Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 101–110 of 120

101

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَسْـَٔلُوا۟ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْـَٔلُوا۟ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلْقُرْءَانُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا ٱللَّهُ عَنْهَا ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌۭ

O you who have believed, do not ask about things which, if they are shown to you, will distress you. But if you ask about them while the Qur'an is being revealed, they will be shown to you. Allah has pardoned that which is past; and Allah is Forgiving and Forbearing.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أعْطَوْا مِن أنْفُسِهِمُ العَهْدَ عَلى الإيمانِ؛ الَّذِي مَعْناهُ قَبُولُ جَمِيعِ ما جاءَ بِهِ مَن وقَعَ بِهِ الإيمانُ؛ ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾؛ وذَلِكَ لِأنَّهم إذا كانُوا عَلى خَطَرٍ فِيما يُسْرِعُونَ؛ وفِيما بِهِ يَنْتَفِعُونَ مِنَ المَآكِلِ؛ والمَشارِبِ؛ وغَيْرِها مِنَ الأقْوالِ؛ والأفْعالِ؛ فَهم مِثْلُهُ فِيما عَنْهُ يَسْألُونَ؛ سَواءٌ سَألُوا شَرْعَهُ أوْ لا؛ لِأنَّهُ رُبَّما أجابَهم مَن لا يَضُرُّهُ شَيْءٌ إلى ما فِيهِ ضَرَرُهم مِمّا سَألُوهُ؛ فَإنَّهم لا يُحْسِنُونَ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الخَبِيثِ؛ والطَّيِّبِ؛ كَما فُعِلَ بِأهْلِ السَّبْتِ؛ حَيْثُ أبَوُا الجُمُعَةَ؛ وسَألُوهُ؛ فاشْتَدَّ اعْتِناقُها حِينَئِذٍ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾ [المائدة: ١]؛ وبِقَوْلِهِ: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلا البَلاغُ﴾ [المائدة: ٩٩]؛ فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما بَلَّغَكم إيّاهُ فَخُذُوهُ بِقَبُولٍ وحُسْنِ انْقِيادٍ؛ وما لا فَلا تَسْألُوا عَنْهُ؛ وسَبَبُ نُزُولِها - كَما في الصَّحِيحَيْنِ «عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - أنَّهم سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ حَتّى أحْفَوْهُ بِالمَسْألَةِ؛ فَغَضِبَ؛ فَصَعِدَ المِنبَرَ فَقالَ: ”لا تَسْألُونِي اليَوْمَ عَنْ شَيْءٍ إلّا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ“؛ وشَرَعَ يُكَرِّرُ ذَلِكَ؛ وإذْ جاءَ رَجُلٌ كانَ إذا لاحى الرِّجالَ يُدْعى لِغَيْرِ أبِيهِ؛ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ مَن أبِي؟ قالَ: أبُوكَ حُذافَةُ؛ ثُمَّ أنْشَأ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - فَقالَ: رَضِينا بِاللَّهِ رَبًّا؛ وبِالإسْلامِ دِينًا؛ وبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا؛ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِن سُوءِ الفِتَنِ؛ وفي آخِرِهِ: فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾» ولِلْبُخارِيِّ في التَّفْسِيرِ؛ «عَنْ أنَسٍ أيْضًا؛ قالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُطْبَةً ما سَمِعْتُ مِثْلَها قَطُّ؛ قالَ: ”لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا؛ ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا“؛ فَغَطّى أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وُجُوهَهُمْ؛ لَهم حَنِينٌ؛ فَقالَ رَجُلٌ: مَن أبِي؟ قالَ: ”فُلانٌ“؛ فَنَزَلَتْ: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾» الآيَةَ؛ ولِلْبُخارِيِّ أيْضًا «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُما - قالَ: كانَ قَوْمٌ يَسْألُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتِهْزاءً؛ فَيَقُولُ الرَّجُلُ: مَن أبِي؟ ويَقُولُ الرَّجُلُ تَضِلُّ ناقَتُهُ: أيْنَ ناقَتِي؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾؛ حَتّى فَرَغَ مِنَ الآيَةِ كُلِّها؛» ولِابْنِ ماجَةَ مُخْتَصَرًا؛ ولِلْحافِظِ أبِي القاسِمِ ابْنِ عَساكِرَ في ”المُوافَقاتُ“؛ فِيما أفادَهُ المُحِبُّ الطَّبَرِيُّ في مَناقِبِ العَشَرَةِ؛ وأبِي يَعْلى؛ في مُسْنَدِهِ؛ مُطَوَّلًا «عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو غَضْبانُ؛ ونَحْنُ نَرى أنَّ مَعَهُ جِبْرائِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حَتّى صَعِدَ المِنبَرَ - وفي رِوايَةٍ: فَخَطَبَ النّاسَ - فَقالَ: ”سَلُونِي؛ فَواللَّهِ لا تَسْألُونِي عَنْ شَيْءٍ اليَوْمَ إلّا أخْبَرْتُكم - وفي رِوايَةٍ: أنْبَأتْكم - بِهِ“؛ فَما رَأيْتُ يَوْمًا كانَ أكْثَرَ باكِيًا مِنهُ؛ فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ - وفي رِوايَةٍ: فَقامَ إلَيْهِ رَجُلٌ؛ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ - إنّا كُنّا حَدِيثَ عَهْدٍ بِجاهِلِيَّةٍ؛ مَن أبِي؟ قالَ: ”أبُوكَ حُذافَةُ“ - لِأبِيهِ الَّذِي كانَ يُدْعى لَهُ - وفي رِوايَةٍ: ”أبُوكَ حُذافَةُ الَّذِي تُدْعى لَهُ“ -؛ فَقامَ إلَيْهِ آخَرُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ أفِي الجَنَّةِ أنا أمْ في النّارِ؟ …

Al-Maaida 5:101Listen in Qur'an →
102

قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌۭ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا۟ بِهَا كَٰفِرِينَ

A people asked such [questions] before you; then they became thereby disbelievers.

ولَمّا نَهى عَنِ السُّؤالِ عَنْها لِيُتَعَرَّفَ حالُها؛ عَلَّلَ ذَلِكَ بِأنَّ غَيْرَهم عَرَفَ أشْياءَ؛ وطَلَبَ أنْ يُعْطاها؛ إمّا بِأنْ سَألَ غَيْرَهُ ذَلِكَ؛ وإمّا بِأنْ شَرَعَها؛ وسَألَ غَيْرَهُ أنْ يُوافِقَهُ عَلَيْها؛ وهو قاطِعٌ بِأنَّها غايَةٌ في الحُسْنِ؛ فَكانَتْ سَبَبَ شَقائِهِ؛ فَقالَ: ﴿قَدْ سَألَها﴾؛ يَعْنِي أمْثالَها؛ ولَمْ يَقُلْ: ”سَألَ عَنْها“؛ إشارَةً إلى ما أبْدَتْهُ؛ ﴿قَوْمٌ﴾؛ أيْ: أُولُو عَزْمٍ؛ وبَأْسٍ؛ وقِيامٍ في الأُمُورِ؛ ولَمّا كانَ وُجُودُ القَوْمِ؛ فَضْلًا عَنْ سُؤالِهِمْ؛ لَمْ يَسْتَغْرِقْ زَمانَ القَبْلِ؛ أدْخَلَ الجارَّ؛ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكُمْ﴾؛ ولَمّا كانَ الشَّيْءُ إذا جاءَ عَنْ مَسْألَةٍ جَدِيرًا بِالقَبُولِ؛ لا سِيَّما إذا كانَ مِن مَلِكٍ؛ فَكَيْفَ إذا كانَ مِن مَلِكِ المُلُوكِ؟ فَكانَ رَدُّهُ في غايَةِ البُعْدِ؛ عَبَّرَ عَنِ اسْتِبْعادِهِ بِأداةِ البُعْدِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أصْبَحُوا بِها﴾؛ أيْ: عَقِبَ إتْيانِهِمْ إيّاها؛ سَواءٌ مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ؛ ﴿كافِرِينَ﴾؛ أيْ: ثابِتِينَ في الكُفْرِ؛ هَذا زَجْرٌ بَلِيغٌ لِأنْ يَعُودُوا لِمِثْلِ ما أرادُوا مِن تَحْرِيمِ ما أُحِلَّ لَهُمْ؛ مَيْلًا إلى الرَّهْبانِيَّةِ؛ والتَّعَمُّقِ في الدِّينِ؛ المَنهِيِّ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]

Al-Maaida 5:102Listen in Qur'an →
103

مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٍۢ وَلَا سَآئِبَةٍۢ وَلَا وَصِيلَةٍۢ وَلَا حَامٍۢ ۙ وَلَٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۖ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ

Allah has not appointed [such innovations as] bahirah or sa'ibah or wasilah or ham. But those who disbelieve invent falsehood about Allah, and most of them do not reason.

ولَمّا فَرَغَ مِن زَجْرِهِمْ عَنْ أنْ يَشْرَعُوا لِأنْفُسِهِمْ؛ أوْ يَسْألُوهُ عَنْ أنْ يَشْرَعَ لَهُمْ؛ وأنْ يَسْألُوا مَن رَحِمَهم بِابْتِدائِهِمْ بِهَذا الشَّرْعِ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ؛ اعْتِمادًا عَلى أنَّهُ ما ابْتَدَأ بِذَلِكَ إلّا وهو غَيْرُ مُخْفٍ عَنْهم شَيْئًا يَنْفَعُهُمْ؛ ولا مُبْدٍ لَهم شَيْئًا يَضُرُّهُمْ؛ لِأنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ - كَما تَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلى ذَلِكَ -؛ قالَ - مُعَلِّلًا بِخِتامِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها -: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ فَلا يَشْرَعُ شَيْئًا إلّا وهو عَلى غايَةِ الحِكْمَةِ؛ وأغْرَقَ فِي النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن بَحِيرَةٍ﴾؛ وأكَّدَ النَّفْيَ بِإعادَةِ النّافِي؛ فَقالَ: ﴿ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ﴾؛ دالًّا بِذَلِكَ عَلى أنَّ الإنْسانَ قَدْ يَقَعُ في شَرْعِهِ لِنَفْسِهِ عَلى الخَبِيثِ؛ دُونَ الطِّيبِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الكُفّارَ شَرَعُوا لِأنْفُسِهِمْ هَذا؛ وظَنُّوا أنَّهُ مِن مَحاسِنِ الأعْمالِ؛ فَإذا هو مِمّا لا يَعْبَأُ اللَّهُ بِهِ؛ بَلْ ومِمّا يُعَذِّبُ عَلَيْهِ؛ لِكَوْنِهِ أوْقَعَهم فِيما كانُوا مُعْتَرِفِينَ بِأنَّهُ أقْبَحُ القَبائِحِ؛ وهو الكَذِبُ؛ بَلْ في أقْبَحِ أنْواعِهِ؛ وهو الكَذِبُ عَلى مَلِكِ المُلُوكِ؛ ثُمَّ صارَ لَهم دِينًا؛ وصارُوا أرْسَخَ النّاسِ فِيهِ؛ وهو عَيْنُ الكُفْرِ؛ وهم مُعْتَرِفُونَ بِأنَّهُ ما شَرَعَهُ إلّا عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ؛ وهو أوَّلُ مَن غَيَّرَ دِينَ إبْراهِيمَ - كَما رَواهُ الطَّبَرانِيُّ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُما - أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”إنَّ عَمْرًا أوَّلُ مَن غَيَّرَ دِينَ إسْماعِيلَ؛ فَنَصَبَ الأوْثانَ؛ وبَحَرَ البَحِيرَةَ؛ وسَيَّبَ السَّوائِبَ؛ ووَصَلَ الوَصِيلَةَ؛ وحَمّى الحامِيَ“؛» ورَواهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في مَسْنَدِهِ؛ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - وفي آخِرِهِ: «”وكانَ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ أوَّلَ مَن حَمَلَ العَرَبَ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ“؛» ورَواهُ البُخارِيُّ في المَناقِبِ مِن صَحِيحِهِ؛ ومُسْلِمٌ في صِفَةِ النّارِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”رَأيْتُ عَمْرَو بْنَ عامِرٍ الخُزاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ في النّارِ؛ وكانَ أوَّلَ مَن سَيَّبَ السَّوائِبَ“؛» قالَ ابْنُ هِشامٍ في السِّيرَةِ: والبَحِيرَةُ عِنْدَهُمُ النّاقَةُ تُشَقُّ أُذُنُها؛ فَلا يُرْكَبُ ظَهْرُها؛ ولا يُجَزُّ وبَرُها؛ ولا يَشْرَبُ لَبَنَها إلّا ضَيْفٌ؛ أوْ يُتَصَدَّقُ بِهِ؛ وتُهْمَلُ لِآلِهَتِهِمْ؛ ورَوى البُخارِيُّ؛ في المَناقِبِ؛ ومُسْلِمٌ؛ في صِفَةِ النّارِ؛ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: البَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّها لِلطَّواغِيتِ؛ ولا يَحْلِبُها أحَدٌ مِنَ النّاسِ؛ والسّائِبَةُ الَّتِي كانُوا يُسَيِّبُونَها لِآلِهَتِهِمْ؛ فَلا يُحْمَلُ عَلَيْها شَيْءٌ؛ وكَذا رَواهُ البُخارِيُّ أيْضًا في التَّفْسِيرِ؛ وقالَ: والوَصِيلَةُ النّاقَةُ البِكْرُ تُبَكِّرُ في أوَّلِ نِتاجِ الإبِلِ؛ ثُمَّ تُثَنِّي بَعْدُ بِأُنْثى؛ وكانُوا يُسَيِّبُونَها لِطَواغِيتِهِمْ إنْ وصَلَتْ إحْداهُما بِالأُخْرى؛ لَيْسَ بَيْنَهُما ذَكَرٌ؛ وقالَ البُرْهانُ السَّفاقُسِيُّ في إعْرابِهِ: قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وهي النّاقَةُ إذا نَتَجَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ؛ في الآخِرِ ذَكَرٌ؛ شَقُّوا أُذُنَها؛ وخَلَّوْا سَبِيلَها؛ لا تُرْكَبُ؛ ولا تُحْلَبُ - وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ -؛ وقالَ أبُو حَيّانَ في النَّهْرِ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: السّائِبَةُ هي الَّتِي تُسَيَّبُ لِلْأصْنامِ؛ أيْ: تُعْتَقُ؛ وكانَ الرَّجُلُ يُسَيِّبُ مِن مالِهِ شَيْئًا فَيَجِيءُ بِهِ إلى السَّدَنَةِ؛ وهم …

Al-Maaida 5:103Listen in Qur'an →
104

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُوا۟ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَآءَنَآ ۚ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْـًۭٔا وَلَا يَهْتَدُونَ

And when it is said to them, "Come to what Allah has revealed and to the Messenger," they say, "Sufficient for us is that upon which we found our fathers." Even though their fathers knew nothing, nor were they guided?

ولَمّا اتَّخَذُوهُ دِينًا؛ واعْتَقَدُوهُ شَرْعًا؛ ومَضى عَلَيْهِ أسْلافُهُمْ؛ دَعَتْهُمُ الحُظُوظُ؛ والأنَفَةُ مِن نِسْبَةِ آبائِهِمْ إلى الضَّلالِ؛ والشَّهادَةِ عَلَيْهِمْ بِالسَّفَهِ؛ إلى الإصْرارِ عَلَيْهِ؛ وعَدَمِ الرُّجُوعِ عَنْهُ؛ بَعْدَ انْكِشافِ قَباحَتِهِ؛ وبَيانِ شَناعَتِهِ؛ حَتّى أفْنى أكْثَرَهُمُ السَّيْفُ؛ ووَطِئَتْهُمُ الدَّواهِي؛ فَوَطَّأتْ أكْتافَهُمْ؛ وذَلَّلَتْ أعْناقَهُمْ؛ وأكْنافَهُمْ؛ فَقالَ (تَعالى) - دالًّا عَلى خِتامِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلُ؛ مِن عَدَمِ عَقْلِهِمْ -: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمْ﴾؛ أيْ: مِن أيِّ قائِلٍ كانَ؛ ولَوْ أنَّهُ رَبُّهُمْ؛ بِما ثَبَتَ مِن كَلامِهِمْ بِالعَجْزِ عَنْهُ أنَّهُ كَلامُهُ؛ ﴿تَعالَوْا﴾؛ أيْ: ارْفَعُوا أنْفُسَكم عَنْ هَذا الحَضِيضِ السّافِلِ؛ ﴿إلى ما أنْـزَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لا أعْظَمَ مِنهُ؛ وقَدْ ثَبَتَ أنَّهُ أنْزَلَهُ بِعَجْزِكم عَنْهُ؛ ﴿وإلى الرَّسُولِ﴾؛ أيْ: الَّذِي مِن شَأْنِهِ - لِكَوْنِهِ - سُبْحانَهُ - أرْسَلَهُ؛ أنْ يُبَلِّغَكم ما يُحِبُّهُ لَكُمْ؛ ويَرْضاهُ؛ ﴿قالُوا حَسْبُنا﴾؛ أيْ: يَكْفِينا؛ ﴿ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾؛ ولَمّا كانُوا عالِمِينَ بِأنَّهُ لَيْسَ في آبائِهِمْ عالِمٌ؛ وأنَّهُ مَن تَأمَّلَ أدْنى تَأمُّلٍ عَرَفَ أنَّ الجاهِلَ لا يَهْتَدِي إلى شَيْءٍ؛ قالَ - مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ؛ مُوَبِّخًا لَهُمْ:- ﴿أوَلَوْ﴾؛ أيْ: يَكْفِيهِمْ ذَلِكَ إذا قالُوا ذَلِكَ؛ ولَوْ ﴿كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾؛ أيْ: مِنَ الأشْياءِ؛ حَقَّ عِلْمِهِ؛ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَأْخُذُوهُ عَنِ اللَّهِ؛ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ الواصِلَةِ إلَيْهِ؛ ولَمّا كانَ مَن لا يَعْلَمُ قَدْ يَشْعُرُ بِجَهْلِهِ؛ فَيَتَعَلَّمُ؛ فَيَهْتَدِي؛ فَيَصِيرُ أهْلًا لِلِاقْتِداءِ بِهِ؛ وقَدْ لا يَشْعُرُ لِكَوْنِ جَهْلِهِ مُرَكَّبًا؛ فَلا يَجُوزُ الِاقْتِداءُ بِهِ؛ بَيَّنَ أنَّهم مِن أهْلِ هَذا القِسْمِ؛ فَقالَ: ﴿ولا يَهْتَدُونَ﴾؛ أيْ: لا يَطْلُبُونَ الهِدايَةَ؛ فَلا تُوجَدُ هِدايَتُهم إلى صَوابٍ؛ لِأنَّ مَن لا يَعْلَمُ لا صَوابَ لَهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلْهُدى آلَةٌ سِوى العِلْمِ؛ وأدَلُّ دَلِيلٍ عَلى عَدَمِ هِدايَتِهِمْ أنَّهم ضَيَّعُوا الطَّيِّبَ مِن أمْوالِهِمْ؛ فاضْطَرَّهم ذَلِكَ إلى أكْلِ الخَبِيثِ مِنَ المَيْتَةِ؛ وأغْضَبُوا بِذَلِكَ خالِقَهُمْ؛ فَدَخَلُوا النّارَ؛ فَلا أقْبَحَ مِمّا يَخْتارُهُ لِنَفَسِهِ المَطْبُوعُ عَلى الكَدَرِ؛ ولا أحْسَنَ مِمّا يَشْرَعُهُ لَهُ رَبُّ البَشَرِ؛ وهَذِهِ الآيَةُ ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ (تَعالى) - في سُورَةِ ”النِّساءِ“ -: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا وإنْ يَدْعُونَ إلا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ [النساء: ١١٧]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ [النساء: ١١٩]؛ فالتَفَتَ حِينَئِذٍ إلى قَوْلِهِ: ﴿رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ [المائدة: ٩٠]؛ أيَّ التِفاتٍ.

Al-Maaida 5:104Listen in Qur'an →
105

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًۭا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

O you who have believed, upon you is [responsibility for] yourselves. Those who have gone astray will not harm you when you have been guided. To Allah is you return all together; then He will inform you of what you used to do.

ولَمّا كانَ المانِعُ لَهم مِن قَبُولِ الهُدى كَوْنَ ذَلِكَ تَسْفِيهًا لِآبائِهِمْ؛ فَيَعُودُ ضَرَرًا عَلَيْهِمْ؛ يُسَبُّونَ بِهِ؛ عَلى زَعْمِهِمْ؛ أعْلَمَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنَّ مُخالَفَةَ الغَيْرِ في قَبُولِ الهُدى لا تَضُرُّهم أصْلًا؛ بِأنْ عَقَّبَ آيَةَ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ في التَّقَيُّدِ بِآبائِهِمْ؛ لِمُتابَعَتِهِمْ لَهم في الكُفْرِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: عاهَدُوا رَبَّهم ورَسُولَهُ عَلى الإيمانِ؛ ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾؛ أيْ: الزَمُوا هِدايَتَها؛ وإصْلاحَها؛ ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنّا نُنْسَبُ بِآبائِنا؛ ونُنْسَبُ إلَيْهِمْ؛ فَرُبَّما ضَرَّتْنا نِسْبَتُنا إلَيْهِمْ عِنْدَ اللَّهِ؛ «كَما جَوَّزَ أكْثَمُ بْنُ الجَوْنِ الخُزاعِيُّ أنْ يَضُرَّهُ شَبَهُ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ بِهِ؛ حَتّى سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؛ فَقالَ: ”لا؛ إنَّكَ مُؤْمِنٌ؛ وهو كافِرٌ“؛» كَما في أوائِلِ السِّيرَةِ الهِشامِيَّةِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ وكانَ ذَلِكَ رُبَّما وقَفَ بِأحَدٍ مِنهم عَنِ الإسْلامِ؛ قالَ: ﴿لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ﴾؛ أيْ: مِنَ المُخالِفِينَ بِكُفْرٍ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ بِنِسْبَتِكم إلَيْهِ؛ ولا بِقَوْلِ الكُفّارِ: إنَّكم سَفَّهْتُمْ آراءَكُمْ؛ ولا بِغَيْرِ ذَلِكَ مِن وُجُوهِ الضَّرَرِ؛ وحَقَّقَ هِدايَتَهُمْ؛ بِشارَةً لَهُمْ؛ بِأداةِ التَّحْقِيقِ؛ فَقالَ - مُفْهِمًا لِوُجُودِ الضَّرَرِ عِنْدَ فَقْدِ الهِدايَةِ -: ﴿إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾؛ أيْ: بِالإقْبالِ عَلى ما أنْزَلَ اللَّهُ؛ وعَلى الرَّسُولِ؛ حَتّى تَصِيرُوا عُلَماءَ؛ وتَعْمَلُوا بِعِلْمِكُمْ؛ فَتُخالِفُوا مَن ضَلَّ؛ فَإنْ كانَ مَوْجُودًا فَبِالِاجْتِهادِ في أمْرِهِ بِالمَعْرُوفِ؛ ونَهْيِهِ عَنِ المُنْكَرِ؛ بِحَسَبِ الطّاقَةِ؛ فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ رَدَّهُ انْتَظَرَ بِهِ يَوْمَ الجَمْعِ الأكْبَرِ؛ والهَوْلِ الأعْظَمِ؛ وإنْ كانَ مَفْقُودًا فَبِمُخالَفَتِهِ في ذَلِكَ الضَّلالِ؛ وإنْ كانَ أقْرَبَ الأقْرِباءِ؛ وأوْلى الأحِبّاءِ؛ وإلّا كانَ الباقِي أسْفَهَ مِنَ الماضِي؛ وقَدْ كانَ لَعَمْرِي أحَدُهم لا يَتْبَعُ أباهُ إذا كانَ سَفِيهًا في أمْرِ دُنْياهُ؛ عاجِزًا عَنْ تَحْصِيلِها؛ ولا يَتَحاشى عَنْ مُخالَفَتِهِ في طَرِيقَتِهِ؛ بَلْ يُعَدُّ الكَدْحُ في تَحْصِيلِها؛ والتَّعَمُّقُ في اقْتِناصِها؛ وحُسْنُ السَّعْيِ في تَثْمِيرِها؛ ولُطْفُ الحِيلَةِ في تَوْسِيعِها؛ مِن مَعالِي الأخْلاقِ؛ وأصالَةِ الرَّأْيِ؛ وجَوْدَةِ النَّظَرِ؛ عَلى أنَّ ذَلِكَ ظِلٌّ زائِلٌ؛ وعَرَضٌ تافِهٌ؛ فَكَيْفَ لا يُخالِفُهُ فِيما بِهِ سَعادَتُهُ الأبَدِيَّةُ؛ وحَياتُهُ الباقِيَةُ؛ ويَأْخُذُ بِالحَزْمِ في ذَلِكَ؛ ويُشَمِّرُ ذَيْلَهُ في أمْرِهِ؛ ويَسْهَرُ لَيْلَهُ في إعْمالِ الفِكْرِ؛ وتَرْتِيبِ النَّظَرِ فِيما أمَرَهُ اللَّهُ بِالنَّظَرِ فِيهِ؛ حَتّى يَظْهَرَ لَهُ الحَقُّ فَيَتَّبِعَهُ؛ ويُنْهَتَكَ لَدَيْهِ الباطِلُ فَيَجْتَنِبَهُ؛ ما ذاكَ إلّا لِمُجَرَّدِ الهَوى؛ وقَدْ كانَ الحَزْمُ العَمَلَ بِالحِكْمَةِ الَّتِي كَشَفَها النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ؛ فِيما رَواهُ أحْمَدُ؛ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَةَ؛ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - «”الكَيِّسُ مَن دانَ نَفْسَهُ وعَمِلَ لِما بَعْدَ المَوْتِ؛ والعاجِزُ مَن أتْبَعَ نَفْسَهُ هَواها؛ وتَمَنّى عَلى اللَّهِ الأمانِيَّ“؛» ورَوى مُسْلِمٌ؛ والنِّسائِيُّ؛ وابْنُ ماجَةَ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وأحَبُّ إلى اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ؛ وفي كُلٍّ خَيْرٌ؛ احْرِصْ عَلى ما يَنْفَعُكَ؛ واسْتَعِنْ بِاللَّهِ؛ ولا تَعْجِزْ؛ وإنْ أصابَكَ شَيْءٌ فَلا …

Al-Maaida 5:105Listen in Qur'an →
106

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ شَهَٰدَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلْمَوْتُ حِينَ ٱلْوَصِيَّةِ ٱثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍۢ مِّنكُمْ أَوْ ءَاخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِى ٱلْأَرْضِ فَأَصَٰبَتْكُم مُّصِيبَةُ ٱلْمَوْتِ ۚ تَحْبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعْدِ ٱلصَّلَوٰةِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِى بِهِۦ ثَمَنًۭا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۙ وَلَا نَكْتُمُ شَهَٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلْءَاثِمِينَ

O you who have believed, testimony [should be taken] among you when death approaches one of you at the time of bequest - [that of] two just men from among you or two others from outside if you are traveling through the land and the disaster of death should strike you. Detain them after the prayer and let them both swear by Allah if you doubt [their testimony, saying], "We will not exchange our oath for a price, even if he should be a near relative, and we will not withhold the testimony of Allah. Indeed, we would then be of the sinful."

ولَمّا خاطَبَ - سُبْحانَهُ - أهْلَ ذَلِكَ الزَّمانِ بِأنَّهُ نَصَبَ المَصالِحَ العامَّةَ؛ كالبَيْتِ الحَرامِ؛ والشَّهْرِ الحَرامِ؛ وأشارَ بِآيَةِ البَحِيرَةِ؛ وما بَعْدَها؛ إلى أنَّ أسْلافَهم لا وفَّرُوا عَلَيْهِمْ مالَهُمْ؛ ولا نَصَحُوا لَهم في دِينِهِمْ؛ وخَتَمَ ذَلِكَ بِقَهْرِهِ لِلْعِبادِ بِالمَوْتِ؛ وكَشْفِ الأسْرارِ يَوْمَ العَرْضِ؛ بِالحِسابِ عَلى النَّقِيرِ؛ والقِطْمِيرِ؛ والجَلِيلِ؛ والحَقِيرِ؛ عَقَّبَ ذَلِكَ بِآيَةِ الوَصِيَّةِ؛ إرْشادًا مِنهُ - سُبْحانَهُ - إلى ما يَكْشِفُ سَرِيرَةَ مَن خانَ فِيها؛ عِلْمًا مِنهُ سُبْحانَهُ أنَّ الوَفاءَ في مِثْلِ ذَلِكَ يَقِلُّ؛ وحَثًّا لَهم عَلى أنْ يَفْعَلُوا ما أمَرَ - سُبْحانَهُ - بِهِ؛ لِيَنْصَحُوا لِمَن خَلَّفُوهُ بِتَوْفِيرِ المالِ؛ ويَقْتَدِيَ بِهِمْ؛ فِيما خَتَمَ بِهِ الآيَةَ مِنَ التَّقْوى؛ والسَّماعِ؛ والبُعْدِ مِنَ الفِسْقِ؛ والنِّزاعِ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُنادِيًا لَهم بِما عَقَدُوا بِهِ العَهْدَ بَيْنَهم وبَيْنَهُ؛ مِنَ الإقْرارِ بِالإيمانِ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أخْبَرُوا عَنْ أنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ؛ ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾؛ هو كِنايَةٌ عَنِ التَّنازُعِ؛ والتَّشاجُرِ؛ لِأنَّ الشُّهُودَ إنَّما يُحْتاجُ إلَيْهِمْ عِنْدَ ذَلِكَ؛ وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ قَدْ ذَكَرَهُ المُفَسِّرُونَ؛ وذَكَرَهُ الشّافِعِيُّ في ”الأُمُّ“؛ فَقالَ: أخْبَرَنِي أبُو سَعِيدٍ؛ مُعاذُ بْنُ مُوسى الجَعْفَرِيُّ؛ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ مَعْرُوفٍ؛ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ قالَ: أخَذْتُ هَذا التَّفْسِيرَ عَنْ مُجاهِدٍ؛ والحَسَنِ؛ والضَّحّاكِ؛ أنَّ رَجُلَيْنِ نَصْرانِيَّيْنِ مِن أهْلِ دارَيْنِ؛ أحَدُهُما تَمِيمِيٌّ؛ والآخَرُ يَمانِيٌّ؛ صَحِبَهُما مَوْلًى لِقُرَيْشٍ في تِجارَةٍ؛ فَرَكِبُوا البَحْرَ؛ ومَعَ القُرَشِيِّ مالٌ مَعْلُومٌ قَدْ عَلِمَهُ أوْلِياؤُهُ؛ مِن بَيْنِ آنِيَةٍ وبِزَوْرَقَةٍ؛ فَمَرِضَ القُرَشِيُّ؛ فَجَعَلَ وصِيَّتَهُ إلى الدّارِيَيْنِ؛ فَماتَ؛ وقَبَضَ الدّارِيّانِ المالَ؛ فَدَفَعاهُ إلى أوْلِياءِ المَيِّتِ؛ فَأنْكَرَ القَوْمُ قِلَّةَ المالِ؛ فَقالُوا لِلدّارِيَيْنِ: إنَّ صاحِبَنا قَدْ خَرَجَ مَعَهُ بِمالٍ أكْثَرَ مِمّا أتَيْتُمُونا بِهِ؛ فَهَلْ باعَ شَيْئًا؛ أوِ اشْتَرى؛ فَوَضَعَ فِيهِ؛ أوْ هَلْ طالَ مَرَضُهُ فَأنْفَقَ عَلى نَفْسِهِ؟ قالا: لا؛ قالُوا: فَإنَّكُما خُنْتُمانا؛ فَقَبَضُوا المالَ؛ ورَفَعُوا أمْرَهُما إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾؛ فَلَمّا نَزَلَتْ أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ فَقاما بَعْدَ الصَّلاةِ؛ فَحَلَفا بِاللَّهِ رَبِّ السَّماواتِ: ما تَرَكَ مَوْلاكم مِنَ المالِ إلّا ما أتَيْناكم بِهِ؛ فَلَمّا حَلَفا خَلّى سَبِيلَهُما؛ ثُمَّ إنَّهم وجَدُوا بَعْدَ ذَلِكَ إناءً مِن آنِيَةِ المَيِّتِ؛ فَأخَذُوا الدّارِيَيْنِ؛ فَقالا: اشْتَرَيْناهُ مِنهُ في حَياتِهِ؛ فَكُذِّبا؛ وكُلِّفا البَيِّنَةَ؛ فَلَمْ يَقْدِرا عَلَيْها؛ فَرَفَعُوا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿فَإنْ عُثِرَ﴾ [المائدة: ١٠٧]؛ يَعْنِي إلى آخِرِها؛ ثُمَّ ذَكَرَ وقْتَ الشَّهادَةِ؛ وسَبَبَها؛ فَقالَ: ﴿إذا حَضَرَ﴾؛ وقَدَّمَ المَفْعُولَ تَهْوِيلًا - كَما ذَكَرَ في ”النِّساءِ“ - لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ لِحِفْظِ مالِهِ؛ فَكانَ أهَمَّ؛ فَقالَ: ﴿أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾؛ أيْ: أخَذَتْهُ أسْبابُهُ المُوجِبَةُ لِظَنِّهِ؛ ولَمّا كانَ الإيصاءُ إذْ ذاكَ أمْرًا مُتَعارَفًا؛ عَرَّفَ فَقالَ - مُعَلِّقًا بِـ ”شَهادَةُ“؛ كَما عَلَّقَ بِهِ ”إذا“؛ أوْ مُبْدِلًا مِن ”إذا“؛ لِأنَّ الزَّمَنَيْنِ واحِدٌ -: ﴿حِينَ الوَصِيَّةِ﴾؛ أيْ: إنْ أوْصى؛ ثُمَّ أخْبَرَ …

Al-Maaida 5:106Listen in Qur'an →
107

فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسْتَحَقَّآ إِثْمًۭا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ ٱلْأَوْلَيَٰنِ فَيُقْسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعْتَدَيْنَآ إِنَّآ إِذًۭا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ

But if it is found that those two were guilty of perjury, let two others stand in their place [who are] foremost [in claim] from those who have a lawful right. And let them swear by Allah, "Our testimony is truer than their testimony, and we have not transgressed. Indeed, we would then be of the wrongdoers."

﴿فَإنْ﴾؛ ولَمّا كانَ المُرادُ مُجَرَّدَ الِاطِّلاعِ؛ بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ: ﴿عُثِرَ﴾؛ أيْ: اطَّلَعَ مُطَّلِعٌ؛ بِقَصْدٍ؛ أوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ؛ قالَ البَغَوِيُّ: وأصْلُهُ الوُقُوعُ عَلى الشَّيْءِ؛ أيْ: مِن ”عَثْرَةُ الرَّجُلِ“؛ ﴿عَلى أنَّهُما﴾؛ أيْ: الشّاهِدَيْنِ إنْ أُرِيدَ بِهِما الحَقِيقَةُ؛ أوِ الوَصِيَّيْنِ؛ ﴿اسْتَحَقّا إثْمًا﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ شَيْءٍ خانا فِيهِ مِن أمْرِ الشَّهادَةِ؛ ﴿فَآخَرانِ﴾؛ أيْ: مِنَ الرِّجالِ الأقْرِباءِ لِلْمَيِّتِ؛ ﴿يَقُومانِ مَقامَهُما﴾؛ أيْ: لِيَفْعَلا؛ حَيْثُ اشْتَدَّتِ الرِّيبَةُ مِنَ الإقْسامِ عِنْدَ مُطْلَقِ الرِّيبَةِ؛ ما فَعَلا؛ ”مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ“؛ أيْ: طُلِبَ وُقُوعُ الحَقِّ بِشَهادَةِ مَن شَهِدَ ﴿عَلَيْهِمُ﴾؛ هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ وعَلى قِراءَةِ حَفْصٍ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ؛ المَعْنى: وُجِدَ وُقُوعُ الحَقِّ عَلَيْهِمْ؛ وهم أهْلُ المَيِّتِ وعَشِيرَتُهُ.

ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما مَنزِلَةُ هَذَيْنِ الآخَرَيْنِ مِنَ المَيِّتِ؟ فَقِيلَ: ﴿الأوْلَيانِ﴾؛ أيْ: الأحَقّانِ بِالشَّهادَةِ؛ الأقْرَبانِ إلَيْهِ؛ العارِفانِ بِتَواطُنِ أمْرِهِ؛ وعَلى قِراءَةِ أبِي بَكْرٍ؛ وحَمْزَةَ؛ بِالجَمْعِ؛ كَأنَّهُ قِيلَ: هُما مِنَ الأوَّلِينَ؛ أيْ: في الذِّكْرِ؛ وهم أهْلُ المَيِّتِ؛ فَهو نَعْتٌ لِـ ”الَّذِينَ اسْتُحِقَّ“؛ ﴿فَيُقْسِمانِ﴾؛ أيْ: هَذانَ الآخَرانِ؛ ﴿بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الَّذِي لا يُقْسَمُ إلّا بِهِ؛ لِما لَهُ مِن كَمالِ العِلْمِ؛ وشُمُولِ القُدْرَةِ؛ ﴿لَشَهادَتُنا﴾؛ أيْ: بِما يُخالِفُ شَهادَةَ الحاضِرِينَ لِلْواقِعَةِ؛ ﴿أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما﴾؛ أيْ: أثْبَتُ؛ فَإنَّ تِلْكَ إنَّما ثَباتُها في الظّاهِرِ؛ وشَهادَتُنا ثابِتَةٌ في نَفْسِ الأمْرِ؛ وساعَدَها الظّاهِرُ بِما عُثِرَ عَلَيْهِ مِنَ الرِّيبَةِ؛ ﴿وما اعْتَدَيْنا﴾؛ أيْ: تَعَمَّدْنا في يَمِينِنا مُجاوَزَةَ الحَقِّ؛ ﴿إنّا إذًا﴾؛ أيْ: إذا وقَعَ مِنّا اعْتِداءٌ؛ ﴿لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾؛ أيْ: الواضِعِينَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ كَمَن يَمْشِي في الظَّلامِ؛ وهَذا إشارَةٌ إلى أنَّهم عَلى بَصِيرَةٍ ونُورٍ مِمّا شَهِدُوا بِهِ؛ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا وُجِدَ الإناءُ الَّذِي فَقَدَهُ أهْلُ المَيِّتِ؛ وحَلَفَ الدّارِيّانِ بِسَبَبِهِ أنَّهُما ما خانا؛ طالَبُوهُما؛ فَقالا: كُنّا اشْتَرَيْناهُ مِنهُ؛ فَقالُوا: ألَمْ نَقُلْ لَكُما: هَلْ باعَ صاحِبُنا شَيْئًا؟ فَقُلْتُما: لا؟ فَقالا: لَمْ يَكُنْ عِنْدَنا بَيِّنَةٌ؛ فَكَرِهْنا أنْ نُقِرَّ لَكُمْ؛ فَرَفَعُوا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَأمَرَ فَقامَ اثْنانِ مِن أقارِبِ المَيِّتِ؛ فَحَلَفا عَلى الإناءِ؛ فَدَفَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ إلَيْهِما؛ لِأنَّ الوَصِيَّيْنِ ادَّعَيا عَلى المَيِّتِ البَيْعَ؛ فَصارَ اليَمِينُ في جانِبِ الوَرَثَةِ؛ لِأنَّهم أنْكَرُوا؛ وسَمّى أيْمانَ الفَرِيقَيْنِ شَهادَةً؛ كَما سُمِّيَتْ أيْمانُ المُتَلاعِنَيْنِ شَهادَةً - نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ الشّافِعِيُّ؛ وكانَ ذَلِكَ لِما في البابَيْنِ مِن مَزِيدِ التَّأْكِيدِ.

Al-Maaida 5:107Listen in Qur'an →
108

ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَن يَأْتُوا۟ بِٱلشَّهَٰدَةِ عَلَىٰ وَجْهِهَآ أَوْ يَخَافُوٓا۟ أَن تُرَدَّ أَيْمَٰنٌۢ بَعْدَ أَيْمَٰنِهِمْ ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسْمَعُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ لَا يَهْدِى ٱلْقَوْمَ ٱلْفَٰسِقِينَ

That is more likely that they will give testimony according to its [true] objective, or [at least] they would fear that [other] oaths might be taken after their oaths. And fear Allah and listen; and Allah does not guide the defiantly disobedient people.

ولَمّا تَمَّ هَذا عَلى هَذا الوَجْهِ الغَرِيبِ؛ بَيَّنَ - سُبْحانَهُ - سِرَّهُ؛ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرُ المُحْكَمُ المُرَتَّبُ هَذا التَّرْتِيبَ؛ بِالأيْمانِ وغَيْرِها؛ ﴿أدْنى﴾؛ أيْ: أقْرَبُ؛ ﴿أنْ﴾؛ أيْ: إلى أنْ ﴿يَأْتُوا﴾؛ أيْ: الَّذِينَ شَهِدُوا أوَّلًا؛ ﴿بِالشَّهادَةِ﴾؛ أيْ: الواقِعَةِ في نَفْسِ الأمْرِ؛ ﴿عَلى وجْهِها﴾؛ مِن غَيْرِ أدْنى مَيْلٍ؛ بِسَبَبِ أنْ يَخافُوا مِنَ الحِنْثِ عِنْدَ اللَّهِ بَعْدَ هَذا التَّغْلِيظِ؛ ﴿أوْ يَخافُوا﴾؛ إنْ لَمْ يَمْنَعْهُمُ الخَوْفُ مِنَ اللَّهِ؛ ﴿أنْ تُرَدَّ﴾؛ أيْ: تُثَنّى؛ وتُعادَ؛ ﴿أيْمانٌ﴾؛ أيْ: مِنَ الوَرَثَةِ؛ ﴿بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾؛ لِلْعُثُورِ عَلى رِيبَةٍ؛ فَيَصِيرُوا بِافْتِضاحِهِمْ مَثَلًا لِلنّاسِ؛ قالَ الشّافِعِيُّ: ولَيْسَ في هَذا رَدُّ اليَمِينِ؛ فَما كانَتْ يَمِينُ الدّارِيَيْنِ عَلى ما ادَّعى الوَرَثَةِ مِنَ الخِيانَةِ؛ ويَمِينُ ورَثَةِ المَيِّتِ عَلى ما ادَّعى الدّارِيّانِ مِمّا وُجِدَ في أيْدِيهِما وأقَرّا أنَّهُ مالُ المَيِّتِ؛ وأنَّهُ صارَ لَهُما مِن قِبَلِهِ؛ فَلَمْ تُقْبَلْ دَعْواهُما بِلا بَيِّنَةٍ؛ فَأُحْلِفَ وارِثاهُ؛ قالَ: وإذا كانَ هَذا كَما وصَفْتُ فَلَيْسَتِ الآيَةُ ناسِخَةً؛ ولا مَنسُوخَةً؛ لِأمْرِ اللَّهِ بِإشْهادِ ذَوَيْ عَدْلٍ؛ ومَن نَرْضى مِنَ الشُّهَداءِ؛ هَذا ما اقْتَضى إيلاؤُها لِما قَبْلَها؛ وقَدْ نَزَعَها إلى مَجْمُوعِ هَذِهِ السُّورَةِ مَنازِعُ؛ مِنها ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ القَتْلِ؛ الَّذِي هو مِن أنْواعِ المَوْتِ؛ عِنْدَ قِصَّةِ ابْنَيْ آدَمَ؛ وما بَعْدَها؛ ثُمَّ تَعْقِيبِ ذَلِكَ بِالجِهادِ؛ الَّذِي هو مِن أسْبابِ المَوْتِ؛ وقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥]؛ ثُمَّ ذَكَرَهُ أيْضًا في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤]؛ وقَدْ جَرَتِ السُّنَّةُ الإلَهِيَّةُ بِذِكْرِ الوَصِيَّةِ عَقِبَ مِثْلِ ذَلِكَ في ”البَقَرَةِ“؛ ولَمْ يُذْكَرْ عَقِبَ واحِدَةٍ مِنَ الآياتِ المَذْكُورَةِ؛ لِزِيادَتِها عَلى آيَةِ ”البَقَرَةِ“؛ بِمَنازِعَ؛ مِنها الحَلِفُ؛ فَناسَبَ كَوْنَها بَعْدَ آيَةِ الأيْمانِ؛ ومِنها تَغْلِيظُ الحَلِفِ؛ والخُرُوجُ بِهِ عَمّا يُشاكِلُهُ مِنَ القَسَمِ عَلى المالِ بِكَوْنِهِ في زَمانٍ مَخْصُوصٍ؛ بَعْدَ عِبادَةٍ مَخْصُوصَةٍ؛ فَناسَبَ ذِكْرَها بَعْدَ تَغْلِيظِ أمْرِ الصَّيْدِ في حالٍ مَخْصُوصٍ؛ وهو الإحْرامُ؛ والخُرُوجِ بِهِ عَنْ أشْكالِهِ مِنَ الأحْوالِ؛ وبَعْدَ تَغْلِيظِ جَزائِهِ؛ والخُرُوجِ بِهِ عَنْ أشْكالِهِ مِنَ الكَفّاراتِ؛ وتَغْلِيظِ أمْرِ المَكانِ المَخْصُوصِ؛ وهو الكَعْبَةُ؛ والخُرُوجِ بِها عَنْ أشْكالِها مِنَ البُيُوتِ؛ وكَذا تَغْلِيظُ الزَّمانِ المَخْصُوصِ؛ وهو الشَّهْرُ الحَرامُ؛ والخُرُوجُ بِهِ عَنْ أشْكالِهِ مِنَ الأزْمِنَةِ؛ وكُلُّ ذَلِكَ لِقِيامِ أمْرِ النّاسِ؛ وإصْلاحِ أحْوالِهِمْ؛ وهَكَذا آيَةُ الوَصِيَّةِ؛ وما خَرَجَ مِن أحْكامِها عَنْ أشْكالِهِ؛ كُلُّهُ لِقِيامِ الأُمُورِ عَلى السَّدادِ؛ وإصْلاحِ المَعاشِ؛ والمَعادِ؛ وهي مُلْتَفِتَةٌ إلى أوَّلِ السُّورَةِ؛ إذْ هي مِن أعْظَمِ العُهُودِ؛ والوَفاءُ بِها مِن أصْعَبِ الوَفاءِ؛ وإلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى﴾ [المائدة: ٢]؛ وإلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالقِسْطِ﴾ [المائدة: ٨]؛ انْظُرْ إلى خَتْمِها بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٨]؛ وإلى كَوْنِ هَذِهِ في سِياقِ الإعْلامِ بِأنَّ اللَّهَ عالِمٌ بِالخَفِيّاتِ؛ وقَوْلُهُ: - عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فالزَمُوا ما أمَرْتُكم بِهِ؛ وأرْشَدْتُكم …

Al-Maaida 5:108Listen in Qur'an →
109

۞ يَوْمَ يَجْمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ ۖ قَالُوا۟ لَا عِلْمَ لَنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ

[Be warned of] the Day when Allah will assemble the messengers and say, "What was the response you received?" They will say, "We have no knowledge. Indeed, it is You who is Knower of the unseen"

ولَمّا كانَ فِيها إقامَةُ الشُّهُودِ؛ وحَبْسُهم عَنْ مَقاصِدِهِمْ؛ حَتّى يَفْرُغُوا مِن هَذِهِ الواقِعَةِ المَبْحُوثِ فِيها عَنْ خَفايا مُتَعَلِّقَةٍ بِالمَوْتِ؛ والتَّغْلِيظِ بِالتَّحْلِيفِ بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ؛ وكانَتْ ساعَةً يَجْتَمِعُ فِيها النّاسُ؛ وفَرِيقا المَلائِكَةِ المُتَعاقِبَيْنِ فِينا لَيْلًا ونَهارًا؛ مَعَ أنَّها ساعَةُ الأصِيلِ المُؤْذِنَةِ بِهُجُومِ اللَّيْلِ؛ وتَقَوُّضِ النَّهارِ؛ حَتّى كَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ؛ ورُجُوعِ النّاسِ إلى مَنازِلِهِمْ؛ وتَرْكِهِمْ لِمَعايِشِهِمْ؛ وكانَتْ عادَتَهُ - سُبْحانَهُ - بِأنَّهُ يَذْكُرُ أنْواعًا مِنَ الشَّرائِعِ والتَّكالِيفِ؛ ثُمَّ يُتْبِعُها إمّا بِالإلَهِيّاتِ؛ وإمّا بِشَرْحِ أحْوالِ الأنْبِياءِ؛ وإمّا بِشَرْحِ أحْوالِ القِيامَةِ؛ لِيَصِيرَ ذَلِكَ مُؤَكِّدًا لِما تَقَدَّمَ مِنَ التَّكالِيفِ؛ ولا يَنْتَقِلُ مِن فَنٍّ إلى آخَرَ إلّا بِغايَةِ الإحْكامِ في الرَّبْطِ؛ عَقَّبَها (تَعالى) بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ؛ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ؛ ﴿الرُّسُلَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ أرْسَلَهم إلى عِبادِهِ؛ بِأوامِرِهِ ونَواهِيهِ؛ إشارَةً إلى تَذَكُّرِ انْصِرامِ هَذِهِ الدّارِ؛ وسُرْعَةِ هُجُومِ ذَلِكَ؛ بِمُشاهَدَةِ هَذِهِ الأحْوالِ المُؤْذِنَةِ بِهِ؛ وبِأنَّهُ يَوْمٌ يَقُومُ فِيهِ الأشْهادُ؛ ويَجْتَمِعُ فِيهِ العِبادُ؛ ويُفْتَضَحُ فِيهِ أهْلُ الفَسادِ؛ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الإشاراتِ لِأرْبابِ البَصائِرِ والقُلُوبِ؛ والظّاهِرُ أنَّ ”يَوْمَ“؛ ظَرْفٌ لِلْمُضافِ المَحْذُوفِ الدّالِّ عَلَيْهِ الكَلامُ؛ فَإنَّ مِنَ المَعْلُومِ أنَّكَ إذا قُلْتَ: ”خَفْ مِن فُلانٍ“؛ فَإنَّ المَعْنى: ”خَفْ مِن عِقابِهِ“؛ ونَحْوَ ذَلِكَ؛ فَيَكُونُ المُرادُ هُنا: واتَّقُوا غَضَبَ اللَّهِ الواقِعِ في ذَلِكَ اليَوْمِ؛ أيْ: اجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ سَطْواتِهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ وِقايَةً؛ أوْ يَكُونُ المَعْنى: اذْكُرُوا هَذِهِ الواقِعَةَ؛ وهَذا الوَقْتَ الَّذِي يُجْمَعُ فِيهِ الشُّهُودُ؛ ويُحْبَسُ المُعْتَرِفُ والجَحُودُ؛ يَوْمَ الجَمْعِ الأكْبَرِ؛ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ (تَعالى)؛ لِيَسْألَهم عَنِ العِبادِ؛ ويَسْألَ العِبادَ عَنْهُمْ؛ ﴿فَيَقُولُ﴾؛ أيْ: لِلرُّسُلِ؛ تَشْرِيعًا لَهُمْ؛ وبَيانًا لِفَضْلِهِمْ؛ وتَشْرِيفًا لِلْمُحِقِّ مِن أُمَمِهِمْ؛ وتَبْكِيتًا لِلْمُبْطِلِ؛ وتَوْبِيخًا لِلْمُفْرِطِ مِنهُمْ؛ والمُفَرِّطِ.

ولَمّا كانَ مِمّا لا يَخْفى أصْلًا أنَّهم أُجِيبُوا؛ ولا يَقَعُ فِيهِ نِزاعٌ؛ ولا يَتَعَلَّقُ بِالسُّؤالِ عَنْهُ غَرَضٌ؛ تَجاوَزَ السُّؤالَ إلى الِاسْتِفْهامِ مِن نَوْعِ الإجابَةِ؛ فَقالَ: ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾؛ أيْ: أيَّ إجابَةٍ أجابَكم مَن أُرْسِلْتُمْ إلَيْهِمْ؛ إجابَةَ طاعَةٍ أوْ إجابَةَ مَعْصِيَةٍ؟

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن قَوْلِهِمْ بَيانَ النّاجِي مِن غَيْرِهِ؛ وكانَتِ الشَّهادَةُ في تِلْكَ الدّارِ لا تَنْفَعُ إلّا فِيما وافَقَ فِيهِ الإضْمارُ الإظْهارَ؛ فَكانَتْ شَهادَتُهم لا تَنْفَعُ المَشْهُودَ لَهُ بِحُسْنِ الإجابَةِ؛ إلّا أنْ يُطابِقَ ما قالَهُ بِلِسانِهِ اعْتِقادَهُ بِقَلْبِهِ؛ ﴿قالُوا﴾؛ نافِينَ لِعِلْمِهِمْ أصْلًا؛ ورَأْسًا؛ إذا كانَ مَوْقُوفًا عَلى شَرْطٍ؛ هو مِن عِلْمِ ما غابَ؛ ولا عِلْمَ لَهم بِهِ ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾؛ أيْ: عَلى الحَقِيقَةِ؛ لِأنّا لا نَعْلَمُ إلّا ما شَهِدْناهُ؛ وما غابَ عَنّا أكْثَرُ؛ وإذا كانَ الغائِبُ قَدْ يَكُونُ مُخالِفًا لِلْمَشْهُودِ؛ فَما شُهِدَ لَيْسَ بِعِلْمٍ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ؛ ولِهَذا عَلَّلُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّكَ أنْتَ﴾؛ أيْ: وحْدَكَ؛ ﴿عَلامُ الغُيُوبِ﴾؛ أيْ: كُلِّها؛ تَعْلَمُها عِلْمًا تامًّا؛ فَكَيْفَ بِما غابَ …

Al-Maaida 5:109Listen in Qur'an →
110

إِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱذْكُرْ نِعْمَتِى عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًۭا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْـَٔةِ ٱلطَّيْرِ بِإِذْنِى فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًۢا بِإِذْنِى ۖ وَتُبْرِئُ ٱلْأَكْمَهَ وَٱلْأَبْرَصَ بِإِذْنِى ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ ٱلْمَوْتَىٰ بِإِذْنِى ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِٱلْبَيِّنَٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَآ إِلَّا سِحْرٌۭ مُّبِينٌۭ

[The Day] when Allah will say, "O Jesus, Son of Mary, remember My favor upon you and upon your mother when I supported you with the Pure Spirit and you spoke to the people in the cradle and in maturity; and [remember] when I taught you writing and wisdom and the Torah and the Gospel; and when you designed from clay [what was] like the form of a bird with My permission, then you breathed into it, and it became a bird with My permission; and you healed the blind and the leper with My permission; and when you brought forth the dead with My permission; and when I restrained the Children of Israel from [killing] you when you came to them with clear proofs and those who disbelieved among them said, "This is not but obvious magic."

ولَمّا كانَ سُؤالُهُ - سُبْحانَهُ - لِلرُّسُلِ عَنِ الإجابَةِ مُتَضَمِّنًا لِتَبْكِيتِ المُبْطِلِينَ؛ وتَوْبِيخِهِمْ؛ وكانَ أشَدُّ الأُمَمِ افْتِقارًا إلى التَّوْبِيخِ أهْلَ الكِتابِ؛ لِأنَّ تَمَرُّدَهم تَعَدّى إلى رُتْبَةِ الجَلالِ؛ بِما وصَفُوهُ - سُبْحانَهُ - بِهِ مِنَ اتِّخاذِ الصّاحِبَةِ؛ والوَلَدِ؛ ومِنَ ادِّعاءِ الإلَهِيَّةِ لِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِما أظْهَرَ مِنَ الخَوارِقِ الَّتِي دَعا بِها إلى اللَّهِ؛ مَعَ اقْتِرانِها بِما يَدُلُّ عَلى عُبُودِيَّتِهِ؛ ورِسالَتِهِ؛ لِئَلّا يُهْتَضَمَ حَقُّهُ؛ أوْ يُغْلى فِيهِ؛ مَعَ مُشارَكَتِهِمْ لِغَيْرِهِمْ في أذى الرُّسُلِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - بِالتَّكْذِيبِ؛ وغَيْرِهِ؛ وكانَ في الآيَةِ السّالِفَةِ ذِكْرُ الآباءِ؛ وما آثَرُوا لِلْأبْناءِ؛ ذَكَرَ أمْرَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِقَوْلِهِ - مُبْدِلًا مِن قَوْلِهِ -: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ١٠٩]؛ مُعَبِّرًا بِالماضِي؛ تَذْكِيرًا بِما لِذَلِكَ اليَوْمِ مِن تَحَتُّمِ الوُقُوعِ؛ وتَصْوِيرًا لِعَظِيمِ تَحَقُّقِهِ؛ وتَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ لِقُوَّةِ قُرْبِهِ كَأنَّهُ قَدْ وقَعَ؛ ومَضى -: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُسْتَجْمِعُ لِصِفاتِ الكَمالِ؛ ﴿يا عِيسى﴾؛ ثُمَّ بَيَّنَهُ بِما هو الحَقُّ مِن نَسَبِهِ؛ فَقالَ: ﴿ابْنَ مَرْيَمَ﴾؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ يَوْمَ الجَمْعِ الأكْبَرِ؛ والإحاطَةِ بِجَمِيعِ الخَلائِقِ؛ وأحْوالِهِمْ؛ في حَرَكاتِهِمْ؛ وسَكَناتِهِمْ؛ وكانَ الحَمْدُ هو الإحاطَةَ بِأوْصافِ الكَمالِ؛ أمَرَهُ بِذِكْرِ حَمْدِهِ - سُبْحانَهُ - عَلى نِعْمَتِهِ عِنْدَهُ؛ فَقالَ: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾؛ أيْ: في خاصَّةِ نَفْسِكَ؛ وذَكَرَ ما يَدُلُّ لِلْعاقِلِ عَلى أنَّهُ عَبْدٌ مَرْبُوبٌ؛ فَقالَ: ﴿وعَلى والِدَتِكَ﴾؛ إلى آخِرِهِ؛ مُشِيرًا إلى أنَّهُ أوْجَدَهُ مِن غَيْرِ أبٍ؛ فَأراحَهُ مِمّا يَجِبُ لِلْآباءِ مِنَ الحُقُوقِ؛ وما يُورِثُونَ أبْناءَهم مِنَ اقْتِداءٍ؛ أوِ اهْتِداءٍ؛ وإقامَةٍ بِحُقُوقِ أُمِّهِ؛ فَأقْدَرَهُ - وهو في المَهْدِ - عَلى الشَّهادَةِ لَها بِالبَراءَةِ؛ والحَصانَةِ؛ والعَفافِ؛ وكُلُّ نِعْمَةٍ أنْعَمَها - سُبْحانَهُ - عَلَيْهِ ﷺ فَهي نِعْمَةٌ عَلى أُمِّهِ؛ دِينًا ودُنْيا.

ولَمّا ذَكَّرَ - سُبْحانَهُ - هَذِهِ الأُمَّةَ المَدْعُوَّةَ مِنَ العَرَبِ؛ وأهْلِ الكِتابِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ بِنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ في أوَّلِ السُّورَةِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم ومِيثاقَهُ﴾ [المائدة: ٧]؛؛ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ﴾ [المائدة: ١١]؛ وكانَتْ هَذِهِ الآياتُ مِن عِنْدِ: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]؛ كُلُّها في النِّعَمِ؛ أخْبَرَهم أنَّهُ يُذَكِّرُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِنِعَمِهِ في يَوْمِ الجَمْعِ؛ إشارَةً إلى أنَّهم إنْ لَمْ يَذْكُرُوا نِعَمَهُ في هَذِهِ الدّارِ؛ دارِ العَمَلِ؛ بِالشُّكْرِ؛ ذَكَرُوها حِينَ يُذَكِّرُهم بِها في ذَلِكَ اليَوْمِ قَسْرًا؛ بِالكُفْرِ؛ ويا لَها فَضِيحَةً في ذَلِكَ الجَمْعِ الأكْبَرِ والمَوْقِفِ الأهْوَلِ؛ ولِيَتَبَصَّرَ أهْلُ الكِتابِ فَيَرْجِعُوا عَنْ كُفْرِهِمْ بِعِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ اليَهُودُ؛ بِالتَّقْصِيرِ في أمْرِهِ؛ والنَّصارى؛ بِالغُلُوِّ في شَأْنِهِ؛ وقَدْرِهِ.

ولَمّا كانَ أعْظَمُ الأُمُورِ التَّنْزِيهَ؛ بَدَأ بِهِ؛ كَما فَعَلَ بِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ في كَلِمَةِ الدُّخُولِ إلى الإسْلامِ؛ ولَمّا كانَ أعْظَمُ ذَلِكَ تَنْزِيهَهُ أُمَّهُ - عَلَيْها السَّلامُ -؛ وتَصْحِيحَ ما خُرِقَ لَها مِنَ العادَةِ في وِلادَتِهِ؛ وكانَ أحْكَمُ ما يَكُونُ ذَلِكَ بِتَقْوِيَةِ رُوحِهِ؛ حَتّى يَكُونَ كَلامُهُ …

Al-Maaida 5:110Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.