Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 51–60 of 176

51

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَٰٓؤُلَآءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ سَبِيلًا

Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, who believe in superstition and false objects of worship and say about the disbelievers, "These are better guided than the believers as to the way"?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها: أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ جَماعَةً مِنَ اليَهُودِ قَدِمُوا عَلى قُرَيْشٍ، فَسَألُوهُمْ: أدِينُنا خَيْرٌ، أمْ دِينُ مُحَمَّدٍ؟ فَقالَ: اليَهُودُ: بَلْ دِينُكم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ، وحُيَيَّ بْنَ أخْطَبَ، قَدِما مَكَّةَ، فَقالَتْ لَهُما قُرَيْشٌ: أنْحَنُ خَيْرٌ، أمْ مُحَمَّدٌ؟ فَقالا: أنْتُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ في رِوايَةٍ. وقالَ قَتادَةُ: نَزَلَتْ في كَعْبٍ، وحُيَيِّ، ورَجُلَيْنِ آخَرَيْنِ مِن بَنِي النَّضِيرِ قالُوا: لِقُرَيْشٍ: أنْتُمْ أهْدى مِن مُحَمَّدٍ.

والثّالِثُ: أنَّ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ وهو الَّذِي قالَ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ: أنْتُمْ أهْدى مِن مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ، وعِكْرِمَةَ في رِوايَةٍ.

والرّابِعُ: أنَّ حُيَيَّ بْنَ أخْطَبَ قالَ لِلْمُشْرِكِينَ: نَحْنُ وإيّاكم خَيْرٌ مِن مُحَمَّدٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ ابْنُ زَيْدٍ. والمُرادُ بِالمَذْكُورِينَ في هَذِهِ الآَيَةِ اليَهُودُ.

وَفِي "الجِبْتِ" سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ السِّحْرُ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، والثّانِي: الأصْنامُ، رَواهُ عَطِيَّةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ عِكْرِمَةُ: الجِبْتُ: صَنَمٌ. والثّالِثُ: حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ، والفَرّاءُ. والرّابِعُ: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، رَواهُ الضَّحّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ. والخامِسُ: الكاهِنُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ سِيرِينَ، ومَكْحُولٍ. والسّادِسُ: الشَّيْطانُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ في رِوايَةٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ. والسّابِعُ: السّاحِرُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، وابْنُ زَيْدٍ. ورَوى أبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: الجِبْتُ: السّاحِرُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ.

وَفِي المُرادِ بِالطّاغُوتِ ها هُنا سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الشَّيْطانُ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ، والشَّعْبِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ لِلَّذِينِ يَكُونُونَ بَيْنَ يَدَيِ الأصْنامِ يُعَبِّرُونَ عَنْها لِيُضِلُّوا النّاسَ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ، والفَرّاءُ. والرّابِعُ: الكاهِنُ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةَ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ. والخامِسُ: أنَّهُ الصَّنَمُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. وقالَ الجِبْتُ والطّاغُوتُ صَنَمانِ. والسّادِسُ: السّاحِرُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ سِيرِينَ، ومَكْحُولٍ، فَهَذِهِ الأقْوالُ. تَدُلُّ عَلى أنَّهُما اسْمانِ لِمُسَمَّيَيْنِ.

وَقالَ اللُّغَوِيُّونَ مِنهُمُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ: كُلُّ مَعْبُودٍ مَن دُونِ اللَّهِ، مَن حَجَرٍ، أوْ صُورَةٍ، أوْ شَيْطانٍ، فَهو جِبْتٌ وطاغُوتٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي: لِمُشْرِكِي قُرَيْشٍ: أنْتُمْ "أهْدى" مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا، يَعْنُونَ النَّبِيَّ وأصْحابَهُ "طَرِيقًا" في الدِّيانَةِ والِاعْتِقادِ.

52

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا

Those are the ones whom Allah has cursed; and he whom Allah curses - never will you find for him a helper.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ﴾ هَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: الإنْكارُ، فالتَّقْدِيرُ: لَيْسَ لَهم. وقالَ الفَرّاءُ: قَوْلُهُ ﴿فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ جَوابٌ لِجَزاءٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: ولَئِنْ كانَ لَهم نَصِيبٌ لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا. وفي "النَّقِيرِ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ النُّقْطَةُ الَّتِي في ظَهْرِ النَّواةِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ القِشْرُ الَّذِي يَكُونُ في وسَطِ النَّواةِ، رَواهُ التَّيْمِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّهُ الخَيْطُ الَّذِي يَكُونُ في وسَطِ النَّواةِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ نَقَرَ الرَّجُلَ الشَّيْءَ بِطَرَفِ إبْهامِهِ، رَواهُ أبُو العالِيَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ حَبَّةُ النَّواةِ الَّتِي في وسَطِها، رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجاهِدٍ. قالَ الأزْهَرِيُّ: و"الفَتِيلُ" و"النَّقِيرُ" و"القِطْمِيرُ": تُضْرَبُ أمْثالًا لِلشَّيْءِ التّافِهِ الحَقِيرِ.

53

أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌۭ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذًۭا لَّا يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا

Or have they a share of dominion? Then [if that were so], they would not give the people [even as much as] the speck on a date seed.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ﴾ هَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: الإنْكارُ، فالتَّقْدِيرُ: لَيْسَ لَهم. وقالَ الفَرّاءُ: قَوْلُهُ ﴿فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ جَوابٌ لِجَزاءٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: ولَئِنْ كانَ لَهم نَصِيبٌ لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا. وفي "النَّقِيرِ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ النُّقْطَةُ الَّتِي في ظَهْرِ النَّواةِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وعَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ، والفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ في آخَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ القِشْرُ الَّذِي يَكُونُ في وسَطِ النَّواةِ، رَواهُ التَّيْمِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّهُ الخَيْطُ الَّذِي يَكُونُ في وسَطِ النَّواةِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ نَقَرَ الرَّجُلَ الشَّيْءَ بِطَرَفِ إبْهامِهِ، رَواهُ أبُو العالِيَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ حَبَّةُ النَّواةِ الَّتِي في وسَطِها، رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجاهِدٍ. قالَ الأزْهَرِيُّ: و"الفَتِيلُ" و"النَّقِيرُ" و"القِطْمِيرُ": تُضْرَبُ أمْثالًا لِلشَّيْءِ التّافِهِ الحَقِيرِ.

54

أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۖ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَٰهُم مُّلْكًا عَظِيمًۭا

Or do they envy people for what Allah has given them of His bounty? But we had already given the family of Abraham the Scripture and wisdom and conferred upon them a great kingdom.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: أنَّ أهْلَ الكِتابِ قالُوا: يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أنَّهُ أُوتِيَ ما أُوتِيَ في تَواضُعٍ، ولَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ، فَأيُّ مُلْكٍ أفْضَلُ مِن هَذا، فَنَزَلَتْ، رَواهُ العَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وَفِي "أمْ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى: ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّانِي: بِمَعْنى: "بَلْ" قالَهُ الزَّجّاجُ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ "الحَسَدِ" في (سُورَةِ البَقَرَةِ) والحاسِدُونَ هاهُنا: اليَهُودُ. وفي المُرادِ بِالنّاسِ هاهُنا: أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: النَّبِيُّ ﷺ، رَواهُ عَطِيَّةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: النَّبِيُّ ﷺ، وأبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

والثّالِثُ: العَرَبُ، قالَهُ قَتادَةُ. والرّابِعُ: النَّبِيُّ، والصَّحابَةُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

وَفِي الَّذِي آَتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: إباحَةُ اللَّهِ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَنْكِحَ ما شاءَ مِنَ النِّساءِ مِن غَيْرِ عَدَدٍ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ. والثّانِي: أنَّهُ النُّبُوَّةُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، والزَّجّاجُ. والثّالِثُ: بِعْثَةُ نَبِيٍّ مِنهم عَلى قَوْلِ مَن قالَ: هُمُ العَرَبُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ﴾ يَعْنِي: التَّوْراةُ، والإنْجِيلُ، والزَّبُورُ. كُلُّهُ كانَ في آَلِ إبْراهِيمَ، وهَذا النَّبِيُّ مِن أوْلادِ إبْراهِيمَ. وفي الحِكْمَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: النُّبُوَّةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: الفِقْهُ في الدِّينِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

وَفِي المُلْكِ العَظِيمِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: مُلْكُ سُلَيْمانَ، رَواهُ عَطِيَّةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: مُلْكُ داوُدَ، وسُلَيْمانَ في النِّساءِ، كانَ لِداوُدَ مِائَةَ امْرَأةٍ، ولِسُلَيْمانَ سَبْعَمِائَةَ امْرَأةٍ، وثَلاثَمِائَةَ سُرِّيَّةٍ، رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ السُّدِّيُّ. والثّالِثُ: النُّبُوَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والرّابِعُ: التَّأْيِيدُ بِالمَلائِكَةِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ في آَخَرِينَ. والخامِسُ: الجَمْعُ بَيْنَ سِياسَةِ الدُّنْيا، وشَرْعِ الدِّينِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

55

فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ بِهِۦ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ ۚ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا

And some among them believed in it, and some among them were averse to it. And sufficient is Hell as a blaze.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ﴾ فِيمَن تَعُودُ عَلَيْهِ الهاءُ، والمِيمُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: اليَهُودُ الَّذِينَ أنْذَرُهم نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ ﷺ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، ومُقاتِلٍ.

والفَرّاءُ في آَخَرِينَ. فَعَلى هَذا القَوْلِ في هاءِ "بِهِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: تَعُودُ عَلى ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ ﷺ، قالَهُ مُجاهِدٌ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ: فَيَكُونُ الكَلامُ مَبْنِيًّا عَلى قَوْلِهِ ﴿عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ وهو النُّبُوَّةُ، والقُرْآَنُ.

والثّانِي: أنَّها تَعُودُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَتَكُونُ مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ يَعْنِي: بِالنّاسِ مُحَمَّدًا ﷺ، ويَكُونُ المُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ﴾ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ، وأصْحابَهُ. والثّالِثُ: أنَّها تَعُودُ إلى النَّبَإ عَنْ آَلِ إبْراهِيمَ، قالَهُ الفَرّاءُ.

والقَوْلُ الثّانِي أنَّ الهاءَ، والمِيمَ في قَوْلِهِ (فَمِنهُمْ) تَعُودُ إلى آَلِ إبْراهِيمَ، فَعَلى هَذا في هاءِ "بِهِ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها عائِدَةٌ إلى إبْراهِيمَ، قالَهُ السُّدِّيِّ. والثّانِي: إلى الكِتابِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ﴾ وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، وابْنُ يَعْمُرَ، والجَحْدَرَيُّ: (مَن صَدَّ عَنْهُ) بِرَفْعِ الصّادِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو رَجاءٍ، والجَوْنِيُّ: بِكَسْرِ الصّادِ.

56

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًۭا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًۭا

Indeed, those who disbelieve in Our verses - We will drive them into a Fire. Every time their skins are roasted through We will replace them with other skins so they may taste the punishment. Indeed, Allah is ever Exalted in Might and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ: نَشْوِيهِمْ في نارٍ. ويُرْوى أنَّ يَهُودِيَّةً أهْدَتْ إلى النَّبِيِّ ﷺ شاةً مُصْلِيَةً، أيْ: مَشْوِيَّةً. وفي قَوْلِهِ ﴿بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها غَيْرُها حَقِيقَةً، ولا يَلْزَمُ عَلى هَذا أنْ يُقالَ: كَيْفَ بُدِّلَتْ جُلُودٌ التَذَّتْ بِالمَعاصِي بِجُلُودٍ ما التَذَّتْ، لِأنَّ الجُلُودَ آَلَةٌ في إيصالِ العَذابِ إلَيْهِمْ، كَما كانَتْ آَلَةً في إيصالِ اللَّذَّةِ، وهُمُ المُعاقِبُونَ لا الجُلُودُ.

والثّانِي: أنَّها هي بِعَيْنِها تُعادُ بَعْدَ احْتِراقِها، كَما تُعادُ بَعْدَ البِلى في القُبُورِ. فَتَكُونُ الغَيْرِيَّةُ عائِدَةً إلى الصِّفَةِ، لا إلى الذّاتِ، فالمَعْنى: بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَ مُحْتَرِقَةٍ، كَما تَقُولُ: صُغْتُ مِن خاتَمِي خاتَمًا آَخَرَ. وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: في هَذِهِ الآَيَةِ: تَأْكُلُهُمُ النّارُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ ألْفَ مَرَّةً، كُلَّما أكَلَتْهم قِيلَ: لَهُمْ: عُودُوا، فَعادُوا.

57

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۖ لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌۭ مُّطَهَّرَةٌۭ ۖ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّۭا ظَلِيلًا

But those who believe and do righteous deeds - We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they abide forever. For them therein are purified spouses, and We will admit them to deepening shade.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنُدْخِلُهم ظِلا ظَلِيلا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو الَّذِي يَظَلُّ مِنَ الحَرِّ والرِّيحِ، ولَيْسَ كُلُّ ظِلٍّ كَذَلِكَ، فَأعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أنَّ ظِلَّ الجَنَّةِ ظَلِيلٌ لا حَرَّ مَعَهُ، ولا بَرْدَ. فَإنْ قِيلَ: أفِي الجَنَّةِ بَرْدٌ أوْ حَرٌّ يَحْتاجُونَ مَعَهُ إلى ظِلٍّ؟ فالجَوابُ: أنْ لا، وإنَّما خاطَبَهم بِما يَعْقِلُونَ مِثْلَهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَهم رِزْقُهم فِيها بُكْرَةً وعَشِيًّا﴾ [مَرْيَمَ: ٦٢] وجَوابٌ آَخَرُ: وهو أنَّهُ إشارَةٌ إلى كَمالِ وصْفِها، وتَمْكِينِ بِنائِها، فَلَوْ كانَ البَرْدُ أوِ الحَرُّ يَتَسَلَّطُ عَلَيْها، لَكانَ في أبْنِيَتِها وشَجَرِها ظِلٌّ ظَلِيلٌ.

58

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا۟ بِٱلْعَدْلِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًۢا بَصِيرًۭا

Indeed, Allah commands you to render trusts to whom they are due and when you judge between people to judge with justice. Excellent is that which Allah instructs you. Indeed, Allah is ever Hearing and Seeing.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. .

أحَدُها: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا فَتَحَ مَكَّةَ، طَلَبَ مِفْتاحَ البَيْتِ مِن عُثْمانَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، فَذَهَبَ لِيُعْطِيَهُ إيّاهُ، فَقالَ: العَبّاسُ: بِأبِي أنْتَ وأُمِّي اجْمَعْهُ لِي مَعَ السِّقايَةِ، فَكَفَّ عُثْمانُ يَدَهُ مَخافَةَ أنْ يُعْطِيَهُ لِلْعَبّاسِ، فَقالَ: النَّبِيُّ ﷺ: "هاتِ المِفْتاحَ" فَأعادَ العَبّاسُ قَوْلَهُ، وكَفَّ عُثْمانُ، فَقالَ: النَّبِيُّ ﷺ: "أرِنِي المِفْتاحَ إنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآَخِرِ" فَقالَ: هاكِهِ يا رَسُولَ اللَّهِ بِأمانَةِ اللَّهِ، فَأخَذَ المِفْتاحَ، فَفَتَحَ البَيْتَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآَيَةِ، فَدَعا عُثْمانَ، فَدَفَعَهُ إلَيْهِ.» رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، والزُّهْرِيُّ، وابْنُ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في الأُمَراءِ. رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وابْنُهُ، ومَكْحُولٌ، واخْتارَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، وقالَ: أمَرَ الأُمَراءَ أنْ يُؤَدُّوا الأمانَةَ في أمْوالِ المُسْلِمِينَ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ عامَّةً، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ، واخْتارَهُ القاضِي أبُو يَعْلى. واعْلَمْ أنَّ نُزُولَها عَلى سَبَبٍ لا يَمْنَعُ عُمُومَ حُكْمِها، فَإنَّها عامَّةٌ في الوَدائِعِ وغَيْرِها مِنَ الأماناتِ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الأمانَةُ في الوُضُوءِ، وفي الصَّلاةِ، وفي الصَّوْمِ، وفي الحَدِيثِ، وأشَدُّ ذَلِكَ في الوَدائِعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ﴾ يَقُولُ: نِعِمَّ الشَّيْءُ يَعِظُكم بِهِ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في (البَقَرَةِ) .

59

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍۢ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا

O you who have believed, obey Allah and obey the Messenger and those in authority among you. And if you disagree over anything, refer it to Allah and the Messenger, if you should believe in Allah and the Last Day. That is the best [way] and best in result.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذافَةَ بْنِ قَيْسٍ السَّهْمِيِّ إذْ بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ في سَرِيَّةٍ، أخْرَجَهُ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: «أنَّ عَمّارَ بْنَ ياسِرٍ كانَ مَعَ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ في سَرِيَّةٍ، فَهَرَبَ القَوْمُ، ودَخْلَ رَجُلٌ مِنهم عَلى عَمّارٍ، فَقالَ: إنِّي قَدْ أسْلَمَتْ، هَلْ يَنْفَعُنِي، أوْ أذْهَبُ كَما ذَهَبَ قَوْمِي؟ قالَ عَمّارٌ: أقِمْ فَأنْتَ آَمِنٌ، فَرَجَعَ الرَّجُلُ، وأقامَ فَجاءَ خالِدٌ، فَأخَذَ الرَّجُلَ، فَقالَ عَمّارٌ: إنِّي قَدْ أمَّنْتُهُ، وإنَّهُ قَدْ أسْلَمَ، قالَ: أتُجِيرُ عَلَيَّ وأنا الأمِيرُ؟ فَتَنازَعا، وقَدِما عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ طاعَةُ الرَّسُولِ في حَياتِهِ: امْتِثالُ أمْرِهِ، واجْتِنابُ نَهْيِهِ، وبَعْدَ مَماتِهِ: اتِّباعُ سُنَّتِهِ.

وَفِي أُولِي الأمْرِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ الأُمَراءُ، قالَهُ أبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُمُ العُلَماءُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، والحَسَنِ، وأبِي العالِيَةَ، وعَطاءٍ، والنَّخْعِيِّ، والضَّحّاكِ، ورَواهُ خَصِيفٌ عَنْ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهم أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ، رَواهُ ابْنُ أبِي نُجَيْحٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، وبِهِ قالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيُّ.

والرّابِعُ: أنَّهم أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وهَذا قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: اخْتَلَفْتُمْ. وقالَ كُلُّ فَرِيقٍ: القَوْلُ القَوْلِيُّ. واشْتِقاقُ المُنازَعَةِ: أنْ كُلَّ واحِدٍ يَنْتَزِعُ الحُجَّةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ في كَيْفِيَّةِ هَذا الرَّدِّ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ رَدَّهُ إلى اللَّهِ رَدُّهُ إلى كِتابِهِ، ورَدَّهُ إلى النَّبِيِّ رَدُّهُ إلى سُنَّتِهِ، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ، والجُمْهُورِ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وهَذا الرَّدُّ يَكُونُ مِن وجْهَيْنِ. أحَدِهِما: إلى المَنصُوصِ عَلَيْهِ بِاسْمِهِ ومَعْناهُ، والثّانِي: الرَّدُّ إلَيْهِما مِن جِهَةِ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ، واعْتِبارِهِ مِن طَرِيقِ القِياسِ، والنَّظائِرِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ رَدَّهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، أنْ يَقُولَ: مَن لا يَعْلَمُ الشَّيْءَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، ذَكَرَهُ قَوْمٌ، مِنهُمُ الزَّجّاجُ.

وَفِي المُرادِ بِالتَّأْوِيلِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الجَزاءُ، والثَّوابُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ. والثّانِي: أنَّهُ العاقِبَةُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ. والثّالِثُ: أنَّهُ التَّصْدِيقُ، مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ﴾ [يُوسُفَ: ١٠٠] قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ في رِوايَةٍ. والرّابِعُ: أنَّ مَعْناهُ: رَدُّكم إيّاهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ أحْسَنُ مِن تَأْوِيلِكم، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

60

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوٓا۟ أَن يَكْفُرُوا۟ بِهِۦ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًۭا

Have you not seen those who claim to have believed in what was revealed to you, [O Muhammad], and what was revealed before you? They wish to refer legislation to Taghut, while they were commanded to reject it; and Satan wishes to lead them far astray.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا﴾ في سَبَبِ نُزُولِها: أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في «رَجُلٍ مِنَ المُنافِقِينَ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ يَهُودِيٍّ خُصُومَةٌ، فَقالَ اليَهُودِيُّ: انْطَلِقْ بِنا إلى مُحَمَّدٍ، وقالَ المُنافِقُ: بَلْ إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، فَأبى اليَهُودِيُّ، فَأتَيا النَّبِيَّ ﷺ، فَقَضى لِلْيَهُودِيِّ، فَلَمّا خَرَجا، قالَ المُنافِقُ: نَنْطَلِقُ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، فَأقْبَلا إلَيْهِ، فَقَصّا عَلَيْهِ القِصَّةَ، فَقالَ: رُوَيْدًا حَتّى أخْرُجَ إلَيْكُما، فَدَخَلَ البَيْتَ، فاشْتَمَلَ عَلى السَّيْفِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَضَرَبَ بِهِ المُنافِقَ حَتّى بَرِدَ، وقالَ: هَكَذا أقْضِي بَيْنَ مَن لَمْ يَرْضَ بِقَضاءِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ أبا بُرْدَةَ الأسْلَمِيَّ كانَ كاهِنًا يَقْضِي بَيْنَ اليَهُودِ، فَتَنافَرَ إلَيْهِ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيُ، رَواهُ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنْ يَهُودِيًّا ومُنافِقًا كانَتْ بَيْنَهُما خُصُومَةٌ، فَدَعا اليَهُودِيُّ المُنافِقَ إلى النَّبِيِّ، لِأنَّهُ لا يَأْخُذُ الرِّشْوَةَ، ودَعا المُنافِقُ إلى حُكّامِهِمْ، لِأنَّهم يَأْخُذُونَ الرِّشْوَةَ، فَلَمّا اخْتَلَفا، اجْتَمَعا أنَّ يُحَكِّما كاهِنًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ.

والرّابِعُ: أنَّ رَجُلًا مَن بَنِي النَّضِيرِ قَتَلَ رَجُلًا مِن بَنِي قُرَيْظَةَ، فاخْتَصَمُوا، فَقالَ المُنافِقُونَ مِنهُمْ: انْطَلِقُوا إلى أبِي بُرْدَةَ الكاهِنِ، فَقالَ المُسْلِمُونَ مِنَ الفَرِيقَيْنِ: بَلْ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَأبى المُنافِقُونَ، فانْطَلَقُوا إلى الكاهِنِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والزَّعْمُ والزُّعْمُ لُغَتانِ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ في قَوْلِ ما لا تَتَحَقَّقُ صِحَّتُهُ، وفي ( الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أنْزِلُ إلَيْه وما أنْزَلَ مَن قَبْلِه ) قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ المُنافِقُ. والثّانِي: أنَّ الَّذِي زَعَمَ أنَّهُ آَمَنَ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ المُنافِقُ، والَّذِي زَعَمَ أنَّهُ آَمَنَ بِما أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ اليَهُودِيُّ. والطّاغُوتُ: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ، ومُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: أنْ يَتَبَرَّؤُوا مِنَ الكَهَنَةِ، و"الضَّلالِ البَعِيدِ": الطَّوِيلِ.

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.