا المالِ، ولَمّا حَلَفا خَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَبِيلَهُما وكَتَما الإناءَ مُدَّةً، ثُمَّ ظَهَرَ، واخْتَلَفُوا فَقِيلَ: وُجِدَ بِمَكَّةَ، وقِيلَ: لَمّا طالَتِ المُدَّةُ أظْهَرا الإناءَ فَبَلَغَ ذَلِكَ بَنِي سَهْمٍ فَطالَبُوهُما، فَقالا: كُنّا قَدِ اشْتَرَيْناهُ مِنهُ، فَقالُوا: ألَمْ نَقُلْ لَكم: هَلْ باعَ صاحِبُنا شَيْئًا، فَقُلْتُما لا ؟ فَقالا: لَمْ يَكُنْ عِنْدَنا بَيِّنَةٌ فَكَرِهْنا أنْ نُعْثَرَ فَكَتَمْنا، فَرَفَعُوا القِصَّةَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإنْ عُثِرَ﴾ الآيَةَ، فَقامَ عَمْرُو بْنُ العاصِ والمُطَّلِبُ بْنُ أبِي رِفاعَةَ السَّهْمِيّانِ فَحَلَفا بِاللَّهِ بَعْدَ العَصْرِ فَدَفَعَ الرَّسُولُ ﷺ الإناءَ إلَيْهِما وإلى أوْلِياءِ المَيِّتِ.

وكانَ تَمِيمٌ الدّارِيُّ يَقُولُ بَعْدَما أسْلَمَ: صَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ أنا أخَذْتُ الإناءَ فَأتُوبُ إلى اللَّهِ تَعالى» . وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ بَقِيَتْ تِلْكَ الواقِعَةُ مَخْفِيَّةً إلى أنْ أسْلَمَ تَمِيمٌ الدّارِيُّ، فَلَمّا أسْلَمَ أخْبَرَ بِذَلِكَ وقالَ: حَلَفْتُ كاذِبًا، وأنا وصاحِبِي بِعْنا الإناءَ بِألْفٍ وقَسَمْنا الثَّمَنَ، ثُمَّ دَفَعَ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ مِن نَفْسِهِ ونَزَعَ مِن صاحِبِهِ خَمْسَمِائَةٍ أُخْرى ودَفَعَ الألْفَ إلى مَوالِي المَيِّتِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ أيْ مَقامَ الشّاهِدَيْنِ اللَّذَيْنِ هُما مِن غَيْرِ مِلَّتِهِما، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ المُرادُ بِهِ مَوالِي المَيِّتِ، وقَدْ أكْثَرَ النّاسُ في أنَّهُ لِمَ وصَفَ مَوالِيَ المَيِّتِ بِهَذا الوَصْفِ، والأصَحُّ عِنْدِي فِيهِ وجْهٌ واحِدٌ، وهو أنَّهم إنَّما وُصِفُوا بِذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا أُخِذَ مالُهم فَقَدِ اسْتَحَقَّ

صفحة ١٠٠ …

Al-Maaida 5:108Listen in Qur'an →
109

۞ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ ۖ قَالُوا۟ لَا عِلْمَ لَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ

[Be warned of] the Day when Allah will assemble the messengers and say, "What was the response you received?" They will say, "We have no knowledge. Indeed, it is You who is Knower of the unseen"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ عادَةَ اللَّهِ تَعالى جارِيَةٌ في هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ أنَّهُ إذا ذَكَرَ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الشَّرائِعِ والتَّكالِيفِ والأحْكامِ أتْبَعَها إمّا بِالإلَهِيّاتِ، وإمّا بِشَرْحِ أحْوالِ الأنْبِياءِ، أوْ بِشَرْحِ أحْوالِ القِيامَةِ لِيَصِيرَ ذَلِكَ مُؤَكِّدًا لِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ التَّكالِيفِ والشَّرائِعِ، فَلا جَرَمَ لَمّا ذَكَرَ فِيما تَقَدَّمَ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الشَّرائِعِ أتْبَعَها بِوَصْفِ أحْوالِ القِيامَةِ أوَّلًا، ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَ عِيسى. أمّا وصْفُ أحْوالِ القِيامَةِ فَهو قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ، أحَدُهُما: أنَّها مُتَّصِلَةٌ بِما قَبْلَها وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ: تَقْدِيرُهُ: واتَّقُوا اللَّهَ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ، ولا يَجُوزُ أنْ يُنْصَبَ عَلى الظَّرْفِ لِهَذا الفِعْلِ لِأنَّهم لَمْ يُؤْمَرُوا بِالتَّقْوى في ذَلِكَ اليَوْمِ، ولَكِنْ عَلى المَفْعُولِ لَهُ.

الثّانِي: قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ، أيْ لا يَهْدِيهِمْ إلى الجَنَّةِ، كَما قالَ: ﴿ولا لِيَهْدِيَهم طَرِيقًا﴾ ﴿إلّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾ [النِّساءِ: ١٦٩] .

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها مُنْقَطِعَةٌ عَمّا قَبْلَها، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ التَّقْدِيرَ: اذْكُرْ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ كانَ كَيْتُ وكَيْتُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ قَوْلُهُ: (ماذا) مُنْتَصِبٌ بِـ (أُجِبْتُمْ) انْتِصابَ مَصْدَرِهِ، عَلى مَعْنى: أيَّ إجابَةٍ أُجِبْتُمْ ؟ إجابَةُ إنْكارٍ أمْ إجابَةُ إقْرارٍ. ولَوْ أُرِيدَ الجَوابُ لَقِيلَ: بِماذا أُجِبْتُمْ ؟ فَإنْ قِيلَ: وأيُّ فائِدَةٍ في هَذا السُّؤالِ ؟ قُلْنا: تَوْبِيخُ قَوْمِهِمْ، كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وإذا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ ﴿بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التَّكْوِيرِ: ٨] المَقْصُودُ مِنهُ تَوْبِيخُ مَن فَعَلَ ذَلِكَ الفِعْلَ.

* المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: ظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا لا عِلْمَ لَنا إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ لا يَشْهَدُونَ لِأُمَمِهِمْ. والجَمْعُ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ﴾

صفحة ١٠٢

﴿شَهِيدًا﴾ [النِّساءِ: ٤١] مُشْكِلٌ. وأيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣] فَإذا كانَتْ أُمَّتُنا تَشْهَدُ لِسائِرِ النّاسِ فالأنْبِياءُ أوْلى بِأنْ يَشْهَدُوا لِأُمَمِهِمْ بِذَلِكَ.

والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: قالَ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ لِلْقِيامَةِ زَلازِلَ وأهْوالًا بِحَيْثُ تَزُولُ القُلُوبُ عَنْ مَواضِعِها عِنْدَ مُشاهَدَتِها، فالأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ مُشاهَدَةِ تِلْكَ الأهْوالِ يَنْسَوْنَ أكْثَرَ الأُمُورِ، فَهُنالِكَ يَقُولُونَ: لا عِلْمَ لَنا، فَإذا عادَتْ قُلُوبُهم إلَيْهِمْ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَشْهَدُونَ لِلْأُمَمِ. وهَذا الجَوابُ وإنْ ذَهَبَ إلَيْهِ جَمْعٌ عَظِيمٌ مِنَ الأكابِرِ فَهو عِنْدِي ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ في صِفَةِ أهْلِ الثَّوابِ: ﴿لا يَحْزُنُهُمُ …

Al-Maaida 5:109Listen in Qur'an →
110

إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًۭا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِى ۖ وَتُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ بِإِذْنِى ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِى ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ

[The Day] when Allah will say, "O Jesus, Son of Mary, remember My favor upon you and upon your mother when I supported you with the Pure Spirit and you spoke to the people in the cradle and in maturity; and [remember] when I taught you writing and wisdom and the Torah and the Gospel; and when you designed from clay [what was] like the form of a bird with My permission, then you breathed into it, and it became a bird with My permission; and you healed the blind and the leper with My permission; and when you brought forth the dead with My permission; and when I restrained the Children of Israel from [killing] you when you came to them with clear proofs and those who disbelieved among them said, "This is not but obvious magic."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ﴾ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنّا بَيَّنّا أنَّ الغَرَضَ مِن قَوْلِهِ تَعالى لِلرُّسُلِ: ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾ تَوْبِيخُ مَن تَمَرَّدَ مِن أُمَمِهِمْ، وأشَدُّ الأُمَمِ افْتِقارًا إلى التَّوْبِيخِ والمَلامَةِ النَّصارى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم أتْباعُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ؛ لِأنَّ طَعْنَ سائِرِ الأُمَمِ كانَ مَقْصُورًا عَلى الأنْبِياءِ، وطَعْنَ هَؤُلاءِ المَلاعِينِ تَعَدّى إلى جَلالِ اللَّهِ وكِبْرِيائِهِ، حَيْثُ وصَفُوهُ بِما لا يَلِيقُ بِعاقِلٍ أنْ يَصِفَ الإلَهَ بِهِ، وهو اتِّخاذُ الزَّوْجَةِ والوَلَدِ، فَلا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ يُعَدِّدُ أنْواعَ نِعَمِهِ عَلى عِيسى بِحَضْرَةِ الرُّسُلِ واحِدَةً فَواحِدَةً، والمَقْصُودُ مِنهُ تَوْبِيخُ النَّصارى وتَقْرِيعُهم عَلى سُوءِ مَقالَتِهِمْ، فَإنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ النِّعَمِ المُعَدَّدَةِ عَلى عِيسى تَدُلُّ عَلى أنَّهُ عَبْدٌ ولَيْسَ بِإلَهٍ. والفائِدَةُ في هَذِهِ الحِكايَةِ تَنْبِيهُ النَّصارى الَّذِينَ كانُوا في وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ عَلى قُبْحِ مَقالَتِهِمْ ورَكاكَةِ مَذْهَبِهِمْ واعْتِقادِهِمْ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: مَوْضِعُ (إذْ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ رَفْعًا بِالِابْتِداءِ عَلى مَعْنى: ذاكَ إذْ قالَ اللَّهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: اذْكُرْ إذْ قالَ اللَّهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: خَرَجَ قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ﴾ عَلى لَفْظِ الماضِي دُونَ المُسْتَقْبَلِ وفِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: الدَّلالَةُ عَلى قُرْبِ القِيامَةِ حَتّى كَأنَّها قَدْ قامَتْ ووَقَعَتْ وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ، ويُقالُ: الجَيْشُ قَدْ أتى: إذا قَرُبَ إتْيانُهم، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النَّحْلِ: ١] الثّانِي: أنَّهُ ورَدَ عَلى حِكايَةِ الحالِ ونَظِيرُهُ قَوْلُ الرَّجُلِ لِصاحِبِهِ: كَأنَّكَ بِنا وقَدْ دَخَلْنا بَلْدَةَ كَذا فَصَنَعْنا فِيها كَذا إذْ صاحَ صائِحٌ فَتَرَكْتَنِي وأجَبْتَهُ، ونَظِيرُهُ مِنَ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ﴾ [سَبَأٍ: ٥١] ﴿ولَوْ تَرى إذْ يَتَوَفّى الَّذِينَ كَفَرُوا المَلائِكَةُ﴾ [الأنْفالِ: ٥٠] ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سَبَأٍ: ٣١] والوَجْهُ في كُلِّ هَذِهِ الآياتِ ما ذَكَرْناهُ، مِن أنَّهُ خَرَجَ عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ عَنِ الحالِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: ﴿ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (عِيسى) في مَحَلِّ الرَّفْعِ لِأنَّهُ مُنادى مُفْرَدٌ وُصِفَ بِمُضافٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ لِأنَّهُ في نِيَّةِ الإضافَةِ ثُمَّ جُعِلَ الِابْنُ تَوْكِيدًا، وكُلُّ ما كانَ مِثْلَ هَذا

صفحة ١٠٤

جازَ فِيهِ وجْهانِ، نَحْوَ يا زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو، ويا زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو، وأنْشَدَ النَّحْوِيُّونَ:

يا حَكَمُ بْنَ المُنْذِرِ بْنِ الجارُودِ

بِرَفْعِ الأوَّلِ ونَصْبِهِ عَلى ما بَيَّنّاهُ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: قَوْلُهُ: ﴿نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ أرادَ الجَمْعَ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ (النَّحْلِ: ١٨) وإنَّما جازَ ذَلِكَ لِأنَّهُ مُضافٌ يَصْلُحُ لِلْجِنْسِ.

واعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى فَسَّرَ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ بِأُمُورٍ، أوَّلُها: قَوْلُهُ: ﴿إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ وفِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: رُوحُ القُدُسِ هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، الرُّوحُ جِبْرِيلُ والقُدُسُ هو اللَّهُ تَعالى، كَأنَّهُ أضافَهُ إلى نَفْسِهِ تَعْظِيمًا لَهُ.

الثّانِي: أنَّ الأرْواحَ مُخْتَلِفَةٌ بِالماهِيَّةِ، فَمِنها طاهِرَةٌ …

Al-Maaida 5:110Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.