Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i

Ayahs 91–100 of 120

91

إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةَ وَٱلْبَغْضَآءَ فِى ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ

Satan only wants to cause between you animosity and hatred through intoxicants and gambling and to avert you from the remembrance of Allah and from prayer. So will you not desist?

ولَمّا كانَتْ حِكْمَةُ النَّهْيِ عَنِ الأنْصابِ والأزْلامِ قَدْ تَقَدَّمَتْ في أوَّلِ السُّورَةِ؛ وهي أنَّها فِسْقٌ؛ اقْتَصَرَ عَلى بَيانِ عِلَّةِ النَّهْيِ عَنِ الخَمْرِ؛ والمَيْسِرِ؛ إعْلامًا بِأنَّهُما المَقْصُودانِ بِالذّاتِ؛ وإنْ كانَ الآخَرانِ ما ضُمّا إلّا لِتَأْكِيدِ تَحْرِيمِ هَذَيْنِ - كَما تَقَدَّمَ -؛ لِأنَّ المُخاطَبَ أهْلُ الإيمانِ؛ وقَدْ كانُوا مُجْتَنِبِينَ لِذَيْنِكَ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا لِأنَّ الإقْلاعَ عَمّا حَصَلَ التَّمادِي في المُرُونِ عَلَيْهِ يَحْتاجُ إلى مِثْلِ ذَلِكَ -: ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ﴾؛ أيْ: بِتَزْيِينِ الشُّرْبِ؛ والقِمارِ لَكُمْ؛ ﴿أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ﴾ .

ولَمّا كانَتِ العَداوَةُ قَدْ تَزُولُ أسْبابُها؛ ذَكَرَ ما يَنْشَأُ عَنْها؛ مِمّا إذا اسْتَحْكَمَ تَعَسَّرَ؛ أوْ تَعَذَّرَ زَوالُهُ؛ فَقالَ: ﴿والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾؛ أيْ: تَعاطِيهِما؛ لِأنَّ الخَمْرَ تُزِيلُ العَقْلَ؛ فَيَزُولُ المانِعُ مِن إظْهارِ الكامِنِ مِنَ الضَّغائِنِ؛ والمُناقَشَةِ؛ والمُحاسَدَةِ؛ فَرُبَّما أدّى ذَلِكَ إلى حُرُوبٍ طَوِيلَةٍ؛ وأُمُورٍ مَهُولَةٍ؛ والمَيْسِرُ يُذْهِبُ المالَ؛ فَيُوجِبُ ذَلِكَ الإحْنَةَ عَلى مَن سَلَبَهُ مالَهُ؛ ونَغَّصَ عَلَيْهِ أحْوالَهُ.

ولَمّا ذَكَرَ ضَرَرَهُما في الدُّنْيا؛ ذَكَرَ ضَرَرَهُما في الدِّينِ؛ فَقالَ: ﴿ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي لا إلَهَ لَكم غَيْرُهُ؛ ولا كُفُؤَ لَهُ؛ وكَرَّرَ الجارَّ؛ تَأْكِيدًا لِلْأمْرِ؛ وتَغْلِيظًا في التَّحْذِيرِ؛ فَقالَ: ﴿وعَنِ الصَّلاةِ﴾؛ أمّا في الخَمْرِ فَواضِحٌ؛ وأمّا في المَيْسِرِ فَلِأنَّ الفائِزَ يَنْسى بِبَطَرِ الغَلَبَةِ؛ والخائِبَ مَغْمُورٌ بِهَمِّهِ؛ وأعْظَمَ التَّهْدِيدَ بِالِاسْتِفْهامِ؛ والجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الثَّباتِ بَعْدَ التَّأْكِيدِ بِالحَصْرِ؛ والضَّمِّ إلى فِعْلِ الجاهِلِيَّةِ؛ وبَيانِ الحِكَمِ الدّاعِيَةِ إلى التَّرْكِ؛ والشُّرُورِ المُنَفِّرَةِ عَنِ الفِعْلِ؛ فَقالَ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾؛ أيْ: قَبْلَ أنْ يَقَعَ بِكم ما لا تُطِيقُونَ.

Al-Maaida 5:91Listen in Qur'an →
92

وَأَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَٱحْذَرُوا۟ ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلْبَلَٰغُ ٱلْمُبِينُ

And obey Allah and obey the Messenger and beware. And if you turn away - then know that upon Our Messenger is only [the responsibility for] clear notification.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَأْلُوفًا لَهُمْ؛ مَحْبُوبًا عِنْدَهُمْ؛ وكانَ تَرْكُ المَأْلُوفِ أمَرَّ مِن ضَرْبِ السُّيُوفِ؛ أكَّدَ دَعْوَتَهم إلى اجْتِنابِهِ؛ مُحَذِّرًا مِنَ المُخالَفَةِ؛ بِقَوْلِهِ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فانْتَهُوا“ -: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْلى؛ الَّذِي لا شَرِيكَ لَهُ؛ ولا أمْرَ لِأحَدٍ سِواهُ؛ أيْ: فِيما أمَرَكم بِهِ مِنَ اجْتِنابِ ذَلِكَ؛ وأكَّدَ الأمْرَ بِإعادَةِ العامِلِ؛ فَقالَ: ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾؛ أيْ: الكامِلَ في الرُّسُلِيَّةِ؛ في ذَلِكَ؛ وزادَ في التَّخْوِيفِ بِقَوْلِهِ: ﴿واحْذَرُوا﴾؛ أيْ: مِنَ المُخالَفَةِ؛ ثُمَّ بَلَغَ الغايَةَ في ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾؛ أيْ: بِالإقْبالِ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ وأشارَ بِصِيغَةِ ”التَّفَعُّلِ“ إلى أنَّ ذَلِكَ إنَّما يَعْمَلُ بِمُعالَجَةٍ مِنَ النَّفْسِ لِلْفِطْرَةِ الأُولى؛ وعَظَّمَ الشَّأْنَ في ابْتِداءِ الجَزاءِ بِالتَّنْبِيهِ بِالأمْرِ بِالعِلْمِ؛ فَقالَ: ﴿فاعْلَمُوا﴾؛ أنَّكم لَمْ تَضُرُّوا إلّا أنْفُسَكُمْ؛ لِأنَّ الحُجَّةَ قَدْ قامَتْ عَلَيْكُمْ؛ ولَمْ يَبْقَ عَلى الرَّسُولِ شَيْءٌ؛ لِأنَّكم عَلِمْتُمْ ﴿أنَّما عَلى رَسُولِنا﴾؛ أيْ: البالِغِ في العَظَمَةِ مِقْدارًا يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ؛ بِإضافَتِهِ إلَيْنا؛ ﴿البَلاغُ المُبِينُ﴾؛ أيْ: البَيِّنُ في نَفْسِهِ؛ المُوَضِّحُ لِكُلِّ مَن سَمِعَهُ ما يُرادُ مِنهُ؛ لا غَيْرَهُ؛ فَمَن خالَفَ فَلْيَنْظُرْ ما يَأْتِيهِ مِنَ البَلاءِ مِن قِبَلِنا؛ وهَذا ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿بَلِّغْ ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما عَلَيْهِ إلّا ما تَقَدَّمَ مِن إلْزامِنا لَهُ بِهِ مِنَ البَلاغِ؛ فَمَنِ اخْتارَ لِنَفْسِهِ المُخالَفَةَ كَفَرَ؛ واللَّهُ لا يَهْدِي مَن كانَ مُخْتارًا لِنَفْسِهِ الكُفْرَ.

Al-Maaida 5:92Listen in Qur'an →
93

لَيْسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جُنَاحٌۭ فِيمَا طَعِمُوٓا۟ إِذَا مَا ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّأَحْسَنُوا۟ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ

There is not upon those who believe and do righteousness [any] blame concerning what they have eaten [in the past] if they [now] fear Allah and believe and do righteous deeds, and then fear Allah and believe, and then fear Allah and do good; and Allah loves the doers of good.

ولَمّا كانُوا قَدْ سَألُوا عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ عَمّا مِن شَأْنِ الأنْفُسِ الصّالِحَةِ؛ النّاظِرَةِ لِلْوَرِعِ؛ المُتَحَرَّكِ لِلسُّؤالِ عَنْهُ؛ وهو مَن ماتَ مِنهم وهو يَفْعَلُهُما؛ قالَ - جَوابًا لِذَلِكَ السُّؤالِ -: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا﴾؛ أيْ: تَصْدِيقًا لِإيمانِهِمْ؛ ﴿الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾؛ فَبَيَّنَ - سُبْحانَهُ - أنَّ هَذا السُّؤالَ غَيْرُ وارِدٍ؛ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُنِعُوا مِنهُما؛ وكانُوا مُؤْمِنِينَ؛ عامِلِينَ لِلصّالِحاتِ؛ مُتَّقِينَ لِما يُسْخِطُ الرَّبَّ مِنَ المُحَرَّماتِ؛ وقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فِيما رَواهُ الإمامُ أحْمَدُ؛ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ ثَلاثَ مَرّاتٍ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ؛ ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ؛ فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى) عَلى نَبِيِّهِ ﷺ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩]؛ فَقالَ النّاسُ: لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْنا؛ إنَّما قالَ: إنَّ فِيهِما إثْمًا؛ وكانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ حَتّى إذا كانَ يَوْمٌ مِنَ الأيّامِ صَلّى رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ المَغْرِبَ؛ فَخَلَطَ في قِراءَتِهِ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣]؛ فَكانُوا يَشْرَبُونَها حَتّى يَأْتِيَ أحَدُهُمُ الصَّلاةَ وهو مُفِيقٌ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ﴾ [المائدة: ٩٠]؛ فَقالُوا: انْتَهَيْنا يا رَبُّ؛ وقالَ النّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ؛ ناسٌ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ؛ أوْ ماتُوا عَلى فُرُشِهِمْ؛ كانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ؛ ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ؛ وقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ رِجْسًا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾؛ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”لَوْ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ لَتَرَكُوها كَما تَرَكْتُمْ“؛» ولا يَضُرُّ كَوْنُهُ مِن رِوايَةِ أبِي مَعْشَرٍ وهو ضَعِيفٌ؛ لِأنَّهُ مُوافِقٌ لِقَواعِدِ الدِّينِ؛ ورَوى الشَّيْخانِ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ - قالَ: كُنْتُ ساقِيَ القَوْمِ يَوْمَ حُرِّمَتِ الخَمْرُ في بَيْتِ أبِي طَلْحَةَ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهُ -؛ وما شَرابُهم إلّا الفَضِيخُ: البُسْرُ؛ والتَّمْرُ؛ وإذا مُنادٍ يُنادِي: ألا إنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ؛ فَقالَ لِي أبُو طَلْحَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: اخْرُجْ فاهْرِقْها؛ فَهَرَقْتُها؛ فَقالَ بَعْضُ القَوْمِ: قَدْ قُتِلَ فُلانٌ وفُلانٌ وهي في بُطُونِهِمْ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾ عَلى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَرِدْ هَذا السَّبَبُ كانَتِ المُناسَبَةُ حاصِلَةً؛ وذَلِكَ أنَّهُ (تَعالى) لَمّا أباحَ الطَّيِّبَ مِنَ المَأْكَلِ؛ وحَرَّمَ الخَبِيثَ مِنَ المَشْرَبِ؛ نَفى الجُناحَ عَمَّنْ يَأْكُلُ ما أذِنَ فِيهِ؛ أوْ يَشْرَبُ عَدا ما حَرَّمَهُ؛ فَأتى بِعِبارَةٍ تَعُمُّ المَأْكَلَ والمَشْرَبَ؛ فَقالَ: ﴿فِيما طَعِمُوا﴾؛ أيْ: مَأْكَلًا كانَ؛ أوْ مَشْرَبًا؛ وشَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِالتَّقْوى؛ لِيُخْرِجَ المُحَرَّماتِ؛ فَقالَ: ﴿إذا ما اتَّقَوْا﴾؛ أيْ: أوْقَعُوا جَمِيعَ التَّقْوى الَّتِي تُطْلَبُ مِنهُمْ؛ فَلَمْ يَطْعَمُوا مُحَرَّمًا.

ولَمّا بَدَأ بِالتَّقْوى؛ وهي خَوْفُ اللَّهِ؛ الحامِلُ عَلى البُعْدِ عَنِ المُحَرَّماتِ؛ ذَكَرَ أساسَها الَّذِي لا تُقْبَلُ إلّا بِهِ؛ فَقالَ: ﴿وآمَنُوا﴾ ولَمّا ذَكَرَ الإقْرارَ بِاللِّسانِ؛ ذَكَرَ مِصْداقَهُ؛ فَقالَ: ﴿وعَمِلُوا﴾؛ أيْ: بِما …

Al-Maaida 5:93Listen in Qur'an →
94

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَيَبْلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَىْءٍۢ مِّنَ ٱلصَّيْدِ تَنَالُهُۥٓ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلْغَيْبِ ۚ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٌۭ

O you who have believed, Allah will surely test you through something of the game that your hands and spears [can] reach, that Allah may make evident those who fear Him unseen. And whoever transgresses after that - for him is a painful punishment.

ولَمّا ذَكَرَ ما حُرِّمَ مِنَ الطَّعامِ في كُلِّ حالٍ؛ وكانَ الصَّيْدُ مِمَّنْ حُرِّمَ في بَعْضِ الأوْقاتِ؛ وكانَ مِن أمْثَلِ مَطْعُوماتِهِمْ؛ وكانَ قَدْ ذَكَرَ لَهم بَعْضَ أحْكامِهِ؛ عَقِبَ قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ [المائدة: ١]؛ و﴿أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ [المائدة: ٥]؛ أخَذَ هُنا في ذِكْرِ شَيْءٍ مِن أحْكامِهِ؛ وابْتَدَأها - لِأنَّهم خافُوا عَلى مَن ماتَ مِنهم عَلى شُرْبِ الخَمْرِ قَبْلَ تَحْرِيمِها بِأنَّهُ يَبْتَلِيهِمْ لِتَمْيِيزِ الوَرِعِ مِنهم مِن غَيْرِهِ - بِالصَّيْدِ في الحالِ الَّتِي حَرَّمَهُ عَلَيْهِمْ فِيها؛ كَما بَنِي إسْرائِيلَ في السَّبْتِ؛ فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِجَعْلِهِمْ قِرَدَةً؛ ومَنَّ - سُبْحانَهُ - عَلى الصَّحابَةِ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ بِالعِصْمَةِ عِنْدَ بَلْواهُمْ؛ بَيانًا لِفَضْلِهِمْ عَلى مَن سِواهُمْ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُنادِيًا لَهم بِما يَكُفُّهم ذِكْرُهُ عَنِ المُخالَفَةِ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ أيْ: أوْقَعُوا الإيمانَ؛ ولَوْ عَلى أدْنى وُجُوهِهِ؛ فَعَمَّ بِذَلِكَ العالِيَ والدّانِيَ؛ ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: يُعامِلُكم مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ في قَبُولِكم تَحْرِيمَ الخَمْرِ؛ وغَيْرِهِ؛ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ وذَكَرَ الِاسْمَ الأعْظَمَ؛ إشارَةً؛ بِالتَّذْكِيرِ بِما لَهُ مِنَ الجَلالِ؛ إلى أنَّ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ما يَشاءُ؛ وأشارَ إلى تَحْقِيرِ البَلْوى؛ تَسْكِينًا لِلنُّفُوسِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾؛ أيْ: الصَّيْدِ في البَرِّ في الإحْرامِ؛ وهو مُلْتَفِتٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٦٠]؛ وشارِحٌ لِما ذَكَرَ أوَّلَ السُّورَةِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١]؛ وما ذَكَرَ بَعْدَ المُحَرَّماتِ؛ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]

؛ ووَصَفَ المُبْتَلى بِهِ بِوَصْفٍ هو مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ؛ فَقالَ: ﴿تَنالُهُ أيْدِيكُمْ﴾؛ أيْ: إنْ أرَدْتُمْ أخْذَهُ سالِمًا؛ ﴿ورِماحُكُمْ﴾؛ إنْ أرَدْتُمْ قَتْلَهُ؛ ثُمَّ ذَكَرَ المُرادَ مِن ذَلِكَ؛ وهو إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى ما يَتَعارَفُهُ العِبادُ بَيْنَهُمْ؛ فَقالَ: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: وهو الغَنِيُّ عَنْ ذَلِكَ؛ بِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ الَّتِي لا خَفاءَ بِها عِنْدَ أحَدٍ يَعْلَمُ هَذا الِاسْمَ الأعْظَمَ؛ ﴿مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ﴾؛ أيْ: بِما حَجَبَ بِهِ مِن هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا؛ الَّتِي حَجَبَتْهم عَنْ أنْ يَعْرِفُوهُ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ - سُبْحانَهُ -؛ والمَعْنى أنَّهُ يَخْرُجُ بِالِامْتِحانِ ما كانَ مِن أفْعالِ العِبادِ في عالَمِ الغَيْبِ؛ إلى عالَمِ الشَّهادَةِ؛ فَيَصِيرُ تَعَلُّقُ العِلْمِ بِهِ تَعَلُّقًا شُهُودِيًّا؛ كَما كانَ تَعَلُّقًا غَيْبِيًّا؛ لِتَقُومَ بِذَلِكَ الحُجَّةُ عَلى الفاعِلِ؛ في مَجارِي عاداتِهِمْ؛ ويَزْدادَ مَن لَهُ اطِّلاعٌ عَلى اللَّوْحِ المَحْفُوظِ مِنَ المَلائِكَةِ إيمانًا؛ ويَقِينًا؛ وعِرْفانًا؛ وقَدْ حَقَّقَ - سُبْحانَهُ - مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ؛ فابْتَلاهم بِذَلِكَ عامَ الحُدَيْبِيَةِ؛ حَتّى كانَ يَغْشاهُمُ الصَّيْدُ في رِحالِهِمْ؛ ويُمْكِنُهم أخْذُهُ بِأيْدِيهِمْ؛ ولَمّا كانَ هَذا زاجِرًا في العادَةِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِما وقَعَتِ البَلْوى بِهِ؛ وحاسِمًا لِلطَّمَعِ فِيهِ؛ بِمَنِ اتَّسَمَ بِما جَعَلَ مَحَطَّ النِّداءِ مِنَ الإيمانِ؛ سَبَّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى﴾؛ أيْ: كَلَّفَ نَفْسَهُ مُجاوَزَةَ الحَدِّ في التَّعَرُّضِ لَهُ؛ ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ؛ خَصَّ الوَعِيدَ بِمَنِ اسْتَغْرَقَ …

Al-Maaida 5:94Listen in Qur'an →
95

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْتُلُوا۟ ٱلصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌۭ ۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدًۭا فَجَزَآءٌۭ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدْلٍۢ مِّنكُمْ هَدْيًۢا بَٰلِغَ ٱلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّٰرَةٌۭ طَعَامُ مَسَٰكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَٰلِكَ صِيَامًۭا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِۦ ۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَ ۚ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنْهُ ۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌۭ ذُو ٱنتِقَامٍ

O you who have believed, do not kill game while you are in the state of ihram. And whoever of you kills it intentionally - the penalty is an equivalent from sacrificial animals to what he killed, as judged by two just men among you as an offering [to Allah] delivered to the Ka'bah, or an expiation: the feeding of needy people or the equivalent of that in fasting, that he may taste the consequence of his deed. Allah has pardoned what is past; but whoever returns [to violation], then Allah will take retribution from him. And Allah is Exalted in Might and Owner of Retribution.

ولَمّا أخْبَرَهم بِالِابْتِلاءِ؛ صَرَّحَ لَهم بِما لَوَّحَ إلَيْهِ؛ بِذِكْرِ المَخافَةِ مِن تَحْرِيمِ التَّعَرُّضِ لِما ابْتَلاهم بِهِ؛ فَقالَ - مُنَوِّهًا بِالوَصْفِ النّاهِي عَنِ الِاعْتِداءِ -: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ وذَكَرَ القَتْلَ؛ الَّذِي هو أعَمُّ مِنَ الذَّبْحِ؛ إشارَةً إلى أنَّ الصَّيْدَ - لِما عِنْدَهُ مِنَ النَّفْرَةِ المانِعَةِ مِنَ التَّمَكُّنِ مِن ذَبْحِهِ - يُحْبَسُ بِأيِّ وجْهٍ كانَ مِن أنْواعِ القَتْلِ؛ فَقالَ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾؛ أيْ: لا تَصْطادُوا ما يَحِلُّ أكْلُهُ مِنَ الوَحْشِ؛ وأمّا غَيْرُ المَأْكُولِ فَيَحِلُّ قَتْلُهُ؛ فَإنَّهُ لا حَظَّ لِلنَّفْسِ في قَتْلِهِ إلّا الإراحَةُ مِن أذاهُ المُرادِ بِالفِسْقِ في قَوْلِهِ ﷺ: «”خَمْسٌ في الدَّوابِّ فَواسِقُ؛ لا جُناحَ عَلى مَن قَتَلَها في حِلٍّ ولا حَرَمٍ“؛ وذَكَرَ مِنهُنَّ السَّبُعَ العادِيَ؛» فَدَلَّ الحُكْمُ بِرَفْعِ الجُناحِ عَقِبَ الوَصْفِ بِالفِسْقِ عَلى أنَّهُ عِلَّةُ الإباحَةِ؛ ولا مَعْنى لِفِسْقِها إلّا أذاها؛ ﴿وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾؛ أيْ: مَحْرُومُونَ؛ أوْ في الحَرَمِ.

ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - عالِمًا بِأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يُوافِقَ مُوافِقٌ؛ تَبَعًا لِأمْرِهِ؛ ويُخالِفَ مُخالِفٌ؛ مُوافَقَةً لِمُرادِهِ؛ شَرَعَ لِمَن خالَفَ كَفارَّةً؛ تَخْفِيفًا مِنهُ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ؛ ورَفْعًا لِما كانَ عَلى مَن كانَ مِن قَبْلِها مِنَ الآصارِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَمَنِ انْتَهى فَلَهُ عِنْدَ رَبِّهِ أجْرٌ عَظِيمٌ -: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾؛ أيْ: قاصِدًا لِلصَّيْدِ؛ ذاكِرًا لِلْإحْرامِ؛ إنْ كانَ مُحْرِمًا؛ والحَرَمِ؛ إنْ كانَ فِيهِ؛ عالِمًا بِالتَّحْرِيمِ؛ ولَمّا كانَ هَذا الفِعْلُ العَمْدُ مُوجِبًا لِلْإثْمِ؛ والجَزاءِ؛ ومَتى اخْتَلَّ وصْفٌ مِنهُ كانَ خَطَأً مُوجِبًا لِلْجَزاءِ فَقَطْ؛ وكانَ - سُبْحانَهُ - قَدْ عَفا عَنِ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّـهُ عَنْهم - العَمْدَ الَّذِي كانَ سَبَبًا لِنُزُولِ الآيَةِ؛ كَما في آخِرِها؛ لَمْ يَذْكُرْهُ؛ واقْتَصَرَ عَلى ذِكْرِ الجَزاءِ فَقالَ: ﴿فَجَزاءُ﴾؛ أيْ: فَمُكافَأةُ؛ ﴿مِثْلُ ما قَتَلَ﴾؛ أيْ: أقْرَبُ الأشْياءِ بِهِ شَبَهًا في الصُّورَةِ؛ لا النَّوْعِ؛ ووَصَفَ الجَزاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾؛ لِما قَتَلَهُ عَلَيْهِ؛ أيْ: عَلَيْهِ أنْ يُكافِئَ ما قَتَلَهُ بِمِثْلِهِ؛ وهو مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ؛ هَذا عَلى قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ بِإضافَةِ“جَزاءُ”؛ إلى“مِثْلِ”؛ وأمّا عَلى قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ ويَعْقُوبَ بِتَنْوِينِ“جَزاءٌ”؛ ورَفْعِ“مِثْلُ”؛ فالأمْرُ واضِحٌ. ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: بِمَ تُعْرَفُ المُماثَلَةُ؟ قالَ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾؛ أيْ: بِالجَزاءِ؛ ولَمّا كانَتْ وُجُوهُ المُشابَهَةِ بَيْنَ الصَّيْدِ؛ وبَيْنَ النَّعَمِ كَثِيرَةٌ؛ احْتاجَ ذَلِكَ إلى زِيادَةِ التَّأمُّلِ؛ فَقالَ: ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾؛ أيْ: المُسْلِمِينَ؛ وعَنِ الشّافِعِيِّ أنَّ الَّذِي لَهُ مِثْلٌ ضَرْبانِ: ما حَكَمَتْ فِيهِ الصَّحابَةُ؛ وما لَمْ تَحْكم فِيهِ؛ فَما حَكَمَتْ فِيهِ لا يُعْدَلُ إلى غَيْرِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ حَكَمَ بِهِ عَدْلانِ؛ فَدَخَلَ تَحْتَ الآيَةِ؛ وهم أوْلى مِن غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّهم شاهَدُوا التَّنْزِيلَ؛ وحَضَرُوا التَّأْوِيلَ؛ وما لَمْ يَحْكُمُوا بِهِ يُرْجَعُ فِيهِ إلى اجْتِهادِ عَدْلَيْنِ؛ فَيُنْظَرُ إلى الأجْناسِ الثَّلاثَةِ مِنَ الأنْعامِ؛ فَكُلُّ ما كانَ أقْرَبَ شَبَهًا بِهِ يُوجِبانِهِ؛ فَإنْ كانَ القَتْلُ خَطَأً جازَ أنْ يَكُونَ الفاعِلُ أحَدَ الحُكْمَيْنِ؛ وإنْ كانَ عَمْدًا فَلا؛ لِأنَّهُ يَفْسُقُ بِهِ.

ولَمّا كانَ هَذا المِثْلُ يُساقُ إلى مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ عَلى وجْهٍ الإكْرامِ …

Al-Maaida 5:95Listen in Qur'an →
96

أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ ٱلْبَحْرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَٰعًۭا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ ۖ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ ٱلْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًۭا ۗ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِىٓ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

Lawful to you is game from the sea and its food as provision for you and the travelers, but forbidden to you is game from the land as long as you are in the state of ihram. And fear Allah to whom you will be gathered.

ولَمّا كانَ هَذا عامًّا في كُلِّ صَيْدٍ؛ بَيَّنَ أنَّهُ خاصٌّ بِصَيْدِ البَرِّ؛ فَقالَ: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ﴾؛ أيْ: اصْطِيادُهُ؛ أيْ: الَّذِي مَبْناهُ غالِبًا عَلى الحاجَةِ؛ والمُرادُ بِهِ جَمِيعُ المِياهِ؛ مِنَ الأنْهارِ؛ والبِرَكِ؛ وغَيْرِها؛ ﴿وطَعامُهُ﴾؛ أيْ: مَصِيدُهُ؛ طَرِيًّا؛ وقَدِيدًا؛ ولَوْ كانَ طافِيًا قَذَفَهُ البَحْرُ؛ وهو الحِيتانُ بِأنْواعِها؛ وكُلُّ ما لا يَعِيشُ في البَرِّ؛ وما أُكِلَ مِثْلُهُ في البَرِّ.

ولَمّا أحَلَّ ذَلِكَ ذَكَرَ عِلَّتَهُ؛ فَقالَ: ﴿مَتاعًا لَكُمْ﴾؛ أيْ: إذا كُنْتُمْ مُسافِرِينَ؛ أوْ مُقِيمِينَ؛ ﴿ولِلسَّيّارَةِ﴾؛ أيْ: يَتَزَوَّدُونَهُ إلى حَيْثُ أرادُوا مِنَ البَرِّ؛ أوِ البَحْرِ؛ وفي تَحْلِيلِ صَيْدِ البَحْرِ حالَ الِابْتِلاءِ مِنَ النِّعْمَةِ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ ما يُبَيِّنُ فَضْلَها عَلى مَن كانَ قَبْلَها مِمَّنْ جُعِلَ صَيْدُ البَحْرِ لَهُ مِحْنَةً يَوْمَ الِابْتِلاءِ؛ ولِلَّهِ الحَمْدُ؛ والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِصَيْدِ البَحْرِ الفِعْلُ؛ لِأنَّ ثَمَّ أمْرَيْنِ: الِاصْطِيادُ؛ والأكْلُ؛ والمُرادُ بَيانُ حُكْمِهِما؛ فَكَأنَّهُ أحَلَّ اصْطِيادَ حَيَوانِ البَحْرِ؛ وأحَلَّ طَعامَ البَحْرِ مُطْلَقًا؛ ما اصْطادُوهُ؛ وما لَمْ يَصْطادُوهُ؛ سَواءٌ كانُوا مُسافِرِينَ؛ أوْ مُقِيمِينَ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا قَدَّمَ تَحْرِيمَ اصْطِيادِ ما في البَرِّ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]؛ أتْبَعَهُ بَيانَ إحْلالِ اصْطِيادِ مَصِيدِ البَحْرِ؛ في حالِ تَحْرِيمِ ذَلِكَ؛ ثُمَّ أتْبَعَهُ بَيانَ حُرْمَةِ مَصِيدِ البَرِّ بِقَوْلِهِ: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ﴾؛ أيْ: اصْطِيادُهُ وأكْلُ ما صِيدَ مِنهُ لَكُمْ؛ وهو ما لا عَيْشَ لَهُ إلّا فِيهِ؛ وما يَعِيشُ فِيهِ وفي البَحْرِ؛ فَإنْ صِيدَ لِلْحَلالِ حَلَّ لِلْمُحْرِمِ أكْلُهُ؛ فَإنَّهُ غَيْرُ مَنسُوبٍ إلَيْهِ اصْطِيادُهُ بِالفِعْلِ؛ ولا بِالقُوَّةِ؛ ﴿ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾؛ لِأنَّ مَبْنى أمْرِهِ غالِبًا في الِاصْطِيادِ والأكْلِ؛ مِمّا صِيدَ عَلى التَّرَفِ والرَّفاهِيَةِ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ أيْضًا حُرْمَةُ اصْطِيادِ مَصِيدِ البَرِّ؛ وحُرْمَةُ الأكْلِ مِمّا صِيدَ مِنهُ؛ وتَكَرَّرَ ذَلِكَ بِتَكَرُّرِ الإحْرامِ في آيَةِ: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ١]؛ وآيَةِ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]؛ فَلا يُعارِضُهُ مَفْهُومُ ”ما دُمْتُمْ حُرُمًا“؛ وعَبَّرَ بِذَلِكَ لِيَكُونَ نَصًّا في الحُرْمَةِ في كُلِّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ وقْتِ الإحْرامِ إلى تَمامِ التَّحَلُّلِ؛ واللَّهُ أعْلَمُ؛ ولا يَسْقُطُ الجَزاءُ بِالخَطَإ؛ والجَهْلِ؛ كَسائِرِ مَحْظُوراتِ الإحْرامِ.

ولَمّا كانَ الِاصْطِيادُ بِحَشْرِ المَصِيدِ إلى حَيْثُ يَعْجِزُ عَنِ الخَلاصِ مِنهُ؛ وكانَتْ حالَةُ الإحْرامِ أشْبَهَ شَيْءٍ بِحالَةِ الحَشْرِ؛ في التَّجَرُّدِ عَنِ المَخِيطِ؛ والإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا وتَمَتُّعاتِها؛ خَتَمَ الآيَةَ بِقَوْلِهِ - عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: "فَلا تَأْكُلُوا شَيْئًا مِنهُ في حالِ إحْرامِكم -: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ في ذَلِكَ؛ وفي غَيْرِهِ؛ مِنَ الِاصْطِيادِ؛ وغَيْرِهِ؛ ﴿الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾؛ لِيَكُونَ العَرْضُ عَلَيْهِ نُصْبَ أعْيُنِكُمْ؛ فَتَكُونُوا مُواظِبِينَ عَلى طاعَتِهِ؛ مُحْتَرِزِينَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ.

Al-Maaida 5:96Listen in Qur'an →
97

۞ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَٰمًۭا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَٱلْهَدْىَ وَٱلْقَلَٰٓئِدَ ۚ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ

Allah has made the Ka'bah, the Sacred House, standing for the people and [has sanctified] the sacred months and the sacrificial animals and the garlands [by which they are identified]. That is so you may know that Allah knows what is in the heavens and what is in the earth and that Allah is Knowing of all things.

ولَمّا كانَ الإحْرامُ؛ وتَحْرِيمُ الصَّيْدِ فِيهِ؛ إنَّما هو لِقَصْدِ تَعْظِيمِ الكَعْبَةِ؛ بَيَّنَ (تَعالى) حِكْمَةَ ذَلِكَ؛ وأنَّهُ كَما جَعَلَ الحَرَمَ والإحْرامَ سَبَبًا لِأمْنِ الوَحْشِ؛ والطَّيْرِ؛ جَعَلَهُ سَبَبًا لِأمْنِ النّاسِ؛ وسَبَبًا لِحُصُولِ السَّعادَةِ؛ دُنْيا وأُخْرى؛ فَقالَ - مُسْتَأْنِفًا؛ بَيانًا لِحِكْمَةِ المَنعِ في أوَّلِ السُّورَةِ؛ مِنَ اسْتِحْلالِ مَن يَقْصِدُها لِلزِّيارَةِ -: ﴿جَعَلَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: بِما لَهُ مِنَ العَظَمَةِ؛ وكَمالِ الحِكْمَةِ؛ ونُفُوذِ الكَلِمَةِ؛ ﴿الكَعْبَةَ﴾؛ وعَبَّرَ عَنْها بِذَلِكَ لِأنَّها مَأْخُوذَةٌ مِن ”الكَعْبُ“؛ الَّذِي بِهِ قِيامُ الإنْسانِ؛ وقِوامُهُ؛ وبَيَّنَها مادِحًا بِقَوْلِهِ: ﴿البَيْتَ الحَرامَ﴾؛ أيْ: المَمْنُوعَ مِن كُلِّ جَبّارٍ دائِمًا؛ الَّذِي تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ أنِّي مَنَعْتُكم مِنَ اسْتِحْلالِ مَن يَؤُمُّهُ؛ ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾؛ أيْ: في أمْرِ مَعاشِهِمْ؛ ومَعادِهِمْ؛ لِأنَّها لَهم كالعِمادِ الَّذِي يَقُومُ بِهِ البَيْتُ؛ فَيَأْمَنُ بِهِ الخائِفُ ويَقْوى فِيهِ الضَّعِيفُ؛ ويَقْصِدُهُ التُّجّارُ؛ والحُجّاجُ؛ والعُمّارُ؛ فَهو عِمادُ الدِّينِ والدُّنْيا.

ولَمّا ذَكَرَ ما بِهِ القِوامُ مِنَ المَكانِ؛ أتْبَعَهُ ذَلِكَ مِنَ الزَّمانِ؛ فَقالَ: ﴿والشَّهْرَ الحَرامَ﴾؛ أيْ: الَّذِي يُفْعَلُ فِيهِ الحَجُّ وغَيْرُهُ؛ يَأْمَنُ فِيهِ الخائِفُ. ولَمّا ذَكَرَ ما بِهِ القِوامُ مِنَ المَكانِ؛ والزَّمانِ؛ أتْبَعَهُ ما بِهِ قِوامُ الفُقَراءِ مِن شَعائِرِهِ؛ فَقالَ: ﴿والهَدْيَ﴾؛ ثُمَّ أتْبَعَهُ أعَزَّهُ؛ وأخَصَّهُ؛ فَقالَ: ﴿والقَلائِدَ﴾؛ أيْ: والهَدْيَ العَزِيزَ الَّذِي يُقَلَّدُ فَيُذْبَحُ؛ ويُقَسَّمُ عَلى الفُقَراءِ؛ وفي الآيَةِ التِفاتٌ إلى ما في أوَّلِ السُّورَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ﴾ [المائدة: ٢]؛- فَقَوانِينُها أنَّ مَن قَصَدَها في شَهْرِ الحَرامِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ أحَدٌ؛ ولَوْ كانَ قَتَلَ ابْنَهُ؛ ومَن قَصَدَها في غَيْرِهِ؛ ومَعَهُ هَدْيٌ؛ قَلَّدَهُ أوْ لَمْ يُقَلِّدْهُ؛ أوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ وقَلَّدَ نَفْسَهُ مِن لِحاءِ شَجَرِ الحَرَمِ؛ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ أحَدٌ؛ حَتّى أنْ بَعْضَهم يَلْقى الهَدْيَ وهو مُضْطَرٌّ؛ فَلا يَعْرِضُ لَهُ؛ ولَوْ ماتَ جُوعًا؛ وسَواءٌ في ذَلِكَ صاحِبُهُ وغَيْرُهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) أوْقَعَ في قُلُوبِهِمْ تَعْظِيمَها؛ لِأنَّهُ (تَعالى) جَبَلَ العَرَبَ عَلى الشَّجاعَةِ؛ لِيَفْتَحَ بِهِمُ البِلادَ شَرْقًا؛ وغَرْبًا؛ لِيَظْهَرَ عُمُومُ رِسالَةِ نَبِيِّهِمْ ﷺ؛ فَلَزِمَ مِن ذَلِكَ شِدَّةُ حِرْصِهِمْ عَلى القَتْلِ؛ والغاراتِ؛ وعَلِمَ أنَّ ذَلِكَ إنْ دامَ بِهِمْ شَغَلَهم عَنْ تَحْصِيلِ ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ لِعَيْشِهِمْ؛ فَأدّى إلى فَنائِهِمْ؛ فَجَعَلَ بَيْتَهُ المُكَرَّمَ؛ وما كانَ مِن أسْبابِهِ؛ أمانًا يَكُونُ بِهِ قِوامُ مَعاشِهِمْ؛ ومَعايِشِهِمْ؛ فَكانَ ذَلِكَ بُرْهانًا ظاهِرًا عَلى أنَّ الإلَهَ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ؛ وأنَّ لَهُ الحِكْمَةَ البالِغَةَ. ولَمّا أخْبَرَ بِعِلَّةِ التَّعْظِيمِ لِما أمَرَ بِتَعْظِيمِهِ؛ مِن نُظُمِ أُمُورِ النّاسِ؛ ذَكَرَ عِلَّةَ ذَلِكَ الجَعْلِ؛ فَقالَ: ﴿ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الجَعْلُ العَظِيمُ الَّذِي تَمَّ أمْرُهُ عَلى ما أرادَ جاعِلُهُ - سُبْحانَهُ -؛ ﴿لِتَعْلَمُوا﴾؛ أيْ: بِهَذا التَّدْبِيرِ المُحْكَمِ؛ ﴿أنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ الَّذِي جَعَلَ ذَلِكَ؛ ﴿يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ﴾؛ فَلِذَلِكَ رَتَّبَها تَرْتِيبًا فُصِّلَتْ بِهِ الأيّامُ واللَّيالِي؛ فَكانَتْ مِن ذَلِكَ الشُّهُورُ والأعْوامُ؛ وفَصَّلَ مِن …

Al-Maaida 5:97Listen in Qur'an →
98

ٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Know that Allah is severe in penalty and that Allah is Forgiving and Merciful.

ولَمّا أنْتَجَ هَذا كُلُّهُ أنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ لِأنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ؛ وكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ - كَما تَقَدَّمَ - ناظِرَةً إلى أوَّلِ السُّورَةِ مِن آيَةِ؛ ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٢]؛ وما بَعْدَها؛ أتَمَّ نَظَرٍ؛ ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - ما اكْتَنَفَ آيَةَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]؛ مِنَ الوَعِيدِ الَّذِي خَتَمَ بِهِ ما قَبْلَها؛ والوَعْدِ الَّذِي خُتِمَتْ هي بِهِ؛ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى تَرْتِيبِهِ؛ سائِقًا لَهُ مَساقَ النَّتِيجَةِ؛ والثَّمَرَةِ لِما قَبْلَهُ؛ بَيانًا لِأنَّ مَنِ ارْتَكَبَ شَيْئًا مِن هَذِهِ المَنهِيّاتِ كانَ حَظَّهُ؛ فَقالَ - مُحَذِّرًا؛ ومُبَشِّرًا؛ لِأنَّ الإيمانَ لا يَتِمُّ إلّا بِهِما -: ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ العَظَمَةُ كُلُّها؛ الَّذِي نَهاهُ عَنْها؛ ﴿شَدِيدُ العِقابِ﴾؛ فَلْيَكُنْ عِبادُهُ عَلى حَذَرٍ مِنهُ؛ وأنَّ مَن أوْقَعَهُ في شَيْءٍ مِنها القَدَرُ؛ ثُمَّ فَتَحَ لَهُ التَّوْفِيقُ بابَ الحَذَرِ؛ فَكَفَّرَ فِيما فِيهِ كَفّارَةٌ؛ وتابَ؛ كانَ مُخاطَبًا بِقَوْلِهِ: ﴿وأنَّ﴾؛ أيْ: واعْلَمُوا أنَّ ﴿اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ؛ مَعَ كَوْنِهِ شَدِيدَ العِقابِ؛ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ يُقْبِلُ عَلَيْهِ؛ ويَمْحُو زَلَلَهُ؛ ويُكْرِمُهُ؛ فَكانَ اكْتِنافُ أسْبابِ الرَّجاءِ سابِقًا لِلْإنْذارِ؛ ولاحِقًا؛ مُعْلِمًا بِأنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ؛ وأنَّ العِقابَ إنَّما هو لِإتْمامِ رَحْمَتِهِ؛ قالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: ثُمَّ قالَ: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ﴾ [المائدة: ٩٧]؛ الآيَةَ؛ فَنَبَّهَ عَلى سُوءِ العاقِبَةِ في مَنعِ البَحْثِ عَلى التَّعْلِيلِ؛ وطَلَبِ الوُقُوفِ عَلى ما لَعَلَّهُ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ؛ ومِن هَذا البابِ أتى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ في أمْرِ البَقَرَةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ وجَعَلَ هَذا التَّنْبِيهَ إيماءً؛ ثُمَّ أعْقَبَهُ بِما يُفَسِّرُهُ؛ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ [المائدة: ١٠١]؛ ووَعَظَهم بِحالِ غَيْرِهِمْ في هَذا؛ وأنَّهم سَألُوا فَأُعْطُوا؛ ثُمَّ امْتُحِنُوا؛ وقَدْ كانَ التَّسْلِيمُ أوْلى لَهُمْ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ [المائدة: ١٠٢]؛ ثُمَّ عَرَّفَ عِبادَهُ أنَّهم إذا اسْتَقامُوا فَلَنْ يَضُرَّهم خِذْلانُ غَيْرِهِمْ؛ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٥]؛ انْتَهى.

Al-Maaida 5:98Listen in Qur'an →
99

مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلْبَلَٰغُ ۗ وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ

Not upon the Messenger is [responsibility] except [for] notification. And Allah knows whatever you reveal and whatever you conceal.

ولَمّا رَغَّبَ - سُبْحانَهُ -؛ ورَهَّبَ؛ عُلِمَ أنَّهُ المُجازِي وحْدَهُ؛ فَأنْتَجَ ذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ إلى غَيْرِهِ؛ إلّا ما كَلَّفَهُ بِهِ؛ فَأنْتَجَ ذَلِكَ؛ ولا بُدَّ؛ قَوْلَهُ: ﴿ما عَلى الرَّسُولِ﴾؛ أيْ: الَّذِي مِن شَأْنِهِ الإبْلاغُ؛ ﴿إلا البَلاغُ﴾؛ أيْ: بِأنَّهُ يَحِلُّ لَكُمُ الطَّعامُ وغَيْرُهُ؛ ويَحْرُمُ عَلَيْكُمُ الخَمْرُ وغَيْرُها؛ ولَيْسَ عَلَيْهِ أنْ يَعْلَمَ ما تُضْمِرُونَ؛ وما تُظْهِرُونَ؛ لِيُحاسِبَكم عَلَيْهِ؛ ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً؛ وعِلْمًا؛ ﴿يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ﴾؛ أيْ: تُجَدِّدُونَ إبْداءَهُ عَلى الِاسْتِقْرارِ؛ ﴿وما تَكْتُمُونَ﴾؛ مِن إيمانٍ؛ وكُفْرٍ؛ وعِصْيانٍ؛ وطاعَةٍ؛ وتَعَمُّدٍ لِقَتْلِ الصَّيْدِ وغَيْرِهِ؛ ومَحَبَّةٍ لِلْخَمْرِ وغَيْرِها؛ وتَعَمُّقٍ في الدِّينِ؛ بِتَحْرِيمِ الحَلالِ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ وغَيْرِهِ؛ إفْراطًا؛ وتَفْرِيطًا؛ لِأنَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ؛ وقَدَّرَ ذَلِكَ فِيكم في أوْقاتِهِ؛ فَيُجازِيكم عَلى ما في نَفْسِ الأمْرِ؛ مَن عَصى أخَذَهُ بِشَدِيدِ العِقابِ؛ ومَن أطاعَهُ مَنَحَهُ حُسْنَ الثَّوابِ؛ وأمّا الرَّسُولُ ﷺ فَلا يَحْكُمُ إلّا بِما يَعْلَمُهُ مِمّا تُبْدُونَهُ؛ ما لَمْ أكْشِفْ لَهُ الباطِنَ؛ وآمُرْهُ فِيهِ بِأمْرِي؛ وهَذِهِ أيْضًا ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بَلِّغْ ما أُنْـزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]

Al-Maaida 5:99Listen in Qur'an →
100

قُل لَّا يَسْتَوِى ٱلْخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ ٱلْخَبِيثِ ۚ فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

Say, "Not equal are the evil and the good, although the abundance of evil might impress you." So fear Allah, O you of understanding, that you may be successful.

ولَمّا سَلَبَ - سُبْحانَهُ - العِلْمَ عَنْ كُلِّ أحَدٍ؛ وأثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ الشَّرِيفَةِ؛ أنْتَجَ ذَلِكَ أنَّهُ لا أمْرَ لِغَيْرِهِ؛ ولا نَهْيَ؛ ولا إثْباتَ؛ ولا نَفْيَ؛ فَأخَذَ - سُبْحانَهُ - يُبَيِّنُ حِكْمَةَ ما مَضى مِنَ الأوامِرِ في إحْلالِ الطَّعامِ وغَيْرِهِ؛ مِنَ الاصْطِيادِ؛ والأكْلِ مِنَ الصَّيْدِ وغَيْرِهِ؛ والزَّواجِرِ عَنِ الخَمْرِ وغَيْرِها؛ بِأنَّ الأشْياءَ مِنها طَيِّبٌ؛ وخَبِيثٌ؛ وأنَّ الطَّيِّبَ - وإنْ قَلَّ - خَيْرٌ مِنَ الخَبِيثِ - وإنْ كَثُرَ -؛ ولا يُمَيِّزُ هَذا مِن ذاكَ إلّا الخَلّاقُ العَلِيمُ؛ فَرُبَّما ارْتَكَبَ الإنْسانُ طَرِيقَةً شَرَعَها لِنَفْسِهِ؛ ظانًّا أنَّها حَسَنَةٌ؛ فَجَرَّتْهُ إلى السَّيِّئَةِ وهو لا يَشْعُرُ؛ فَيَهْلِكُ؛ كالرَّهْبانِيَّةِ الَّتِي كانُوا عَزَمُوا عَلَيْها؛ والخَمْرِ الَّتِي دَعا شَغَفُهم بِها إلى الإنْزالِ فِيها مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى؛ إلى أنْ أكَّدَ فِيها هُنا أشَدَّ تَأْكِيدٍ؛ وحَذَّرَ فِيها أبْلَغَ تَحْذِيرٍ؛ فَقالَ (تَعالى) صارِفًا الخِطابَ إلى أشْرَفِ الوَرى ﷺ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لا يَنْهَضُ بِمَعْرِفَةِ هَذا مِنَ الخَلْقِ غَيْرُهُ -: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ﴾؛ أيْ: مِنَ المَطْعُوماتِ؛ والطّاعِمِينَ؛ ﴿والطَّيِّبُ﴾؛ أيْ: كَذَلِكَ؛ فَإنَّ ما يَتَوَهَّمُونَهُ في الكَثْرَةِ مِنَ الفَضْلِ لا يُوازِي النُّقْصانَ مِن جِهَةِ الخَبِيثِ.

ولَمّا كانَ الخَبِيثُ مِنَ الذَّواتِ والمَعانِي أكْثَرَ في الظّاهِرِ؛ وأيْسَرَ؛ قالَ: ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾؛ والخَبِيثُ؛ والطَّيِّبُ؛ مِنهُ جُسْمانِيٌّ؛ ومِنهُ رُوحانِيٌّ؛ وأخْبَثُهُما الرُّوحانِيُّ؛ وأخْبَثُهُ الشِّرْكُ؛ وأطْيَبُ الطَّيِّبِ الرُّوحانِيُّ؛ وأطْيَبُهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ؛ وطاعَتُهُ؛ وما يَكُونُ لِلْجِسْمِ مِن طِيبٍ؛ أوْ خُبْثٍ؛ ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ؛ فَما خالَطَهُ نَجاسَةٌ صارَ مُسْتَقْذَرًا لِأرْبابِ الطِّباعِ السَّلِيمَةِ؛ وما خالَطَ الأرْواحَ مِنَ الجَهْلِ صارَ مُسْتَقْذَرًا عِنْدَ الأرْواحِ الكامِلَةِ المُقَدَّسَةِ؛ وما خالَطَهُ مِنَ الأرْواحِ مَعْرِفَةُ اللَّهِ؛ فَواظَبَ عَلى خِدْمَتِهِ؛ أشْرَقَ بِأنْوارِ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ؛ وابْتَهَجَ بِالقُرْبِ مِنَ الأرْواحِ المُقَدَّسَةِ الطّاهِرَةِ؛ وكَما أنَّ الخَبِيثَ والطَّيِّبَ لا يَسْتَوِيانِ في العالِمِ الرُّوحانِيِّ؛ كَذَلِكَ لا يَسْتَوِيانِ في العالَمِ الجُسْمانِيِّ؛ والتَّفاوُتُ بَيْنَهُما في العالَمِ الرُّوحانِيِّ أشَدُّ؛ لِأنَّ مَضَرَّةَ خُبْثِ الجُسْمانِيِّ قَلِيلَةٌ؛ ومَنفَعَةَ طَيِّبِهِ يَسِيرَةٌ؛ وأمّا خُبْثُ الرُّوحانِيِّ فَمَضَرَّتُهُ عَظِيمَةٌ دائِمَةٌ؛ وطَيِّبُ الرُّوحانِيِّ مَنفَعَتُهُ جَلِيلَةٌ دائِمَةٌ؛ وهي القُرْبُ مِنَ اللَّهِ؛ والِانْخِراطُ في زُمْرَةِ السُّعَداءِ؛ وأدَلُّ دَلِيلٍ عَلى إرادَةِ العُصاةِ والمُطِيعِينَ قَوْلُهُ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: اجْعَلُوا بَيْنَكم وبَيْنَ ما يُسْخِطُ المَلِكَ الأعْظَمَ - الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ - مِنَ الحَرامِ وِقايَةً مِنَ الحَلالِ؛ لِتَكُونُوا مِن قِسْمِ الطَّيِّبِ؛ فَإنَّهُ لا مُقَرِّبَ إلى اللَّهِ مِثْلُ الِانْتِهاءِ عَمّا حَرَّمَ - كَما تَقَدَّمَ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣]؛ ويَزِيدُ المَعْنى وُضُوحًا قَوْلُهُ: ﴿يا أُولِي الألْبابِ﴾؛ أيْ: العُقُولِ الخالِصَةِ مِن شَوائِبِ النَّفْسِ؛ فَتُؤْثِرُوا الطَّيِّبَ؛ وإنْ قَلَّ في الحِسِّ؛ لِكَثْرَتِهِ في المَعْنى عَلى الخَبِيثِ؛ وإنْ كَثُرَ في الحِسِّ؛ لِنَقْصِهِ في المَعْنى؛ ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾؛ أيْ: لِتَكُونُوا عَلى رَجاءٍ مِن أنْ تَفُوزُوا بِجَمِيعِ المَطالِبِ؛ وحِينَئِذٍ ظَهَرَ كالشَّمْسِ مُناسَبَةُ تَعْقِيبِها …

Al-Maaida 5:100Listen in Qur'an →

Commentary: Nazm al-Durar by Burhan al-Din al-Biqa'i. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.