Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 61–70 of 176

61

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًۭا

And when it is said to them, "Come to what Allah has revealed and to the Messenger," you see the hypocrites turning away from you in aversion.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ في الآيَةِ الأُولى عَلى جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ أنْ يُطِيعُوا اللَّهَ ويُطِيعُوا الرَّسُولَ ذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المُنافِقِينَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ لا يُطِيعُونَ الرَّسُولَ ولا يَرْضَوْنَ بِحُكْمِهِ، وإنَّما يُرِيدُونَ حُكْمَ غَيْرِهِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الزَّعْمُ والزَّعَمُ لُغَتانِ، ولا يُسْتَعْمَلانِ في الأكْثَرَ إلّا في القَوْلِ الَّذِي لا يَتَحَقَّقُ. قالَ اللَّيْثُ: أهْلُ العَرَبِيَّةِ يَقُولُونَ زَعَمَ فُلانٌ إذا شَكُّوا فِيهِ فَلَمْ يَعْرِفُوا أكَذَبَ أوْ صَدَقَ، فَكَذَلِكَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿هَذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنْعامِ: ١٣٦ ] أيْ بِقَوْلِهِمُ الكَذِبَ. قالَ الأصْمَعِيُّ: الزَّعُومُ مِنَ الغَنَمِ الَّتِي لا يَعْرِفُونَ أبِها شَحْمٌ أمْ لا، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الزَّعْمُ يُسْتَعْمَلُ في الحَقِّ، وأنْشَدَ لِأُمَيَّةَ بْنِ الصَّلْتِ:

وإنِّي أدِينُ لَكم أنَّهُ سَيُنْجِزُكم رَبُّكم ما زَعَمَ

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ المُرادُ بِهِ الكَذِبُ، لِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ذَكَرُوا في أسْبابِ النُّزُولِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: «نازَعَ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ فَقالَ اليَهُودِيُّ: بَيْنِي وبَيْنَكَ أبُو القاسِمِ، وقالَ المُنافِقُ: بَيْنِي وبَيْنَكَ كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، والسَّبَبُ في ذَلِكَ أنَّ الرَّسُولَ ﷺ كانَ يَقْضِي بِالحَقِّ ولا يَلْتَفِتُ إلى الرِّشْوَةِ، وكَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ كانَ شَدِيدَ الرَّغْبَةِ في الرِّشْوَةِ، واليَهُودِيَّ كانَ مُحِقًّا، والمُنافِقَ كانَ مُبْطِلًا، فَلِهَذا المَعْنى كانَ اليَهُودِيُّ يُرِيدُ التَّحاكُمَ إلى الرَّسُولِ، والمُنافِقُ كانَ يُرِيدُ كَعْبَ بْنَ الأشْرَفِ، ثُمَّ أصَرَّ اليَهُودِيُّ عَلى قَوْلِهِ، فَذَهَبا إلَيْهِ ﷺ، فَحَكَمَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْيَهُودِيِّ عَلى المُنافِقِ، فَقالَ المُنافِقُ لا أرْضى انْطَلِقْ بِنا إلى أبِي بَكْرٍ، فَحَكَمَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِلْيَهُودِيِّ فَلَمْ يَرْضَ المُنافِقُ، وقالَ المُنافِقُ: بَيْنِي وبَيْنَكَ عُمَرُ، فَصارا إلى عُمَرَ فَأخْبَرَهُ اليَهُودِيُّ أنَّ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأبا بَكْرٍ حَكَما عَلى المُنافِقِ فَلَمْ يَرْضَ بِحُكْمِهِما، فَقالَ لِلْمُنافِقِ: أهَكَذا ؟ فَقالَ: نَعَمْ، قالَ: اصْبِرا إنَّ لِي حاجَةً أدْخُلُ فَأقْضِيها وأخْرُجُ إلَيْكُما. فَدَخَلَ فَأخَذَ سَيْفَهُ ثُمَّ خَرَجَ إلَيْهِما فَضَرَبَ بِهِ المُنافِقَ حَتّى بَرَدَ وهَرَبَ اليَهُودِيُّ، فَجاءَ أهْلُ المُنافِقِ فَشَكَوْا عُمَرَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَسَألَ عُمَرَ عَنْ قِصَّتِهِ، فَقالَ عُمَرُ: إنَّهُ رَدَّ حُكْمَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَجاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ في الحالِ وقالَ: إنَّهُ الفارُوقُ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعُمَرَ: ”أنْتَ الفارُوقُ» “ وعَلى هَذا القَوْلِ الطّاغُوتُ هو كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ.

صفحة ١٢٤

الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ أسْلَمَ ناسٌ مِنَ اليَهُودِ ونافَقَ بَعْضُهم، …

62

فَكَيْفَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّآ إِحْسَٰنًۭا وَتَوْفِيقًا

So how [will it be] when disaster strikes them because of what their hands have put forth and then they come to you swearing by Allah, "We intended nothing but good conduct and accommodation."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ .

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ في اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ كَلامٌ وقَعَ في البَيْنِ، وما قَبْلُ هَذِهِ الآيَةِ مُتَّصِلٌ بِما بَعْدَها هَكَذا: وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا، يَعْنِي أنَّهم في أوَّلِ الأمْرِ يَصُدُّونَ عَنْكَ أشَدَّ الصُّدُودِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَجِيئُونَكَ ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ كَذِبًا عَلى أنَّهم ما أرادُوا بِذَلِكَ الصَّدِّ إلّا الإحْسانَ والتَّوْفِيقَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ النَّظْمُ مُتَّصِلًا، وتِلْكَ الآيَةُ وقَعَتْ في البَيْنِ كالكَلامِ الأجْنَبِيِّ، وهَذا يُسَمّى اعْتِراضًا، وهو كَقَوْلِ الشّاعِرِ:

صفحة ١٢٦

إنَّ الثَّمانِينَ وبُلِّغْتَها قَدْ أحْوَجَتْ سَمْعِي إلى تُرْجُمانْ

فَقَوْلُهُ: وبُلِّغْتَها، كَلامٌ أجْنَبِيٌّ وقَعَ في البَيْنِ، إلّا أنَّ هَذا الكَلامَ الأجْنَبِيَّ شَرْطُهُ أنْ يَكُونَ لَهُ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ تَعَلُّقٌ بِذَلِكَ المَقْصُودِ كَما في هَذا البَيْتِ، فَإنَّ قَوْلَهُ: بُلِّغْتَها دُعاءٌ لِلْمُخاطَبِ وتَلَطُّفٌ في القَوْلِ مَعَهُ، والآيَةُ أيْضًا كَذَلِكَ، لِأنَّ أوَّلَ الآيَةِ وآخِرَها في شَرْحِ قَبائِحِ المُنافِقِينَ وفَضائِحِهِمْ وأنْواعِ كَيْدِهِمْ ومَكْرِهِمْ، فَإنَّ الآيَةَ أخْبَرَتْ بِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم في أوَّلِ الآيَةِ أنَّهم يَتَحاكَمُونَ إلى الطّاغُوتِ مَعَ أنَّهم أُمِرُوا بِالكُفْرِ بِهِ، ويَصُدُّونَ عَنِ الرَّسُولِ مَعَ أنَّهم أُمِرُوا بِطاعَتِهِ، فَذَكَرَ بَعْدَ هَذا ما يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الأحْوالِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ هَذِهِ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَقالَ: ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ فَكَيْفَ حالُ تِلْكَ الشِّدَّةِ وحالُ تِلْكَ المُصِيبَةِ، فَهَذا تَقْرِيرُ هَذا القَوْلِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، واخْتِيارُ الواحِدِيِّ مِنَ المُتَأخِّرِينَ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ كَلامٌ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهم يَتَحاكَمُونَ إلى الطّاغُوتِ، ويَفِرُّونَ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أشَدَّ الفِرارِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى شِدَّةِ نُفْرَتِهِمْ مِنَ الحُضُورِ عِنْدَ الرَّسُولِ والقُرْبِ مِنهُ، فَلَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ قالَ: ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ يَعْنِي إذا كانَتْ نُفْرَتُهم مِنَ الحُضُورِ عِنْدَ الرَّسُولِ في أوْقاتِ السَّلامَةِ هَكَذا، فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم في شِدَّةِ الغَمِّ والحَسْرَةِ إذا أتَوْا بِجِنايَةٍ خافُوا بِسَبَبِها مِنكَ، ثُمَّ جاءُوكَ شاءُوا أمْ أبَوْا ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ عَلى سَبِيلِ الكَذِبِ: أنّا ما أرَدْنا بِتِلْكَ الجِنايَةِ إلّا الخَيْرَ والمَصْلَحَةَ، والغَرَضُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنَّ ما في قَلْبِهِمْ مِنَ النُّفْرَةِ عَنِ الرَّسُولِ لا غايَةَ لَهُ، سَواءٌ غابُوا أمْ حَضَرُوا، وسَواءٌ بَعُدُوا أمْ قَرُبُوا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَدَّ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ …

63

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِىٓ أَنفُسِهِمْ قَوْلًۢا بَلِيغًۭا

Those are the ones of whom Allah knows what is in their hearts, so turn away from them but admonish them and speak to them a far-reaching word.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ .

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ في اتِّصالِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ كَلامٌ وقَعَ في البَيْنِ، وما قَبْلُ هَذِهِ الآيَةِ مُتَّصِلٌ بِما بَعْدَها هَكَذا: وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا، يَعْنِي أنَّهم في أوَّلِ الأمْرِ يَصُدُّونَ عَنْكَ أشَدَّ الصُّدُودِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَجِيئُونَكَ ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ كَذِبًا عَلى أنَّهم ما أرادُوا بِذَلِكَ الصَّدِّ إلّا الإحْسانَ والتَّوْفِيقَ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ يَكُونُ النَّظْمُ مُتَّصِلًا، وتِلْكَ الآيَةُ وقَعَتْ في البَيْنِ كالكَلامِ الأجْنَبِيِّ، وهَذا يُسَمّى اعْتِراضًا، وهو كَقَوْلِ الشّاعِرِ:

صفحة ١٢٦

إنَّ الثَّمانِينَ وبُلِّغْتَها قَدْ أحْوَجَتْ سَمْعِي إلى تُرْجُمانْ

فَقَوْلُهُ: وبُلِّغْتَها، كَلامٌ أجْنَبِيٌّ وقَعَ في البَيْنِ، إلّا أنَّ هَذا الكَلامَ الأجْنَبِيَّ شَرْطُهُ أنْ يَكُونَ لَهُ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ تَعَلُّقٌ بِذَلِكَ المَقْصُودِ كَما في هَذا البَيْتِ، فَإنَّ قَوْلَهُ: بُلِّغْتَها دُعاءٌ لِلْمُخاطَبِ وتَلَطُّفٌ في القَوْلِ مَعَهُ، والآيَةُ أيْضًا كَذَلِكَ، لِأنَّ أوَّلَ الآيَةِ وآخِرَها في شَرْحِ قَبائِحِ المُنافِقِينَ وفَضائِحِهِمْ وأنْواعِ كَيْدِهِمْ ومَكْرِهِمْ، فَإنَّ الآيَةَ أخْبَرَتْ بِأنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم في أوَّلِ الآيَةِ أنَّهم يَتَحاكَمُونَ إلى الطّاغُوتِ مَعَ أنَّهم أُمِرُوا بِالكُفْرِ بِهِ، ويَصُدُّونَ عَنِ الرَّسُولِ مَعَ أنَّهم أُمِرُوا بِطاعَتِهِ، فَذَكَرَ بَعْدَ هَذا ما يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الأحْوالِ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ هَذِهِ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَقالَ: ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ أيْ فَكَيْفَ حالُ تِلْكَ الشِّدَّةِ وحالُ تِلْكَ المُصِيبَةِ، فَهَذا تَقْرِيرُ هَذا القَوْلِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، واخْتِيارُ الواحِدِيِّ مِنَ المُتَأخِّرِينَ.

الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ كَلامٌ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، وتَقْرِيرُهُ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنْهم في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ أنَّهم يَتَحاكَمُونَ إلى الطّاغُوتِ، ويَفِرُّونَ مِنَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أشَدَّ الفِرارِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى شِدَّةِ نُفْرَتِهِمْ مِنَ الحُضُورِ عِنْدَ الرَّسُولِ والقُرْبِ مِنهُ، فَلَمّا ذَكَرَ ذَلِكَ قالَ: ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ يَعْنِي إذا كانَتْ نُفْرَتُهم مِنَ الحُضُورِ عِنْدَ الرَّسُولِ في أوْقاتِ السَّلامَةِ هَكَذا، فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم في شِدَّةِ الغَمِّ والحَسْرَةِ إذا أتَوْا بِجِنايَةٍ خافُوا بِسَبَبِها مِنكَ، ثُمَّ جاءُوكَ شاءُوا أمْ أبَوْا ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ عَلى سَبِيلِ الكَذِبِ: أنّا ما أرَدْنا بِتِلْكَ الجِنايَةِ إلّا الخَيْرَ والمَصْلَحَةَ، والغَرَضُ مِن هَذا الكَلامِ بَيانُ أنَّ ما في قَلْبِهِمْ مِنَ النُّفْرَةِ عَنِ الرَّسُولِ لا غايَةَ لَهُ، سَواءٌ غابُوا أمْ حَضَرُوا، وسَواءٌ بَعُدُوا أمْ قَرُبُوا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَدَّ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ …

64

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا۟ ٱللَّهَ تَوَّابًۭا رَّحِيمًۭا

And We did not send any messenger except to be obeyed by permission of Allah. And if, when they wronged themselves, they had come to you, [O Muhammad], and asked forgiveness of Allah and the Messenger had asked forgiveness for them, they would have found Allah Accepting of repentance and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِطاعَةِ الرَّسُولِ في قَوْلِهِ: ﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ ثُمَّ حَكى أنَّ بَعْضَهم تَحاكَمَ إلى الطّاغُوتِ ولَمْ يَتَحاكَمْ إلى الرَّسُولِ، وبَيَّنَ قُبْحَ طَرِيقِهِ وفَسادَ مَنهَجِهِ، رَغَّبَ في هَذِهِ الآيَةِ مَرَّةً أُخْرى في طاعَةِ الرَّسُولِ فَقالَ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: كَلِمَةُ ”مِن“ هَهُنا صِلَةٌ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: وما أرْسَلْنا رَسُولًا، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: وما أرْسَلْنا مِن هَذا الجِنْسِ أحَدًا إلّا كَذا وكَذا، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ المُبالَغَةُ أتَمَّ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: مَعْنى الآيَةِ: وما أرْسَلْتُ مِن رَسُولٍ إلّا وأنا مُرِيدٌ أنْ يُطاعَ ويُصَدَّقَ ولَمْ أُرْسِلْهُ لِيُعْصى. قالَ: وهَذا يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ مَذْهَبِ المُجْبِرَةِ لِأنَّهم يَقُولُونَ: إنَّهُ تَعالى أرْسَلَ رُسُلًا لِتُعْصى، والعاصِي مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ يَبْقى عَلى الكُفْرِ، وقَدْ نَصَّ اللَّهُ عَلى كَذِبِهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ قَوْلِهِمْ إلّا هَذِهِ الآيَةُ لَكَفى، وكانَ يَجِبُ عَلى قَوْلِهِمْ أنْ يَكُونَ قَدْ أرْسَلَ الرُّسُلَ لِيُطاعُوا ولِيُعْصَوْا جَمِيعًا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَعْصِيَتَهم لِلرُّسُلِ غَيْرُ مُرادَةٍ لِلَّهِ، وأنَّهُ تَعالى ما أرادَ إلّا أنْ يُطاعَ.

واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ في غايَةِ الضَّعْفِ وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: (إلّا لِيُطاعَ) يَكْفِي في تَحْقِيقِ مَفْهُومِهِ أنْ يُطِيعَهُ مُطِيعٌ واحِدٌ في وقْتٍ واحِدٍ، ولَيْسَ مِن شَرْطِ تَحَقُّقِ مَفْهُومِهِ أنْ يُطِيعَهُ جَمِيعُ النّاسِ في جَمِيعِ الأوْقاتِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجَبِهِ: وهو أنَّ كُلَّ مَن أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعالى فَقَدْ أطاعَهُ بَعْضُ النّاسِ في بَعْضِ الأوْقاتِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: تَخْصِيصُ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الحُكْمِ عَمّا عَداهُ، إلّا أنَّ الجُبّائِيَّ لا يَقُولُ بِذَلِكَ، فَسَقَطَ هَذا الإشْكالُ عَلى جَمِيعِ التَّقْدِيراتِ.

الثّانِي: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ أنَّ كُلَّ كافِرٍ فَإنَّهُ لا بُدَّ وأنْ يُقِرَّ بِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] أوْ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى إيمانِ الكُلِّ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ الوَصْفَ في جانِبِ الثُّبُوتِ

صفحة ١٢٩

يَكْفِي في حُصُولِ مُسَمّاهُ ثُبُوتُهُ في بَعْضِ الصُّوَرِ وفي بَعْضِ الأحْوالِ.

الثّالِثُ: أنَّ العِلْمَ بِعَدَمِ الطّاعَةِ مَعَ وُجُودِ الطّاعَةِ مُتَضادّانِ، والضِّدّانِ لا يَجْتَمِعانِ، وذَلِكَ العِلْمُ مُمْتَنِعُ العَدَمِ، فَكانَتِ الطّاعَةُ مُمْتَنِعَةَ الوُجُودِ، واللَّهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، فَكانَ عالِمًا بِكَوْنِ الطّاعَةِ مُمْتَنِعَةَ الوُجُودِ، والعالِمُ بِكَوْنِ الشَّيْءِ مُمْتَنِعَ الوُجُودِ لا يَكُونُ مُرِيدًا لَهُ، فَثَبَتَ بِهَذا البُرْهانِ القاطِعِ أنْ يَسْتَحِيلَ أنْ يُرِيدَ اللَّهُ مِنَ الكافِرِ كَوْنَهُ مُطِيعًا، فَوَجَبَ تَأْوِيلُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ وهو أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الكَلامِ لَيْسَ الإرادَةَ بَلِ الأمْرَ.

والتَّقْدِيرُ: وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُؤْمَرُ النّاسُ بِطاعَتِهِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ سَقَطَ …

65

فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًۭا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًۭا

But no, by your Lord, they will not [truly] believe until they make you, [O Muhammad], judge concerning that over which they dispute among themselves and then find within themselves no discomfort from what you have judged and submit in [full, willing] submission.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ .

صفحة ١٣١

فِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: وهو قَوْلُ عَطاءٍ ومُجاهِدٍ والشَّعْبِيِّ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نازِلَةٌ في قِصَّةِ اليَهُودِيِّ والمُنافِقِ، فَهَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِما قَبْلَها، وهَذا القَوْلُ هو المُخْتارُ عِنْدِي.

والثّانِي: أنَّها مُسْتَأْنَفَةٌ نازِلَةٌ في قِصَّةٍ أُخْرى، وهو ما رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ «أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ خاصَمَ الزُّبَيْرَ في ماءٍ يَسْقِي بِهِ النَّخْلَ، فَقالَ ﷺ لِلزُّبَيْرِ: ”اسْقِ أرْضَكَ ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى أرْضِ جارِكَ“ فَقالَ الأنْصارِيُّ: لِأجْلِ أنَّهُ ابْنُ عَمَّتِكَ، فَتَلَوَّنَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قالَ لِلزُّبَيْرِ: ”اسْقِ ثُمَّ احْبِسِ الماءَ حَتّى يَبْلُغَ الجُدُرَ» “ .

واعْلَمْ أنَّ الحُكْمَ في هَذا أنَّ مَن كانَتْ أرْضُهُ أقْرَبَ إلى فَمِ الوادِي فَهو أوْلى بِأوَّلِ الماءِ وحَقُّهُ تَمامُ السَّقْيِ، فالرَّسُولُ ﷺ أذِنَ لِلزُّبَيْرِ في السَّقْيِ عَلى وجْهِ المُسامَحَةِ، فَلَمّا أساءَ خَصْمُهُ الأدَبَ ولَمْ يَعْرِفْ حَقَّ ما أمَرَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ مِنَ المُسامَحَةِ لِأجْلِهِ أمَرَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِاسْتِيفاءِ حَقِّهِ عَلى سَبِيلِ التَّمامِ، وحَمْلِ خَصْمِهِ عَلى مُرِّ الحَقِّ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: ”لا“ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا ورَبِّكَ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: مَعْناهُ فَوَرَبِّكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] و”لا“ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى القَسَمِ، كَما زِيدَتْ في (لِئَلّا يَعْلَمَ) لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ العِلْمِ و(لا يُؤْمِنُونَ) جَوابُ القَسَمِ.

والثّانِي: أنَّها مُفِيدَةٌ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ ذَكَرَ الواحِدِيُّ فِيهِ وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ يُفِيدُ نَفْيَ أمْرٍ سَبَقَ، والتَّقْدِيرُ: لَيْسَ الأمْرُ كَما يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا وهم يُخالِفُونَ حُكْمَكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ﴾ .

والثّانِي: أنَّها لِتَوْكِيدِ النَّفْيِ الَّذِي جاءَ فِيما بَعْدُ، لِأنَّهُ إذا ذُكِرَ في أوَّلِ الكَلامِ وفي آخِرِهِ كانَ أوْكَدَ وأحْسَنَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: يُقالُ شَجَرَ يَشْجُرُ شُجُورًا وشَجَرًا إذا اخْتَلَفَ واخْتَلَطَ، وشاجَرَهُ إذا نازَعَهُ وذَلِكَ لِتَداخُلِ كَلامِ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ عِنْدِ المُنازَعَةِ، ومِنهُ يُقالُ لِخَشَباتِ الهَوْدَجِ شِجارٌ، لِتَداخُلِ بَعْضِها في بَعْضٍ. قالَ أبُو مُسْلِمٍالأصْفَهانِيُّ: وهو مَأْخُوذٌ عِنْدِي مِنَ التِفافِ الشَّجَرِ، فَإنَّ الشَّجَرَ يَتَداخَلُ بَعْضُ أغْصانِهِ في بَعْضٍ، وأمّا الحَرَجُ فَهو الضِّيقُ. قالَ الواحِدِيُّ: يُقالُ لِلشَّجَرِ المُلْتَفِّ الَّذِي لا يَكادُ يُوصَلُ إلَيْهِ: حَرَجٌ، وجَمْعُهُ حَراجٌ، وأمّا التَّسْلِيمُ فَهو تَفْعِيلٌ يُقالُ: سَلِمَ فُلانٌ أيْ عُوفِيَ ولَمْ يَنْشَبْ بِهِ نائِبَةٌ، وسَلِمَ هَذا الشَّيْءُ لِفُلانٍ، أيْ خَلُصَ لَهُ مِن غَيْرِ مُنازِعٍ، فَإذا ثَقَّلْتَهُ بِالتَّشْدِيدِ فَقُلْتَ: سَلَّمَ لَهُ فَمَعْناهُ أنَّهُ سَلَّمَهُ لَهُ وخَلَّصَهُ لَهُ، هَذا هو الأصْلُ في اللُّغَةِ، وجَمِيعُ اسْتِعْمالاتِ التَّسْلِيمِ راجِعٌ إلى الأصْلِ فَقَوْلُهم: سَلَّمَ عَلَيْهِ، أيْ دَعا لَهُ بِأنْ يَسْلَمَ، وسَلَّمَ إلَيْهِ الوَدِيعَةَ، أيْ دَفَعَها إلَيْهِ بِلا مُنازَعَةٍ، وسَلَّمَ إلَيْهِ أيْ رَضِيَ بِحُكْمِهِ، وسَلَّمَ إلى فُلانٍ …

66

وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُوا۟ مِن دِيَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌۭ مِّنْهُمْ ۖ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا۟ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًۭا

And if We had decreed upon them, "Kill yourselves" or "Leave your homes," they would not have done it, except for a few of them. But if they had done what they were instructed, it would have been better for them and a firmer position [for them in faith].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُتَّصِلَةٌ بِما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ المُنافِقِينَ وتَرْغِيبِهِمْ في الإخْلاصِ وتَرْكِ النِّفاقِ، والمَعْنى أنّا لَوْ شَدَّدْنا التَّكْلِيفَ عَلى النّاسِ، نَحْوَ أنْ نَأْمُرَهم بِالقَتْلِ والخُرُوجِ عَنِ الأوْطانِ لَصَعُبَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ولَما فَعَلَهُ إلّا الأقَلُّونَ، وحِينَئِذٍ يَظْهَرُ كُفْرُهم وعِنادُهم، فَلَمّا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ رَحْمَةً مِنّا عَلى عِبادِنا بَلِ اكْتَفَيْنا بِتَكْلِيفِهِمْ في الأُمُورِ السَّهْلَةِ، فَلْيَقْبَلُوها بِالإخْلاصِ ولْيَتْرُكُوا التَّمَرُّدَ والعِنادَ حَتّى يَنالُوا خَيْرَ الدّارَيْنِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ: ”أنُ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوُ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم“ بِضَمِّ النُّونِ في ”أنْ“ وضَمِّ واوِ ”أوْ“ والسَّبَبُ فِيهِ نَقْلُ ضَمَّةِ ”اقْتُلُوا“ وضَمَّةِ ”اخْرُجُوا“ إلَيْهِما، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ بِالكَسْرِ فِيهِما لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِكَسْرِ النُّونِ وضَمِّ الواوِ، وقالَ الزَّجّاجُ: ولَسْتُ أعْرِفُ لِفَصْلِ أبِي عَمْرٍو بَيْنَ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ خاصِّيَّةً إلّا أنْ يَكُونَ رِوايَةً. وقالَ غَيْرُهُ: أمّا كَسْرُ النُّونِ فَلِأنَّ الكَسْرَ هو الأصْلُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وأمّا ضَمُّ الواوِ فَلِأنَّ الضَّمَّةَ في الواوِ أحْسَنُ لِأنَّها تُشْبِهُ واوَ الضَّمِيرِ. واتَّفَقَ الجُمْهُورُ

صفحة ١٣٤

عَلى الضَّمِّ في واوِ الضَّمِيرِ نَحْوَ ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ﴾ [البقرة: ١٦] ﴿ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكِنايَةُ في قَوْلِهِ: (ما فَعَلُوهُ) عائِدَةٌ إلى القَتْلِ والخُرُوجِ مَعًا، وذَلِكَ لِأنَّ الفِعْلَ جِنْسٌ واحِدٌ وإنِ اخْتَلَفَتْ ضُرُوبُهُ، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ: (إلّا قَلِيلٌ) فَقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”قَلِيلًا“ بِالنَّصْبِ، وكَذا هو في مَصاحِفِ أهْلِ الشّامِ ومُصْحَفِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ، أمّا مَن نَصَبَ فَقاسَ النَّفْيَ عَلى الإثْباتِ، فَإنَّ قَوْلَكَ: ما جاءَنِي أحَدٌ كَلامٌ تامٌّ، كَما أنَّ قَوْلَكَ: جاءَنِي القَوْمُ كَلامٌ تامٌّ فَلَمّا كانَ المُسْتَثْنى مَنصُوبًا في الإثْباتِ فَكَذا مَعَ النَّفْيِ، والجامِعُ كَوْنُ المُسْتَثْنى فَضْلَةٌ جاءَتْ بَعْدَ تَمامِ الكَلامِ، وأمّا مَن رَفَعَ فالسَّبَبُ أنَّهُ جَعَلَهُ بَدَلًا مِنَ الواوِ في (فَعَلُوهُ) وكَذَلِكَ كُلُّ مُسْتَثْنًى مِن مَنفِيٍّ، كَقَوْلِكَ: ما أتانِي أحَدٌ إلّا زَيْدٌ، بِرَفْعِ زَيْدٍ عَلى البَدَلِ مِن أحَدٍ، فَيُحْمَلُ إعْرابُ ما بَعْدَ ”إلّا“ عَلى ما قَبْلَها. وكَذَلِكَ في النَّصْبِ والجَرِّ، كَقَوْلِكَ: ما رَأيْتُ أحَدًا إلّا زَيْدًا، وما مَرَرْتُ بِأحَدٍ إلّا زَيْدٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الرَّفْعُ أقْيَسُ، فَإنَّ مَعْنى ما أتى أحَدٌ إلّا زَيْدٌ، وما أتانِي إلّا زَيْدٌ واحِدٌ، فَكَما اتَّفَقُوا في قَوْلِهِمْ ما أتانِي إلّا زَيْدٌ عَلى الرَّفْعِ وجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم: ما أتانِي أحَدٌ إلّا زَيْدٌ بِمَنزِلَتِهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أنَّهُ عائِدٌ إلى المُنافِقِينَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى كَتَبَ عَلى …

67

وَإِذًۭا لَّءَاتَيْنَٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجْرًا عَظِيمًۭا

And then We would have given them from Us a great reward.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُتَّصِلَةٌ بِما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ المُنافِقِينَ وتَرْغِيبِهِمْ في الإخْلاصِ وتَرْكِ النِّفاقِ، والمَعْنى أنّا لَوْ شَدَّدْنا التَّكْلِيفَ عَلى النّاسِ، نَحْوَ أنْ نَأْمُرَهم بِالقَتْلِ والخُرُوجِ عَنِ الأوْطانِ لَصَعُبَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ولَما فَعَلَهُ إلّا الأقَلُّونَ، وحِينَئِذٍ يَظْهَرُ كُفْرُهم وعِنادُهم، فَلَمّا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ رَحْمَةً مِنّا عَلى عِبادِنا بَلِ اكْتَفَيْنا بِتَكْلِيفِهِمْ في الأُمُورِ السَّهْلَةِ، فَلْيَقْبَلُوها بِالإخْلاصِ ولْيَتْرُكُوا التَّمَرُّدَ والعِنادَ حَتّى يَنالُوا خَيْرَ الدّارَيْنِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ: ”أنُ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوُ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم“ بِضَمِّ النُّونِ في ”أنْ“ وضَمِّ واوِ ”أوْ“ والسَّبَبُ فِيهِ نَقْلُ ضَمَّةِ ”اقْتُلُوا“ وضَمَّةِ ”اخْرُجُوا“ إلَيْهِما، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ بِالكَسْرِ فِيهِما لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِكَسْرِ النُّونِ وضَمِّ الواوِ، وقالَ الزَّجّاجُ: ولَسْتُ أعْرِفُ لِفَصْلِ أبِي عَمْرٍو بَيْنَ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ خاصِّيَّةً إلّا أنْ يَكُونَ رِوايَةً. وقالَ غَيْرُهُ: أمّا كَسْرُ النُّونِ فَلِأنَّ الكَسْرَ هو الأصْلُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وأمّا ضَمُّ الواوِ فَلِأنَّ الضَّمَّةَ في الواوِ أحْسَنُ لِأنَّها تُشْبِهُ واوَ الضَّمِيرِ. واتَّفَقَ الجُمْهُورُ

صفحة ١٣٤

عَلى الضَّمِّ في واوِ الضَّمِيرِ نَحْوَ ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ﴾ [البقرة: ١٦] ﴿ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكِنايَةُ في قَوْلِهِ: (ما فَعَلُوهُ) عائِدَةٌ إلى القَتْلِ والخُرُوجِ مَعًا، وذَلِكَ لِأنَّ الفِعْلَ جِنْسٌ واحِدٌ وإنِ اخْتَلَفَتْ ضُرُوبُهُ، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ: (إلّا قَلِيلٌ) فَقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”قَلِيلًا“ بِالنَّصْبِ، وكَذا هو في مَصاحِفِ أهْلِ الشّامِ ومُصْحَفِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ، أمّا مَن نَصَبَ فَقاسَ النَّفْيَ عَلى الإثْباتِ، فَإنَّ قَوْلَكَ: ما جاءَنِي أحَدٌ كَلامٌ تامٌّ، كَما أنَّ قَوْلَكَ: جاءَنِي القَوْمُ كَلامٌ تامٌّ فَلَمّا كانَ المُسْتَثْنى مَنصُوبًا في الإثْباتِ فَكَذا مَعَ النَّفْيِ، والجامِعُ كَوْنُ المُسْتَثْنى فَضْلَةٌ جاءَتْ بَعْدَ تَمامِ الكَلامِ، وأمّا مَن رَفَعَ فالسَّبَبُ أنَّهُ جَعَلَهُ بَدَلًا مِنَ الواوِ في (فَعَلُوهُ) وكَذَلِكَ كُلُّ مُسْتَثْنًى مِن مَنفِيٍّ، كَقَوْلِكَ: ما أتانِي أحَدٌ إلّا زَيْدٌ، بِرَفْعِ زَيْدٍ عَلى البَدَلِ مِن أحَدٍ، فَيُحْمَلُ إعْرابُ ما بَعْدَ ”إلّا“ عَلى ما قَبْلَها. وكَذَلِكَ في النَّصْبِ والجَرِّ، كَقَوْلِكَ: ما رَأيْتُ أحَدًا إلّا زَيْدًا، وما مَرَرْتُ بِأحَدٍ إلّا زَيْدٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الرَّفْعُ أقْيَسُ، فَإنَّ مَعْنى ما أتى أحَدٌ إلّا زَيْدٌ، وما أتانِي إلّا زَيْدٌ واحِدٌ، فَكَما اتَّفَقُوا في قَوْلِهِمْ ما أتانِي إلّا زَيْدٌ عَلى الرَّفْعِ وجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم: ما أتانِي أحَدٌ إلّا زَيْدٌ بِمَنزِلَتِهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أنَّهُ عائِدٌ إلى المُنافِقِينَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى كَتَبَ عَلى …

68

وَلَهَدَيْنَٰهُمْ صِرَٰطًۭا مُّسْتَقِيمًۭا

And We would have guided them to a straight path.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾

اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مُتَّصِلَةٌ بِما تَقَدَّمَ مِن أمْرِ المُنافِقِينَ وتَرْغِيبِهِمْ في الإخْلاصِ وتَرْكِ النِّفاقِ، والمَعْنى أنّا لَوْ شَدَّدْنا التَّكْلِيفَ عَلى النّاسِ، نَحْوَ أنْ نَأْمُرَهم بِالقَتْلِ والخُرُوجِ عَنِ الأوْطانِ لَصَعُبَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ولَما فَعَلَهُ إلّا الأقَلُّونَ، وحِينَئِذٍ يَظْهَرُ كُفْرُهم وعِنادُهم، فَلَمّا لَمْ نَفْعَلْ ذَلِكَ رَحْمَةً مِنّا عَلى عِبادِنا بَلِ اكْتَفَيْنا بِتَكْلِيفِهِمْ في الأُمُورِ السَّهْلَةِ، فَلْيَقْبَلُوها بِالإخْلاصِ ولْيَتْرُكُوا التَّمَرُّدَ والعِنادَ حَتّى يَنالُوا خَيْرَ الدّارَيْنِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ: ”أنُ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوُ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم“ بِضَمِّ النُّونِ في ”أنْ“ وضَمِّ واوِ ”أوْ“ والسَّبَبُ فِيهِ نَقْلُ ضَمَّةِ ”اقْتُلُوا“ وضَمَّةِ ”اخْرُجُوا“ إلَيْهِما، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ بِالكَسْرِ فِيهِما لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِكَسْرِ النُّونِ وضَمِّ الواوِ، وقالَ الزَّجّاجُ: ولَسْتُ أعْرِفُ لِفَصْلِ أبِي عَمْرٍو بَيْنَ هَذَيْنِ الحَرْفَيْنِ خاصِّيَّةً إلّا أنْ يَكُونَ رِوايَةً. وقالَ غَيْرُهُ: أمّا كَسْرُ النُّونِ فَلِأنَّ الكَسْرَ هو الأصْلُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وأمّا ضَمُّ الواوِ فَلِأنَّ الضَّمَّةَ في الواوِ أحْسَنُ لِأنَّها تُشْبِهُ واوَ الضَّمِيرِ. واتَّفَقَ الجُمْهُورُ

صفحة ١٣٤

عَلى الضَّمِّ في واوِ الضَّمِيرِ نَحْوَ ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ﴾ [البقرة: ١٦] ﴿ولا تَنْسَوُا الفَضْلَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] .

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الكِنايَةُ في قَوْلِهِ: (ما فَعَلُوهُ) عائِدَةٌ إلى القَتْلِ والخُرُوجِ مَعًا، وذَلِكَ لِأنَّ الفِعْلَ جِنْسٌ واحِدٌ وإنِ اخْتَلَفَتْ ضُرُوبُهُ، واخْتَلَفَ القُرّاءُ في قَوْلِهِ: (إلّا قَلِيلٌ) فَقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ”قَلِيلًا“ بِالنَّصْبِ، وكَذا هو في مَصاحِفِ أهْلِ الشّامِ ومُصْحَفِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، والباقُونَ بِالرَّفْعِ، أمّا مَن نَصَبَ فَقاسَ النَّفْيَ عَلى الإثْباتِ، فَإنَّ قَوْلَكَ: ما جاءَنِي أحَدٌ كَلامٌ تامٌّ، كَما أنَّ قَوْلَكَ: جاءَنِي القَوْمُ كَلامٌ تامٌّ فَلَمّا كانَ المُسْتَثْنى مَنصُوبًا في الإثْباتِ فَكَذا مَعَ النَّفْيِ، والجامِعُ كَوْنُ المُسْتَثْنى فَضْلَةٌ جاءَتْ بَعْدَ تَمامِ الكَلامِ، وأمّا مَن رَفَعَ فالسَّبَبُ أنَّهُ جَعَلَهُ بَدَلًا مِنَ الواوِ في (فَعَلُوهُ) وكَذَلِكَ كُلُّ مُسْتَثْنًى مِن مَنفِيٍّ، كَقَوْلِكَ: ما أتانِي أحَدٌ إلّا زَيْدٌ، بِرَفْعِ زَيْدٍ عَلى البَدَلِ مِن أحَدٍ، فَيُحْمَلُ إعْرابُ ما بَعْدَ ”إلّا“ عَلى ما قَبْلَها. وكَذَلِكَ في النَّصْبِ والجَرِّ، كَقَوْلِكَ: ما رَأيْتُ أحَدًا إلّا زَيْدًا، وما مَرَرْتُ بِأحَدٍ إلّا زَيْدٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الرَّفْعُ أقْيَسُ، فَإنَّ مَعْنى ما أتى أحَدٌ إلّا زَيْدٌ، وما أتانِي إلّا زَيْدٌ واحِدٌ، فَكَما اتَّفَقُوا في قَوْلِهِمْ ما أتانِي إلّا زَيْدٌ عَلى الرَّفْعِ وجَبَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهم: ما أتانِي أحَدٌ إلّا زَيْدٌ بِمَنزِلَتِهِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ أنَّهُ عائِدٌ إلى المُنافِقِينَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى كَتَبَ عَلى …

69

وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّۦنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُو۟لَٰٓئِكَ رَفِيقًۭا

And whoever obeys Allah and the Messenger - those will be with the ones upon whom Allah has bestowed favor of the prophets, the steadfast affirmers of truth, the martyrs and the righteous. And excellent are those as companions.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِطاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ الرَّسُولِ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ثُمَّ زَيَّفَ طَرِيقَةَ الَّذِينَ تَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وصَدُّوا عَنِ الرَّسُولِ، ثُمَّ أعادَ الأمْرَ بِطاعَةِ الرَّسُولِ مَرَّةً أُخْرى فَقالَ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ رَغَّبَ في تِلْكَ الطّاعَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أكَّدَ الأمْرَ بِطاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ الرَّسُولِ في هَذِهِ الآيَةِ مَرَّةً أُخْرى فَقالَ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: رَوى جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ «أنَّ ثَوْبانَ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانَ شَدِيدَ الحُبِّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَلِيلَ الصَّبْرِ عَنْهُ، فَأتاهُ يَوْمًا وقَدْ تَغَيَّرَ وجْهُهُ ونُحِلَ جِسْمُهُ وعُرِفَ الحُزْنُ في وجْهِهِ، فَسَألَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ حالِهِ، فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ ما بِي وجَعٌ غَيْرَ أنِّي إذا لَمْ أرَكَ اشْتَقْتُ إلَيْكَ واسْتَوْحَشْتُ وحْشَةً شَدِيدَةً حَتّى ألْقاكَ، فَذَكَرْتُ الآخِرَةَ فَخِفْتُ أنْ لا أراكَ هُناكَ، لِأنِّي إنْ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ فَأنْتَ تَكُونُ في دَرَجاتِ النَّبِيِّينَ وأنا في دَرَجَةِ العَبِيدِ فَلا أراكَ، وإنْ أنا لَمْ أدْخُلِ الجَنَّةَ فَحِينَئِذٍ لا أراكَ أبَدًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .

الثّانِي: قالَ السُّدِّيُّ: «إنَّ ناسًا مِنَ الأنْصارِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ تَسْكُنُ الجَنَّةَ في أعْلاها، ونَحْنُ نَشْتاقُ إلَيْكَ، فَكَيْفَ نَصْنَعُ ؟ فَنَزَلَتِ الآيَةُ» .

الثّالِثُ: قالَ مُقاتِلٌ: «نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: يا رَسُولَ اللَّهِ إذا خَرَجْنا مِن عِنْدِكَ إلى أهالِينا اشْتَقْنا إلَيْكَ، فَما يَنْفَعُنا شَيْءٌ حَتّى نَرْجِعَ إلَيْكَ، ثُمَّ ذَكَرْتُ دَرَجَتَكَ في الجَنَّةِ، فَكَيْفَ لَنا بِرُؤْيَتِكَ إنْ دَخَلْنا الجَنَّةَ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَلَمّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ أتى الأنْصارُ ولَدَهُ وهو في حَدِيقَةٍ لَهُ فَأخْبَرَهُ بِمَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: اللَّهُمَّ أعْمِنِي حَتّى لا أرى شَيْئًا بَعْدَهُ إلى أنْ ألْقاهُ، فَعَمِيَ مَكانَهُ، فَكانَ يُحِبُّ النَّبِيَّ حُبًّا شَدِيدًا فَجَعَلَهُ اللَّهُ مَعَهُ في الجَنَّةِ» .

الرّابِعُ: قالَ الحَسَنُ: «إنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ما لَنا مِنكَ إلّا الدُّنْيا، فَإذا كانَتِ الآخِرَةُ رُفِعْتَ في الأُولى فَحَزِنَ النَّبِيُّ ﷺ وحَزِنُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . قالَ المُحَقِّقُونَ: لا نُنْكِرُ صِحَّةَ هَذِهِ الرِّواياتِ إلّا أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ شَيْئًا أعْظَمَ مِن ذَلِكَ، وهو البَعْثُ عَلى الطّاعَةِ والتَّرْغِيبُ فِيها، فَإنَّكَ تَعْلَمُ أنَّ خُصُوصَ السَّبَبِ لا يَقْدَحُ في عُمُومِ اللَّفْظِ، فَهَذِهِ الآيَةُ عامَّةٌ في حَقِّ جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ، وهو أنَّ كُلَّ مَن أطاعَ اللَّهَ وأطاعَ الرَّسُولَ فَقَدْ فازَ بِالدَّرَجاتِ العالِيَةِ …

70

ذَٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيمًۭا

That is the bounty from Allah, and sufficient is Allah as Knower.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِطاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ الرَّسُولِ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ثُمَّ زَيَّفَ طَرِيقَةَ الَّذِينَ تَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وصَدُّوا عَنِ الرَّسُولِ، ثُمَّ أعادَ الأمْرَ بِطاعَةِ الرَّسُولِ مَرَّةً أُخْرى فَقالَ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ رَغَّبَ في تِلْكَ الطّاعَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أكَّدَ الأمْرَ بِطاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ الرَّسُولِ في هَذِهِ الآيَةِ مَرَّةً أُخْرى فَقالَ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: رَوى جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ «أنَّ ثَوْبانَ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانَ شَدِيدَ الحُبِّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَلِيلَ الصَّبْرِ عَنْهُ، فَأتاهُ يَوْمًا وقَدْ تَغَيَّرَ وجْهُهُ ونُحِلَ جِسْمُهُ وعُرِفَ الحُزْنُ في وجْهِهِ، فَسَألَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ حالِهِ، فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ ما بِي وجَعٌ غَيْرَ أنِّي إذا لَمْ أرَكَ اشْتَقْتُ إلَيْكَ واسْتَوْحَشْتُ وحْشَةً شَدِيدَةً حَتّى ألْقاكَ، فَذَكَرْتُ الآخِرَةَ فَخِفْتُ أنْ لا أراكَ هُناكَ، لِأنِّي إنْ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ فَأنْتَ تَكُونُ في دَرَجاتِ النَّبِيِّينَ وأنا في دَرَجَةِ العَبِيدِ فَلا أراكَ، وإنْ أنا لَمْ أدْخُلِ الجَنَّةَ فَحِينَئِذٍ لا أراكَ أبَدًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .

الثّانِي: قالَ السُّدِّيُّ: «إنَّ ناسًا مِنَ الأنْصارِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ تَسْكُنُ الجَنَّةَ في أعْلاها، ونَحْنُ نَشْتاقُ إلَيْكَ، فَكَيْفَ نَصْنَعُ ؟ فَنَزَلَتِ الآيَةُ» .

الثّالِثُ: قالَ مُقاتِلٌ: «نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: يا رَسُولَ اللَّهِ إذا خَرَجْنا مِن عِنْدِكَ إلى أهالِينا اشْتَقْنا إلَيْكَ، فَما يَنْفَعُنا شَيْءٌ حَتّى نَرْجِعَ إلَيْكَ، ثُمَّ ذَكَرْتُ دَرَجَتَكَ في الجَنَّةِ، فَكَيْفَ لَنا بِرُؤْيَتِكَ إنْ دَخَلْنا الجَنَّةَ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَلَمّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ أتى الأنْصارُ ولَدَهُ وهو في حَدِيقَةٍ لَهُ فَأخْبَرَهُ بِمَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: اللَّهُمَّ أعْمِنِي حَتّى لا أرى شَيْئًا بَعْدَهُ إلى أنْ ألْقاهُ، فَعَمِيَ مَكانَهُ، فَكانَ يُحِبُّ النَّبِيَّ حُبًّا شَدِيدًا فَجَعَلَهُ اللَّهُ مَعَهُ في الجَنَّةِ» .

الرّابِعُ: قالَ الحَسَنُ: «إنَّ المُؤْمِنِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ: ما لَنا مِنكَ إلّا الدُّنْيا، فَإذا كانَتِ الآخِرَةُ رُفِعْتَ في الأُولى فَحَزِنَ النَّبِيُّ ﷺ وحَزِنُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . قالَ المُحَقِّقُونَ: لا نُنْكِرُ صِحَّةَ هَذِهِ الرِّواياتِ إلّا أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ شَيْئًا أعْظَمَ مِن ذَلِكَ، وهو البَعْثُ عَلى الطّاعَةِ والتَّرْغِيبُ فِيها، فَإنَّكَ تَعْلَمُ أنَّ خُصُوصَ السَّبَبِ لا يَقْدَحُ في عُمُومِ اللَّفْظِ، فَهَذِهِ الآيَةُ عامَّةٌ في حَقِّ جَمِيعِ المُكَلَّفِينَ، وهو أنَّ كُلَّ مَن أطاعَ اللَّهَ وأطاعَ الرَّسُولَ فَقَدْ فازَ بِالدَّرَجاتِ العالِيَةِ …

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.