Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 131–140 of 176

131

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ وَإِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًۭا

And to Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And We have instructed those who were given the Scripture before you and yourselves to fear Allah. But if you disbelieve - then to Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And ever is Allah Free of need and Praiseworthy.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم وإيّاكم أنِ اتَّقُوا اللَّهَ وإنْ تَكْفُرُوا فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ [١٣١]

﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُنَبِّهَةٌ عَلى كَمالِ سَعَتِهِ وعِظَمِ قُدْرَتِهِ أيْ: كَيْفَ لا يَكُونُ واسِعًا ولَهُ ما فِيهِما مِنَ الخَلائِقِ والأرْزاقِ وغَيْرِهِما؟ فَلَهُ أنْ يُعْطِيَ ما شاءَ مِنهُما لِمَن شاءَ مِن عَبِيدِهِ، وعَلى هَذا فَهي مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها، أوْ أتى بِها تَمْهِيدًا لِما بَعْدَها مِنَ العَمَلِ بِوَصِيَّتِهِ؛ إعْلامًا بِأنَّهُ مالِكُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ والحاكِمُ فِيهِما، ولِهَذا قالَ: ﴿ولَقَدْ وصَّيْنا الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ أيْ: مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ - والكِتابُ اسْمُ جِنْسٍ يَتَناوَلُ الكُتُبَ السَّماوِيَّةَ - ﴿وإيّاكُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى (الَّذِينَ).

﴿أنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ: وصَّيْنا كُلًّا مِنكم ومِنهم بِالتَّقْوى، وهي عِبادَتُهُ وحْدَهُ، لا شَرِيكَ لَهُ، والمَعْنى: أنَّ وصِيَّتَهُ قَدِيمَةٌ ما زالَ يُوصِي اللَّهُ بِها عِبادَهُ، ولَسْتُمْ بِها مَخْصُوصِينَ؛ لِأنَّهم بِالتَّقْوى يُسْعَدُونَ عِنْدَهُ.

﴿وإنْ تَكْفُرُوا﴾ أيْ: بِاللَّهِ ﴿فَإنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ: فَهو مالِكُ المُلْكِ كُلِّهِ، لا يَضُرُّهُ كُفْرُكُمْ؛ لِغِناهُ المُطْلَقِ، فَما الوَصِيَّةُ إلّا لِفَلاحِكُمْ؛ رَحْمَةً بِكُمْ، كَما في الآيَةِ الأُخْرى ﴿إنْ تَكْفُرُوا أنْتُمْ ومَن في الأرْضِ جَمِيعًا فَإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٨] [إبْراهِيمَ: ٨] وقالَ تَعالى: ﴿فَكَفَرُوا وتَوَلَّوْا واسْتَغْنى اللَّهُ﴾ [التغابن: ٦] [التَّغابُنِ: ٦].

﴿وكانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾ عَنْ عِبادِهِ ﴿حَمِيدًا﴾ أيْ: مَحْمُودًا في ذاتِهِ، حَمِدُوهُ أوْ لَمْ يَحْمَدُوهُ.

An-Nisaa 4:131Listen in Qur'an →
132

وَلِلَّهِ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا

And to Allah belongs whatever is in the heavens and whatever is on the earth. And sufficient is Allah as Disposer of affairs.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ [١٣٢]

﴿ولِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ ذَكَرَهُ ثالِثًا، إمّا لِتَقْرِيرِ كَوْنِهِ تَعالى غَنِيًّا حَمِيدًا؛ فَإنَّ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ تَدُلُّ بِحاجَتِها عَلى غِناهُ، وبِما أفاضَ عَلَيْها مِنَ الوُجُودِ وأنْواعِ الخَصائِصِ والكِمالاتِ عَلى كَوْنِهِ حَمِيدًا، وإمّا تَمْهِيدًا لِلاحِقِهِ "مَنِ" الشَّرْطِيَّةِ، وهو بَيانُ كَوْنِهِ تَعالى قادِرًا عَلى جَمِيعِ المَقْدُوراتِ، أيْ: لَهُ سُبْحانَهُ ما فِيهِما مِنَ الخَلائِقِ خَلْقًا ومِلْكًا، فَهو قادِرٌ عَلى الإفْناءِ والإيجادِ، فَإنْ عَصَيْتُمُوهُ - أيُّها النّاسُ - فَهو قادِرٌ عَلى إعْدامِكم وإفْنائِكم بِالكُلِّيَّةِ، وعَلى أنْ يُوجِدَ قَوْمًا آخَرِينَ يَشْتَغِلُونَ بِعِبادَتِهِ وتَعْظِيمِهِ، فَذَكَرَ هَذِهِ الكَلِماتِ في هَذا المَقامِ ثَلاثَ مَرّاتٍ؛ لِتَقْرِيرِ ثَلاثَةِ أُمُورٍ في سِياقِها، كَما بَيَّنا.

قالَ الرّازِيُّ: إذا كانَ الدَّلِيلُ الواحِدُ دَلِيلًا عَلى مَدْلُولاتٍ كَثِيرَةٍ، فَإنَّهُ يَحْسُنُ ذِكْرُ ذَلِكَ الدَّلِيلِ لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى أحَدِ تِلْكَ المَدْلُولاتِ، ثُمَّ يُذْكَرُ مَرَّةً أُخْرى لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى الثّانِي، ثُمَّ ثالِثًا لِيُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى المَدْلُولِ الثّالِثِ، وهَذِهِ الإعادَةُ أحْسَنُ وأوْلى مِنَ الِاكْتِفاءِ بِذِكْرِ الدَّلِيلِ مَرَّةً واحِدَةً؛ لِأنَّ عِنْدَ إعادَةِ ذِكْرِ الدَّلِيلِ يَخْطُرُ في الذِّهْنِ ما يُوجِبُ العِلْمَ بِالمَدْلُولِ، فَكانَ العِلْمُ الحاصِلُ بِذَلِكَ المَدْلُولِ أقْوى وأجْلى، فَظَهَرَ أنَّ هَذا التَّكْرِيرَ في غايَةِ الحُسْنِ والكَمالِ.

وأيْضًا فَإذا أعَدْتَهُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وفَرَّعْتَ عَلَيْهِ في كُلِّ مَرَّةٍ إثْباتَ صِفَةٍ أُخْرى مِن صِفاتِ جَلالِ اللَّهِ - تَنَبَّهَ الذِّهْنُ حِينَئِذٍ لِكَوْنِ تَخْلِيقِ السَّماواتِ والأرْضِ دالًّا عَلى أسْرارٍ شَرِيفَةٍ ومَطالِبَ جَلِيلَةٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَجْتَهِدُ الإنْسانُ في التَّفَكُّرِ فِيها والِاسْتِدْلالِ بِأحْوالِها وصِفاتِها عَلى صِفاتِ الخالِقِ سُبْحانَهُ وتَعالى.

ولَمّا كانَ الغَرَضُ الكُلِّيُّ مِن هَذا الكِتابِ الكَرِيمِ صَرْفُ العُقُولِ والأفْهامِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِغَيْرِ اللَّهِ إلى الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ، وكانَ هَذا التَّكْرِيرُ مِمّا يُفِيدُ حُصُولَ هَذا المَطْلُوبِ ويُؤَكِّدُهُ - لا جَرَمَ كانَ في غايَةِ الحُسْنِ والكَمالِ. انْتَهى.

﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ أيْ: رَبًّا حافِظًا تَوَكَّلَ بِالقِيامِ بِجَمِيعِ ما خَلَقَ.

An-Nisaa 4:132Listen in Qur'an →
133

إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأْتِ بِـَٔاخَرِينَ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرًۭا

If He wills, He can do away with you, O people, and bring others [in your place]. And ever is Allah competent to do that.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ قَدِيرًا﴾ [١٣٣]

﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيْ: يُفْنِكم ويَسْتَأْصِلْكم بِالمَرَّةِ ﴿أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ أيْ: ويُوجِدْ دُفْعَةً مَكانَكم قَوْمًا آخَرِينَ مِنَ البَشَرِ، أوْ خَلْقًا آخَرِينَ مَكانَ الإنْسِ، يَعْنِي أنَّ إبْقاءَكم عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ العِصْيانِ إنَّما هو لِكَمالِ غِناهُ عَنْ طاعَتِكُمْ، ولِعَدَمِ تَعَلُّقِ مَشِيئَتِهِ المَبْنِيَّةِ عَلى الحِكَمِ بِالبالِغَةِ بِإفْنائِكُمْ، لا لِعَجْزِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

﴿وكانَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ﴾ أيْ: إهْلاكِكم بِالمَرَّةِ وتَخْلِيقِ غَيْرِكم ﴿قَدِيرًا﴾ بَلِيغَ القُدْرَةِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أمْثالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] [مُحَمَّدٍ: ٣٨] وقالَ تَعالى: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم ويَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩] ﴿وما ذَلِكَ عَلى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ٢٠] [إبْراهِيمَ: ١٩] فَفِيهِ تَقْرِيرٌ لِغِناهُ وقُدْرَتِهِ، وتَهْدِيدٌ لِمَن كَفَرَ بِهِ، قالَ بَعْضَ السَّلَفِ: ما أهْوَنَ العِبادَ عَلى اللَّهِ إذا أضاعُوا أمْرَهُ!

An-Nisaa 4:133Listen in Qur'an →
134

مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنْيَا وَٱلْءَاخِرَةِ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًۢا بَصِيرًۭا

Whoever desires the reward of this world - then with Allah is the reward of this world and the Hereafter. And ever is Allah Hearing and Seeing.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [١٣٤]

﴿مَن كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾ كالمُجاهِدِ يُجاهِدُ لِلْغَنِيمَةِ ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ أيْ: فَما لَهُ يَطْلُبُ أخَسَّهُما، فَلْيَطْلُبْهُما، أوِ الأشْرَفَ مِنهُما، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ [البقرة: ٢٠٠] ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١] ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ﴾ [البقرة: ٢٠٢] [البَقَرَةِ: ٢٠٠ - ٢٠٢] وقالَ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَـزِدْ لَهُ في حَرْثِهِ﴾ [الشورى: ٢٠] [الشُّورى: ٢٠] الآيَةَ، وقالَ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ﴾ [الإسراء: ١٨] [الإسْراءِ: ١٨] الآيَةَ.

قالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِالآيَةِ مُشْرِكُو العَرَبِ، فَإنَّهم كانُوا يُقِرُّونَ بِاللَّهِ تَعالى خالِقِهِمْ، ولا يُقِرُّونَ بِالبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ، وكانُوا يَتَقَرَّبُونَ إلى اللَّهِ تَعالى لِيُعْطِيَهم مِن خَيْرِ الدُّنْيا ويَصْرِفَ عَنْهم شَرَّها.

﴿وكانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ خافِيَةٌ، ويُجازِي كُلًّا بِحَسَبِ قَصْدِهِ.

An-Nisaa 4:134Listen in Qur'an →
135

۞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًۭا فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا۟ ٱلْهَوَىٰٓ أَن تَعْدِلُوا۟ ۚ وَإِن تَلْوُۥٓا۟ أَوْ تُعْرِضُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۭا

O you who have believed, be persistently standing firm in justice, witnesses for Allah, even if it be against yourselves or parents and relatives. Whether one is rich or poor, Allah is more worthy of both. So follow not [personal] inclination, lest you not be just. And if you distort [your testimony] or refuse [to give it], then indeed Allah is ever, with what you do, Acquainted.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكم أوِ الوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا وإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [١٣٥]

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ﴾ أيْ: مُقْتَضى إيمانِكُمُ المُبالَغَةُ والِاجْتِهادُ في القِيامِ بِالعَدْلِ والِاسْتِقامَةِ؛ إذْ بِهِ انْتِظامُ أمْرِ الدّارَيْنِ المُوجِبِ لِثَوابِهِما، ومِن أشَدِّهِ القِيامُ بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها، فَكُونُوا: ﴿شُهَداءَ لِلَّهِ﴾ أيْ: مُقِيمِينَ لِلشَّهادَةِ بِالحَقِّ، مُؤَدِّينَ لَها لِوَجْهِهِ تَعالى ﴿ولَوْ﴾ كانَتِ الشَّهادَةُ ﴿عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ فاشْهَدُوا عَلَيْها بِأنْ تُقِرُّوا بِالحَقِّ عَلَيْها ولا تَكْتُمُوهُ ﴿أوِ﴾ عَلى ﴿الوالِدَيْنِ﴾ أيِ: الأُصُولِ ﴿والأقْرَبِينَ﴾ أيِ: الأوْلادِ والإخْوَةِ وغَيْرِهِمْ، فَلا تُراعِهِمْ فِيها بَلِ اشْهَدْ بِالحَقِّ وإنْ عادَ ضَرَرُها عَلَيْهِمْ، فَإنَّ الحَقَّ حاكِمٌ عَلى كُلِّ أحَدٍ.

﴿إنْ يَكُنْ﴾ أيْ: مَن تَشْهَدُونَ عَلَيْهِ ﴿غَنِيًّا﴾ يُبْتَغى في العادَةِ رِضاهُ ويُتَّقى سُخْطُهُ ﴿أوْ فَقِيرًا﴾ يُتَرَحَّمُ عَلَيْهِ غالِبًا، أوْ يُخافُ مِنَ الشَّهادَةِ عَلَيْهِ أنْ يُلْجَأ الأمْرُ إلى أنْ يُعْطى ما يَكْفِيهِ ﴿فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ أيْ: مِنَ المَشْهُودِ عَلَيْهِ، وأعْلَمُ بِما فِيهِ صَلاحُهُما، فَلَوْلا أنَّ الشَّهادَةَ عَلَيْهِما مَصْلَحَةٌ لَهُما لَما شَرَعَها؛ لِأنَّهُ أنْظَرُ لِعِبادِهِ مِن كُلِّ ناظِرٍ.

﴿فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى أنْ تَعْدِلُوا﴾ أيْ: إرادَةَ العُدُولِ عَنْ أمْرِ اللَّهِ الَّذِي هو مُصْلِحُ أُمُورِكُمْ، وأُمُورِ المَشْهُودِ عَلَيْهِمْ، لَوْ نَظَرْتُمْ ونَظَرُوا إلَيْهِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: أيْ: لا يَحْمِلَنَّكُمُ الهَوى والعَصَبِيَّةُ وبُغْضُ النّاسِ إلَيْكم عَلى تَرْكِ العَدْلِ في شُؤُونِكُمْ، بَلِ الزَمُوا العَدْلَ عَلى أيِّ حالٍ كانَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هو أقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ [المائدة: ٨] [المائِدَةِ: ٨].

ومِن هَذا قَوْلُ «عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ لَمّا بَعَثَهُ النَّبِيُّ ﷺ يَخْرُصُ عَلى أهْلِ خَيْبَرَ ثِمارَهم وزُرُوعَهُمْ، فَأرادُوا أنْ يُرْشُوهُ لِيَرْفُقَ بِهِمْ، فَقالَ: واللَّهِ! لَقَدْ جِئْتُكم مِن عِنْدِ أحَبِّ الخَلْقِ إلَيَّ، ولَأنْتُمْ أبْغَضُ إلَيَّ مِن أعْدادِكم مِنَ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ، وما يَحْمِلُنِي حُبِّي إيّاهُ وبُغْضِي لَكم عَلى أنْ لا أعْدِلَ فِيكُمْ، فَقالُوا: بِهَذا قامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ».

﴿وإنْ تَلْوُوا﴾ أيْ: تُحَرِّفُوا ألْسِنَتَكم عَنِ الشَّهادَةِ عَلى وجْهِها ﴿أوْ تُعْرِضُوا﴾ أيْ: عَنْها بِكَتْمِها ﴿فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فَيُجازِيكم عَلى ذَلِكَ. قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] [البَقَرَةِ: ٢٨٣].

* *

تَنْبِيهٌ:

قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: لِهَذِهِ الآيَةِ ثَمَراتٌ هي أحْكامٌ:

الأوَّلُ: وُجُوبُ العَدْلِ عَلى القُضاةِ والوُلاةِ، وأنْ لا يَعْدِلَ عَنِ القِسْطِ لِأمْرٍ تَمِيلُ إلَيْهِ النُّفُوسُ وشَهَواتُ القُلُوبِ مِن غِنًى أوْ فَقْرٍ أوْ قَرابَةٍ، بَلْ يَسْتَوِي عِنْدَهُ الدَّنِيءُ والشَّرِيفُ والقَرِيبُ والبَعِيدُ.

ويُرْوى أنَّ عُمَرَ أقامَ حَدًّا عَلى ولَدٍ لَهُ، فَذاكَرَهُ في حَقِّ القَرابَةِ، فَقالَ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ شَهِدْتَ عِنْدَ اللَّهِ أنَّ أباكَ كانَ يُقِيمُ عَلَيْكَ …

An-Nisaa 4:135Listen in Qur'an →
136

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ ءَامِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِى نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلْكِتَٰبِ ٱلَّذِىٓ أَنزَلَ مِن قَبْلُ ۚ وَمَن يَكْفُرْ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًا

O you who have believed, believe in Allah and His Messenger and the Book that He sent down upon His Messenger and the Scripture which He sent down before. And whoever disbelieves in Allah, His angels, His books, His messengers, and the Last Day has certainly gone far astray.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَـزَّلَ عَلى رَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي أنْـزَلَ مِن قَبْلُ ومَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ [١٣٦]

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا﴾ أيِ: اثْبُتُوا عَلى إيمانِكم ﴿بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَـزَّلَ عَلى رَسُولِهِ﴾ مُحَمَّدٍ ﷺ يَعْنِي القُرْآنَ ﴿والكِتابِ الَّذِي أنْـزَلَ مِن قَبْلُ﴾ عَلى الرُّسُلِ، بِمَعْنى الكُتُبِ ﴿ومَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ أيْ: خَرَجَ عَنِ الهُدى وبَعُدَ عَنِ القَصْدِ كُلَّ البُعْدِ، أمّا الكُفْرُ بِاللَّهِ فَظاهِرٌ، وأمّا بِالمَلائِكَةِ؛ فَلِأنَّهُمُ المُقَرَّبُونَ إلَيْهِ، وأمّا بِالكُتُبِ؛ فَلِأنَّها الهادِيَةُ إلَيْهِ، وأمّا بِالرُّسُلِ؛ فَلِأنَّهُمُ الدّاعُونَ، وأمّا بِاليَوْمِ الآخِرِ؛ فَلِأنَّ فِيهِ نَفْعَ إقامَتِهِ وضَرَرَ تَرْكِهِ، فَإذا أنْكَرَ لَزِمَ إنْكارُ النَّفْعِ الحَقِيقِيِّ والضَّرَرِ الحَقِيقِيِّ فَهو الضَّلالُ البَعِيدُ، ثُمَّ الكُفْرُ بِالمَلائِكَةِ كُفْرٌ بِمَظاهِرِ باطِنِهِ، وبِالكُتُبِ كُفْرٌ بِمَظاهِرِ صِفَةِ كَلامِهِ، وبِالرُّسُلِ كُفْرٌ بِأتَمِّ مَظاهِرِهِ، وبِاليَوْمِ الآخِرِ كُفْرٌ بِدَوامِ رُبُوبِيَّتِهِ وعَدْلِهِ.

ثُمَّ الكُفْرُ بِالمَلائِكَةِ يَدْعُو إلى الإيمانِ بِالشَّياطِينِ، وبِكُتُبِ اللَّهِ إلى الإيمانِ بِكُتُبِ الكَفَرَةِ، وبِالرُّسُلِ إلى تَقْلِيدِ الآباءِ، وبِاليَوْمِ الآخِرِ إلى الِاجْتِراءِ عَلى القَبائِحِ، وكُلُّ ذَلِكَ ضَلالٌ بَعِيدٌ، أفادَهُ المَهايِمِيُّ.

ولَمّا أمَرَ تَعالى بِالإيمانِ ورَغَّبَ فِيهِ بَيَّنَ فَسادَ طَرِيقَةِ مَن يَكْفُرُ بَعْدَ الإيمانِ، فَقالَ:

An-Nisaa 4:136Listen in Qur'an →
137

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ثُمَّ كَفَرُوا۟ ثُمَّ ءَامَنُوا۟ ثُمَّ كَفَرُوا۟ ثُمَّ ٱزْدَادُوا۟ كُفْرًۭا لَّمْ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًۢا

Indeed, those who have believed then disbelieved, then believed, then disbelieved, and then increased in disbelief - never will Allah forgive them, nor will He guide them to a way.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلا﴾ [١٣٧]

﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهم ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلا﴾ في الآيَةِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ الَّذِينَ تَكَرَّرَ مِنهُمُ الِارْتِدادُ، وعُهِدَ مِنهُمُ ازْدِيادُ الكُفْرِ والإصْرارُ عَلَيْهِ، يُسْتَبْعَدُ مِنهم أنْ يُحْدِثُوا ما يَسْتَحِقُّونَ بِهِ المَغْفِرَةَ ويَسْتَوْجِبُونَ اللُّطْفَ، مِن إيمانٍ صَحِيحٍ ثابِتٍ يَرْضاهُ اللَّهُ؛ لِأنَّ قُلُوبَ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَذا دَيْدَنُهم قُلُوبٌ قَدْ ضَرِيَتْ بِالكُفْرِ ومُرِّنَتْ عَلى الرِّدَّةِ، وكانَ الإيمانُ أهْوَنَ شَيْءٍ عِنْدَهم وأدْوَنَهُ، حَيْثُ يَبْدُو لَهم فِيهِ كَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهم لَوْ أخْلَصُوا الإيمانَ بَعْدَ تَكْرارِ الرِّدَّةِ، ونَصَحَتْ تَوْبَتُهم - لَمْ يَقْبَلْ مِنهم ولَمْ يَغْفِرْ لَهُمْ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَقْبُولٌ، حَيْثُ هو بَذْلٌ لِلطّاقَةِ واسْتِفْراغُ الوُسْعِ، ولَكِنَّهُ اسْتِبْعادٌ لَهُ واسْتِغْرابٌ، وإنَّهُ أمْرٌ لا يَكادُ يَكُونُ، وهَكَذا نَرى الفاسِقَ الَّذِي يَتُوبُ ثُمَّ يَرْجِعُ، ثُمَّ يَتُوبُ ثُمَّ يَرْجِعُ، فَإنَّهُ لا يَكادُ يُرْجى مِنهُ الثَّباتُ، والغالِبُ أنَّهُ يَمُوتُ عَلى الفِسْقِ، فَكَذا هُنا.

الثّانِي: قالَ بَعْضُهُمْ: هُمُ اليَهُودُ، آمَنُوا بِالتَّوْراةِ وبِمُوسى ثُمَّ كَفَرُوا حِينَ عَبَدُوا العِجْلَ، ثُمَّ آمَنُوا بَعْدَ عَوْدِهِ إلَيْهِمْ، ثُمَّ كَفَرُوا بِعِيسى والإنْجِيلِ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ ﷺ وقَدْ أُورِدَ عَلى هَذا الوَجْهِ أنَّ الَّذِينَ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ ﷺ لَيْسُوا مُؤْمِنِينَ بِمُوسى، ثُمَّ كافِرِينَ بِالعِجْلِ، ثُمَّ مُؤْمِنِينَ بِالعَوْدِ، ثُمَّ كافِرِينَ بِعِيسى، بَلْ هم إمّا مُؤْمِنُونَ بِمُوسى وغَيْرِهِ، أوْ كُفّارٌ لِكُفْرِهِمْ بِعِيسى والإنْجِيلِ.

والجَوابُ: أنَّ هَذا إنَّما يَرِدُ لَوْ أُرِيدَ قَوْمٌ بِأعْيانِهِمْ لِلْمَوْجُودِينَ وقْتَ البَعْثَةِ، أمّا لَوْ أُرِيدَ جِنْسٌ ونَوْعٌ بِاعْتِبارِ عَدِّ ما صَدَرَ مِن بَعْضِهِمْ كَأنَّهُ صَدَرَ مِن كُلِّهِمْ فَلا إيرادَ، والمَقْصُودُ حِينَئِذٍ اسْتِبْعادُ إيمانِهِمْ لِما اسْتَقَرَّ مِنهم ومِن أسْلافِهِمْ.

الثّالِثُ: قالَ آخَرُونَ: المُرادُ المُنافِقُونَ، فالإيمانُ الأوَّلُ إظْهارُهُمُ الإسْلامَ، وكُفْرُهم بَعْدَ ذَلِكَ هو نِفاقُهُمْ، وكَوْنُ باطِنِهِمْ عَلى خِلافِ ظاهِرِهِمْ. والإيمانُ الثّانِي هو أنَّهم كُلَّما لَقُوا جَمْعًا مِنَ المُسْلِمِينَ قالُوا إنّا مُؤْمِنُونَ، والكُفْرُ الثّانِي هو أنَّهُمْ: ﴿وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] [البَقَرَةِ: ١٤].

وازْدِيادُهم في الكُفْرِ هو جِدُّهم واجْتِهادُهم في اسْتِخْراجِ أنْواعِ المَكْرِ والكَيْدِ في حَقِّ المُسْلِمِينَ، وإظْهارُ الإيمانِ قَدْ يُسَمّى إيمانًا، قالَ تَعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] [البَقَرَةِ: ٢٢١].

قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: ولَيْسَ المُرادُ بَيانَ هَذا العَدَدِ، بَلِ المُرادُ تَرَدُّدُهُمْ، كَما قالَ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ﴾ [النساء: ١٤٣] قالَ: والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ﴾ [النساء: ١٣٨]

الرّابِعُ: قالَ قَوْمٌ: المُرادُ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ قَصَدُوا تَشْكِيكَ …

An-Nisaa 4:137Listen in Qur'an →
138

بَشِّرِ ٱلْمُنَٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا

Give tidings to the hypocrites that there is for them a painful punishment -

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ [١٣٨]

﴿بَشِّرِ المُنافِقِينَ﴾ مِن بابِ التَّهَكُّمِ ﴿بِأنَّ لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ فَإنَّهم آمَنُوا بِالظّاهِرِ وكَفَرُوا بِالباطِنِ، ويَدُلُّ عَلى مُقارَنَةِ إيمانِهِمْ لِلْكُفْرِ تَرْجِيحُهم جانِبَ الكَفَرَةِ في المَحَبَّةِ إذْ هُمْ:

An-Nisaa 4:138Listen in Qur'an →
139

ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلْكَٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلْعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًۭا

Those who take disbelievers as allies instead of the believers. Do they seek with them honor [through power]? But indeed, honor belongs to Allah entirely.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [١٣٩]

﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: يَتَّخِذُونَهم أنْصارًا مُجاوِزِينَ مُوالاةَ المُؤْمِنِينَ ﴿أيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ العِزَّةَ﴾ أيْ: أيَطْلُبُونَ بِمُوالاتِهِمُ القُوَّةَ والغَلَبَةَ، وهَذا إنْكارٌ لِرَأْيِهِمْ وإبْطالٌ لَهُ، وبَيانٌ لِخَيْبَةِ رَجائِهِمْ، ولِذا عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ العِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ أيْ: لَهُ الغَلَبَةُ والقُوَّةُ، فَلا نُصْرَةَ لَهم مِنَ الكُفّارِ، والنُّصْرَةُ والظَّفَرُ كُلُّهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهَذا كَما قالَ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ولِلَّهِ العِزَّةُ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] [المُنافِقُونَ: ٨].

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والمَقْصُودُ مِن هَذا التَّهْيِيجُ عَلى طَلَبِ العِزَّةِ مِن جَنابِ اللَّهِ، والإقْبالُ عَلى عُبُودِيَّتِهِ، والِانْتِظامُ في جُمْلَةِ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ لَهُمُ النُّصْرَةُ في الحَياةِ الدُّنْيا ويَوْمَ يَقُومُ الأشْهادُ.

ويُناسِبُ هُنا أنْ نَذْكُرَ الحَدِيثَ الَّذِي رَواهُ الإمامُ أحْمَدَ، عَنْ أبِي رَيْحانَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَنِ انْتَسَبَ إلى تِسْعَةِ آباءٍ كُفّارٍ يُرِيدُ بِهِمْ عِزًّا وكَرَمًا، فَهو عاشِرُهم في النّارِ» تَفَرَّدَ بِهِ أحْمَدُ.

وأبُو رَيْحانَةَ هَذا هو أزْدِيٌّ واسْمُهُ (شَمْعُونُ) بِالمُعْجَمَةِ فِيما قالَهُ البُخارِيُّ، وقالَ غَيْرُهُ: بِالمُهْمَلَةِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* *

تَنْبِيهٌ:

قالَ الحاكِمُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ مُوالاةِ المُؤْمِنِينَ، والنَّهْيِ عَنْ مُوالاةِ الكُفّارِ، قالَ: والمَنهِيُّ عَنْهُ مُوالاتُهم في الدِّينِ فَقَطْ، وقَدْ ذَكَرَ المُؤَيَّدُ بِاللَّهِ - قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ - مَعْنى هَذا، وهِيَ: أنْ تُحِبَّهُ لِما هو عَلَيْهِ، وهَذا ظاهِرٌ، وهو يَرْجِعُ إلى الرِّضا بِالكُفْرِ، وما أحَبَّهُ لِأجْلِهِ.

فَأمّا الخِلْطَةُ فَلَيْسَتْ مُوالاةً، وقَدْ جَوَّزَ العُلَماءُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - نِكاحَ الفاسِقَةِ، وكَذَلِكَ الإحْسانُ، فَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ مَن أطْعَمَ الأُسارى، وجَوَّزَ كَثِيرٌ مِنهُمُ الوَصِيَّةَ لِأهْلِ الذِّمَّةِ، وكَذَلِكَ الِاغْتِمامُ بِغَمِّهِ في أمْرٍ، كاغْتِمامِ المُسْلِمِينَ لَغَلَبِ فارِسَ لِلرُّومِ، كَذا في تَفْسِيرِ بَعْضِ الزَّيْدِيَّةِ.

An-Nisaa 4:139Listen in Qur'an →
140

وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى ٱلْكِتَٰبِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا۟ مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا۟ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِۦٓ ۚ إِنَّكُمْ إِذًۭا مِّثْلُهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱلْكَٰفِرِينَ فِى جَهَنَّمَ جَمِيعًا

And it has already come down to you in the Book that when you hear the verses of Allah [recited], they are denied [by them] and ridiculed; so do not sit with them until they enter into another conversation. Indeed, you would then be like them. Indeed Allah will gather the hypocrites and disbelievers in Hell all together -

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿وقَدْ نَـزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكم إذًا مِثْلُهم إنَّ اللَّهَ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [١٤٠]

﴿وقَدْ نَـزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إنَّ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ كانُوا في مَجالِسِهِمْ يَخُوضُونَ في ذِكْرِ القُرْآنِ ويَسْتَهْزِئُونَ بِهِ، فَنَهى اللَّهُ تَعالى المُسْلِمِينَ عَنِ القُعُودِ مَعَهم بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأعْرِضْ عَنْهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] [الأنْعامِ: ٦٨] وهَذِهِ الآيَةُ مِن سُورَةِ الأنْعامِ وهي مَكِّيَّةٌ، فامْتَنَعَ المُسْلِمُونَ عَنِ القُعُودِ مَعَهُمْ، ولَمّا قَدِمُوا المَدِينَةَ كانُوا يَجْلِسُونَ مَعَ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ، وكانَ اليَهُودُ يَسْتَهْزِئُونَ بِالقُرْآنِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وقَدْ نَـزَّلَ عَلَيْكم في الكِتابِ﴾ يَعْنِي في سُورَةِ الأنْعامِ.

﴿أنْ إذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها﴾ يَعْنِي يُجْحَدُ بِها ﴿ويُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ المُنَزَّلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وإنْ خُوطِبَ بِهِ خاصَّةً - مُنَزَّلٌ عَلى الأُمَّةِ، وأنَّ مَدارَ الإعْراضِ عَنْهم هو العِلْمُ بِخَوْضِهِمْ في الآياتِ، ولِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ تارَةً بِالرُّؤْيَةِ وأُخْرى بِالسَّماعِ، وأنَّ المُرادَ بِالإعْراضِ إظْهارُ المُخالَفَةِ بِالقِيامِ عَنْ مَجالِسِهِمْ، لا الإعْراضُ بِالقَلْبِ أوْ بِالوَجْهِ فَقَطْ.

﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ أيْ: إذا قَعَدْتُمْ مَعَهُمْ، دَلَّ عَلى رِضاكم بِالكُفْرِ بِالآياتِ والِاسْتِهْزاءِ بِها، فَتَكُونُونَ مِثْلَهم في الكُفْرِ واسْتِتْباعِ العَذابِ، فاجْتِماعُكم بِهِمْ هَهُنا سَبَبُ اجْتِماعِكم في جَهَنَّمَ، كَما قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ جامِعُ المُنافِقِينَ والكافِرِينَ في جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ لِأنَّهم لَمّا شارَكُوهم في الكُفْرِ، واجْتَمَعُوا عَلى الِاسْتِهْزاءِ بِالآياتِ في الدُّنْيا - جَمَعَهُمُ اللَّهُ في عَذابِ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيامَةِ.

* *

تَنْبِيهٌ:

قالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: اعْلَمْ أنَّهُ لا خِلافَ في تَحْرِيمِ القُعُودِ والمُخالَطَةِ إذا كانَ ذَلِكَ يُوهِمُ بِأنَّ القاعِدَ راضٍ، ولا خِلافَ أنَّهُ يَحْرُمُ إذا خَشِيَ الِافْتِتانَ، ولا خِلافَ أنَّهُ يَجُوزُ القُعُودُ لِلتَّنْكِيرِ عَلَيْهِمْ والدَّفْعِ لَهم.

قالَ الحاكِمُ: ولِذَلِكَ يَحْضُرُ العُلَماءُ مَعَ أهْلِ الضَّلالَةِ يُناظِرُونَهُمْ، ولَهم بِذَلِكَ الثَّوابُ العَظِيمُ، وأمّا إذا خَلا عَمّا ذَكَرْنا - وكانَ لا يُوهِمُ بِالرِّضا ولا يُفْتَتَنُ ولا يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ - فاخْتَلَفَ العُلَماءُ في ذَلِكَ، فَمِنهم مَن أوْجَبَ المِثْلَ؛ لِظاهِرِ الآيَةِ.

قالَ الحاكِمُ: رُوِيَ أنَّ قَوْمًا أُخِذُوا عَلى شَرابٍ في عَهْدِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، فَأمَرَ بِضَرْبِهِمُ الحَدَّ، فَقِيلَ: فِيهِمْ صائِمٌ، فَتَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ وهَذا أيْضًا ظاهِرُ حَدِيثِ: «لا يَحِلُّ لِعَيْنٍ تَرى اللَّهَ يُعْصى فَتَطْرِفُ حَتّى تُغَيِّرَ وتَنْتَقِلَ» .

وقالَ أبُو عَلِيٍّ وأبُو هاشِمٍ: إنْ أنْكَرَ بِقَلْبِهِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أكْثَرُ مِن ذَلِكَ، وجازَ لَهُ القُعُودُ، يَعْنِي مَعَ عَجْزِهِ عَنِ الإنْكارِ بِاليَدِ أوْ بِاللِّسانِ، وعَدَمِ تَأْثِيرِ ذَلِكَ.

أقُولُ: ما قالاهُ مُخالِفٌ لِظاهِرِ الآيَةِ، فَلا …

An-Nisaa 4:140Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.