Muslim99Muslim99
← Tafsir library

5. Al-Maaida

The Table · Medinan · 120 ayahs

سُورَةُ المَائـِدَةِ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 1–10 of 120

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَوْفُوا۟ بِٱلْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلْأَنْعَٰمِ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّى ٱلصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ

O you who have believed, fulfill [all] contracts. Lawful for you are the animals of grazing livestock except for that which is recited to you [in this Qur'an] - hunting not being permitted while you are in the state of ihram. Indeed, Allah ordains what He intends.

قالَ القُرْطُبِيُّ: هي مَدَنِيَّةٌ بِالإجْماعِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: المائِدَةُ مَدَنِيَّةٌ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قالَ: حَجَجْتُ فَدَخَلْتُ عَلى عائِشَةَ، فَقالَتْ لِي: يا جُبَيْرُ تَقْرَأُ المائِدَةَ ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقالَتْ: أما إنَّها آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ، فَما وجَدْتُمْ فِيها مِن حَلالٍ فاسْتَحِلُّوهُ، وما وجَدْتُمْ مِن حَرامٍ فَحَرِّمُوهُ.

وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ سُورَةُ المائِدَةِ والفَتْحِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْهُ قالَ: «أُنْزِلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ سُورَةُ المائِدَةِ وهو راكِبٌ عَلى راحِلَتِهِ فَلَمْ تَسْتَطِعْ أنْ تَحْمِلَهُ، فَنَزَلَ عَنْها»، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ أحْمَدُ، قُلْتُ: وفي إسْنادِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ في كِتابِ الصَّلاةِ والطَّبَرانِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في مُسْنَدِهِ والبَغَوِيُّ في مُعْجَمِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في دَلائِلِ النُّبُوَّةِ، عَنْ أُمِّ عَمْرٍو بِنْتِ عِيسى عَنْ عَمِّها نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ نَحْوَهُ.

وزادَ أنَّها نَزَلَتْ في حَجَّةِ الوَداعِ فِيما بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، وهَكَذا أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ بِهَذِهِ الزِّيادَةِ وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ، وعَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «المائِدَةُ مِن آخِرِ القُرْآنِ تَنْزِيلًا، فَأحِلُّوا حَلالَها وحَرِّمُوا حَرامَها» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّحاسُ كِلاهُما في النَّسْخِ، عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ قالَ: لَمْ يُنْسَخْ مِنَ المائِدَةِ شَيْءٌ، وكَذا أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ، وكَذا أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وكَذا أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: لَمْ يُنْسَخْ مِنَ المائِدَةِ إلّا هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ ولا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ﴾ . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نُسِخَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ آيَتانِ، آيَةُ القَلائِدِ وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهم﴾ [المائدة: ٤٢] وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في مُسْنَدِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَرَأ في خُطْبَتِهِ سُورَةَ المائِدَةِ والتَّوْبَةِ، وذَكَرَ النَّقّاشُ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ أنَّهُ قالَ: ( لَمّا رَجَعَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ قالَ: يا عَلِيُّ أشْعَرْتَ أنَّها نَزَلَتْ عَلَيَّ سُورَةُ …

2

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تُحِلُّوا۟ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهْرَ ٱلْحَرَامَ وَلَا ٱلْهَدْىَ وَلَا ٱلْقَلَٰٓئِدَ وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًۭا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَٰنًۭا ۚ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَٱصْطَادُوا۟ ۚ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا۟ ۘ وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْبِرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلْعِقَابِ

O you who have believed, do not violate the rites of Allah or [the sanctity of] the sacred month or [neglect the marking of] the sacrificial animals and garlanding [them] or [violate the safety of] those coming to the Sacred House seeking bounty from their Lord and [His] approval. But when you come out of ihram, then [you may] hunt. And do not let the hatred of a people for having obstructed you from al-Masjid al-Haram lead you to transgress. And cooperate in righteousness and piety, but do not cooperate in sin and aggression. And fear Allah; indeed, Allah is severe in penalty.

قالَ القُرْطُبِيُّ: هي مَدَنِيَّةٌ بِالإجْماعِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: المائِدَةُ مَدَنِيَّةٌ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قالَ: حَجَجْتُ فَدَخَلْتُ عَلى عائِشَةَ، فَقالَتْ لِي: يا جُبَيْرُ تَقْرَأُ المائِدَةَ ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقالَتْ: أما إنَّها آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ، فَما وجَدْتُمْ فِيها مِن حَلالٍ فاسْتَحِلُّوهُ، وما وجَدْتُمْ مِن حَرامٍ فَحَرِّمُوهُ.

وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ سُورَةُ المائِدَةِ والفَتْحِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْهُ قالَ: «أُنْزِلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ سُورَةُ المائِدَةِ وهو راكِبٌ عَلى راحِلَتِهِ فَلَمْ تَسْتَطِعْ أنْ تَحْمِلَهُ، فَنَزَلَ عَنْها»، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: تَفَرَّدَ بِهِ أحْمَدُ، قُلْتُ: وفي إسْنادِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ في كِتابِ الصَّلاةِ والطَّبَرانِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في مُسْنَدِهِ والبَغَوِيُّ في مُعْجَمِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في دَلائِلِ النُّبُوَّةِ، عَنْ أُمِّ عَمْرٍو بِنْتِ عِيسى عَنْ عَمِّها نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ نَحْوَهُ.

وزادَ أنَّها نَزَلَتْ في حَجَّةِ الوَداعِ فِيما بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، وهَكَذا أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ بِهَذِهِ الزِّيادَةِ وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ، وعَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «المائِدَةُ مِن آخِرِ القُرْآنِ تَنْزِيلًا، فَأحِلُّوا حَلالَها وحَرِّمُوا حَرامَها» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّحاسُ كِلاهُما في النَّسْخِ، عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ قالَ: لَمْ يُنْسَخْ مِنَ المائِدَةِ شَيْءٌ، وكَذا أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ، وكَذا أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وكَذا أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: لَمْ يُنْسَخْ مِنَ المائِدَةِ إلّا هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ ولا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ﴾ . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نُسِخَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ آيَتانِ، آيَةُ القَلائِدِ وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهم﴾ [المائدة: ٤٢] وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في مُسْنَدِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَرَأ في خُطْبَتِهِ سُورَةَ المائِدَةِ والتَّوْبَةِ، وذَكَرَ النَّقّاشُ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ أنَّهُ قالَ: ( لَمّا رَجَعَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ قالَ: يا عَلِيُّ أشْعَرْتَ أنَّها نَزَلَتْ عَلَيَّ سُورَةُ …

3

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحْمُ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلْمُنْخَنِقَةُ وَٱلْمَوْقُوذَةُ وَٱلْمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا۟ بِٱلْأَزْلَٰمِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ ۗ ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ۚ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلْإِسْلَٰمَ دِينًۭا ۚ فَمَنِ ٱضْطُرَّ فِى مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍۢ لِّإِثْمٍۢ ۙ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

Prohibited to you are dead animals, blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allah, and [those animals] killed by strangling or by a violent blow or by a head-long fall or by the goring of horns, and those from which a wild animal has eaten, except what you [are able to] slaughter [before its death], and those which are sacrificed on stone altars, and [prohibited is] that you seek decision through divining arrows. That is grave disobedience. This day those who disbelieve have despaired of [defeating] your religion; so fear them not, but fear Me. This day I have perfected for you your religion and completed My favor upon you and have approved for you Islam as religion. But whoever is forced by severe hunger with no inclination to sin - then indeed, Allah is Forgiving and Merciful.

هَذا شُرُوعٌ في المُحَرَّماتِ الَّتِي أشارَ إلَيْها سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ والمَيْتَةُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها في البَقَرَةِ، وكَذَلِكَ الدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، وما هُنا مِن تَحْرِيمِ مُطْلَقِ الدَّمِ مُقَيَّدٌ بِكَوْنِهِ مَسْفُوحًا كَما تَقَدَّمَ حَمْلًا لِلْمُطْلِقِ عَلى المُقَيَّدِ، وقَدْ ورَدَ في السُّنَّةِ تَخْصِيصُ المَيْتَةِ بِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أُحِلَّ لَنا مَيْتَتانِ ودَمانِ، فَأمّا المَيْتَتانِ فالحُوتُ والجَرادُ، وأمّا الدَّمانِ فالكَبِدُ والطُّحالُ» أخْرَجَهُ الشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ وفي إسْنادِهِ مَقالٌ، ويُقَوِّيهِ حَدِيثُ: «هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ والحِلُّ مِيتَتُهُ» وهو عِنْدَ أحْمَدَ وأهْلِ السُّنَنِ وغَيْرِهِمْ وصَحَّحَهُ جَماعَةٌ مِنهُمُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبّانَ، وقَدْ أطَلْنا الكَلامَ عَلَيْهِ في شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى.

والإهْلالُ: رَفْعُ الصَّوْتِ لِغَيْرِ اللَّهِ كَأنْ يَقُولَ بِسَمِّ اللّاتِ والعُزّى ونَحْوَ ذَلِكَ، ولا حاجَةَ بِنا هُنا إلى تَكْرِيرِ ما قَدْ أسْلَفْناهُ فَفِيهِ ما لا يَحْتاجُ النّاظِرُ فِيهِ إلى غَيْرِهِ ( والمُنْخَنِقَةُ ) هي الَّتِي تَمُوتُ بِالخَنْقِ: وهو حَبْسُ النَّفْسِ، سَواءً كانَ ذَلِكَ بِفِعْلِها كَأنْ تُدْخِلَ رَأْسَها في حَبْلٍ أوْ بَيْنَ عُودَيْنِ، أوْ بِفِعْلٍ آدَمِيٍّ أوْ بِغَيْرِهِ، وقَدْ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَخْنُقُونَ الشّاةَ، فَإذا ماتَتْ أكَلُوها.

( والمَوْقُوذَةُ ) هي الَّتِي تُضْرَبُ بِحَجَرٍ أوْ عَصًا حَتّى تَمُوتَ مِن غَيْرِ تَذْكِيَةٍ، يُقالُ: وقَذَهُ يَقِذُهُ وقْذًا فَهو وقِيذٌ، والوَقْذُ شِدَّةُ الضَّرْبِ، وفُلانٌ وقِيذٌ؛ أيْ: مُثْخَنٌ ضَرْبًا، وقَدْ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فَيَضْرِبُونَ الأنْعامَ بِالخَشَبِ لِآلِهَتِهِمْ حَتّى تَمُوتَ ثُمَّ يَأْكُلُونَها، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقَ:

؎شَغّارَةٌ تَقِذُ الفَصِيلَ بِرِجْلِها فَطّارَةٌ لِقَوادِمِ الأظْفارِ

قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: واخْتَلَفَ العُلَماءُ قَدِيمًا وحَدِيثًا في الصَّيْدِ بِالبُنْدُقِ والحَجَرِ والمِعْراضِ، ويَعْنِي بِالبُنْدُقِ قَوْسُ البُنْدُقَةِ، وبِالمِعْراضِ السَّهْمُ الَّذِي لا رِيشَ لَهُ أوِ العَصا الَّتِي رَأسُها مُحَدَّدٌ، قالَ: فَمَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ وقِيذٌ لَمْ يَجُزْهُ إلّا ما أدْرَكَ ذَكاتَهُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وهو قَوْلُ مالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ والثَّوْرِيِّ، والشّافِعِيِّ وخالَفَهُمُ الشّامِيُّونَ في ذَلِكَ، قالَ الأوْزاعِيُّ في المِعْراضِ: كُلْهُ خَرَقَ أوْ لَمْ يَخْرِقْ، فَقَدْ كانَ أبُو الدَّرْداءِ، وفَضالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، ومَكْحُولٌ لا يَرَوْنَ بِهِ بَأْسًا.

قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: هَكَذا ذَكَرَ الأوْزاعِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، والمَعْرُوفُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ما ذَكَرَ مالِكٌ، عَنْ نافِعٍ، قالَ: والأصْلُ في هَذا البابِ والَّذِي عَلَيْهِ العَمَلُ وفِيهِ الحُجَّةُ حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ، وفِيهِ: «ما أصابَ بِعَرْضِهِ فَلا تَأْكُلْ فَإنَّهُ وقِيذٌ» انْتَهى. قُلْتُ: والحَدِيثُ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ عَدِيٍّ قالَ: «قَلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أرْمِي بِالمِعْراضِ الصَّيْدَ فَأُصِيبُ فَقالَ: إذا رَمَيْتَ بِالمِعْراضِ فَخَرَقَ فَكُلْهُ، وإنْ أصابَ بِعَرْضِهِ فَإنَّما هو وقِيذٌ فَلا تَأْكُلْهُ» فَقَدِ اعْتَبَرَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ الخَرْقَ وعَدَمَهُ، فالحَقُّ أنَّهُ لا يَحِلُّ إلّا ما خُرِقَ لا ما صُدِمَ، فَلا بُدَّ …

4

يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ ۖ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ ۙ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ ٱلْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُ ۖ فَكُلُوا۟ مِمَّآ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَٱذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهِ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ

They ask you, [O Muhammad], what has been made lawful for them. Say, "Lawful for you are [all] good foods and [game caught by] what you have trained of hunting animals which you train as Allah has taught you. So eat of what they catch for you, and mention the name of Allah upon it, and fear Allah." Indeed, Allah is swift in account.

هَذا شُرُوعٌ في بَيانِ ما أحَلَّهُ اللَّهُ لَهم بَعْدَ بَيانِ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ، قَوْلُهُ: ( ماذا أُحِلَّ لَهم ) أيُّ شَيْءٍ أُحِلَّ لَهم، أوْ ما الَّذِي أُحِلَّ لَهم مِنَ المَطاعِمِ إجْمالًا ومِنَ الصَّيْدِ ومِن طَعامِ أهْلِ الكِتابِ ومِن نِسائِهِمْ، قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ هي ما يَسْتَلِذُّهُ آكِلُهُ ويَسْتَطِيبُهُ مِمّا أحَلَّهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ، وقِيلَ: هي الحَلالُ، وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ في هَذا، وقِيلَ: الطَّيِّباتُ: الذَّبائِحُ؛ لِأنَّها طابَتْ بِالتَّذْكِيَةِ، وهو تَخْصِيصٌ لِلْعامِّ بِغَيْرِ مُخَصِّصٍ، والسَّبَبُ والسِّياقُ لا يَصْلُحانِ لِذَلِكَ.

قَوْلُهُ: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى الطَّيِّباتِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ لِتَصْحِيحِ المَعْنى؛ أيْ: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وأُحِلَّ لَكم صَيْدُ ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ ( عُلِّمْتُمْ ) بِضَمِّ العَيْنِ وكَسْرِ اللّامِ؛ أيْ: عُلِّمْتُمْ مِن أمْرِ الجَوارِحِ والصَّيْدِ بِها.

قالَ القُرْطُبِيُّ: وقَدْ ذَكَرَ بَعْضَ مَن صَنَّفَ في أحْكامِ القُرْآنِ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإباحَةَ تَناوَلَتْ ما عَلَّمْنا مِنَ الجَوارِحِ، وهو يَتَضَمَّنُ الكَلْبَ وسائِرَ جَوارِحِ الطَّيْرِ، وذَلِكَ يُوجِبُ إباحَةَ سائِرِ وُجُوهِ الِانْتِفاعِ، فَدَلَّ عَلى جَوازِ بَيْعِ الكَلْبِ والجَوارِحِ والِانْتِفاعِ بِها بِسائِرِ وُجُوهِ المَنافِعِ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ: وهو الأكْلُ مِنَ الجَوارِحِ؛ أيِ: الكَواسِبُ مِنَ الكِلابِ وسِباعُ الطَّيْرِ، قالَ: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ الكَلْبَ إذا لَمْ يَكُنْ أسْوَدَ، وعَلَّمَهُ مُسْلِمٌ، ولَمْ يَأْكُلْ مِن صَيْدِهِ الَّذِي صادَهُ، وأثَّرَ فِيهِ بِجُرْحٍ أوْ تَنْيِيبٍ، وصادَ بِهِ مُسْلِمٌ، وذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عِنْدَ إرْسالِهِ أنَّ صَيْدَهُ صَحِيحٌ يُؤْكَلُ بِلا خِلافٍ.

فَإنِ انْخَرَمَ شَرْطٌ مِن هَذِهِ الشُّرُوطِ دَخَلَ الخِلافُ، فَإنْ كانَ الَّذِي يُصادُ بِهِ غَيْرُ كَلْبٍ كالفَهْدِ وما أشْبَهَهُ، وكالبازِي والصَّقْرِ ونَحْوِهِما مِنَ الطَّيْرِ فَجُمْهُورُ الأُمَّةِ عَلى أنَّ كُلَّ ما صادَ بَعْدَ التَّعْلِيمِ فَهو جارِحٌ كاسِبٌ، يُقالُ: جُرِحَ فُلانٌ واجْتَرَحَ: إذا اكْتَسَبَ، ومِنهُ الجارِحَةُ؛ لِأنَّهُ يُكْتَسَبُ بِها، ومِنهُ اجْتِراحُ السَّيِّئاتِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ .

قَوْلُهُ: ( مُكَلِّبِينَ ) حالٌ، والمُكَلِّبُ: مُعَلِّمُ الكِلابِ لِكَيْفِيَّةِ الِاصْطِيادِ، والأخَصُّ مُعَلِّمُ الكِلابِ وإنْ كانَ مُعَلِّمَ سائِرِ الجَوارِحِ مِثْلَهُ؛ لِأنَّ الِاصْطِيادَ بِالكِلابِ هو الغالِبُ، ولَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ﴾ مَعَ أنَّ التَّكْلِيبَ هو التَّعْلِيمُ، لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ لِما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ التَّعْلِيمِ، وقِيلَ: إنَّ السَّبُعَ يُسَمّى كَلْبًا فَيَدْخُلُ كُلُّ سَبْعٍ يُصادُ بِهِ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ خاصَّةً بِالكِلابِ، وقَدْ حَكى ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: ما يُصادُ بِالبُزاةِ وغَيْرِها مِنَ الطَّيْرِ فَما أدْرَكْتَ ذَكاتَهُ فَهو لَكَ حَلالٌ، وإلّا فَلا تَطْعَمْهُ.

قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وسُئِلَ أبُو جَعْفَرٍ عَنِ البازِي: هَلْ يَحِلُّ صَيْدُهُ ؟ قالَ: لا، إلّا أنْ تُدْرِكَ ذَكاتَهُ، وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ هي الكِلابُ خاصَّةً، فَإنْ كانَ الكَلْبُ أسْوَدَ بَهِيمًا فَكَرِهَ …

5

ٱلْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ ۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ حِلٌّۭ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّۭ لَّهُمْ ۖ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِىٓ أَخْدَانٍۢ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِٱلْإِيمَٰنِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ

This day [all] good foods have been made lawful, and the food of those who were given the Scripture is lawful for you and your food is lawful for them. And [lawful in marriage are] chaste women from among the believers and chaste women from among those who were given the Scripture before you, when you have given them their due compensation, desiring chastity, not unlawful sexual intercourse or taking [secret] lovers. And whoever denies the faith - his work has become worthless, and he, in the Hereafter, will be among the losers.

هَذا شُرُوعٌ في بَيانِ ما أحَلَّهُ اللَّهُ لَهم بَعْدَ بَيانِ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ، قَوْلُهُ: ( ماذا أُحِلَّ لَهم ) أيُّ شَيْءٍ أُحِلَّ لَهم، أوْ ما الَّذِي أُحِلَّ لَهم مِنَ المَطاعِمِ إجْمالًا ومِنَ الصَّيْدِ ومِن طَعامِ أهْلِ الكِتابِ ومِن نِسائِهِمْ، قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ هي ما يَسْتَلِذُّهُ آكِلُهُ ويَسْتَطِيبُهُ مِمّا أحَلَّهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ، وقِيلَ: هي الحَلالُ، وقَدْ سَبَقَ الكَلامُ في هَذا، وقِيلَ: الطَّيِّباتُ: الذَّبائِحُ؛ لِأنَّها طابَتْ بِالتَّذْكِيَةِ، وهو تَخْصِيصٌ لِلْعامِّ بِغَيْرِ مُخَصِّصٍ، والسَّبَبُ والسِّياقُ لا يَصْلُحانِ لِذَلِكَ.

قَوْلُهُ: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ﴾ وهو مَعْطُوفٌ عَلى الطَّيِّباتِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ لِتَصْحِيحِ المَعْنى؛ أيْ: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وأُحِلَّ لَكم صَيْدُ ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ الحَنَفِيَّةِ ( عُلِّمْتُمْ ) بِضَمِّ العَيْنِ وكَسْرِ اللّامِ؛ أيْ: عُلِّمْتُمْ مِن أمْرِ الجَوارِحِ والصَّيْدِ بِها.

قالَ القُرْطُبِيُّ: وقَدْ ذَكَرَ بَعْضَ مَن صَنَّفَ في أحْكامِ القُرْآنِ أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى أنَّ الإباحَةَ تَناوَلَتْ ما عَلَّمْنا مِنَ الجَوارِحِ، وهو يَتَضَمَّنُ الكَلْبَ وسائِرَ جَوارِحِ الطَّيْرِ، وذَلِكَ يُوجِبُ إباحَةَ سائِرِ وُجُوهِ الِانْتِفاعِ، فَدَلَّ عَلى جَوازِ بَيْعِ الكَلْبِ والجَوارِحِ والِانْتِفاعِ بِها بِسائِرِ وُجُوهِ المَنافِعِ إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ: وهو الأكْلُ مِنَ الجَوارِحِ؛ أيِ: الكَواسِبُ مِنَ الكِلابِ وسِباعُ الطَّيْرِ، قالَ: أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ الكَلْبَ إذا لَمْ يَكُنْ أسْوَدَ، وعَلَّمَهُ مُسْلِمٌ، ولَمْ يَأْكُلْ مِن صَيْدِهِ الَّذِي صادَهُ، وأثَّرَ فِيهِ بِجُرْحٍ أوْ تَنْيِيبٍ، وصادَ بِهِ مُسْلِمٌ، وذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عِنْدَ إرْسالِهِ أنَّ صَيْدَهُ صَحِيحٌ يُؤْكَلُ بِلا خِلافٍ.

فَإنِ انْخَرَمَ شَرْطٌ مِن هَذِهِ الشُّرُوطِ دَخَلَ الخِلافُ، فَإنْ كانَ الَّذِي يُصادُ بِهِ غَيْرُ كَلْبٍ كالفَهْدِ وما أشْبَهَهُ، وكالبازِي والصَّقْرِ ونَحْوِهِما مِنَ الطَّيْرِ فَجُمْهُورُ الأُمَّةِ عَلى أنَّ كُلَّ ما صادَ بَعْدَ التَّعْلِيمِ فَهو جارِحٌ كاسِبٌ، يُقالُ: جُرِحَ فُلانٌ واجْتَرَحَ: إذا اكْتَسَبَ، ومِنهُ الجارِحَةُ؛ لِأنَّهُ يُكْتَسَبُ بِها، ومِنهُ اجْتِراحُ السَّيِّئاتِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿أمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ﴾ .

قَوْلُهُ: ( مُكَلِّبِينَ ) حالٌ، والمُكَلِّبُ: مُعَلِّمُ الكِلابِ لِكَيْفِيَّةِ الِاصْطِيادِ، والأخَصُّ مُعَلِّمُ الكِلابِ وإنْ كانَ مُعَلِّمَ سائِرِ الجَوارِحِ مِثْلَهُ؛ لِأنَّ الِاصْطِيادَ بِالكِلابِ هو الغالِبُ، ولَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ﴾ مَعَ أنَّ التَّكْلِيبَ هو التَّعْلِيمُ، لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ لِما لا بُدَّ مِنهُ مِنَ التَّعْلِيمِ، وقِيلَ: إنَّ السَّبُعَ يُسَمّى كَلْبًا فَيَدْخُلُ كُلُّ سَبْعٍ يُصادُ بِهِ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ خاصَّةً بِالكِلابِ، وقَدْ حَكى ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: ما يُصادُ بِالبُزاةِ وغَيْرِها مِنَ الطَّيْرِ فَما أدْرَكْتَ ذَكاتَهُ فَهو لَكَ حَلالٌ، وإلّا فَلا تَطْعَمْهُ.

قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وسُئِلَ أبُو جَعْفَرٍ عَنِ البازِي: هَلْ يَحِلُّ صَيْدُهُ ؟ قالَ: لا، إلّا أنْ تُدْرِكَ ذَكاتَهُ، وقالَ الضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ هي الكِلابُ خاصَّةً، فَإنْ كانَ الكَلْبُ أسْوَدَ بَهِيمًا فَكَرِهَ …

6

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغْسِلُوا۟ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى ٱلْمَرَافِقِ وَٱمْسَحُوا۟ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى ٱلْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًۭا فَٱطَّهَّرُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌۭ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًۭا طَيِّبًۭا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ ۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍۢ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُۥ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

O you who have believed, when you rise to [perform] prayer, wash your faces and your forearms to the elbows and wipe over your heads and wash your feet to the ankles. And if you are in a state of janabah, then purify yourselves. But if you are ill or on a journey or one of you comes from the place of relieving himself or you have contacted women and do not find water, then seek clean earth and wipe over your faces and hands with it. Allah does not intend to make difficulty for you, but He intends to purify you and complete His favor upon you that you may be grateful.

قَوْلُهُ: ( إذا قُمْتُمْ ) إذا أرَدْتُمُ القِيامَ تَعْبِيرًا بِالمُسَبَّبِ عَنِ السَّبَبِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨] وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في هَذا الأمْرِ عِنْدَ إرادَةِ القِيامِ إلى الصَّلاةِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: هو عامٌّ في كُلِّ قِيامٍ إلَيْها، سَواءٌ كانَ القائِمُ مُتَطَهِّرًا أوْ مُحْدِثًا، فَإنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ أنْ يَتَوَضَّأ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وعِكْرِمَةَ، وقالَ ابْنُ سِيرِينَ: كانَ الخُلَفاءُ يَتَوَضَّئُونَ لِكُلِّ صَلاةٍ، وقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى: إنَّ هَذا الأمْرَ خاصٌّ بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وهو ضَعِيفٌ، فَإنَّ الخِطابَ لِلْمُؤْمِنِينَ والأمْرَ لَهم، وقالَتْ طائِفَةٌ: الأمْرُ لِلنَّدْبِ طَلَبًا لِلْفَضْلِ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ الوُضُوءَ لِكُلِّ صَلاةٍ كانَ فَرْضًا عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ نُسِخَ في فَتْحِ مَكَّةَ، وقالَ جَماعَةٌ: هَذا الأمْرُ خاصٌّ بِمَن كانَ مُحْدِثًا، وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ إذا قُمْتُمْ مِنَ النَّوْمِ إلى الصَّلاةِ، فَيَعُمُّ الخِطابُ كُلَّ قائِمٍ مِن نَوْمٍ، وقَدْ أخْرَجَ مُسْلِمٌ وأحْمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ الفَتْحِ تَوَضَّأ ومَسَحَ عَلى خُفَّيْهِ وصَلّى الصَّلَواتَ بِوُضُوءٍ واحِدٍ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ فَعَلْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ، فَقالَ: عَمْدًا فَعَلْتُهُ يا عُمَرُ»، وهو مَرْوِيٌّ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ بِألْفاظٍ مُتَّفِقَةٍ في المَعْنى. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وأحْمَدُ وأهْلُ السُّنَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عامِرٍ الأنْصارِيِّ سَمِعْتُ أنَسَ بْنَ مالِكٍ يَقُولُ: «كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ، قالَ: قُلْتُ: فَأنْتُمْ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ ؟ قالَ: كُنّا نُصَلِّي الصَّلَواتِ بِوُضُوءٍ واحِدٍ ما لَمْ نُحْدِثْ»، فَتَقَرَّرَ بِما ذُكِرَ أنَّ الوُضُوءَ لا يَجِبُ إلّا عَلى المُحْدِثِ، وبِهِ قالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ وهو الحَقُّ.

قَوْلُهُ: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ الوَجْهُ في اللُّغَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ المُواجَهَةِ، وهو عُضْوٌ مُشْتَمِلٌ عَلى أعْضاءٍ، ولَهُ طُولٌ وعَرْضٌ، فَحَدُّهُ في الطُّولِ مِن مُبْتَدَأِ سَطْحِ الجَبْهَةِ إلى مُنْتَهى اللِّحْيَيْنِ، وفي العَرْضِ مِنَ الأُذُنِ إلى الأُذُنِ، وقَدْ ورَدَ الدَّلِيلُ بِتَخْلِيلِ اللِّحْيَةِ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في غَسْلِ ما اسْتَرْسَلَ، والكَلامُ في ذَلِكَ مَبْسُوطٌ في مَواطِنِهِ، وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ أيْضًا: هَلْ يُعْتَبَرُ في الغَسْلِ الدَّلْكُ بِاليَدِ أمْ يَكْفِي إمْرارُ الماءِ، والخِلافُ في ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، والمَرْجِعُ اللُّغَةُ العَرَبِيَّةُ فَإنْ ثَبَتَ فِيها أنَّ الدَّلْكَ داخِلٌ في مُسَمّى الغَسْلِ كانَ مُعْتَبَرًا وإلّا فَلا، قالَ في شَمْسِ العُلُومِ: غَسَلَ الشَّيْءَ غَسْلًا إذا أجْرى عَلَيْهِ الماءَ ودَلَّكَهُ انْتَهى، وأمّا المَضْمَضَةُ والِاسْتِنْشاقُ، فَإذا لَمْ يَكُنْ لَفْظُ الوَجْهِ يَشْمَلُ باطِنَ الفَمِ والأنْفِ فَقَدْ ثَبَتَ غَسْلُها بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، والخِلافُ في الوُجُوبِ وعَدَمِهِ مَعْرُوفٌ، وقَدْ أوْضَحْنا ما هو الحَقُّ في مُؤَلَّفاتِنا.

قَوْلُهُ: ﴿وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ ( إلى ) لِلْغايَةِ، وأمّا كَوْنُ ما بَعْدَها يَدْخُلُ فِيما قَبْلَها فَمَحَلُّ خِلافٍ، وقَدْ ذَهَبَ سِيبَوَيْهِ وجَماعَةٌ إلى أنَّ ما بَعْدَها إنْ كانَ مِن نَوْعِ ما قَبْلَها دَخَلَ وإلّا فَلا، …

7

وَٱذْكُرُوا۟ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَٰقَهُ ٱلَّذِى وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ

And remember the favor of Allah upon you and His covenant with which He bound you when you said, "We hear and we obey"; and fear Allah. Indeed, Allah is Knowing of that within the breasts.

( نِعْمَةَ اللَّهِ ) قِيلَ: هي الإسْلامُ.

والمِيثاقُ: العَهْدُ، قِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا: ما أخَذَهُ عَلى بَنِي آدَمَ كَما قالَ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآيَةَ، قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: نَحْنُ وإنْ لَمْ نَذْكُرْهُ فَقَدْ أخْبَرَنا اللَّهُ بِهِ، وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْيَهُودِ، والعَهْدُ: ما أخَذَهُ عَلَيْهِمْ في التَّوْراةِ، وذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ ومَن بَعْدَهم إلى أنَّهُ العَهْدُ الَّذِي أخَذَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَيْلَةَ العَقَبَةِ عَلَيْهِمْ، وهو السَّمْعُ والطّاعَةُ في المَنشَطِ والمَكْرَهِ، وأضافَهُ تَعالى إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ عَنْ أمْرِهِ وإذْنِهِ كَما قالَ: ﴿إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] وبَيْعَةُ العَقَبَةِ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ السِّيَرِ، وهَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ( أوْفُوا بِالعُقُودِ ) [المائدة: ١] .

قَوْلُهُ: ﴿إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ أيْ: وقْتَ قَوْلِكم هَذا القَوْلَ، وهَذا مُتَعَلِّقٌ بِـ ( واثَقَكم )، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا؛ أيْ: كائِنًا هَذا الوَقْتِ، و( ذاتِ الصُّدُورِ ) ما تُخْفِيهِ الصُّدُورُ لِكَوْنِها مُخْتَصَّةً بِها لا يَعْلَمُها أحَدٌ، ولِهَذا أطْلَقَ عَلَيْها ذاتَ الَّتِي بِمَعْنى الصّاحِبِ، وإذا كانَ سُبْحانَهُ عالِمًا بِها فَكَيْفَ بِما كانَ ظاهِرًا جَلِيًّا.

قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في النِّساءِ، وصِيغَةُ المُبالَغَةِ في ( قَوّامِينَ ) تُفِيدُ أنَّهم مَأْمُورُونَ بِأنْ يَقُومُوا بِها أتَمَّ قِيامٍ ( لِلَّهِ ) أيْ لِأجْلِهِ تَعْظِيمًا لِأمْرِهِ وطَمَعًا في ثَوابِهِ.

والقِسْطُ: العَدْلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ( يَجْرِمَنَّكم ) مُسْتَوْفًى؛ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ عَلى تَرْكِ العَدْلِ وكَتْمِ الشَّهادَةِ ( اعْدِلُوا هو ) أيِ: العَدْلُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: اعْدِلُوا ( أقْرَبُ لِلتَّقْوى ) الَّتِي أُمِرْتُمْ بِها غَيْرَ مَرَّةٍ؛ أيْ: أقْرَبُ لِأنْ تَتَّقُوا اللَّهَ، أوْ لِأنْ تَتَّقُوا النّارَ.

قَوْلُهُ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي لِقَوْلِهِ: ( وعَدَ ) عَلى مَعْنى وعَدَهم أنَّ لَهم مَغْفِرَةً، أوْ وعَدَهم مَغْفِرَةً فَوَقَعَتِ الجُمْلَةُ مَوْقِعَ المُفْرَدِ فَأغْنَتْ عَنْهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎وجَدْنا الصّالِحِينَ لَهم جَزاءُ وجَنّاتٍ وعَيْنًا سَلْسَبِيلا

قَوْلُهُ: ( أصْحابُ الجَحِيمِ ) أيْ: مُلابِسُوها، قَوْلُهُ: ( إذْ هَمَّ قَوْمٌ ) ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ( اذْكُرُوا ) أوْ لِلنِّعْمَةِ أوْ لِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنها: ( أنْ يَبْسُطُوا ) أيْ بِأنْ يَبْسُطُوا، وقَوْلُهُ: ( فَكَفَّ ) مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ( هَمَّ ) وسَيَأْتِي بَيانُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وبِهِ يَتَّضِحُ المَعْنى، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ يَعْنِي حَيْثُ بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ قالُوا: آمَنّا بِالنَّبِيِّ والكِتابِ وأقْرَرْنا بِما في التَّوْراةِ، فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ مِيثاقَهُ الَّذِي أقَرُّوا بِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ وأمَرَهم بِالوَفاءِ بِهِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: النِّعَمُ: الآلاءُ، ﴿ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ﴾ قالَ: الَّذِي واثَقَ بِهِ بَنِي آدَمَ في ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ …

8

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ

O you who have believed, be persistently standing firm for Allah, witnesses in justice, and do not let the hatred of a people prevent you from being just. Be just; that is nearer to righteousness. And fear Allah; indeed, Allah is Acquainted with what you do.

( نِعْمَةَ اللَّهِ ) قِيلَ: هي الإسْلامُ.

والمِيثاقُ: العَهْدُ، قِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا: ما أخَذَهُ عَلى بَنِي آدَمَ كَما قالَ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآيَةَ، قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: نَحْنُ وإنْ لَمْ نَذْكُرْهُ فَقَدْ أخْبَرَنا اللَّهُ بِهِ، وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْيَهُودِ، والعَهْدُ: ما أخَذَهُ عَلَيْهِمْ في التَّوْراةِ، وذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ ومَن بَعْدَهم إلى أنَّهُ العَهْدُ الَّذِي أخَذَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَيْلَةَ العَقَبَةِ عَلَيْهِمْ، وهو السَّمْعُ والطّاعَةُ في المَنشَطِ والمَكْرَهِ، وأضافَهُ تَعالى إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ عَنْ أمْرِهِ وإذْنِهِ كَما قالَ: ﴿إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] وبَيْعَةُ العَقَبَةِ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ السِّيَرِ، وهَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ( أوْفُوا بِالعُقُودِ ) [المائدة: ١] .

قَوْلُهُ: ﴿إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ أيْ: وقْتَ قَوْلِكم هَذا القَوْلَ، وهَذا مُتَعَلِّقٌ بِـ ( واثَقَكم )، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا؛ أيْ: كائِنًا هَذا الوَقْتِ، و( ذاتِ الصُّدُورِ ) ما تُخْفِيهِ الصُّدُورُ لِكَوْنِها مُخْتَصَّةً بِها لا يَعْلَمُها أحَدٌ، ولِهَذا أطْلَقَ عَلَيْها ذاتَ الَّتِي بِمَعْنى الصّاحِبِ، وإذا كانَ سُبْحانَهُ عالِمًا بِها فَكَيْفَ بِما كانَ ظاهِرًا جَلِيًّا.

قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في النِّساءِ، وصِيغَةُ المُبالَغَةِ في ( قَوّامِينَ ) تُفِيدُ أنَّهم مَأْمُورُونَ بِأنْ يَقُومُوا بِها أتَمَّ قِيامٍ ( لِلَّهِ ) أيْ لِأجْلِهِ تَعْظِيمًا لِأمْرِهِ وطَمَعًا في ثَوابِهِ.

والقِسْطُ: العَدْلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ( يَجْرِمَنَّكم ) مُسْتَوْفًى؛ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ عَلى تَرْكِ العَدْلِ وكَتْمِ الشَّهادَةِ ( اعْدِلُوا هو ) أيِ: العَدْلُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: اعْدِلُوا ( أقْرَبُ لِلتَّقْوى ) الَّتِي أُمِرْتُمْ بِها غَيْرَ مَرَّةٍ؛ أيْ: أقْرَبُ لِأنْ تَتَّقُوا اللَّهَ، أوْ لِأنْ تَتَّقُوا النّارَ.

قَوْلُهُ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي لِقَوْلِهِ: ( وعَدَ ) عَلى مَعْنى وعَدَهم أنَّ لَهم مَغْفِرَةً، أوْ وعَدَهم مَغْفِرَةً فَوَقَعَتِ الجُمْلَةُ مَوْقِعَ المُفْرَدِ فَأغْنَتْ عَنْهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎وجَدْنا الصّالِحِينَ لَهم جَزاءُ وجَنّاتٍ وعَيْنًا سَلْسَبِيلا

قَوْلُهُ: ( أصْحابُ الجَحِيمِ ) أيْ: مُلابِسُوها، قَوْلُهُ: ( إذْ هَمَّ قَوْمٌ ) ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ( اذْكُرُوا ) أوْ لِلنِّعْمَةِ أوْ لِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنها: ( أنْ يَبْسُطُوا ) أيْ بِأنْ يَبْسُطُوا، وقَوْلُهُ: ( فَكَفَّ ) مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ( هَمَّ ) وسَيَأْتِي بَيانُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وبِهِ يَتَّضِحُ المَعْنى، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ يَعْنِي حَيْثُ بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ قالُوا: آمَنّا بِالنَّبِيِّ والكِتابِ وأقْرَرْنا بِما في التَّوْراةِ، فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ مِيثاقَهُ الَّذِي أقَرُّوا بِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ وأمَرَهم بِالوَفاءِ بِهِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: النِّعَمُ: الآلاءُ، ﴿ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ﴾ قالَ: الَّذِي واثَقَ بِهِ بَنِي آدَمَ في ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ …

9

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ۙ لَهُم مَّغْفِرَةٌۭ وَأَجْرٌ عَظِيمٌۭ

Allah has promised those who believe and do righteous deeds [that] for them there is forgiveness and great reward.

( نِعْمَةَ اللَّهِ ) قِيلَ: هي الإسْلامُ.

والمِيثاقُ: العَهْدُ، قِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا: ما أخَذَهُ عَلى بَنِي آدَمَ كَما قالَ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآيَةَ، قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: نَحْنُ وإنْ لَمْ نَذْكُرْهُ فَقَدْ أخْبَرَنا اللَّهُ بِهِ، وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْيَهُودِ، والعَهْدُ: ما أخَذَهُ عَلَيْهِمْ في التَّوْراةِ، وذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ ومَن بَعْدَهم إلى أنَّهُ العَهْدُ الَّذِي أخَذَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَيْلَةَ العَقَبَةِ عَلَيْهِمْ، وهو السَّمْعُ والطّاعَةُ في المَنشَطِ والمَكْرَهِ، وأضافَهُ تَعالى إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ عَنْ أمْرِهِ وإذْنِهِ كَما قالَ: ﴿إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] وبَيْعَةُ العَقَبَةِ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ السِّيَرِ، وهَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ( أوْفُوا بِالعُقُودِ ) [المائدة: ١] .

قَوْلُهُ: ﴿إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ أيْ: وقْتَ قَوْلِكم هَذا القَوْلَ، وهَذا مُتَعَلِّقٌ بِـ ( واثَقَكم )، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا؛ أيْ: كائِنًا هَذا الوَقْتِ، و( ذاتِ الصُّدُورِ ) ما تُخْفِيهِ الصُّدُورُ لِكَوْنِها مُخْتَصَّةً بِها لا يَعْلَمُها أحَدٌ، ولِهَذا أطْلَقَ عَلَيْها ذاتَ الَّتِي بِمَعْنى الصّاحِبِ، وإذا كانَ سُبْحانَهُ عالِمًا بِها فَكَيْفَ بِما كانَ ظاهِرًا جَلِيًّا.

قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في النِّساءِ، وصِيغَةُ المُبالَغَةِ في ( قَوّامِينَ ) تُفِيدُ أنَّهم مَأْمُورُونَ بِأنْ يَقُومُوا بِها أتَمَّ قِيامٍ ( لِلَّهِ ) أيْ لِأجْلِهِ تَعْظِيمًا لِأمْرِهِ وطَمَعًا في ثَوابِهِ.

والقِسْطُ: العَدْلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ( يَجْرِمَنَّكم ) مُسْتَوْفًى؛ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ عَلى تَرْكِ العَدْلِ وكَتْمِ الشَّهادَةِ ( اعْدِلُوا هو ) أيِ: العَدْلُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: اعْدِلُوا ( أقْرَبُ لِلتَّقْوى ) الَّتِي أُمِرْتُمْ بِها غَيْرَ مَرَّةٍ؛ أيْ: أقْرَبُ لِأنْ تَتَّقُوا اللَّهَ، أوْ لِأنْ تَتَّقُوا النّارَ.

قَوْلُهُ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي لِقَوْلِهِ: ( وعَدَ ) عَلى مَعْنى وعَدَهم أنَّ لَهم مَغْفِرَةً، أوْ وعَدَهم مَغْفِرَةً فَوَقَعَتِ الجُمْلَةُ مَوْقِعَ المُفْرَدِ فَأغْنَتْ عَنْهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎وجَدْنا الصّالِحِينَ لَهم جَزاءُ وجَنّاتٍ وعَيْنًا سَلْسَبِيلا

قَوْلُهُ: ( أصْحابُ الجَحِيمِ ) أيْ: مُلابِسُوها، قَوْلُهُ: ( إذْ هَمَّ قَوْمٌ ) ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ( اذْكُرُوا ) أوْ لِلنِّعْمَةِ أوْ لِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنها: ( أنْ يَبْسُطُوا ) أيْ بِأنْ يَبْسُطُوا، وقَوْلُهُ: ( فَكَفَّ ) مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ( هَمَّ ) وسَيَأْتِي بَيانُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وبِهِ يَتَّضِحُ المَعْنى، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ يَعْنِي حَيْثُ بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ قالُوا: آمَنّا بِالنَّبِيِّ والكِتابِ وأقْرَرْنا بِما في التَّوْراةِ، فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ مِيثاقَهُ الَّذِي أقَرُّوا بِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ وأمَرَهم بِالوَفاءِ بِهِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: النِّعَمُ: الآلاءُ، ﴿ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ﴾ قالَ: الَّذِي واثَقَ بِهِ بَنِي آدَمَ في ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ …

10

وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَكَذَّبُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَآ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ

But those who disbelieve and deny Our signs - those are the companions of Hellfire.

( نِعْمَةَ اللَّهِ ) قِيلَ: هي الإسْلامُ.

والمِيثاقُ: العَهْدُ، قِيلَ: المُرادُ بِهِ هُنا: ما أخَذَهُ عَلى بَنِي آدَمَ كَما قالَ: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ١٧٢] الآيَةَ، قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: نَحْنُ وإنْ لَمْ نَذْكُرْهُ فَقَدْ أخْبَرَنا اللَّهُ بِهِ، وقِيلَ: هو خِطابٌ لِلْيَهُودِ، والعَهْدُ: ما أخَذَهُ عَلَيْهِمْ في التَّوْراةِ، وذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ مِنَ السَّلَفِ ومَن بَعْدَهم إلى أنَّهُ العَهْدُ الَّذِي أخَذَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَيْلَةَ العَقَبَةِ عَلَيْهِمْ، وهو السَّمْعُ والطّاعَةُ في المَنشَطِ والمَكْرَهِ، وأضافَهُ تَعالى إلى نَفْسِهِ؛ لِأنَّهُ عَنْ أمْرِهِ وإذْنِهِ كَما قالَ: ﴿إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠] وبَيْعَةُ العَقَبَةِ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ السِّيَرِ، وهَذا مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ( أوْفُوا بِالعُقُودِ ) [المائدة: ١] .

قَوْلُهُ: ﴿إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ أيْ: وقْتَ قَوْلِكم هَذا القَوْلَ، وهَذا مُتَعَلِّقٌ بِـ ( واثَقَكم )، أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا؛ أيْ: كائِنًا هَذا الوَقْتِ، و( ذاتِ الصُّدُورِ ) ما تُخْفِيهِ الصُّدُورُ لِكَوْنِها مُخْتَصَّةً بِها لا يَعْلَمُها أحَدٌ، ولِهَذا أطْلَقَ عَلَيْها ذاتَ الَّتِي بِمَعْنى الصّاحِبِ، وإذا كانَ سُبْحانَهُ عالِمًا بِها فَكَيْفَ بِما كانَ ظاهِرًا جَلِيًّا.

قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في النِّساءِ، وصِيغَةُ المُبالَغَةِ في ( قَوّامِينَ ) تُفِيدُ أنَّهم مَأْمُورُونَ بِأنْ يَقُومُوا بِها أتَمَّ قِيامٍ ( لِلَّهِ ) أيْ لِأجْلِهِ تَعْظِيمًا لِأمْرِهِ وطَمَعًا في ثَوابِهِ.

والقِسْطُ: العَدْلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى قَوْلِهِ: ( يَجْرِمَنَّكم ) مُسْتَوْفًى؛ أيْ: لا يَحْمِلَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ عَلى تَرْكِ العَدْلِ وكَتْمِ الشَّهادَةِ ( اعْدِلُوا هو ) أيِ: العَدْلُ المَدْلُولُ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: اعْدِلُوا ( أقْرَبُ لِلتَّقْوى ) الَّتِي أُمِرْتُمْ بِها غَيْرَ مَرَّةٍ؛ أيْ: أقْرَبُ لِأنْ تَتَّقُوا اللَّهَ، أوْ لِأنْ تَتَّقُوا النّارَ.

قَوْلُهُ: ﴿لَهم مَغْفِرَةٌ وأجْرٌ عَظِيمٌ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّها المَفْعُولُ الثّانِي لِقَوْلِهِ: ( وعَدَ ) عَلى مَعْنى وعَدَهم أنَّ لَهم مَغْفِرَةً، أوْ وعَدَهم مَغْفِرَةً فَوَقَعَتِ الجُمْلَةُ مَوْقِعَ المُفْرَدِ فَأغْنَتْ عَنْهُ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎وجَدْنا الصّالِحِينَ لَهم جَزاءُ وجَنّاتٍ وعَيْنًا سَلْسَبِيلا

قَوْلُهُ: ( أصْحابُ الجَحِيمِ ) أيْ: مُلابِسُوها، قَوْلُهُ: ( إذْ هَمَّ قَوْمٌ ) ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: ( اذْكُرُوا ) أوْ لِلنِّعْمَةِ أوْ لِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِنها: ( أنْ يَبْسُطُوا ) أيْ بِأنْ يَبْسُطُوا، وقَوْلُهُ: ( فَكَفَّ ) مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ( هَمَّ ) وسَيَأْتِي بَيانُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وبِهِ يَتَّضِحُ المَعْنى، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ يَعْنِي حَيْثُ بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ قالُوا: آمَنّا بِالنَّبِيِّ والكِتابِ وأقْرَرْنا بِما في التَّوْراةِ، فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ مِيثاقَهُ الَّذِي أقَرُّوا بِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ وأمَرَهم بِالوَفاءِ بِهِ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: النِّعَمُ: الآلاءُ، ﴿ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ﴾ قالَ: الَّذِي واثَقَ بِهِ بَنِي آدَمَ في ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ …

Al-Maaida 5:10Listen in Qur'an →

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.