Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 101–110 of 120

101

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَسْـَٔلُوا۟ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْـَٔلُوا۟ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌۭ

O you who have believed, do not ask about things which, if they are shown to you, will distress you. But if you ask about them while the Qur'an is being revealed, they will be shown to you. Allah has pardoned that which is past; and Allah is Forgiving and Forbearing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠١] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَـزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكم عَفا اللَّهُ عَنْها واللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا﴾ أيْ: نَبِيَّكُمْ: ﴿عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ﴾ أيْ: تَظْهَرْ: ﴿لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ لِما فِيها مِنَ المَشَقَّةِ: ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَـزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أيْ: وإنْ تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ نَزَلَ القُرْآنُ بِها مُجْمَلَةً، فَتَطْلُبُوا بَيانَها، تُبَيَّنْ لَكم حِينَئِذٍ لِاحْتِياجِكم إلَيْها. هَذا وجْهٌ في الآيَةِ. وعَلَيْهِ فَ (حِينَ) ظَرْفٌ لِ (تَسْألُوا).

وثَمَّةَ وجْهٌ آخَرُ: وهو جَعْلُ (حِينَ) ظَرْفًا لِ (تُبْدَ)، والمَعْنى: وإنْ تَسْألُوا عَنْها تُبْدَ لَكم حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ.

قالَ ابْنُ القَيِّمِ: والمُرادُ بِ (حِينَ النُّزُولِ) زَمَنُهُ المُتَّصِلُ بِهِ، لا الوَقْتُ المُقارِنُ لِلنُّزُولِ. وكَأنَّ في هَذا إذْنًا لَهم في السُّؤالِ عَنْ تَفْصِيلِ المُنَزَّلِ ومَعْرِفَتِهِ بَعْدَ إنْزالِهِ. فَفِيهِ رَفْعٌ لِتَوَهُّمِ المَنعِ مِنَ السُّؤالِ عَنِ الأشْياءِ مُطْلَقًا. ثُمَّ قالَ: وثَمَّةَ قَوْلٌ ثانٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها﴾ إلَخْ، وهو أنَّهُ مِن بابِ التَّهْدِيدِ والتَّحْذِيرِ، أيْ: ما سَألْتُمْ عَنْها في وقْتِ نُزُولِ الوَحْيِ جاءَكم بَيانُ ما سَألْتُمْ عَنْهُ بِما يَسُوءُكُمْ: والمَعْنى: لا تَتَعَرَّضُوا لِلسُّؤالِ عَمّا يَسُوءُكم بَيانُهُ، وإنْ تَعَرَّضْتُمْ لَهُ في زَمَنِ الوَحْيِ أُبْدِيَ لَكم. انْتَهى.

وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ تَعالى، بَيَّنَ أوَّلًا أنَّ تِلْكَ الأشْياءَ - الَّتِي سَألُوا عَنْها - إنْ أُبْدِيَتْ لَهم ساءَتْهم. ثُمَّ بَيَّنَ ثانِيًا أنَّهم إنْ سَألُوا عَنْها أُبْدِيَتْ لَهم. فَكانَ حاصِلُ الكَلامِ: إنْ سَألُوا عَنْها أُبْدِيَتْ لَهُمْ، وإنْ أُبْدِيَتْ لَهم ساءَتْهُمْ، فَيَلْزَمُ مِن مَجْمُوعِ المُقْدِمَتَيْنِ أنَّهُمْ: إنْ سَألُوا عَنْها ظَهَرَ لَهم ما يَسُوءُهم ولا يَسُرُّهم.

قالَ العَلّامَةُ أبُو السُّعُودِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ صِفَةٌ لِ (أشْياءَ) داعِيَةٌ إلى الِانْتِهاءِ عَنِ السُّؤالِ عَنْها. وحَيْثُ كانَتِ المُساءَةُ في هَذِهِ الشَّرْطِيَّةِ مُعَلَّقَةً بِإبْدائِها، لا بِالسُّؤالِ عَنْهُ، عُقِّبَتْ بِشَرْطِيَّةٍ أُخْرى ناطِقَةٍ بِاسْتِلْزامِ السُّؤالِ عَنْها لِإبْدائِها المُوجِبِ لِلْمَحْذُورِ قَطْعًا. فَقِيلَ: ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَـزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أيْ: تِلْكَ الأشْياءُ المُوجِبَةُ لِلْمَساءَةِ بِالوَحْيِ، كَما يُنْبِئُ عَنْهُ تَقْيِيدُ السُّؤالِ بِحِينِ التَّنْزِيلِ. والمُرادُ بِهِ: ما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ ويَغُمُّهم مِنَ التَّكالِيفِ الصَّعْبَةِ الَّتِي لا يُطِيقُونَ بِها، والأسْرارِ الخَفِيَّةِ الَّتِي يُفْتَضَحُونَ بِظُهُورِها، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا لا خَيْرَ فِيهِ. فَكَما أنَّ السُّؤالَ عَنِ الأُمُورِ الواقِعَةِ مُسْتَتْبِعٌ لِإبْدائِها، كَذَلِكَ السُّؤالُ عَنْ تِلْكَ التَّكالِيفِ مُسْتَتْبِعٌ لِإيجابِها عَلَيْهِمْ بِطَرِيقِ التَّشْدِيدِ، لِإساءَتِهِمُ الأدَبَ واجْتِرائِهِمْ عَلى المَسْألَةِ والمُراجَعَةِ، وتَجاوُزِهِمْ عَمّا يَلِيقُ بِشَأْنِهِمْ مِنَ الِاسْتِسْلامِ لِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، مِن غَيْرِ بَحْثٍ فِيهِ ولا تَعَرُّضٍ لِكَيْفِيَّتِهِ وكَمِّيَّتِهِ. أيْ: لا تُكْثِرُوا مُساءَلَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمّا لا يَعْنِيكم مِن تَكالِيفَ شاقَّةٍ عَلَيْكم - إنْ أفْتاكم بِها وكَلَّفَكم إيّاها حَسْبَما أُوحِيَ إلَيْهِ - لَمْ تُطِيقُوا …

Al-Maaida 5:101Listen in Qur'an →
102

قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌۭ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا۟ بِهَا كَٰفِرِينَ

A people asked such [questions] before you; then they became thereby disbelievers.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠٢] ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾

﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أيْ: سَألُوا هَذِهِ المَسْألَةَ، لَكِنْ لا عَيْنَها، بَلْ مِثْلَها في كَوْنِها مَحْظُورَةً ومُسْتَتْبِعَةً لِلْوَبالِ. وعَدَمُ التَّصْرِيحِ بِالمِثْلِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّحْذِيرِ: ﴿ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ أيْ: بِسَبَبِها. حَيْثُ لَمْ يَمْتَثِلُوا ما أُجِيبُوا بِهِ، ويَفْعَلُوهُ. وقَدْ كانَ بَنُو إسْرائِيلَ يَسْتَفْتُونَ أنْبِياءَهم عَنْ أشْياءَ، فَإذا أُمِرُوا بِها تَرَكُوها فَهَلَكُوا. والمَعْنى: احْذَرُوا مُشابِهَتَهم والتَّعَرُّضَ لِما تَعَرَّضُوا لَهُ.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: رَوى البُخارِيُّ في سَبَبِ نُزُولِها في "التَّفْسِيرِ" عَنْ أبِي الجُوَيْرِيَّةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ قَوْمٌ يَسْألُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتِهْزاءً. فَيَقُولُ الرَّجُلُ: مَن أبِي؟ ويَقُولُ الرَّجُلُ، تَضِلُّ ناقَتُهُ: أيْنَ ناقَتِي؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا﴾ [المائدة: ١٠١] حَتّى فَرَغَ مِنَ الآيَةِ كُلِّها».

وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ مُوسى بْنِ أنَسٍ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ خُطْبَةً ما سَمِعْتُ مِثْلَها قَطُّ، قالَ: «لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا... قالَ: فَغَطّى أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وُجُوهَهُمْ، لَهم خَنِينٌ. فَقالَ رَجُلٌ: مَن أبِي؟ قالَ: فُلانٌ» فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]»

ورَوى البُخارِيُّ أيْضًا في كِتابِ "الفِتَنِ" عَنْ قَتادَةَ: أنَّ أنَسًا حَدَّثَهم قالَ: سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ حَتّى أحْفَوْهُ بِالمَسْألَةِ. فَصَعِدَ النَّبِيُّ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ المِنبَرَ فَقالَ: ««لا تَسْألُونِي عَنْ شَيْءٍ إلّا بَيَّنْتُ لَكم. فَجَعَلْتُ أنْظُرُ يَمِينًا وشِمالًا، فَإذا كَلُّ رَجُلٍ، رَأْسُهُ في ثَوْبِهِ يَبْكِي. فَأنْشَأ رَجُلٌ - كانَ إذا لاحى يُدْعى إلى غَيْرِ أبِيهِ - فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ! مَن أبِي؟ فَقالَ: أبُوكَ حُذافَةُ» . ثُمَّ أنْشَأ عُمَرُ فَقالَ: رَضِينا بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا. نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن سُوءِ الفِتَنِ.

فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ما رَأيْتُ في الخَيْرِ والشَّرِّ كاليَوْمِ قَطُّ. إنَّهُ صُوِّرَتْ لِيَ الجَنَّةُ والنّارُ حَتّى رَأيْتُهُما دُونَ الحائِطِ» .

فَكانَ قَتادَةُ يَذْكُرُ هَذا الحَدِيثَ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ [المائدة: ١٠١]»

وفِي رِوايَةٍ: قالَ قَتادَةُ يُذْكَرُ - بِالبِناءِ لِلْمَجْهُولِ - هَذا الحَدِيثُ... إلَخْ

ورَوى البُخارِيُّ أيْضًا في كِتابِ "الِاعْتِصامِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ" في بابِ ما يُكْرَهُ مِن كَثْرَةِ السُّؤالِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أخْبَرَنِي أنَسُ بْنُ مالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ حِينَ زاغَتِ الشَّمْسُ فَصَلّى الظُّهْرَ. فَلَمّا سَلَّمَ قامَ إلى المِنبَرِ فَذَكَرَ السّاعَةَ. وذَكَرَ أنَّ بَيْنَ يَدَيْها أُمُورًا عِظامًا. ثُمَّ قالَ: «مَن أحَبَّ أنْ يَسْألَ عَنْ شَيْءٍ فَلْيَسْألْ عَنْهُ، فَواللَّهِ! لا تَسْألُونِي عَنْ شَيْءٍ إلّا أخْبَرْتُكم بِهِ ما دُمْتُ في مَقامِي هَذا» . قالَ أنَسٌ: فَأكْثَرَ الأنْصارُ البُكاءَ، وأكْثَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَقُولَ: فَقالَ أنَسٌ: فَقامَ رَجُلٌ فَقالَ: أيْنَ مَدْخَلِي يا رَسُولَ اللَّهِ! قالَ: النّارُ. فَقامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذافَةَ فَقالَ: مَن أبِي …

Al-Maaida 5:102Listen in Qur'an →
103

مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٍۢ وَلَا سَآئِبَةٍۢ وَلَا وَصِيلَةٍۢ وَلَا حَامٍۢ ۙ وَلَٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ

Allah has not appointed [such innovations as] bahirah or sa'ibah or wasilah or ham. But those who disbelieve invent falsehood about Allah, and most of them do not reason.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠٣] ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾

﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ أيْ: ما شَرَعَ وما وضَعَ. و(مِن) مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ. والبَحِيْرَةُ (كَسَفِينَةٍ) فَعِيلَةٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ مِنَ (البَحْرِ) وهو شَقُّ الأُذُنِ. يُقالُ: بَحَرَ النّاقَةَ والشّاةَ، يَبْحُرُها: شَقَّ أُذُنَها. وفي البَحْرَةِ أقْوالٌ كَثِيرَةٌ ساقَها صاحِبُ القامُوسِ وغَيْرُهُ.

قالَ أبُو إسْحاقَ النَّحْوِيُّ: أثْبَتُ ما رُوِّينا عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ في البَحْرَةِ: أنَّها النّاقَةُ كانَتْ إذا نَتَجَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ، فَكانَ آخِرُها ذَكَرًا، بَحَرُوا أُذُنَها (أيْ: شَقُّوها) وأعْفَوْا ظَهْرَها مِنَ الرُّكُوبِ والحَمْلِ والذَّبْحِ، ولا تُمْنَعُ مِن ماءٍ تَرِدُهُ ولا مِن مَرْعًى. وإذا لَقِيَها المُعْيِي المُنْقَطِعُ بِهِ، لَمْ يَرْكَبْها.

﴿ولا سائِبَةٍ﴾ وهي النّاقَةُ كانَتْ تُسَيَّبُ في الجاهِلِيَّةِ لِنَذْرٍ أوْ لِطَواغِيتِهِمْ. أيْ: تُتْرَكُ ولا تُرْكَبُ ولا يُحْمَلُ عَلَيْها كالبَحِيرَةِ. أوْ كانَتْ إذا ولَدَتْ عَشَرَةَ أبْطُنٍ كُلُّهُنَّ إناثٌ، لَيْسَ بَيْنَهُنَّ ذَكَرٌ، سُيِّبَتْ فَلَمْ تُرْكَبْ ولَمْ يُجَزَّ وبَرُها، ولَمْ يَشْرَبْ لَبَنَها إلّا ولَدُها أوِ الضَّيْفُ. أوْ كانَ الرَّجُلُ إذا قَدِمَ مِن سَفَرٍ بَعِيدٍ، أوْ بَرِئَ مِن عِلَّةٍ، أوْ نَجَتْ دابَّتُهُ مِن مَشَقَّةٍ أوْ حَرْبٍ، قالَ: وهي (أيْ: ناقَتِي) سائِبَةٌ.

﴿ولا وصِيلَةٍ﴾ كانُوا إذا ولَدَتِ الشّاةُ سِتَّةَ أبْطُنٍ عَناقَيْنِ عَناقَيْنِ. ووَلَدَتْ في السّابِعِ عَناقًا وجَدْيًا، قالُوا: وصَلَتْ أخاها. فَلا يَذْبَحُونَ أخاها مِن أجْلِها. وأحَلُّوا لَبَنَها لِلرِّجالِ وحَرَّمُوهُ عَلى النِّساءِ. والعَناقُ (كَسَحابٍ) الأُنْثى مِن أوْلادِ المَعْزِ. وقِيلَ: الوَصِيلَةُ كانَتْ في الشّاةِ خاصَّةً، إذا ولَدَتِ الأُنْثى فَهي لَهُمْ، وإذا ولَدَتْ ذَكَرًا جَعَلُوهُ لِآلِهَتِهِمْ. وإنْ ولَدَتْ ذَكَرًا وأُنْثى قالُوا: وصَلَتْ أخاها فَلَمْ يَذْبَحُوا الذَّكَرَ لِآلِهَتِهِمْ: ﴿ولا حامٍ﴾ وهو الفَحْلُ مِنَ الإبِلِ يِضَرِبُ الضِّرابَ المَعْدُودَ. فَإذا انْقَضى ضِرابُهُ جَعَلُوا عَلَيْهِ رِيشَ الطَّواوِيسِ، وسَيَّبُوهُ لِلطَّواغِيتِ. وقِيلَ: هو الفَحْلُ يَنْتِجُ مِن صُلْبِهِ عَشَرَةُ أبْطُنٍ. ثُمَّ هو حامٍ حَمى حِمى ظَهْرِهِ. فَيُتْرَكُ فَلا يُنْتَفَعُ مِنهُ بِشَيْءٍ، ولا يُمْنَعُ مِن ماءٍ ولا مَرْعى. وحَكى أبُو مُسْلِمٍ: إذا أنْتَجَتِ النّاقَةُ عَشَرَةَ أبْطُنٍ، قالُوا: حَمَتْ ظَهْرَها.

وقَدْ رُوِيَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الأرْبَعَةِ، أقْوالٌ أُخَرُ. ولا تَنافِيَ في ذَلِكَ؛ لِأنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ لَهم في أضالِيلِهِمْ تَفَنُّناتٌ غَرِيبَةٌ.

هَذا ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي الأحْوَصِ عَوْفِ بْنِ مالِكِ بْنِ نَضْلَةَ، عَنْ أبِيهِ مالِكِ بْنِ نَضْلَةَ، قالَ: «أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ في خُلْقانٍ مِنَ الثِّيابِ. فَقالَ لِي: هَلْ لَكَ مِن مالٍ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: مِن أيِّ المالِ؟ قالَ فَقُلْتُ: مِن كُلِّ المالِ: الإبِلِ والغَنَمِ والخَيْلِ والرَّقِيقِ. قالَ: فَإذا أتاكَ اللَّهُ مالًا كَثِيرًا فَكَثِّرْ عَلَيْكَ. ثُمَّ قالَ: تُنْتِجُ إبِلُكَ وافِيَةً آذانُها؟ قالَ قُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: وهَلْ تُنْتِجُ الإبِلُ إلّا كَذَلِكَ؟ قالَ: فَلَعَلَّكَ تَأْخُذُ المُوسى فَتَقْطَعُ آذانَ طائِفَةٍ مِنها، وتَقُولُ: هَذِهِ حَرَمٌ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: فَلا تَفْعَلْ. إنَّ كُلَّ ما آتاكَ اللَّهُ لَكَ حِلٌّ. ثُمَّ قالَ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا …

Al-Maaida 5:103Listen in Qur'an →
104

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُوا۟ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ ۚ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْـًۭٔا وَلَا يَهْتَدُونَ

And when it is said to them, "Come to what Allah has revealed and to the Messenger," they say, "Sufficient for us is that upon which we found our fathers." Even though their fathers knew nothing, nor were they guided?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠٤] ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْـزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾

﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾ مِنَ الكِتابِ المُبَيِّنِ لِلْحَلالِ والحَرامِ: ﴿وإلى الرَّسُولِ﴾ أيِ: الَّذِي أُنْزِلَ هو عَلَيْهِ، لِتَقِفُوا عَلى حَقِيقَةِ الحالِ، وتُمَيِّزُوا بَيْنَ الحَرامِ والحَلالِ، فَتَرْفُضُوا تَقْلِيدَ القُدَماءِ المُفْتَرِينَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ بِالضَّلالِ: ﴿قالُوا﴾ أيْ: لِإفْراطِ جَهْلِهِمْ وانْهِماكِهِمْ في التَّقْلِيدِ: ﴿حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ أيْ: كافِينا ذَلِكَ. و: حَسْبُنا مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ: ما وجَدْنا و(ما) بِمَعْنى الَّذِي. والواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ﴾ لِلْحالِ. دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الإنْكارِ. أيْ: أحَسْبُهم ذَلِكَ ولَوْ كانَ آباؤُهُمْ: ﴿لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ أيْ: لا يَعْرِفُونَ حَقًّا ولا يَفْهَمُونَهُ: ﴿ولا يَهْتَدُونَ﴾ أيْ: إلَيْهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى أنَّ الِاقْتِداءَ إنَّما يَصِحُّ بِالعالِمِ المُهْتَدِي. وإنَّما يُعْرَفُ اهْتِداؤُهُ بِالحُجَّةِ. انْتَهى.

وقالَ الرّازِيُّ: واعْلَمْ أنَّ الِاقْتِداءَ إنَّما يَجُوزُ بِالعالِمِ المُهْتَدِي. وإنَّما يَكُونُ عالِمًا مُهْتَدِيًا إذا بَنى قَوْلَهُ عَلى الحُجَّةِ والدَّلِيلِ. فَإذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عالِمًا مُهْتَدِيًا. فَوَجَبَ أنْ لا يَجُوزَ الِاقْتِداءُ بِهِ. انْتَهى.

وقالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: ثَمَرَةُ الآيَةِ قُبْحُ التَّقْلِيدِ ووُجُوبُ النَّظَرِ واتِّباعِ الحُجَّةِ. ثُمَّ قالَ: وقَدْ فُسِّرَ التَّقْلِيدُ بِأنَّهُ قَبُولُ قَوْلِ الغَيْرِ مِن غَيْرِ حُجَّةٍ. انْتَهى.

Al-Maaida 5:104Listen in Qur'an →
105

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

O you who have believed, upon you is [responsibility for] yourselves. Those who have gone astray will not harm you when you have been guided. To Allah is you return all together; then He will inform you of what you used to do.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠٥] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ أيِ: الزَمُوا أنْ تُصْلِحُوها بِاتِّباعِ كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ: ﴿لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ﴾ أيْ: مِمَّنْ قالَ: حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أوْ أخَذَ بِشُبْهَةٍ. أوْ عانَدَ في قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ: ﴿إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ أيْ: إلى الإيمانِ. وكَأنَّ المُؤْمِنِينَ كانَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ بَقاءُ الكُفّارِ في كُفْرِهِمْ وضَلالِهِمْ. فَقِيلَ لَهُمْ: عَلَيْكم أنْفُسَكم وما كُلِّفْتُمْ مِن إصْلاحِها والمَشْيِ بِها في طَرِيقِ الهُدى. لا يَضُرُّكم ضَلالُ الضّالِّينَ وجَهْلُ الجاهِلِينَ، إذا كُنْتُمْ مُهْتَدِينَ. كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ [فاطر: ٨]

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَذَلِكَ مَن يَتَأسَّفُ عَلى ما فِيهِ الفَسَقَةُ مِنَ الفُجُورِ والمَعاصِي ولا يَزالُ يَذْكُرُ مَعايِبَهم ومَناكِيرَهُمْ، فَهو مُخاطَبٌ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ بَعْدَ المَوْتِ: ﴿جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ﴾ أيْ: يُخْبِرُكُمْ: ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أيْ: في الدُّنْيا مِن أعْمالِ الهِدايَةِ والضَّلالِ. فَهو وعْدٌ ووَعِيدٌ لِلْفَرِيقَيْنِ. وتَنْبِيهٌ عَلى أنَّ أحَدًا لا يُؤاخَذُ بِعَمَلِ غَيْرِهِ.

تَنْبِيهٌ:

لا يُسْتَدَلُّ بِالآيَةِ عَلى سُقُوطِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ مِنَ الآيَةِ أنَّ ضَلالَ الغَيْرِ لا يَضُرُّ، وأنَّ المُطِيعَ لِرَبِّهِ لا يَكُونُ مُؤاخَذًا بِذُنُوبِ العاصِي. وإلّا فَمَن تَرَكَها مَعَ القُدْرَةِ عَلَيْهِما، فَلَيْسَ بِمُهْتَدٍ. وإنَّما هو بَعْضُ الضَّلالِ الَّذِي فَصَلَتِ الآيَةُ بَيْنَهم وبَيْنَهُ.

قالَ الحاكِمُ: ولَوِ اسْتُدِلَّ عَلى وُجُوبِها بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ كانَ أوْلى. لِأنَّهُ يَدْخُلُ في ذَلِكَ كُلُّ ما لَزِمَ مِنَ الواجِباتِ. أيْ: كَما فَعَلَ المَهايِمِيُّ في تَفْسِيرِهِ حَيْثُ قالَ: عَلَيْكم أنْفُسَكم. أيِ: الزَمُوا أنْ تُصْلِحُوها بِاتِّباعِ الدَّلائِلِ مِن كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ. والعَقْلِيّاتِ المُؤَيَّدَةِ بِها، ودَعْوَةِ الإخْوانِ إلى ذَلِكَ. بِإقامَةِ الحُجَجِ ودَفْعِ الشُّبَهِ، وأمْرِهِمْ بِالمَعْرُوفِ ونَهْيِهِمْ عَنِ المُنْكَرِ بِما أمْكَنَ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ. لا تُقَصِّرُوا في ذَلِكَ؛ إذْ لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ، بِدَعْوَتِهِمْ إلى ما أُنْزِلَ وإلى الرَّسُولِ وإقامَةِ الحُجَجِ لَهُمْ، ودَفْعِ الشُّبَهِ عَنْهُمْ، وأمْرِهِمْ بِالمَعْرُوفِ ونَهْيِهِمْ عَنِ المُنْكَرِ، بِما أمْكَنَ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ. ولا تُقَصِّرُوا في ذَلِكَ. إذْ إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، مِنَ التَّقْصِيرِ أوِ الإيفاءِ قَوْلًا وفِعْلًا، في حَقِّ أنْفُسِكم أوْ غَيْرِكم. انْتَهى.

ونَقَلَ الرّازِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ أوْكَدُ آيَةٍ في وُجُوبِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ. فَإنَّهُ قالَ: عَلَيْكم أنْفُسَكم يَعْنِي عَلَيْكم أهْلَ دِينِكم. ولا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ مِنَ الكُفّارِ. وهَذا كَقَوْلِهِ: فاقْتُلُوا أنْفُسَكم يَعْنِي أهْلَ دِينِكم. فَقَوْلُهُ: عَلَيْكم أنْفُسَكم يَعْنِي بِأنْ يَعِظَ بَعْضُكم بَعْضًا، ويُرَغِّبَ بَعْضُكم بَعْضًا في الخَيْراتِ ويُنَفِّرُهُ عَنِ القَبائِحِ والسَّيِّئاتِ. والَّذِي يُؤَكِّدُ ذَلِكَ ما بَيَّنّا …

Al-Maaida 5:105Listen in Qur'an →
106

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ شَهَٰدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍۢ مِّنكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَأَصَٰبَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ ۚ تَحْبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعْدِ ٱلصَّلَوٰةِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِۦ ثَمَنًۭا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۙ وَلَا نَكْتُمُ شَهَٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلْءَاثِمِينَ

O you who have believed, testimony [should be taken] among you when death approaches one of you at the time of bequest - [that of] two just men from among you or two others from outside if you are traveling through the land and the disaster of death should strike you. Detain them after the prayer and let them both swear by Allah if you doubt [their testimony, saying], "We will not exchange our oath for a price, even if he should be a near relative, and we will not withhold the testimony of Allah. Indeed, we would then be of the sinful."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠٦] ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ أيْ: ظَهَرَتْ أماراتُهُ: ﴿حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ بَدَلٌ مِنَ الظَّرْفِ، ظَرْفٌ (لِلْمَوْتِ) ولا لِحُضُورِهِ. فَإنَّ في الإبْدالِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الوَصِيَّةَ مِنَ المُهِمّاتِ الَّتِي لا يَنْبَغِي التَّهاوُنُ بِها. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿اثْنانِ﴾ خَبَرٌ: شَهادَةُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ. أيْ: شَهادَةُ بَيْنِكم حِينَئِذٍ، شَهادَةُ اثْنَيْنِ. أوْ فاعِلُ (شَهادَةُ) عَلى أنَّ خَبَرَها مَحْذُوفٌ. أيْ: فِيما نَزَلَ عَلَيْكُمْ، أنْ يَشْهَدَ بَيْنَكُمُ اثْنانِ: ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ أيْ: مِنَ المُسْلِمِينَ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ أيْ: مِن أهْلِ الذِّمَّةِ: ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ أيْ: سافَرْتُمْ فِيها: ﴿فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ تَحْبِسُونَهُما﴾ أيْ: تُوقِفُونَهُما لِلتَّحْلِيفِ: ﴿مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ أيْ: صَلاةِ العَصْرِ. كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وثُلَّةٌ مِنَ التّابِعِينَ. وعَدَمُ تَعْيِينِها، لِتَعْيِينِها عِنْدَهم بِالتَّحْلِيفِ بَعْدَها. لِأنَّهُ وقْتَ اجْتِماعِ النّاسِ ووَقْتُ تَصادُمِ مَلائِكَةِ اللَّيْلِ ومَلائِكَةِ النَّهارِ. واجْتِماعُ طائِفَتَيِ المَلائِكَةِ، فِيهِ تَكْثِيرٌ لِلشُّهُودِ مِنهم عَلى صِدْقِهِ وكَذِبِهِ. فَيَكُونُ أقْوى مِن غَيْرِهِ وأخْوَفَ.

وعَنِ الزُّهْرِيِّ: بَعْدَ أيِّ صَلاةٍ لِلْمُسْلِمِينَ كانَتْ. وذَلِكَ لِأنَّ الصَّلاةَ داعِيَةٌ إلى النُّطْقِ بِالصِّدْقِ، وناهِيَةٌ عَنِ الكَذِبِ والزُّورِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] فالتَّعْرِيفُ فِي: الصَّلاةَ إمّا لِلْعَهْدِ أوْ لِلْجِنْسِ ﴿فَيُقْسِمانِ﴾ أيْ: يَحْلِفانِ: ﴿بِاللَّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أيْ: شَكَكْتُمْ فِيهِما بِخِيانَةٍ وأخْذِ شَيْءٍ مِن تَرِكَةِ المَيِّتِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ جَوابٌ لِلْقَسَمِ. أيْ: يَقُولانِ: لا نَأْخُذُ لِأنْفُسِنا بَدَلًا مِنَ اللَّهِ. أيْ: مِن حُرْمَتِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيا بِأنْ نَهْتِكَها ونُزِيلَها بِالحَلِفِ الكاذِبِ. أيْ: لا نَحْلِفُ بِاللَّهِ كاذِبِينَ لِأجْلِ المالِ: ﴿ولَوْ كانَ﴾ أيْ: مَن نُقْسِمُ لَهُ ونَشْهَدُ عَلَيْهِ، المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِفَحْوى الكَلامِ: ﴿ذا قُرْبى﴾ أيْ: قَرِيبًا مِنّا. تَأْكِيدٌ لِتَبَرُّئِهِمْ مِنَ الحَلِفِ كاذِبًا. ومُبالَغَةٌ في التَّنَزُّهِ عَنْهُ. كَأنَّهُما قالا: لا نَأْخُذُ لِأنْفُسِنا بَدَلًا مِن حُرْمَةِ اسْمِهِ تَعالى مالًا. ولَوِ انْضَمَّ إلَيْهِ رِعايَةُ جانِبِ الأقْرِباءِ. فَكَيْفَ إذا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؟: ﴿ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾ أيِ: الشَّهادَةَ الَّتِي أمَرَنا اللَّهُ تَعالى بِإقامَتِها. وإضافَتُها إلى الِاسْمِ الكَرِيمِ تَشْرِيفًا لَها وتَعْظِيمًا لِأمْرِها: ﴿إنّا إذًا﴾ إنْ كَتَمْناها: ﴿لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ أيِ: المَعْدُودِينَ مِنَ المُسْتَرِقِينَ في الإثْمِ.

Al-Maaida 5:106Listen in Qur'an →
107

فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْمًۭا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْأَوْلَيَٰنِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ إِنَّآ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

But if it is found that those two were guilty of perjury, let two others stand in their place [who are] foremost [in claim] from those who have a lawful right. And let them swear by Allah, "Our testimony is truer than their testimony, and we have not transgressed. Indeed, we would then be of the wrongdoers."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠٧] ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما وما اعْتَدَيْنا إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾

﴿فَإنْ عُثِرَ﴾ أيِ: اطُّلِعَ بَعْدَ التَّحْلِيفِ: ﴿عَلى أنَّهُما﴾ أيِ: الشّاهِدَيْنِ الوَصِيَّيْنِ: ﴿اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ أيْ: فَعَلا ما يُوجِبُهُ مِن خِيانَةٍ أوْ غُلُولِ شَيْءٍ مِنَ المالِ المُوصى بِهِ إلَيْهِما: ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ أيْ: فَرَجُلانِ آخَرانِ يَقُومانِ مَقامَ اللَّذَيْنِ عُثِرَ عَلى خِيانَتِهِما أيْ: في تَوَجُّهِ اليَمِينِ عَلَيْهِما لِإظْهارِ الحَقِّ وإبْرازِ كَذِبِهِما فِيما ادَّعَيا مِنَ اسْتِحْقاقِهِما لِما في أيْدِيهِما: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ أيْ: مِن ورَثَةِ المَيِّتِ الَّذِي اسْتَحَقَّ مِن بَيْنِهِمُ الأوْلَيانِ، أيِ: الأقْرَبانِ إلى المَيِّتِ، الوارِثانِ لَهُ، الأحَقّانِ بِالشَّهادَةِ، أيِ: اليَمِينِ. فَ (الأوْلَيانِ) فاعِلُ (اسْتَحَقَّ). ومَفْعُولُ (اسْتَحَقَّ) مَحْذُوفٌ، قَدَّرَهُ بَعْضُهم (وصِيَّتَهُما) وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ (مالَهم وتَرِكَتَهُمْ)، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يُجَرِّدُوهُما لِلْقِيامِ بِالشَّهادَةِ؛ لِأنَّها حَقُّهُما ويُظْهِرُوا بِهِما كَذِبَ الكاذِبِينَ. وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ أيْ: مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ عَلَيْهِمُ الإثْمُ. أيْ: جُنِيَ عَلَيْهِمْ. وهم أهْلُ المَيِّتِ وعَشِيرَتُهُ. فَ (الأوْلَيانِ) مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن هُما؟ فَقِيلَ: الأوْلَيانِ. أوْ هو بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في (يَقُومانِ) أوْ مِن (آخَرانِ) وقَدْ جَوَّزَ ارْتِفاعَهُ (اسْتَحَقَّ) عَلى حَذْفِ المُضافِ. أيِ: اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ نَدْبُ الأوْلَيَيْنِ مِنهم لِلشَّهادَةِ. وقُرِئَ الأوَّلَيْنِ جَمْعَ (أوَّلَ) عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلَّذِينَ، مَجْرُورٌ أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ. ومَعْنى الأوَّلِيَّةِ التَّقَدُّمُ عَلى الأجانِبِ في الشَّهادَةِ لِكَوْنِهِمْ أحَقَّ بِها. وقُرِئَ الأُولَيَيْنِ، عَلى التَّثْنِيَةِ. وانْتِصابُهُ عَلى المَدْحِ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

وقُرِئَ: الأوَّلَيْنِ تَثْنِيَةُ (أوَّلَ) نَصْبًا عَلى ما ذُكِرَ. كَما في البَيْضاوِيِّ.

قالَ أبُو البَقاءِ: ويُقْرَأُ الأُولَيَيْنِ وهو جَمْعُ (أُولى) وإعْرابُهُ كَإعْرابِ الأوَّلَيْنِ. ويُقْرَأُ الأوَّلانِ، تَثْنِيَةُ (الأوَّلِ) وإعْرابُهُ كَإعْرابِ (الأوْلَيانِ): ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ عَطْفٌ عَلى (يَقُومانِ): ﴿لَشَهادَتُنا أحَقُّ﴾ أيْ: بِالقَبُولِ: ﴿مِن شَهادَتِهِما﴾ أيْ: لِقَوْلِنا: إنَّهُما خانا وكَذَبا فِيما ادَّعَيا مِنَ الِاسْتِحْقاقِ، أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما المُتَقَدِّمَةِ. لِما أنَّهُ قَدْ ظَهَرَ لِلنّاسِ اسْتِحْقاقُهُما لِلْإثْمِ: ﴿وما اعْتَدَيْنا﴾ أيْ: ما تَجاوَزْنا الحَقَّ فِيها أوْ فِيما قُلْنا فِيهِما مِنَ الخِيانَةِ: ﴿إنّا إذًا﴾ أيْ: إنِ اعْتَدَيْنا: ﴿لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أيْ: أنْفُسَهم بِتَعْرِيضِها لِسُخْطِ اللَّهِ تَعالى وعَذابِهِ، بِسَبَبِ هَتْكِ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى. أوْ مِنَ الواضِعِينَ الحَقَّ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.

ومَعْنى الآيَةِ الكَرِيمَةِ: أنَّ الرَّجُلَ إذا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ في سَفَرٍ، فَلْيُشْهِدْ رَجُلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ.

فَإنْ لَمْ يَجِدْهُما، فَرَجُلَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ. يُوصِي إلَيْهِما ويَدْفَعُ إلَيْهِما مِيراثَهُ. فَإذا قَدِما بِتَرِكَتِهِ، فَإنْ صَدَّقَهُما الوَرَثَةُ وعَرَفُوا ما لِصاحِبِهِمْ قُبِلَ قَوْلُهُما وتُرِكا. وإنِ …

Al-Maaida 5:107Listen in Qur'an →
108

ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِٱلشَّهَٰدَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ أَوْ يَخَافُوٓا۟ أَن تُرَدَّ أَيْمَٰنٌۢ بَعْدَ أَيْمَٰنِهِمْ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ

That is more likely that they will give testimony according to its [true] objective, or [at least] they would fear that [other] oaths might be taken after their oaths. And fear Allah and listen; and Allah does not guide the defiantly disobedient people.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠٨] ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ واتَّقُوا اللَّهَ واسْمَعُوا واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾

ثُمَّ بَيَّنَ وجْهَ الحِكْمَةِ والمَصْلَحَةِ المُتَقَدِّمَ تَفْصِيلُهُ بِقَوْلِهِ:

﴿ذَلِكَ﴾ أيِ: الحُكْمُ المَذْكُورُ: ﴿أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها﴾ أيْ: أقْرَبُ إلى أنْ يُؤَدِّيَ الشُّهُودُ - أوِ الأوْصِياءُ - الشَّهادَةَ في نَحْوِ تِلْكَ الحادِثَةِ عَلى حَقِيقَتِها مِن غَيْرِ تَغْيِيرٍ لَها، خَوْفًا مِنَ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ. فَ (الوَجْهُ) بِمَعْنى الذّاتِ والحَقِيقَةِ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وهَذِهِ - كَما تَرى - حِكْمَةُ شَرْعِيَّةِ التَّحْلِيفِ بِالتَّغْلِيظِ المَذْكُورِ!

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ بَيانٌ لِحِكْمَةِ شَرْعِيَّةِ رَدِّ اليَمِينِ عَلى الوَرَثَةِ، مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يُنْبِئُ عَنْهُ المَقامُ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها، ويَخافُوا عَذابَ الآخِرَةِ بِسَبَبِ اليَمِينِ الكاذِبَةِ. أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ اليَمِينُ عَلى المُدَّعِينَ بَعْدَ أيْمانِهِمْ، فَيُفْتَضَحُوا بِظُهُورِ الخِيانَةِ واليَمِينِ الكاذِبَةِ، ويَغْرَمُوا فَيَمْتَنِعُوا مِن ذَلِكَ.

﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: في مُخالَفَةِ أحْكامِهِ الَّتِي مِنها هَذا الحُكْمُ، وهو تَرْكُ الخِيانَةِ والكَذِبِ: ﴿واسْمَعُوا﴾ أيْ: ما تُؤْمَرُونَ بِهِ سَماعَ قَبُولٍ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ أيِ: الخارِجِينَ عَنْ طاعَتِهِ ومُتابَعَةِ شَرِيعَتِهِ، أيْ: إلى طَرِيقِ الجَنَّةِ أوْ إلى ما فِيهِ نَفْعُهم.

وقَدِ اسْتُفِيدَ مِنَ الآيَةِ أحْكامٌ:

الأوَّلُ: - لُزُومُ الوَصِيَّةِ حالَ الخَوْفِ مِنَ المَوْتِ وحُضُورِ قَرائِنِهِ؛ لِأنَّهُ تَعالى قالَ: حِينَ الوَصِيَّةِ أيْ: وقْتَ أنْ تَحِقَّ الوَصِيَّةُ وتَلْزَمَ.

الثّانِي: - قالَ بَعْضُهُمْ: دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] عَلى أنَّ الحُكْمَ شَرْطُهُ أنْ يَشْهَدَ فِيهِ اثْنانِ عَدْلانِ. وهَذا إطْلاقٌ لَمْ يَفْصِلْ فِيهِ بَيْنَ حَقِّ اللَّهِ وحَقِّ غَيْرِهِ، ولا بَيْنَ الحُدُودِ وغَيْرِها، إلّا شَهادَةَ الزِّنى. فَلِقَوْلِهِ تَعالى في النُّورِ: ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ، وهَذا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.

قالَ ابْنُ القَيِّمِ في "أعْلامِ المُوَقِّعِينَ": إنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ ما يَحْفَظُ بِهِ الحُقُوقَ مِنَ الشُّهُودِ ولَمْ يَذْكُرْ أنَّ الحُكّامَ لا يَحْكُمُونَ إلّا بِذَلِكَ. فَلَيْسَ في القُرْآنِ نَفْيُ الحُكْمِ بِشاهِدٍ ويَمِينٍ، ولا بِالنُّكُولِ، ولا بِاليَمِينِ المَرْدُودَةِ، ولا بِأيْمانِ القَسامَةِ، ولا بِأيْمانِ اللِّعانِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُبَيِّنُ الحَقَّ ويُظْهِرُهُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ. والشّارِعُ - في جَمِيعِ المَواضِعِ - يَقْصِدُ ظُهُورَ الحَقِّ بِما يُمْكِنُ ظُهُورُهُ بِهِ مِنَ البَيِّناتِ الَّتِي هي أدِلَّةٌ عَلَيْهِ وشَواهِدُ لَهُ.

ولا يَرُدُّ حَقًّا قَدْ ظَهَرَ بِدَلِيلِهِ أبَدًا. فَيُضَيِّعُ حُقُوقَ اللَّهِ وحُقُوقَ عِبادِهِ ويُعَطِّلُها. ولا يَقِفُ ظُهُورُ الحَقِّ عَلى أمْرٍ مُعَيَّنٍ لا فائِدَةَ في تَخْصِيصِهِ بِهِ مَعَ مُساواةِ غَيْرِهِ في ظُهُورِ الحَقِّ أوْ رُجْحانِهِ عَلَيْهِ تَرْجِيحًا لا يُمْكِنُ جَحْدُهُ ودَفْعُهُ. وقَدْ أطالَ في ذَلِكَ بِما لا يُسْتَغْنى عَنْ مُراجَعَتِهِ.

الثّالِثُ: - في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] دَلالَةٌ عَلى صِحَّةِ شَهادَةِ الذِّمِّيِّ عَلى المُسْلِمِ عُمُومًا. …

Al-Maaida 5:108Listen in Qur'an →
109

۞ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ ۖ قَالُوا۟ لَا عِلْمَ لَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ

[Be warned of] the Day when Allah will assemble the messengers and say, "What was the response you received?" They will say, "We have no knowledge. Indeed, it is You who is Knower of the unseen"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١٠٩] ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾

﴿يَوْمَ﴾ مَنصُوبٌ بِ (اذْكُرُوا) أوِ (احْذَرُوا): ﴿يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ وذَلِكَ يَوْمَ القِيامَةِ، وتَخْصِيصُ الرُّسُلِ بِالذِّكْرِ لَيْسَ لِاخْتِصاصِ الجَمْعِ بِهِمْ دُونَ الأُمَمِ. كَيْفَ لا؟ وذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ، بَلْ لِإبانَةِ شَرَفِهِمْ وأصالَتِهِمْ والإيذانِ بِعَدَمِ الحاجَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِجَمْعِ غَيْرِهِمْ. بِناءً عَلى ظُهُورِ كَوْنِهِمْ أتْباعًا لَهُمْ: ﴿فَيَقُولُ﴾ أيْ: لِلرُّسُلِ: ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾ أيْ: ما الَّذِي أجابَكم مَن أُرْسِلْتُمْ إلَيْهِمْ؟ فَفِيهِ إشْعارٌ بِخُرُوجِهِمْ عَنْ عَهْدِ الرِّسالَةِ. إذْ لَمْ يَقُلْ: هَلْ بَلَّغْتُمْ رِسالاتِي؟ وفي تَوْجِيهِ السُّؤالِ إلَيْهِمْ. والعُدُولِ عَنْ إسْنادِ الجَوابِ إلى قَوْمِهِمْ بِأنْ يُقالَ: ماذا أجابُوا - مِنَ الإنْباءِ عَنْ شِدَّةِ الغَضَبِ الإلَهِيِّ ما لا يَخْفى. وفي "الصَّحِيحِ" في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ: «إنَّ رَبِّي غَضِبَ اليَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، ولَنْ يَغْضَبَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ».

﴿قالُوا﴾ مِن هَيْبَتِهِ تَعالى، وتَفْوِيضًا لِلْأمْرِ إلى عِلْمِ سُلْطانِهِ وتَأدُّبًا بَلِيغًا في ذاكَ المَوْقِفِ الجَلالِيِّ: ﴿لا عِلْمَ لَنا إنَّكَ أنْتَ عَلامُ الغُيُوبِ﴾ أيْ: ومِن عِلْمِ الخَفِيّاتِ، لَمْ تَخْفَ عَلَيْهِ الظَّواهِرُ الَّتِي مِنها إجابَةُ أُمَمِهِمْ لَهم.

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: قالَ الرّازِيُّ: اعْلَمْ أنَّ عادَةَ اللَّهِ تَعالى جارِيَةٌ في هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ أنَّهُ إذا ذَكَرَ أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الشَّرائِعِ والتَّكالِيفِ والأحْكامِ، أتْبَعَها إمّا بِالإلَهِيّاتِ، وإمّا بِشَرْحِ أحْوالِ الأنْبِياءِ، أوْ بِشَرْحِ أحْوالِ القِيامَةِ، لِيَصِيرَ ذَلِكَ مُؤَكِّدًا لِما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ التَّكالِيفِ والشَّرائِعِ. فَلا جَرَمَ، لَمّا ذَكَرَ - فِيما تَقَدَّمَ - أنْواعًا كَثِيرَةً مِنَ الشَّرائِعِ، أتْبَعَها بِوَصْفِ أحْوالِ القِيامَةِ.

الثّانِي: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى سُؤالِهِمْ؟ قُلْتُ: تَوْبِيخُ قَوْمِهِمْ. كَما كانَ سُؤالُ المَوْءُودَةِ تَوْبِيخًا لِلْوائِدِ. فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ يَقُولُونَ: لا عِلْمَ لَنا، وقَدْ عَلِمُوا بِما أُجِيبُوا؟ قُلْتُ: يَعْلَمُونَ أنَّ الغَرَضَ بِالسُّؤالِ تَوْبِيخُ أعْدائِهِمْ، فَيَكِلُونَ الأمْرَ إلى عِلْمِهِ، وإحاطَتِهِ بِما مُنُوا بِهِ مِنهُمْ، وكابَدُوا مِن سُوءِ إجابَتِهِمْ، إظْهارًا لِلتَّشَكِّي واللُّجْأِ إلى رَبِّهِمْ في الِانْتِقامِ مِنهُمْ، وذَلِكَ أعْظَمُ عَلى الكَفَرَةِ، وأفَتُّ في أعَضادِهِمْ، وأجْلَبُ لِحَسْرَتِهِمْ وسُقُوطِهِمْ في أيْدِيهِمْ. إذا اجْتَمَعَ تَوْبِيخُ اللَّهِ وتَشَكِّي أنْبِيائِهِ عَلَيْهِمْ. ومِثالُهُ: أنْ يَنْكَبَّ بَعْضُ الخَوارِجِ عَلى السُّلْطانِ، خاصَّةً مِن خَواصِّهِ نَكْبَةً، قَدْ عَرَّفَها السُّلْطانُ واطَّلَعَ عَلى كُنْهِها، وعَزَمَ عَلى الِانْتِصارِ لَهُ مِنهُ، فَيَجْمَعُ بَيْنَهُما ويَقُولُ لَهُ: ما فَعَلَ لَكَ هَذا الخارِجِيُّ؟ [ وهو عالِمٌ بِما فَعَلَ بِهِ ] يُرِيدُ تَوْبِيخَهُ وتَبْكِيتَهُ، فَيَقُولُ لَهُ: أنْتَ أعْلَمُ بِما فَعَلَ بِي، تَفْوِيضًا لِلْأمْرِ إلى عِلْمِ سُلْطانِهِ، واتِّكالًا عَلَيْهِ، وإظْهارًا لِلشِّكايَةِ، وتَعْظِيمًا لِما حَلَّ بِهِ مِنهُ. انْتَهى.

واسْتَظْهَرَ الرّازِيُّ أنَّ نَفْيَ العِلْمِ لَهم عَلى حَقِيقَتِهِ عَمَلًا بِما تَقَرَّرَ مِن أنَّ العِلْمَ غَيْرُ الظَّنِّ. قالَ: لِأنَّ الحاصِلَ مِن حالِ الغَيْرِ عَنْ كُلِّ أحَدٍ إنَّما هو …

Al-Maaida 5:109Listen in Qur'an →
110

إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًۭا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِى ۖ وَتُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ بِإِذْنِى ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِى ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ

[The Day] when Allah will say, "O Jesus, Son of Mary, remember My favor upon you and upon your mother when I supported you with the Pure Spirit and you spoke to the people in the cradle and in maturity; and [remember] when I taught you writing and wisdom and the Torah and the Gospel; and when you designed from clay [what was] like the form of a bird with My permission, then you breathed into it, and it became a bird with My permission; and you healed the blind and the leper with My permission; and when you brought forth the dead with My permission; and when I restrained the Children of Israel from [killing] you when you came to them with clear proofs and those who disbelieved among them said, "This is not but obvious magic."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

[١١٠] ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ تُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلا وإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِي وتُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِإذْنِي وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى بِإذْنِي وإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾

﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ ما جَرى بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ واحِدٍ مِنَ الرُّسُلِ المَجْمُوعِينَ، مِنَ المُفاوَضَةِ، عَلى التَّفْصِيلِ. إثْرَ ما جَرى بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ الكُلِّ عَلى وجْهِ الإجْمالِ، لِكَوْنِ ذَلِكَ كالأُنْمُوذَجِ لِتَفاصِيلِ أحْوالِ الباقِينَ. وتَخْصِيصُ شَأْنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالبَيانِ، تَفْصِيلًا بَيْنَ شُؤُونِ سائِرِ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، مَعَ دَلالَتِها عَلى كَمالِ هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمَ ونِهايَةِ سُوءِ حالِ المُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ - لِما أنَّ شَأْنَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُتَعَلِّقٌ بِكِلا الفَرِيقَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ الَّذِي نُعِيَتْ عَلَيْهِمْ في السُّورَةِ الكَرِيمَةِ جِناياتُهم. فَتَفْصِيلُهُ أعْظَمُ عَلَيْهِمْ وأجْلَبُ لِحَسْرَتِهِمْ ونَدامَتِهِمْ، وأدْخَلُ في صَرْفِهِمْ عَنْ غَيِّهِمْ وعِنادِهِمْ. أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ أيْ: مِنَّتَيْ عَلَيْكَ: ﴿وعَلى والِدَتِكَ﴾ بِما طَهَّرَها واصْطَفاها عَلى نِساءِ العالَمِينَ: ﴿إذْ أيَّدْتُكَ﴾ أيْ: قَوَّيْتُكَ: ﴿بِرُوحِ القُدُسِ﴾ أيْ: بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِتَثْبِيتِ الحُجَّةِ. أوْ بِجَعْلِ رُوحِكَ طاهِرَةً عَنِ العَلائِقِ الظَّلْمانِيَّةِ. بِحَيْثُ يُعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ بِواسِطَةِ البَشَرِ، فَيَشْهَدُ بِبَراءَتِكَ وبَراءَةِ أُمِّكَ. ومِن ذَلِكَ التَّأْيِيدِ قَوِيَتْ نَفْسُكَ النّاطِقَةُ؛ لِذَلِكَ: ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلا﴾ أيْ: في أضْعَفِ الأحْوالِ وأقْواها. بِكَلامٍ واحِدٍ مِن غَيْرِ أنْ يَتَفاوَتَ في حِينِ الطُّفُولَةِ وحِينِ الكُهُولَةِ. الَّذِي هو وقْتُ كَمالِ العَقْلِ وبُلُوغِ الأشُدِّ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: جَعَلْتُكَ نَبِيًّا داعِيًا إلى اللَّهِ في صِغَرِكَ وكِبَرِكَ. فَأنْطَقْتُكَ في المَهْدِ صَغِيرًا. فَشَهِدْتَ بِبَراءَةِ أُمِّكَ مِن كُلِّ عَيْبٍ. واعْتَرَفْتَ لِي بِالعُبُودِيَّةِ. وأخْبَرْتَ عَنْ رِسالَتَيْ إيّاكَ ودَعْوَتِكَ إلى عِبادَتِي. لِهَذا قالَ: ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلا﴾ أيْ: تَدْعُو إلى اللَّهِ النّاسَ في صِغَرِكَ وكِبَرِكَ. وضُمِّنَ: تُكَلِّمُ تَدْعُو؛ لِأنَّ كَلامَهُ النّاسَ في كُهُولَتِهِ لَيْسَ بِأمْرٍ عَجِيبٍ. انْتَهى.

﴿وإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ﴾ أيِ: الخَطَّ وظاهِرَ العِلْمِ الَّذِي يُكْتَبُ: ﴿والحِكْمَةَ﴾ أيِ: الفَهْمَ وباطِنَ العِلْمِ الَّذِي لا يُكْتَبُ. بَلْ يُخَصُّ بِهِ أهْلُهُ: ﴿والتَّوْراةَ﴾ وهي المُنَزَّلَةُ عَلى مُوسى الكَلِيمِ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿والإنْجِيلَ﴾ وهو الَّذِي أنْزَلَهُ عَلَيْهِ ﷺ: ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ أيْ: تَقْدِرُ وتُصَوِّرُ مِنهُ صُورَةً مُماثِلَةً لِهَيْئَةِ الطَّيْرِ: ﴿بِإذْنِي﴾ أيْ: لَكَ في ذَلِكَ: ﴿فَتَنْفُخُ فِيها﴾ أيْ: في تِلْكَ الهَيْئَةِ المُصَوَّرَةِ: ﴿فَتَكُونُ﴾ أيْ: فَتَصِيرُ تِلْكَ الهَيْئَةُ: ﴿طَيْرًا﴾ لِحُصُولِ الرُّوحِ مِن نَفْخَتِكَ فِيها: ﴿بِإذْنِي وتُبْرِئُ الأكْمَهَ﴾ أيِ: الَّذِي …

Al-Maaida 5:110Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.