Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 91–100 of 120

91

إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ

Satan only wants to cause between you animosity and hatred through intoxicants and gambling and to avert you from the remembrance of Allah and from prayer. So will you not desist?

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِاجْتِنابِ هَذِهِ الأشْياءِ ذَكَرَ فِيها نَوْعَيْنِ مِنَ المَفْسَدَةِ، فالأوَّلُ: ما يَتَعَلَّقُ بِالدُّنْيا وهو قَوْلُهُ:

﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ .

﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ .

واعْلَمْ أنّا نَشْرَحُ وجْهَ العَداوَةِ والبَغْضاءِ أوَّلًا في الخَمْرِ ثُمَّ في المَيْسِرِ:

أمّا الخَمْرُ فاعْلَمْ أنَّ الظّاهِرَ فِيمَن يَشْرَبُ الخَمْرَ أنَّهُ يَشْرَبُها مَعَ جَماعَةٍ ويَكُونُ غَرَضُهُ مِن ذَلِكَ الشُّرْبِ أنْ يَسْتَأْنِسَ بِرُفَقائِهِ ويَفْرَحَ بِمُحادَثَتِهِمْ ومُكالَمَتِهِمْ، فَكانَ غَرَضُهُ مِن ذَلِكَ الِاجْتِماعِ تَأْكِيدَ الأُلْفَةِ والمَحَبَّةِ إلّا أنَّ ذَلِكَ في الأغْلَبِ يَنْقَلِبُ إلى الضِّدِّ؛ لِأنَّ الخَمْرَ يُزِيلُ العَقْلَ، وإذا زالَ العَقْلُ اسْتَوْلَتِ الشَّهْوَةُ والغَضَبُ مِن غَيْرِ مُدافَعَةِ العَقْلِ، وعِنْدَ اسْتِيلائِهِما تَحْصُلُ المُنازَعَةُ بَيْنَ أُولَئِكَ الأصْحابِ، وتِلْكَ المُنازَعَةُ رُبَّما أدَّتْ إلى الضَّرْبِ والقَتْلِ والمُشافَهَةِ بِالفُحْشِ، وذَلِكَ يُورِثُ أشَدَّ العَداوَةِ والبَغْضاءِ، فالشَّيْطانُ يُسَوِّلُ أنَّ الِاجْتِماعَ عَلى الشُّرْبِ يُوجِبُ تَأْكِيدَ الأُلْفَةِ والمَحَبَّةِ، وبِالآخِرَةِ انْقَلَبَ الأمْرُ وحَصَلَتْ نِهايَةُ العَداوَةِ والبَغْضاءِ.

وأمّا المَيْسِرُ فَفِيهِ بِإزاءِ التَّوْسِعَةِ عَلى المُحْتاجِينَ الإجْحافُ بِأرْبابِ الأمْوالِ؛ لِأنَّ مَن صارَ مَغْلُوبًا في القِمارِ مَرَّةً دَعاهُ ذَلِكَ إلى اللَّجاجِ فِيهِ عَنْ رَجاءِ أنَّهُ رُبَّما صارَ غالِبًا فِيهِ، وقَدْ يَتَّفِقُ أنْ لا يَحْصُلَ لَهُ ذَلِكَ إلى أنْ لا يَبْقى لَهُ شَيْءٌ مِنَ المالِ، وإلى أنْ يُقامِرَ عَلى لِحْيَتِهِ وأهْلِهِ ووَلَدِهِ، ولا شَكَّ أنَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَبْقى فَقِيرًا مِسْكِينًا ويَصِيرُ مِن أعْدى الأعْداءِ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا غالِبِينَ لَهُ، فَظَهَرَ مِن هَذا الوَجْهِ أنَّ الخَمْرَ والمَيْسِرَ سَبَبانِ عَظِيمانِ في إثارَةِ العَداوَةِ والبَغْضاءِ بَيْنَ النّاسِ، ولا شَكَّ أنَّ شِدَّةَ العَداوَةِ والبَغْضاءِ تُفْضِي إلى أحْوالٍ مَذْمُومَةٍ مِنَ الهَرْجِ والمَرْجِ والفِتَنِ، وكُلُّ ذَلِكَ مُضادٌّ لِمَصالِحِ العالَمِ.

صفحة ٦٨

فَإنْ قِيلَ: لِمَ جَمَعَ الخَمْرَ والمَيْسِرَ مَعَ الأنْصابِ والأزْلامِ ثُمَّ أفْرَدَهُما في آخِرِ الآيَةِ ؟

قُلْنا: لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ خِطابٌ مَعَ المُؤْمِنِينَ بِدَلِيلِ أنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ والمَقْصُودُ نَهْيُهم عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ وإظْهارُ أنَّ هَذِهِ الأرْبَعَةَ مُتَقارِبَةٌ في القُبْحِ والمَفْسَدَةِ، فَلَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ النَّهْيَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ وإنَّما ضَمَّ الأنْصابَ والأزْلامَ إلى الخَمْرِ والمَيْسِرِ تَأْكِيدًا لِقُبْحِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ، لا جَرَمَ أفْرَدَهُما في آخِرِ الآيَةِ بِالذِّكْرِ.

أمّا النَّوْعُ الثّانِي مِنَ المَفاسِدِ المَوْجُودَةِ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ: المَفاسِدُ المُتَعَلِّقَةُ بِالدِّينِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ﴾ فَنَقُولُ: أمّا أنَّ شُرْبَ الخَمْرِ يَمْنَعُ ذِكْرَ اللَّهِ فَظاهِرٌ، لِأنَّ شُرْبَ الخُمُورِ يُورِثُ الطَّرَبَ واللَّذَّةَ الجُسْمانِيَّةَ، والنَّفْسُ إذا اسْتَغْرَقَتْ في اللَّذّاتِ الجُسْمانِيَّةِ غَفَلَتْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، وأمّا أنَّ …

Al-Maaida 5:91Listen in Qur'an →
92

وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُوا۟ ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ

And obey Allah and obey the Messenger and beware. And if you turn away - then know that upon Our Messenger is only [the responsibility for] clear notification.

وسابِعُها: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ ذَلِكَ:

صفحة ٦٩

﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ واحْذَرُوا فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ .

﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ واحْذَرُوا﴾ فَظاهِرُهُ أنَّ المُرادَ وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن أمْرِهِما بِالِاجْتِنابِ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ، وقَوْلُهُ: (واحْذَرُوا) أيِ احْذَرُوا عَنْ مُخالَفَتِهِما في هَذِهِ التَّكالِيفِ. وثامِنُها: قَوْلُهُ:

﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ وهَذا تَهْدِيدٌ عَظِيمٌ ووَعِيدٌ شَدِيدٌ في حَقِّ مَن خالَفَ في هَذا التَّكْلِيفِ وأعْرَضَ فِيهِ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ وبَيانِهِ، يَعْنِي أنَّكم إنْ تَوَلَّيْتُمْ فالحُجَّةُ قَدْ قامَتْ عَلَيْكم، والرَّسُولُ قَدْ خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ التَّبْلِيغِ والإعْذارِ والإنْذارِ، فَأمّا ما وراءَ ذَلِكَ مِن عِقابِ مَن خالَفَ هَذا التَّكْلِيفَ وأعْرَضَ عَنْهُ فَذاكَ إلى اللَّهِ تَعالى، ولا شَكَّ أنَّهُ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ، فَصارَ كُلُّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ الثَّمانِيَةِ دَلِيلًا قاهِرًا وبُرْهانًا باهِرًا في تَحْرِيمِ الخَمْرِ.

واعْلَمْ أنَّ مَن أنْصَفَ وتَرَكَ الِاعْتِسافَ عَلِمَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَصٌّ صَرِيحٌ في أنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرامٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ﴾ قالَ بَعْدَهُ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَرَتَّبَ النَّهْيَ عَنْ شُرْبِ الخَمْرِ عَلى كَوْنِ الخَمْرِ مُشْتَمِلَةً عَلى تِلْكَ المَفاسِدِ، ومِنَ المَعْلُومِ في بَدائِهِ العُقُولِ أنَّ تِلْكَ المَفاسِدَ إنَّما تَوَلَّدَتْ مِن كَوْنِها مُؤَثِّرَةً في السُّكْرِ وهَذا يُفِيدُ القَطْعَ بِأنَّ عِلَّةَ قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ هي كَوْنُ الخَمْرِ مُؤَثِّرًا في الإسْكارِ، وإذا ثَبَتَ هَذا وجَبَ القَطْعُ بِأنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرامٌ، ومَن أحاطَ عَقْلُهُ بِهَذا التَّقْدِيرِ وبَقِيَ مُصِرًّا عَلى قَوْلِهِ فَلَيْسَ لِعِنادِهِ عِلاجٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.

Al-Maaida 5:92Listen in Qur'an →
93

لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جُنَاحٌۭ فِيمَا طَعِمُوٓا۟ إِذَا مَا ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّأَحْسَنُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ

There is not upon those who believe and do righteousness [any] blame concerning what they have eaten [in the past] if they [now] fear Allah and believe and do righteous deeds, and then fear Allah and believe, and then fear Allah and do good; and Allah loves the doers of good.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إذا ما اتَّقَوْا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: رُوِيَ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ تَحْرِيمِ الخَمْرِ قالَتِ الصَّحابَةُ: إنَّ إخْوانَنا كانُوا قَدْ شَرِبُوا الخَمْرَ يَوْمَ أُحُدٍ ثُمَّ قُتِلُوا، فَكَيْفَ حالُهم ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، والمَعْنى: لا إثْمَ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ لِأنَّهم شَرِبُوها حالَ ما كانَتْ مُحَلَّلَةً، وهَذِهِ الآيَةُ مُشابِهَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى في نَسْخِ القِبْلَةِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣] أيْ أنَّكم حِينَ اسْتَقْبَلْتُمْ بَيْتَ المَقْدِسِ فَقَدِ اسْتَقْبَلْتُمُوهُ بِأمْرِي فَلا أُضِيعُ ذَلِكَ، كَما قالَ: ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكم مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ [آل عمران: ١٩٥] .

صفحة ٧٠

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الطَّعامُ في الأغْلَبِ مِنَ اللُّغَةِ خِلافُ الشَّرابِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ الطُّعْمُ خِلافَ الشُّرْبِ، إلّا أنَّ اسْمَ الطَّعامِ قَدْ يَقَعُ عَلى المَشْرُوباتِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ [البَقَرَةِ: ٢٤٩] وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ أيْ شَرِبُوا الخَمْرَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى الطُّعْمِ راجِعًا إلى التَّلَذُّذِ بِما يُؤْكَلُ ويُشْرَبُ، وقَدْ تَقُولُ العَرَبُ: تَطَعَّمْ تَطْعَمْ، أيْ ذُقْ حَتّى تَشْتَهِيَ، وإذا كانَ مَعْنى الكَلِمَةِ راجِعًا إلى الذَّوْقِ صَلُحَ لِلْمَأْكُولِ والمَشْرُوبِ مَعًا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: زَعَمَ بَعْضُ الجُهّالِ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ في الخَمْرِ أنَّها مُحَرَّمَةٌ عِنْدَما تَكُونُ مُوقِعَةً لِلْعَداوَةِ والبَغْضاءِ وصادَّةً عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ، بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا جُناحَ عَلى مَن طَعِمَها إذا لَمْ يَحْصُلْ مَعَهُ شَيْءٌ مِن تِلْكَ المَفاسِدِ، بَلْ حَصَلَ مَعَهُ أنْواعُ المَصالِحِ مِنَ الطّاعَةِ والتَّقْوى والإحْسانِ إلى الخَلْقِ، قالُوا: ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى أحْوالِ مَن شَرِبَ الخَمْرَ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ التَّحْرِيمِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ المُرادُ ذَلِكَ لَقالَ: ما كانَ جُناحٌ عَلى الَّذِينَ طَعِمُوا، كَما ذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ في آيَةِ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ فَقالَ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ١٤٣] ولَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، بَلْ قالَ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إذا ما اتَّقَوْا وآمَنُوا﴾ ولا شَكَّ أنَّ (إذا) لِلْمُسْتَقْبَلِ لا لِلْماضِي.

واعْلَمْ أنَّ هَذا القَوْلَ مَرْدُودٌ بِإجْماعِ كُلِّ الأُمَّةِ، وقَوْلُهم: إنَّ كَلِمَةَ إذا (إذا) لِلْمُسْتَقْبَلِ لا لِلْماضِي، فَجَوابُهُ ما «رَوى أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ قالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ بِإخْوانِنا الَّذِينَ ماتُوا وقَدْ شَرِبُوا الخَمْرَ وفَعَلُوا القِمارَ، وكَيْفَ بِالغائِبِينَ عَنّا في البُلْدانِ لا يَشْعُرُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الخَمْرَ وهم يَطْعَمُونَها ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآياتِ»، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فالحِلُّ قَدْ ثَبَتَ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ عَنْ وقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ لَكِنْ في حَقِّ الغائِبِينَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغْهم هَذا النَّصُّ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: أنَّهُ تَعالى شَرَطَ لِنَفْيِ الجُناحِ حُصُولَ التَّقْوى …

Al-Maaida 5:93Listen in Qur'an →
94

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَىْءٍۢ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُۥٓ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلْغَيْبِ ۚ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

O you who have believed, Allah will surely test you through something of the game that your hands and spears [can] reach, that Allah may make evident those who fear Him unseen. And whoever transgresses after that - for him is a painful punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الأحْكامِ، ووَجْهُ النَّظْمِ أنَّهُ تَعالى كَما قالَ: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائِدَةِ: ٨٧] ثُمَّ اسْتَثْنى الخَمْرَ والمَيْسِرَ عَنْ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ اسْتَثْنى هَذا النَّوْعَ مِنَ الصَّيْدِ عَنِ المُحَلَّلاتِ، وبَيَّنَ دُخُولَهُ في المُحَرَّماتِ.

وهاهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ﴾ لامُ القَسَمِ، لِأنَّ اللّامَ والنُّونَ قَدْ يَكُونانِ جَوابًا لِلْقَسَمِ، وإذا تُرِكَ القَسَمُ جِيءَ بِهِما دَلِيلًا عَلى القَسَمِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الواوُ في قَوْلِهِ: (لَيَبْلُوَنَّكُمُ) مَفْتُوحَةٌ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: (لَيَبْلُوَنَّكُمُ) أيْ لَيَخْتَبِرَنَّ طاعَتَكم مِن مَعْصِيَتِكم، أيْ لَيُعامِلَنَّكم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: ابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِالصَّيْدِ وهم مُحْرِمُونَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ حَتّى كانَتِ الوَحْشُ والطَّيْرُ تَغْشاهم في رِحالِهِمْ، فَيَقْدِرُونَ عَلى أخْذِها بِالأيْدِي وصَيْدِها بِالرِّماحِ، وما رَأوْا مِثْلَ ذَلِكَ قَطُّ، فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْها ابْتِلاءً. قالَ الواحِدِيُّ: الَّذِي تَنالُهُ الأيْدِي مِنَ الصَّيْدِ، الفِراخُ والبَيْضُ وصِغارُ الوَحْشِ، والَّذِي تَنالُهُ الرِّماحُ: الكِبارُ، وقالَ بَعْضُهم: هَذا غَيْرُ جائِزٍ؛ لِأنَّ الصَّيْدَ اسْمٌ لِلْمُتَوَحِّشِ المُمْتَنِعِ دُونَ ما لَمْ يَمْتَنِعْ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: مَعْنى التَّقْلِيلِ والتَّصْغِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ أنْ يُعْلَمَ أنَّهُ لَيْسَ بِفِتْنَةٍ مِنَ الفِتَنِ العِظامِ الَّتِي يَكُونُ التَّكْلِيفُ فِيها صَعْبًا شاقًّا، كالِابْتِلاءِ بِبَذْلِ الأرْواحِ والأمْوالِ، وإنَّما هو ابْتِلاءٌ سَهْلٌ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى امْتَحَنَ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِصَيْدِ البَرِّ كَما امْتَحَنَ بَنِي إسْرائِيلَ بِصَيْدِ البَحْرِ، وهو صَيْدُ السَّمَكِ.

صفحة ٧٢

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: (مِن) في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الصَّيْدِ﴾ لِلتَّبْعِيضِ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: المُرادُ صَيْدُ البَرِّ دُونَ البَحْرِ. والثّانِي: صَيْدُ الإحْرامِ دُونَ صَيْدِ الإحْلالِ، وقالَ الزَّجّاجُ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلتَّبْيِينِ كَقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحَجِّ: ٣٠] .

المَسْألَةُ السّابِعَةُ: أرادَ بِالصَّيْدِ المَفْعُولَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ﴾ والصَّيْدُ إذا كانَ بِمَعْنى المَصْدَرِ يَكُونُ حَدَثًا، وإنَّما يُوصَفُ بِنَيْلِ اليَدِ والرِّماحِ ما كانَ عَيْنًا.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّ هَذا مَجازٌ لِأنَّهُ تَعالى عالِمٌ لَمْ يَزَلْ ولا يَزالُ واخْتَلَفُوا في مَعْناهُ، فَقِيلَ: نُعامِلُكم مُعامَلَةَ مَن يَطْلُبُ أنْ يَعْلَمَ، وقِيلَ: لِيَظْهَرَ المَعْلُومُ وهو خَوْفُ الخائِفِ، وقِيلَ: هَذا عَلى حَذْفِ المُضافِ، والتَّقْدِيرُ: لِيَعْلَمَ أوْلِياءُ اللَّهِ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: (بِالغَيْبِ) فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: مَن يَخافُهُ حالَ إيمانِهِ بِالغَيْبِ كَما ذَكَرَ ذَلِكَ في أوَّلِ كِتابِهِ وهو قَوْلُهُ: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ .

الثّانِي: مَن يَخافُ بِالغَيْبِ؛ أيْ يَخافُهُ بِإخْلاصٍ وتَحْقِيقٍ ولا يَخْتَلِفُ الحالُ بِسَبَبِ حُضُورِ أحَدٍ أوْ غَيْبَتِهِ، كَما في …

Al-Maaida 5:94Listen in Qur'an →
95

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْتُلُوا۟ ٱلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌۭ ۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدًۭا فَجَزَآءٌۭ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدْلٍۢ مِّنكُمْ هَدْيًۢا بَٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّٰرَةٌۭ طَعَامُ مَسَٰكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًۭا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِۦ ۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌۭ ذُو ٱنتِقَامٍ

O you who have believed, do not kill game while you are in the state of ihram. And whoever of you kills it intentionally - the penalty is an equivalent from sacrificial animals to what he killed, as judged by two just men among you as an offering [to Allah] delivered to the Ka'bah, or an expiation: the feeding of needy people or the equivalent of that in fasting, that he may taste the consequence of his deed. Allah has pardoned what is past; but whoever returns [to violation], then Allah will take retribution from him. And Allah is Exalted in Might and Owner of Retribution.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ بِالصَّيْدِ قَوْلانِ، الأوَّلُ: أنَّهُ الَّذِي تَوَحَّشَ سَواءٌ كانَ مَأْكُولًا أوْ لَمْ يَكُنْ، فَعَلى هَذا، المُحْرِمُ إذا قَتَلَ سَبُعًا لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ضَمِنَ ولا يُجاوَزُ بِهِ قِيمَةَ شاةٍ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ، وقالَ

صفحة ٧٣

زُفَرُ: يَجِبُ بالِغًا ما بَلَغَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الصَّيْدَ هو ما يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، فَعَلى هَذا لا يَجِبُ الضَّمانُ البَتَّةَ في قَتْلِ السَّبُعِ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وسَلَّمَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ لا يَجِبُ الضَّمانُ في قَتْلِ الفَواسِقِ الخَمْسِ وفي قَتْلِ الذِّئْبِ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ القُرْآنُ والخَبَرُ، أمّا القُرْآنُ فَهو أنَّ الَّذِي يَحْرُمُ أكْلُهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ، فَوَجَبَ أنْ لا يُضْمَنَ، إنَّما قُلْنا إنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ لِأنَّ الصَّيْدَ ما يَحِلُّ أكْلُهُ لِقَوْلِهِ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ فَهَذا يَقْتَضِي حِلَّ صَيْدِ البَحْرِ بِالكُلِّيَّةِ وحِلَّ صَيْدِ البَرِّ خارِجَ وقْتِ الإحْرامِ، فَثَبَتَ أنَّ الصَّيْدَ ما يَحِلُّ أكْلُهُ والسَّبُعُ لا يَحِلُّ أكْلُهُ، فَوَجَبَ أنْ لا يَكُونَ صَيْدًا، وإذا ثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ وجَبَ أنْ لا يَكُونَ مَضْمُونًا، لِأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الضَّمانِ، تَرَكْنا العَمَلَ بِهِ في ضَمانِ الصَّيْدِ بِحُكْمِ هَذِهِ الآيَةِ، فَبَقِيَ فِيما لَيْسَ بِصَيْدٍ عَلى وفْقِ الأصْلِ، وأمّا الخَبَرُ فَهو الحَدِيثُ المَشْهُورُ وهو قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«خَمْسُ فَواسِقَ لا جُناحَ عَلى المُحْرِمِ أنْ يَقْتُلَهُنَّ في الحِلِّ والحَرَمِ: الغُرابُ والحِدَأةُ والحَيَّةُ والعَقْرَبُ والكَلْبُ العَقُورُ» “ وفي رِوايَةٍ أُخْرى: والسَّبُعُ الضّارِي، والِاسْتِدْلالُ بِهِ مِن وُجُوهٍ:

أحَدُها: أنَّ قَوْلَهُ: والسَّبُعُ الضّارِي، نَصٌّ في المَسْألَةِ.

وثانِيها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ وصَفَها بِكَوْنِها فَواسِقَ ثُمَّ حَكَمَ بِحِلِّ قَتْلِها، والحُكْمُ المَذْكُورُ عَقِيبَ الوَصْفِ المُناسِبِ مُشْعِرٌ بِكَوْنِ الحُكْمِ مُعَلَّلًا بِذَلِكَ الوَصْفِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كَوْنَها فَواسِقَ عِلَّةٌ لِحِلِّ قَتْلِها، ولا مَعْنى لِكَوْنِها فَواسِقَ إلّا كَوْنُها مُؤْذِيَةً، وصِفَةُ الإيذاءِ في السِّباعِ أقْوى فَوَجَبَ جَوازُ قَتْلِها.

وثالِثُها: أنَّ الشّارِعَ خَصَّها بِإباحَةِ القَتْلِ، وإنَّما خَصَّها بِهَذا الحُكْمِ لِاخْتِصاصِها بِمَزِيدِ الإيذاءِ، وصِفَةُ الإيذاءِ في السِّباعِ أتَمُّ، فَوَجَبَ القَوْلُ بِجَوازِ قَتْلِها، وإذا ثَبَتَ جَوازُ قَتْلِها وجَبَ أنْ لا تَكُونَ مَضْمُونَةً لِما بَيَّناهُ في الدَّلِيلِ الأوَّلِ.

حُجَّةُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: أنَّ السَّبُعَ صَيْدٌ فَيَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ وإنَّما قُلْنا إنَّهُ صَيْدٌ لِقَوْلِ الشّاعِرِ:

لَيْثٌ تَرَبّى رُبْيَةً فاصْطِيدا

ولِقَوْلِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ:

صَيْدُ المُلُوكِ أرانِبٌ وثَعالِبٌ ∗∗∗ وإذا رَكِبْتُ فَصَيْدِيَ الأبْطالُ

والجَوابُ: قَدْ بَيَّنّا بِدَلالَةِ الآيَةِ أنَّ ما يَحْرُمُ أكْلُهُ لَيْسَ بِصَيْدٍ، وذَلِكَ لا يُعارِضُهُ شِعْرُ مَجْهُولٍ، وأمّا شِعْرُ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ فَغَيْرُ وارِدٍ، لِأنَّ عِنْدَنا الثَّعْلَبَ حَلالٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (حُرُمٌ) جَمْعُ حَرامٍ، وفِيهِ ثَلاثَةُ …

Al-Maaida 5:95Listen in Qur'an →
96

أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَٰعًۭا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ۖ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًۭا ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

Lawful to you is game from the sea and its food as provision for you and the travelers, but forbidden to you is game from the land as long as you are in the state of ihram. And fear Allah to whom you will be gathered.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ بِالصَّيْدِ المَصِيدُ، وجُمْلَةُ ما يُصادُ مِنَ البَحْرِ ثَلاثَةُ أجْناسٍ: الحِيتانُ وجَمِيعُ أنْواعِها حَلالٌ، والضَّفادِعُ وجَمِيعُ أنْواعِها حَرامٌ، واخْتَلَفُوا فِيما سِوى هَذَيْنِ. فَقالَأبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: إنَّهُ حَرامٌ. وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى والأكْثَرُونَ: إنَّهُ حَلالٌ، وتَمَسَّكُوا فِيهِ بِعُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ، والمُرادُ بِالبَحْرِ جَمِيعُ المِياهِ والأنْهارِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى عَطَفَ طَعامَ البَحْرِ عَلى صَيْدِهِ والعَطْفُ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ وذَكَرُوا فِيهِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ وهو الأحْسَنُ: ما ذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أنَّ الصَّيْدَ ما صِيدَ بِالحِيلَةِ حالَ حَياتِهِ، والطَّعامُ ما يُوجَدُ مِمّا لَفَظَهُ البَحْرُ أوْ نَضَبَ عَنْهُ الماءُ مِن غَيْرِ مُعالَجَةٍ في أخْذِهِ، هَذا هو الأصَحُّ مِمّا قِيلَ في هَذا المَوْضِعِ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ صَيْدَ البَحْرِ هو الطَّرِيُّ، وأمّا طَعامُ البَحْرِ فَهو الَّذِي جُعِلَ مُمَلَّحًا؛ لِأنَّهُ لَمّا صارَ عَتِيقًا سَقَطَ اسْمُ الصَّيْدِ عَنْهُ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ ومُقاتِلٍ والنَّخَعِيِّ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ الَّذِي صارَ مالِحًا فَقَدْ كانَ طَرِيًّا وصَيْدًا في أوَّلِ الأمْرِ فَيَلْزَمُ التَّكْرارُ.

والثّالِثُ: أنَّ الِاصْطِيادَ قَدْ يَكُونُ لِلْأكْلِ وقَدْ يَكُونُ لِغَيْرِهِ مِثْلُ اصْطِيادِ الصَّدَفِ لِأجْلِ اللُّؤْلُؤِ، واصْطِيادِ بَعْضِ الحَيَواناتِ البَحْرِيَّةِ لِأجْلِ عِظامِها وأسْنانِها، فَقَدْ حَصَلَ التَّغايُرُ بَيْنَ الِاصْطِيادِ مِنَ البَحْرِ وبَيْنَ الأكْلِ مِن طَعامِ البَحْرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: السَّمَكَةُ الطّافِيَةُ في البَحْرِ مُحَلَّلَةٌ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: مُحَرَّمَةٌ، حُجَّةُ الشّافِعِيِّ القُرْآنُ والخَبَرُ، أمّا القُرْآنُ فَهو أنَّهُ يُمْكِنُ أكْلُهُ فَيَكُونُ طَعامًا فَوَجَبَ أنْ يَحِلَّ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ﴾ وأمّا الخَبَرُ فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في البَحْرِ: ”«هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ» “ .

صفحة ٨٢

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: (ولِلسَّيّارَةِ) يَعْنِي أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ لِلْمُقِيمِ والمُسافِرِ، فالطَّرِيُّ لِلْمُقِيمِ، والمالِحُ لِلْمُسافِرِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: في انْتِصابِ قَوْلِهِ: ﴿مَتاعًا لَكُمْ﴾ وجْهانِ:

الأوَّلُ: قالَ الزَّجّاجُ انْتَصَبَ لِكَوْنِهِ مَصْدَرًا مُؤَكِّدًا، إلّا أنَّهُ لَمّا قِيلَ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ كانَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ مُنْعَمٌ بِهِ، كَما أنَّهُ لَمّا قِيلَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ [النِّساءِ: ٢٣] كانَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ كَتَبَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، فَقالَ: كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكم.

الثّانِي: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: انْتَصَبَ لِكَوْنِهِ مَفْعُولًا لَهُ، أيْ أُحِلَّ لَكم تَمْتِيعًا لَكم.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ .

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ تَحْرِيمَ الصَّيْدِ عَلى المُحْرِمِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ، مِن قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ ومِن قَوْلِهِ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ …

Al-Maaida 5:96Listen in Qur'an →
97

۞ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَٰمًۭا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَٱلْهَدْىَ وَٱلْقَلَٰٓئِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ

Allah has made the Ka'bah, the Sacred House, standing for the people and [has sanctified] the sacred months and the sacrificial animals and the garlands [by which they are identified]. That is so you may know that Allah knows what is in the heavens and what is in the earth and that Allah is Knowing of all things.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ والشَّهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ﴾ .

اعْلَمْ أنَّ اتِّصالَ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها هو أنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ الِاصْطِيادَ عَلى المُحْرِمِ، فَبَيَّنَ أنَّ الحَرَمَ كَما أنَّهُ سَبَبٌ لِأمْنِ الوَحْشِ والطَّيْرِ، فَكَذَلِكَ هو سَبَبٌ لِأمْنِ النّاسِ عَنِ الآفاتِ والمُخافاتِ، وسَبَبٌ لِحُصُولِ الخَيْراتِ والسَّعاداتِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ عامِرٍ (قَيِّمًا) بِغَيْرِ ألِفٍ، ومَعْناهُ المُبالَغَةُ في كَوْنِهِ قائِمًا بِإصْلاحِ مُهِمّاتِ النّاسِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ [الأنْعامِ: ١٦١] والباقُونَ بِالألِفِ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا ذَلِكَ في سُورَةِ النِّساءِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: (جَعَلَ) فِيهِ قَوْلانِ، الأوَّلُ: أنَّهُ بَيَّنَ وحَكَمَ.

الثّانِي: أنَّهُ صَيَّرَ، فالأوَّلُ بِالأمْرِ والتَّعْرِيفِ.

والثّانِي بِخَلْقِ الدَّواعِي في قُلُوبِ النّاسِ لِتَعْظِيمِهِ والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: سُمِّيَتِ الكَعْبَةُ كَعْبَةً لِارْتِفاعِها، يُقالُ لِلْجارِيَةِ إذا نَتَأ ثَدْيُها وخَرَجَ: كاعِبٌ وكَعابٌ، وكَعْبُ الإنْسانِ يُسَمّى كَعْبًا لِنُتُوِّهِ مِنَ السّاقِ، فالكَعْبَةُ لَمّا ارْتَفَعَ ذِكْرُها في الدُّنْيا واشْتَهَرَ أمْرُها في العالَمِ سُمِّيَتْ بِهَذا الِاسْمِ، ولِذَلِكَ فَإنَّهم يَقُولُونَ لِمَن عَظُمَ أمْرُهُ: فُلانٌ عَلا كَعْبُهُ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قَوْلُهُ: ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾ أصْلُهُ (قِوامٌ) لِأنَّهُ مِن قامَ يَقُومُ، وهو ما يَسْتَقِيمُ بِهِ الأمْرُ ويَصْلُحُ، ثُمَّ ذَكَرُوا هاهُنا في كَوْنِ الكَعْبَةِ سَبَبًا لِقِوامِ مَصالِحِ النّاسِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّ أهْلَ مَكَّةَ كانُوا مُحْتاجِينَ إلى حُضُورِ أهْلِ الآفاقِ عِنْدَهم لِيَشْتَرُوا مِنهم ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ طُولَ السَّنَةِ، فَإنَّ مَكَّةَ بَلْدَةٌ ضَيِّقَةٌ لا ضَرْعَ فِيها ولا زَرْعَ، وقَلَّما يُوجَدُ فِيها ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ، فاللَّهُ تَعالى جَعَلَ الكَعْبَةَ مُعَظَّمَةً في القُلُوبِ حَتّى صارَ أهْلُ الدُّنْيا راغِبِينَ في زِيارَتِها، فَيُسافِرُونَ إلَيْها مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِأجْلِ التِّجارَةِ ويَأْتُونَ بِجَمِيعِ المَطالِبِ والمُشْتَهَياتِ، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإسْباغِ النِّعَمِ عَلى أهْلِ مَكَّةَ.

الثّانِي: أنَّ العَرَبَ كانُوا يَتَقاتَلُونَ ويُغِيرُونَ إلّا في الحَرَمِ، فَكانَ أهْلُ الحَرَمِ آمِنِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ وعَلى أمْوالِهِمْ حَتّى لَوْ لَقِيَ الرَّجُلُ قاتِلَ أبِيهِ أوِ ابْنِهِ في الحَرَمِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ، ولَوْ جَنى الرَّجُلُ أعْظَمَ الجِناياتِ ثُمَّ التَجَأ إلى الحَرَمِ لَمْ يُتَعَرَّضْ لَهُ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنّا جَعَلْنا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ﴾ [العَنْكَبُوتِ: ٦٧] الثّالِثُ: أنَّ أهْلَ مَكَّةَ صارُوا بِسَبَبِ الكَعْبَةِ أهْلَ اللَّهِ وخاصَّتَهُ وسادَةَ الخَلْقِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وكُلُّ أحَدٍ يَتَقَرَّبُ إلَيْهِمْ ويُعَظِّمُهم.

الرّابِعُ: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ الكَعْبَةَ قِوامًا لِلنّاسِ في دِينِهِمْ بِسَبَبِ ما جَعَلَ فِيها مِنَ المَناسِكِ العَظِيمَةِ والطّاعاتِ الشَّرِيفَةِ، وجَعَلَ تِلْكَ المَناسِكَ سَبَبًا لِحَطِّ الخَطِيئاتِ ورَفْعِ الدَّرَجاتِ وكَثْرَةِ الكَراماتِ.

صفحة ٨٤

واعْلَمْ أنَّهُ لا يَبْعُدُ حَمْلُ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الوُجُوهِ، وذَلِكَ لِأنَّ قِوامَ المَعِيشَةِ إمّا بِكَثْرَةِ المَنافِعِ وهو الوَجْهُ الأوَّلُ الَّذِي ذَكَرْناهُ، وإمّا بِدَفْعِ …

Al-Maaida 5:97Listen in Qur'an →
98

ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Know that Allah is severe in penalty and that Allah is Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى أنْواعَ رَحْمَتِهِ بِعِبادِهِ ذَكَرَ بَعْدَهُ أنَّهُ شَدِيدُ العِقابِ؛ لِأنَّ الإيمانَ لا يَتِمُّ إلّا بِالرَّجاءِ والخَوْفِ، كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”«لَوْ وُزِنَ خَوْفُ المُؤْمِنِ ورَجاؤُهُ لاعْتَدَلا» “ ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ ما يَدُلُّ عَلى الرَّحْمَةِ، وهو كَوْنُهُ غَفُورًا رَحِيمًا، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ جانِبَ الرَّحْمَةِ أغْلَبُ؛ لِأنَّهُ تَعالى ذَكَرَ فِيما قَبْلُ أنْواعَ رَحْمَتِهِ وكَرَمِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ شَدِيدُ العِقابِ ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ وصْفَيْنِ مِن أوْصافِ الرَّحْمَةِ وهو كَوْنُهُ غَفُورًا رَحِيمًا، وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى دَقِيقَةٍ وهي أنَّ ابْتِداءَ الخَلْقِ والإيجادِ كانَ لِأجْلِ الرَّحْمَةِ، والظّاهِرُ أنَّ الخَتْمَ لا يَكُونُ إلّا عَلى الرَّحْمَةِ.

Al-Maaida 5:98Listen in Qur'an →
99

مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَٰغُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ

Not upon the Messenger is [responsibility] except [for] notification. And Allah knows whatever you reveal and whatever you conceal.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَّمَ التَّرْهِيبَ والتَّرْغِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أتْبَعَهُ بِالتَّكْلِيفِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ يَعْنِي أنَّهُ كانَ مُكَلَّفًا بِالتَّبْلِيغِ فَلَمّا بَلَّغَ خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ وبَقِيَ الأمْرُ مِن جانِبِكم وأنا عالِمٌ بِما تُبْدُونَ

صفحة ٨٦

وبِما تَكْتُمُونَ، فَإنْ خالَفْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ، وإنْ أطَعْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا زَجَرَ عَنِ المَعْصِيَةِ ورَغَّبَ في الطّاعَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالتَّكْلِيفِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالتَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ والتَّنْفِيرِ عَنِ المَعْصِيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ أتْبَعَهُ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ التَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ والتَّنْفِيرِ عَنِ المَعْصِيَةِ فَقالَ: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ قِسْمانِ، أحَدُهُما: الَّذِي يَكُونُ جُسْمانِيًّا، وهو ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ.

والثّانِي: الَّذِي يَكُونُ رُوحانِيًّا، وأخْبَثُ الخَبائِثِ الرُّوحانِيَّةِ الجَهْلُ والمَعْصِيَةُ، وأطْيَبُ الطَّيِّباتِ الرُّوحانِيَّةِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى وطاعَةُ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّ الجِسْمَ الَّذِي يَلْتَصِقُ بِهِ شَيْءٌ مِنَ النَّجاساتِ يَصِيرُ مُسْتَقْذَرًا عِنْدَ أرْبابِ الطِّباعِ السَّلِيمَةِ، فَكَذَلِكَ الأرْواحُ المَوْصُوفَةُ بِالجَهْلِ بِاللَّهِ والإعْراضِ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى تَصِيرُ مُسْتَقْذَرَةً عِنْدَ الأرْواحِ الكامِلَةِ المُقَدَّسَةِ.

وأمّا الأرْواحُ العارِفَةُ بِاللَّهِ تَعالى المُواظِبَةُ عَلى خِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّها تَصِيرُ مُشْرِقَةً بِأنْوارِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، مُبْتَهِجَةً بِالقُرْبِ مِنَ الأرْواحِ المُقَدَّسَةِ الطّاهِرَةِ، وكَما أنَّ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ في عالَمِ الجُسْمانِيّاتِ لا يَسْتَوِيانِ، فَكَذَلِكَ في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ لا يَسْتَوِيانِ، بَلِ المُبايَنَةُ بَيْنَهُما في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ أشَدُّ؛ لِأنَّ مَضَرَّةَ خُبْثِ الخَبِيثِ الجُسْمانِيِّ شَيْءٌ قَلِيلٌ، ومَنفَعَتَهُ طَيِّبَةٌ مُخْتَصَرَةٌ، وأمّا خُبْثُ الخَبِيثِ الرُّوحانِيِّ فَمَضَرَّتُهُ عَظِيمَةٌ دائِمَةٌ أبَدِيَّةٌ، وطَيِّبُ الطَّيِّبِ الرُّوحانِيِّ فَمَنفَعَتُهُ عَظِيمَةٌ دائِمَةٌ أبَدِيَّةٌ، وهو القُرْبُ مِن جِوارِ رَبِّ العالَمِينَ، والِانْخِراطُ في زُمْرَةِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، والمُرافَقَةُ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ، فَكانَ هَذا مِن أعْظَمِ وُجُوهِ التَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ والتَّنْفِيرِ عَنِ المَعْصِيَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ يَعْنِي أنَّ الَّذِي يَكُونُ خَبِيثًا في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ قَدْ يَكُونُ طَيِّبًا في عالَمِ الجُسْمانِيّاتِ، ويَكُونُ كَثِيرَ المِقْدارِ، وعَظِيمَ اللَّذَّةِ، إلّا أنَّهُ مَعَ كَثْرَةِ مِقْدارِهِ ولَذاذَةِ مُتَناوَلِهِ وقُرْبِ وِجْدانِهِ، سَبَبٌ لِلْحِرْمانِ مِنَ السَّعاداتِ الباقِيَةِ الأبَدِيَّةِ السَّرْمَدِيَّةِ، الَّتِي إلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الكَهْفِ: ٤٦] …

Al-Maaida 5:99Listen in Qur'an →
100

قُل لَّا يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ ۚ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

Say, "Not equal are the evil and the good, although the abundance of evil might impress you." So fear Allah, O you of understanding, that you may be successful.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا قَدَّمَ التَّرْهِيبَ والتَّرْغِيبَ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أتْبَعَهُ بِالتَّكْلِيفِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ يَعْنِي أنَّهُ كانَ مُكَلَّفًا بِالتَّبْلِيغِ فَلَمّا بَلَّغَ خَرَجَ عَنِ العُهْدَةِ وبَقِيَ الأمْرُ مِن جانِبِكم وأنا عالِمٌ بِما تُبْدُونَ

صفحة ٨٦

وبِما تَكْتُمُونَ، فَإنْ خالَفْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ، وإنْ أطَعْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا زَجَرَ عَنِ المَعْصِيَةِ ورَغَّبَ في الطّاعَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالتَّكْلِيفِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾ ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالتَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ والتَّنْفِيرِ عَنِ المَعْصِيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكْتُمُونَ﴾ أتْبَعَهُ بِنَوْعٍ آخَرَ مِنَ التَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ والتَّنْفِيرِ عَنِ المَعْصِيَةِ فَقالَ: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ قِسْمانِ، أحَدُهُما: الَّذِي يَكُونُ جُسْمانِيًّا، وهو ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ.

والثّانِي: الَّذِي يَكُونُ رُوحانِيًّا، وأخْبَثُ الخَبائِثِ الرُّوحانِيَّةِ الجَهْلُ والمَعْصِيَةُ، وأطْيَبُ الطَّيِّباتِ الرُّوحانِيَّةِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعالى وطاعَةُ اللَّهِ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّ الجِسْمَ الَّذِي يَلْتَصِقُ بِهِ شَيْءٌ مِنَ النَّجاساتِ يَصِيرُ مُسْتَقْذَرًا عِنْدَ أرْبابِ الطِّباعِ السَّلِيمَةِ، فَكَذَلِكَ الأرْواحُ المَوْصُوفَةُ بِالجَهْلِ بِاللَّهِ والإعْراضِ عَنْ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى تَصِيرُ مُسْتَقْذَرَةً عِنْدَ الأرْواحِ الكامِلَةِ المُقَدَّسَةِ.

وأمّا الأرْواحُ العارِفَةُ بِاللَّهِ تَعالى المُواظِبَةُ عَلى خِدْمَةِ اللَّهِ تَعالى، فَإنَّها تَصِيرُ مُشْرِقَةً بِأنْوارِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، مُبْتَهِجَةً بِالقُرْبِ مِنَ الأرْواحِ المُقَدَّسَةِ الطّاهِرَةِ، وكَما أنَّ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ في عالَمِ الجُسْمانِيّاتِ لا يَسْتَوِيانِ، فَكَذَلِكَ في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ لا يَسْتَوِيانِ، بَلِ المُبايَنَةُ بَيْنَهُما في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ أشَدُّ؛ لِأنَّ مَضَرَّةَ خُبْثِ الخَبِيثِ الجُسْمانِيِّ شَيْءٌ قَلِيلٌ، ومَنفَعَتَهُ طَيِّبَةٌ مُخْتَصَرَةٌ، وأمّا خُبْثُ الخَبِيثِ الرُّوحانِيِّ فَمَضَرَّتُهُ عَظِيمَةٌ دائِمَةٌ أبَدِيَّةٌ، وطَيِّبُ الطَّيِّبِ الرُّوحانِيِّ فَمَنفَعَتُهُ عَظِيمَةٌ دائِمَةٌ أبَدِيَّةٌ، وهو القُرْبُ مِن جِوارِ رَبِّ العالَمِينَ، والِانْخِراطُ في زُمْرَةِ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، والمُرافَقَةُ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ، فَكانَ هَذا مِن أعْظَمِ وُجُوهِ التَّرْغِيبِ في الطّاعَةِ والتَّنْفِيرِ عَنِ المَعْصِيَةِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ يَعْنِي أنَّ الَّذِي يَكُونُ خَبِيثًا في عالَمِ الرُّوحانِيّاتِ قَدْ يَكُونُ طَيِّبًا في عالَمِ الجُسْمانِيّاتِ، ويَكُونُ كَثِيرَ المِقْدارِ، وعَظِيمَ اللَّذَّةِ، إلّا أنَّهُ مَعَ كَثْرَةِ مِقْدارِهِ ولَذاذَةِ مُتَناوَلِهِ وقُرْبِ وِجْدانِهِ، سَبَبٌ لِلْحِرْمانِ مِنَ السَّعاداتِ الباقِيَةِ الأبَدِيَّةِ السَّرْمَدِيَّةِ، الَّتِي إلَيْها الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الكَهْفِ: ٤٦] …

Al-Maaida 5:100Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.