Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 111–120 of 176

111

وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًۭا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُۥ عَلَىٰ نَفْسِهِۦ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

And whoever commits a sin only earns it against himself. And Allah is ever Knowing and Wise.

هَذا مِن تَمامِ القِصَّةِ السّابِقَةِ، والمُرادُ بِالسُّوءِ: القَبِيحُ الَّذِي يَسُوءُ بِهِ، أوْ يَظْلِمُ نَفْسَهُ بِفِعْلِ مَعْصِيَةٍ مِنَ المَعاصِي أوْ ذَنْبٍ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي لا تَتَعَدّى إلى غَيْرِهِ ( ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ ) يَطْلُبُ مِنهُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ ما قارَفَهُ مِنَ الذَّنْبِ ( ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا﴾ ) لِذَنْبِهِ ( رَحِيمًا ) بِهِ، وفِيهِ تَرْغِيبٌ لِمَن وقَعَ مِنهُ السَّرَقَ مِن بَنِي أُبَيْرِقٍ أنْ يَتُوبَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرَهُ، وأنَّهُ غَفُورٌ لِمَن يَسْتَغْفِرُهُ رَحِيمٌ بِهِ.

وقالَ الضَّحّاكُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في شَأْنِ وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ، أشْرَكَ بِاللَّهِ وقَتَلَ حَمْزَةَ، ثُمَّ جاءَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وقالَ: هَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ ؟ فَنَزَلَتْ، وعَلى كُلِّ حالٍ فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، فَهي لِكُلِّ عَبْدٍ مِن عِبادِ اللَّهِ أذْنَبَ ذَنْبًا ثُمَّ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ سُبْحانَهُ.

قَوْلُهُ: ( ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا﴾ ) مِنَ الآثامِ بِذَنْبٍ يَذْنِبُهُ ﴿فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ أيْ: عاقِبَتُهُ عائِدَةٌ عَلَيْهِ، والكَسْبُ ما يَجُرُّ بِهِ الإنْسانُ إلى نَفْسِهِ نَفْعًا أوْ يَدْفَعُ بِهِ ضَرَرًا، ولِهَذا لا يُسَمّى فِعْلُ الرَّبِّ كَسْبًا، قالَهُ القُرْطُبِيُّ. ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا﴾ قِيلَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ كُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: إنَّ الخَطِيئَةَ تَكُونُ عَنْ عَمْدٍ وعَنْ غَيْرِ عَمْدٍ، والإثْمُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ عَمْدٍ، وقِيلَ: الخَطِيئَةُ الصَّغِيرَةُ، والإثْمُ: الكَبِيرَةُ، قَوْلُهُ: ( ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ ) تَوْحِيدُ الضَّمِيرِ لِكَوْنِ العَطْفِ بِـ ( أوْ ) أوْ لِتَغْلِيبِ الإثْمِ عَلى الخَطِيئَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ يَرْجِعُ إلى الكَسْبِ.

قَوْلُهُ: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ لَمّا كانَتِ الذُّنُوبُ لازِمَةً لِفاعِلِها كانَتْ كالثِّقْلِ الَّذِي يُحْمَلُ، ومِثْلُهُ ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] والبُهْتانُ مَأْخُوذٌ مِنَ البُهْتِ، وهو الكَذِبُ عَلى البَرِيءِ بِما يَنْبَهِتُ لَهُ ويَتَحَيَّرُ مِنهُ، يُقالُ: بَهَتَهُ بَهْتًا وبُهْتانًا: إذا قالَ عَلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْ، ويُقالُ: بَهِتَ الرَّجُلُ - بِالكَسْرِ - إذا دَهِشَ وتَحَيَّرَ وبَهُتَ بِالضَّمِّ، ومِنهُ ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] والإثْمُ المُبِينُ: الواضِحُ.

قَوْلُهُ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ﴾ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والمُرادُ بِهَذا الفَضْلِ والرَّحْمَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ نُبِّهَ عَلى الحَقِّ في قِصَّةِ بَنِي أُبَيْرِقٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِما النُّبُوَّةُ والعِصْمَةُ ( ﴿لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ ) أيْ: مِنَ الجَماعَةِ الَّذِينَ عَضَّدُوا بَنِي أُبَيْرِقٍ، كَما تَقَدَّمَ أنْ يُضِلُّوكَ عَنِ الحَقِّ وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهم؛ لِأنَّ وبالَ ذَلِكَ عائِدٌ عَلَيْهِمْ وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو عاصِمُكَ مِنَ النّاسِ، ولِأنَّكَ عَمِلْتَ بِالظّاهِرِ ولا ضَرَرَ عَلَيْكَ في الحُكْمِ بِهِ قَبْلَ نُزُولِ الوَحْيِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ أيْ: وما يَضُرُّونَكَ شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ.

قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ قِيلَ: هَذا ابْتِداءُ كَلامٍ، وقِيلَ الواوُ لِلْحالِ؛ أيْ: وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ حالَ إنْزالِ اللَّهِ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ، أوْ مَعَ إنْزالِ اللَّهِ ذَلِكَ عَلَيْكَ، …

An-Nisaa 4:111Listen in Qur'an →
112

وَمَن يَكْسِبْ خَطِيٓـَٔةً أَوْ إِثْمًۭا ثُمَّ يَرْمِ بِهِۦ بَرِيٓـًۭٔا فَقَدِ ٱحْتَمَلَ بُهْتَٰنًۭا وَإِثْمًۭا مُّبِينًۭا

But whoever earns an offense or a sin and then blames it on an innocent [person] has taken upon himself a slander and manifest sin.

هَذا مِن تَمامِ القِصَّةِ السّابِقَةِ، والمُرادُ بِالسُّوءِ: القَبِيحُ الَّذِي يَسُوءُ بِهِ، أوْ يَظْلِمُ نَفْسَهُ بِفِعْلِ مَعْصِيَةٍ مِنَ المَعاصِي أوْ ذَنْبٍ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي لا تَتَعَدّى إلى غَيْرِهِ ( ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ ) يَطْلُبُ مِنهُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ ما قارَفَهُ مِنَ الذَّنْبِ ( ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا﴾ ) لِذَنْبِهِ ( رَحِيمًا ) بِهِ، وفِيهِ تَرْغِيبٌ لِمَن وقَعَ مِنهُ السَّرَقَ مِن بَنِي أُبَيْرِقٍ أنْ يَتُوبَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرَهُ، وأنَّهُ غَفُورٌ لِمَن يَسْتَغْفِرُهُ رَحِيمٌ بِهِ.

وقالَ الضَّحّاكُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في شَأْنِ وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ، أشْرَكَ بِاللَّهِ وقَتَلَ حَمْزَةَ، ثُمَّ جاءَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وقالَ: هَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ ؟ فَنَزَلَتْ، وعَلى كُلِّ حالٍ فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، فَهي لِكُلِّ عَبْدٍ مِن عِبادِ اللَّهِ أذْنَبَ ذَنْبًا ثُمَّ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ سُبْحانَهُ.

قَوْلُهُ: ( ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا﴾ ) مِنَ الآثامِ بِذَنْبٍ يَذْنِبُهُ ﴿فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ أيْ: عاقِبَتُهُ عائِدَةٌ عَلَيْهِ، والكَسْبُ ما يَجُرُّ بِهِ الإنْسانُ إلى نَفْسِهِ نَفْعًا أوْ يَدْفَعُ بِهِ ضَرَرًا، ولِهَذا لا يُسَمّى فِعْلُ الرَّبِّ كَسْبًا، قالَهُ القُرْطُبِيُّ. ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا﴾ قِيلَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ كُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: إنَّ الخَطِيئَةَ تَكُونُ عَنْ عَمْدٍ وعَنْ غَيْرِ عَمْدٍ، والإثْمُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ عَمْدٍ، وقِيلَ: الخَطِيئَةُ الصَّغِيرَةُ، والإثْمُ: الكَبِيرَةُ، قَوْلُهُ: ( ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ ) تَوْحِيدُ الضَّمِيرِ لِكَوْنِ العَطْفِ بِـ ( أوْ ) أوْ لِتَغْلِيبِ الإثْمِ عَلى الخَطِيئَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ يَرْجِعُ إلى الكَسْبِ.

قَوْلُهُ: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ لَمّا كانَتِ الذُّنُوبُ لازِمَةً لِفاعِلِها كانَتْ كالثِّقْلِ الَّذِي يُحْمَلُ، ومِثْلُهُ ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] والبُهْتانُ مَأْخُوذٌ مِنَ البُهْتِ، وهو الكَذِبُ عَلى البَرِيءِ بِما يَنْبَهِتُ لَهُ ويَتَحَيَّرُ مِنهُ، يُقالُ: بَهَتَهُ بَهْتًا وبُهْتانًا: إذا قالَ عَلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْ، ويُقالُ: بَهِتَ الرَّجُلُ - بِالكَسْرِ - إذا دَهِشَ وتَحَيَّرَ وبَهُتَ بِالضَّمِّ، ومِنهُ ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] والإثْمُ المُبِينُ: الواضِحُ.

قَوْلُهُ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ﴾ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والمُرادُ بِهَذا الفَضْلِ والرَّحْمَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ نُبِّهَ عَلى الحَقِّ في قِصَّةِ بَنِي أُبَيْرِقٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِما النُّبُوَّةُ والعِصْمَةُ ( ﴿لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ ) أيْ: مِنَ الجَماعَةِ الَّذِينَ عَضَّدُوا بَنِي أُبَيْرِقٍ، كَما تَقَدَّمَ أنْ يُضِلُّوكَ عَنِ الحَقِّ وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهم؛ لِأنَّ وبالَ ذَلِكَ عائِدٌ عَلَيْهِمْ وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو عاصِمُكَ مِنَ النّاسِ، ولِأنَّكَ عَمِلْتَ بِالظّاهِرِ ولا ضَرَرَ عَلَيْكَ في الحُكْمِ بِهِ قَبْلَ نُزُولِ الوَحْيِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ أيْ: وما يَضُرُّونَكَ شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ.

قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ قِيلَ: هَذا ابْتِداءُ كَلامٍ، وقِيلَ الواوُ لِلْحالِ؛ أيْ: وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ حالَ إنْزالِ اللَّهِ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ، أوْ مَعَ إنْزالِ اللَّهِ ذَلِكَ عَلَيْكَ، …

An-Nisaa 4:112Listen in Qur'an →
113

وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌۭ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمْ ۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَىْءٍۢ ۚ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ۚ وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًۭا

And if it was not for the favor of Allah upon you, [O Muhammad], and His mercy, a group of them would have determined to mislead you. But they do not mislead except themselves, and they will not harm you at all. And Allah has revealed to you the Book and wisdom and has taught you that which you did not know. And ever has the favor of Allah upon you been great.

هَذا مِن تَمامِ القِصَّةِ السّابِقَةِ، والمُرادُ بِالسُّوءِ: القَبِيحُ الَّذِي يَسُوءُ بِهِ، أوْ يَظْلِمُ نَفْسَهُ بِفِعْلِ مَعْصِيَةٍ مِنَ المَعاصِي أوْ ذَنْبٍ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي لا تَتَعَدّى إلى غَيْرِهِ ( ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ ) يَطْلُبُ مِنهُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ ما قارَفَهُ مِنَ الذَّنْبِ ( ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا﴾ ) لِذَنْبِهِ ( رَحِيمًا ) بِهِ، وفِيهِ تَرْغِيبٌ لِمَن وقَعَ مِنهُ السَّرَقَ مِن بَنِي أُبَيْرِقٍ أنْ يَتُوبَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرَهُ، وأنَّهُ غَفُورٌ لِمَن يَسْتَغْفِرُهُ رَحِيمٌ بِهِ.

وقالَ الضَّحّاكُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في شَأْنِ وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ، أشْرَكَ بِاللَّهِ وقَتَلَ حَمْزَةَ، ثُمَّ جاءَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وقالَ: هَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ ؟ فَنَزَلَتْ، وعَلى كُلِّ حالٍ فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، فَهي لِكُلِّ عَبْدٍ مِن عِبادِ اللَّهِ أذْنَبَ ذَنْبًا ثُمَّ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ سُبْحانَهُ.

قَوْلُهُ: ( ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا﴾ ) مِنَ الآثامِ بِذَنْبٍ يَذْنِبُهُ ﴿فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ أيْ: عاقِبَتُهُ عائِدَةٌ عَلَيْهِ، والكَسْبُ ما يَجُرُّ بِهِ الإنْسانُ إلى نَفْسِهِ نَفْعًا أوْ يَدْفَعُ بِهِ ضَرَرًا، ولِهَذا لا يُسَمّى فِعْلُ الرَّبِّ كَسْبًا، قالَهُ القُرْطُبِيُّ. ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا﴾ قِيلَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ كُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: إنَّ الخَطِيئَةَ تَكُونُ عَنْ عَمْدٍ وعَنْ غَيْرِ عَمْدٍ، والإثْمُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ عَمْدٍ، وقِيلَ: الخَطِيئَةُ الصَّغِيرَةُ، والإثْمُ: الكَبِيرَةُ، قَوْلُهُ: ( ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ ) تَوْحِيدُ الضَّمِيرِ لِكَوْنِ العَطْفِ بِـ ( أوْ ) أوْ لِتَغْلِيبِ الإثْمِ عَلى الخَطِيئَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ يَرْجِعُ إلى الكَسْبِ.

قَوْلُهُ: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ لَمّا كانَتِ الذُّنُوبُ لازِمَةً لِفاعِلِها كانَتْ كالثِّقْلِ الَّذِي يُحْمَلُ، ومِثْلُهُ ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] والبُهْتانُ مَأْخُوذٌ مِنَ البُهْتِ، وهو الكَذِبُ عَلى البَرِيءِ بِما يَنْبَهِتُ لَهُ ويَتَحَيَّرُ مِنهُ، يُقالُ: بَهَتَهُ بَهْتًا وبُهْتانًا: إذا قالَ عَلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْ، ويُقالُ: بَهِتَ الرَّجُلُ - بِالكَسْرِ - إذا دَهِشَ وتَحَيَّرَ وبَهُتَ بِالضَّمِّ، ومِنهُ ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] والإثْمُ المُبِينُ: الواضِحُ.

قَوْلُهُ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ﴾ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والمُرادُ بِهَذا الفَضْلِ والرَّحْمَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ نُبِّهَ عَلى الحَقِّ في قِصَّةِ بَنِي أُبَيْرِقٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِما النُّبُوَّةُ والعِصْمَةُ ( ﴿لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ ) أيْ: مِنَ الجَماعَةِ الَّذِينَ عَضَّدُوا بَنِي أُبَيْرِقٍ، كَما تَقَدَّمَ أنْ يُضِلُّوكَ عَنِ الحَقِّ وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهم؛ لِأنَّ وبالَ ذَلِكَ عائِدٌ عَلَيْهِمْ وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو عاصِمُكَ مِنَ النّاسِ، ولِأنَّكَ عَمِلْتَ بِالظّاهِرِ ولا ضَرَرَ عَلَيْكَ في الحُكْمِ بِهِ قَبْلَ نُزُولِ الوَحْيِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ أيْ: وما يَضُرُّونَكَ شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ.

قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ قِيلَ: هَذا ابْتِداءُ كَلامٍ، وقِيلَ الواوُ لِلْحالِ؛ أيْ: وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ حالَ إنْزالِ اللَّهِ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ، أوْ مَعَ إنْزالِ اللَّهِ ذَلِكَ عَلَيْكَ، …

An-Nisaa 4:113Listen in Qur'an →
114

۞ لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍۢ مِّن نَّجْوَىٰهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَٰحٍۭ بَيْنَ ٱلنَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ٱبْتِغَآءَ مَرْضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًۭا

No good is there in much of their private conversation, except for those who enjoin charity or that which is right or conciliation between people. And whoever does that seeking means to the approval of Allah - then We are going to give him a great reward.

النَّجْوى: السِّرُّ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ أوِ الجَماعَةٍ، تَقُولُ: ناجَيْتُ فُلانًا مُناجاةً ونِجاءً، وهم يَنْتِجُونَ ويَتَناجَوْنَ، ونَجَوْتُ فُلانًا أنْجُوهُ نَجْوًى؛ أيْ: ناجَيْتُهُ، فَنَجْوى مُشْتَقَّةٌ مَن نَجَوْتُ الشَّيْءَ أنْجُوهُ؛ أيْ: خَلَّصْتُهُ وأفْرَدْتُهُ، والنَّجْوَةُ مِنَ الأرْضِ: المُرْتَفِعُ؛ لِانْفِرادِهِ بِارْتِفاعِهِ عَمّا حَوْلَهُ، فالنَّجْوى: المُسارَّةُ مَصْدَرٌ. وقَدْ تُسَمّى بِهِ الجَماعَةُ كَما يُقالُ: قَوْمٌ عَدْلٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ( ﴿وإذْ هم نَجْوى﴾ ) [الإسراء: ٤٧] فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا؛ أيْ: لِكُلِّ مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ، أوْ مُتَّصِلًا عَلى تَقْدِيرِ إلّا نَجْوى مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى البَدَلِ مِن كَثِيرٍ؛ أيْ: لا خَيْرَ في كَثِيرٍ إلّا فِيمَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ، وقَدْ قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ النَّجْوى كَلامُ الجَماعَةِ المُنْفَرِدَةِ أوِ الِاثْنَيْنِ، سَواءً كانَ ذَلِكَ سِرًّا أوْ جَهْرًا، وبِهِ قالَ الزَّجّاجُ، قَوْلُهُ: ( بِصَدَقَةٍ ) الظّاهِرُ أنَّها صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، وقِيلَ: إنَّها صَدَقَةُ الفَرْضِ، والمَعْرُوفُ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، والأوَّلُ أوْلى، والمَعْرُوفُ لَفْظٌ عامٌّ يَشْمَلُ جَمِيعَ أنْواعِ البِرِّ.

وقالَ مُقاتِلٌ: المَعْرُوفُ هُنا القَرْضُ، والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ:

؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يَعْدَمْ جَوازَيْهِ لا يَذْهَبُ العُرْفَ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ

ومِنهُ الحَدِيثُ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وإنَّ مِنَ المَعْرُوفِ أنْ تَلْقى أخاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ»، وقِيلَ: المَعْرُوفُ إغاثَةُ المَلْهُوفِ.

والإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ عامٌّ في الدِّماءِ والأعْراضِ والأمْوالِ، وفي كُلِّ شَيْءٍ يَقَعُ التَّداعِي فِيهِ، قَوْلُهُ: ( ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ ) إشارَةٌ إلى الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، جَعَلَ مُجَرَّدَ الأمْرِ بِها خَيْرًا، ثُمَّ رَغَّبَ في فِعْلِها بِقَوْلِهِ: ( ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ ) لِأنَّ فِعْلَها أقْرَبُ إلى اللَّهِ مِن مُجَرَّدِ الأمْرِ بِها؛ إذْ خَيْرِيَّةُ الأمْرِ بِها إنَّما هي لِكَوْنِهِ وسِيلَةً إلى فِعْلِها.

قَوْلُهُ: ( ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ ) عِلَّةٌ لِلْفِعْلِ؛ لِأنَّ مَن فَعَلَها لِغَيْرِ ذَلِكَ فَهو غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِهَذا المَدْحِ والجَزاءِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ ناجٍ مِنَ الوِزْرِ، والأعْمالُ بِالنِّيّاتِ. ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى﴾ المُشاقَقَةُ: المُعاداةُ والمُخالَفَةُ، وتَبَيُّنُ الهُدى ظُهُورُهُ، بِأنْ يَعْلَمَ صِحَّةَ الرِّسالَةِ بِالبَراهِينِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ ثُمَّ يَفْعَلُ المُشاقَقَةُ ( ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ ) أيْ: غَيْرَ طَرِيقِهِمْ، وهو ما هم عَلَيْهِ مِن دِينِ الإسْلامِ والتَّمَسُّكِ بِأحْكامِهِ ( ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ ) أيْ: نَجْعَلْهُ والِيًا لِما تَوَلّاهُ مِنَ الضَّلالِ ( ﴿ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ ) قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو عَمْرٍو ( نُوَلِّهْ ) ( ونُصْلِهْ ) بِسُكُونِ الهاءِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِهِما وهُما لُغَتانِ، وقُرِئَ ( ونَصْلِهِ ) بِفَتْحِ النُّونِ مِن صَلاهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ.

وقَدِ اسْتَدَلَّ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى حُجِّيَّةِ الإجْماعِ لِقَوْلِهِ: ( ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ ) ولا حُجَّةَ في ذَلِكَ عِنْدِي؛ لَأنَّ المُرادَ بِغَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ هُنا هو الخُرُوجُ مِن دِينِ الإسْلامِ إلى غَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ اللَّفْظُ ويَشْهَدُ بِهِ السَّبَبُ، فَلا …

An-Nisaa 4:114Listen in Qur'an →
115

وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ ٱلْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِۦ جَهَنَّمَ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا

And whoever opposes the Messenger after guidance has become clear to him and follows other than the way of the believers - We will give him what he has taken and drive him into Hell, and evil it is as a destination.

النَّجْوى: السِّرُّ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ أوِ الجَماعَةٍ، تَقُولُ: ناجَيْتُ فُلانًا مُناجاةً ونِجاءً، وهم يَنْتِجُونَ ويَتَناجَوْنَ، ونَجَوْتُ فُلانًا أنْجُوهُ نَجْوًى؛ أيْ: ناجَيْتُهُ، فَنَجْوى مُشْتَقَّةٌ مَن نَجَوْتُ الشَّيْءَ أنْجُوهُ؛ أيْ: خَلَّصْتُهُ وأفْرَدْتُهُ، والنَّجْوَةُ مِنَ الأرْضِ: المُرْتَفِعُ؛ لِانْفِرادِهِ بِارْتِفاعِهِ عَمّا حَوْلَهُ، فالنَّجْوى: المُسارَّةُ مَصْدَرٌ. وقَدْ تُسَمّى بِهِ الجَماعَةُ كَما يُقالُ: قَوْمٌ عَدْلٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ( ﴿وإذْ هم نَجْوى﴾ ) [الإسراء: ٤٧] فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا؛ أيْ: لِكُلِّ مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ، أوْ مُتَّصِلًا عَلى تَقْدِيرِ إلّا نَجْوى مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى البَدَلِ مِن كَثِيرٍ؛ أيْ: لا خَيْرَ في كَثِيرٍ إلّا فِيمَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ، وقَدْ قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ النَّجْوى كَلامُ الجَماعَةِ المُنْفَرِدَةِ أوِ الِاثْنَيْنِ، سَواءً كانَ ذَلِكَ سِرًّا أوْ جَهْرًا، وبِهِ قالَ الزَّجّاجُ، قَوْلُهُ: ( بِصَدَقَةٍ ) الظّاهِرُ أنَّها صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، وقِيلَ: إنَّها صَدَقَةُ الفَرْضِ، والمَعْرُوفُ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، والأوَّلُ أوْلى، والمَعْرُوفُ لَفْظٌ عامٌّ يَشْمَلُ جَمِيعَ أنْواعِ البِرِّ.

وقالَ مُقاتِلٌ: المَعْرُوفُ هُنا القَرْضُ، والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ:

؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يَعْدَمْ جَوازَيْهِ لا يَذْهَبُ العُرْفَ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ

ومِنهُ الحَدِيثُ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وإنَّ مِنَ المَعْرُوفِ أنْ تَلْقى أخاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ»، وقِيلَ: المَعْرُوفُ إغاثَةُ المَلْهُوفِ.

والإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ عامٌّ في الدِّماءِ والأعْراضِ والأمْوالِ، وفي كُلِّ شَيْءٍ يَقَعُ التَّداعِي فِيهِ، قَوْلُهُ: ( ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ ) إشارَةٌ إلى الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، جَعَلَ مُجَرَّدَ الأمْرِ بِها خَيْرًا، ثُمَّ رَغَّبَ في فِعْلِها بِقَوْلِهِ: ( ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ ) لِأنَّ فِعْلَها أقْرَبُ إلى اللَّهِ مِن مُجَرَّدِ الأمْرِ بِها؛ إذْ خَيْرِيَّةُ الأمْرِ بِها إنَّما هي لِكَوْنِهِ وسِيلَةً إلى فِعْلِها.

قَوْلُهُ: ( ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ ) عِلَّةٌ لِلْفِعْلِ؛ لِأنَّ مَن فَعَلَها لِغَيْرِ ذَلِكَ فَهو غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِهَذا المَدْحِ والجَزاءِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ ناجٍ مِنَ الوِزْرِ، والأعْمالُ بِالنِّيّاتِ. ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى﴾ المُشاقَقَةُ: المُعاداةُ والمُخالَفَةُ، وتَبَيُّنُ الهُدى ظُهُورُهُ، بِأنْ يَعْلَمَ صِحَّةَ الرِّسالَةِ بِالبَراهِينِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ ثُمَّ يَفْعَلُ المُشاقَقَةُ ( ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ ) أيْ: غَيْرَ طَرِيقِهِمْ، وهو ما هم عَلَيْهِ مِن دِينِ الإسْلامِ والتَّمَسُّكِ بِأحْكامِهِ ( ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ ) أيْ: نَجْعَلْهُ والِيًا لِما تَوَلّاهُ مِنَ الضَّلالِ ( ﴿ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ ) قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو عَمْرٍو ( نُوَلِّهْ ) ( ونُصْلِهْ ) بِسُكُونِ الهاءِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِهِما وهُما لُغَتانِ، وقُرِئَ ( ونَصْلِهِ ) بِفَتْحِ النُّونِ مِن صَلاهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ.

وقَدِ اسْتَدَلَّ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى حُجِّيَّةِ الإجْماعِ لِقَوْلِهِ: ( ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ ) ولا حُجَّةَ في ذَلِكَ عِنْدِي؛ لَأنَّ المُرادَ بِغَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ هُنا هو الخُرُوجُ مِن دِينِ الإسْلامِ إلى غَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ اللَّفْظُ ويَشْهَدُ بِهِ السَّبَبُ، فَلا …

An-Nisaa 4:115Listen in Qur'an →
116

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًا

Indeed, Allah does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allah has certainly gone far astray.

النَّجْوى: السِّرُّ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ أوِ الجَماعَةٍ، تَقُولُ: ناجَيْتُ فُلانًا مُناجاةً ونِجاءً، وهم يَنْتِجُونَ ويَتَناجَوْنَ، ونَجَوْتُ فُلانًا أنْجُوهُ نَجْوًى؛ أيْ: ناجَيْتُهُ، فَنَجْوى مُشْتَقَّةٌ مَن نَجَوْتُ الشَّيْءَ أنْجُوهُ؛ أيْ: خَلَّصْتُهُ وأفْرَدْتُهُ، والنَّجْوَةُ مِنَ الأرْضِ: المُرْتَفِعُ؛ لِانْفِرادِهِ بِارْتِفاعِهِ عَمّا حَوْلَهُ، فالنَّجْوى: المُسارَّةُ مَصْدَرٌ. وقَدْ تُسَمّى بِهِ الجَماعَةُ كَما يُقالُ: قَوْمٌ عَدْلٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ( ﴿وإذْ هم نَجْوى﴾ ) [الإسراء: ٤٧] فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا؛ أيْ: لِكُلِّ مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ، أوْ مُتَّصِلًا عَلى تَقْدِيرِ إلّا نَجْوى مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى البَدَلِ مِن كَثِيرٍ؛ أيْ: لا خَيْرَ في كَثِيرٍ إلّا فِيمَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ، وقَدْ قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ النَّجْوى كَلامُ الجَماعَةِ المُنْفَرِدَةِ أوِ الِاثْنَيْنِ، سَواءً كانَ ذَلِكَ سِرًّا أوْ جَهْرًا، وبِهِ قالَ الزَّجّاجُ، قَوْلُهُ: ( بِصَدَقَةٍ ) الظّاهِرُ أنَّها صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، وقِيلَ: إنَّها صَدَقَةُ الفَرْضِ، والمَعْرُوفُ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، والأوَّلُ أوْلى، والمَعْرُوفُ لَفْظٌ عامٌّ يَشْمَلُ جَمِيعَ أنْواعِ البِرِّ.

وقالَ مُقاتِلٌ: المَعْرُوفُ هُنا القَرْضُ، والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ:

؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يَعْدَمْ جَوازَيْهِ لا يَذْهَبُ العُرْفَ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ

ومِنهُ الحَدِيثُ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وإنَّ مِنَ المَعْرُوفِ أنْ تَلْقى أخاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ»، وقِيلَ: المَعْرُوفُ إغاثَةُ المَلْهُوفِ.

والإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ عامٌّ في الدِّماءِ والأعْراضِ والأمْوالِ، وفي كُلِّ شَيْءٍ يَقَعُ التَّداعِي فِيهِ، قَوْلُهُ: ( ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ ) إشارَةٌ إلى الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، جَعَلَ مُجَرَّدَ الأمْرِ بِها خَيْرًا، ثُمَّ رَغَّبَ في فِعْلِها بِقَوْلِهِ: ( ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ ) لِأنَّ فِعْلَها أقْرَبُ إلى اللَّهِ مِن مُجَرَّدِ الأمْرِ بِها؛ إذْ خَيْرِيَّةُ الأمْرِ بِها إنَّما هي لِكَوْنِهِ وسِيلَةً إلى فِعْلِها.

قَوْلُهُ: ( ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ ) عِلَّةٌ لِلْفِعْلِ؛ لِأنَّ مَن فَعَلَها لِغَيْرِ ذَلِكَ فَهو غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِهَذا المَدْحِ والجَزاءِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ ناجٍ مِنَ الوِزْرِ، والأعْمالُ بِالنِّيّاتِ. ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى﴾ المُشاقَقَةُ: المُعاداةُ والمُخالَفَةُ، وتَبَيُّنُ الهُدى ظُهُورُهُ، بِأنْ يَعْلَمَ صِحَّةَ الرِّسالَةِ بِالبَراهِينِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ ثُمَّ يَفْعَلُ المُشاقَقَةُ ( ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ ) أيْ: غَيْرَ طَرِيقِهِمْ، وهو ما هم عَلَيْهِ مِن دِينِ الإسْلامِ والتَّمَسُّكِ بِأحْكامِهِ ( ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ ) أيْ: نَجْعَلْهُ والِيًا لِما تَوَلّاهُ مِنَ الضَّلالِ ( ﴿ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ ) قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو عَمْرٍو ( نُوَلِّهْ ) ( ونُصْلِهْ ) بِسُكُونِ الهاءِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِهِما وهُما لُغَتانِ، وقُرِئَ ( ونَصْلِهِ ) بِفَتْحِ النُّونِ مِن صَلاهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ.

وقَدِ اسْتَدَلَّ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى حُجِّيَّةِ الإجْماعِ لِقَوْلِهِ: ( ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ ) ولا حُجَّةَ في ذَلِكَ عِنْدِي؛ لَأنَّ المُرادَ بِغَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ هُنا هو الخُرُوجُ مِن دِينِ الإسْلامِ إلى غَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ اللَّفْظُ ويَشْهَدُ بِهِ السَّبَبُ، فَلا …

An-Nisaa 4:116Listen in Qur'an →
117

إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ إِنَٰثًۭا وَإِن يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَٰنًۭا مَّرِيدًۭا

They call upon instead of Him none but female [deities], and they [actually] call upon none but a rebellious Satan.

النَّجْوى: السِّرُّ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ أوِ الجَماعَةٍ، تَقُولُ: ناجَيْتُ فُلانًا مُناجاةً ونِجاءً، وهم يَنْتِجُونَ ويَتَناجَوْنَ، ونَجَوْتُ فُلانًا أنْجُوهُ نَجْوًى؛ أيْ: ناجَيْتُهُ، فَنَجْوى مُشْتَقَّةٌ مَن نَجَوْتُ الشَّيْءَ أنْجُوهُ؛ أيْ: خَلَّصْتُهُ وأفْرَدْتُهُ، والنَّجْوَةُ مِنَ الأرْضِ: المُرْتَفِعُ؛ لِانْفِرادِهِ بِارْتِفاعِهِ عَمّا حَوْلَهُ، فالنَّجْوى: المُسارَّةُ مَصْدَرٌ. وقَدْ تُسَمّى بِهِ الجَماعَةُ كَما يُقالُ: قَوْمٌ عَدْلٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ( ﴿وإذْ هم نَجْوى﴾ ) [الإسراء: ٤٧] فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا؛ أيْ: لِكُلِّ مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ، أوْ مُتَّصِلًا عَلى تَقْدِيرِ إلّا نَجْوى مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى البَدَلِ مِن كَثِيرٍ؛ أيْ: لا خَيْرَ في كَثِيرٍ إلّا فِيمَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ، وقَدْ قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ النَّجْوى كَلامُ الجَماعَةِ المُنْفَرِدَةِ أوِ الِاثْنَيْنِ، سَواءً كانَ ذَلِكَ سِرًّا أوْ جَهْرًا، وبِهِ قالَ الزَّجّاجُ، قَوْلُهُ: ( بِصَدَقَةٍ ) الظّاهِرُ أنَّها صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، وقِيلَ: إنَّها صَدَقَةُ الفَرْضِ، والمَعْرُوفُ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، والأوَّلُ أوْلى، والمَعْرُوفُ لَفْظٌ عامٌّ يَشْمَلُ جَمِيعَ أنْواعِ البِرِّ.

وقالَ مُقاتِلٌ: المَعْرُوفُ هُنا القَرْضُ، والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ:

؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يَعْدَمْ جَوازَيْهِ لا يَذْهَبُ العُرْفَ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ

ومِنهُ الحَدِيثُ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وإنَّ مِنَ المَعْرُوفِ أنْ تَلْقى أخاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ»، وقِيلَ: المَعْرُوفُ إغاثَةُ المَلْهُوفِ.

والإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ عامٌّ في الدِّماءِ والأعْراضِ والأمْوالِ، وفي كُلِّ شَيْءٍ يَقَعُ التَّداعِي فِيهِ، قَوْلُهُ: ( ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ ) إشارَةٌ إلى الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، جَعَلَ مُجَرَّدَ الأمْرِ بِها خَيْرًا، ثُمَّ رَغَّبَ في فِعْلِها بِقَوْلِهِ: ( ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ ) لِأنَّ فِعْلَها أقْرَبُ إلى اللَّهِ مِن مُجَرَّدِ الأمْرِ بِها؛ إذْ خَيْرِيَّةُ الأمْرِ بِها إنَّما هي لِكَوْنِهِ وسِيلَةً إلى فِعْلِها.

قَوْلُهُ: ( ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ ) عِلَّةٌ لِلْفِعْلِ؛ لِأنَّ مَن فَعَلَها لِغَيْرِ ذَلِكَ فَهو غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِهَذا المَدْحِ والجَزاءِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ ناجٍ مِنَ الوِزْرِ، والأعْمالُ بِالنِّيّاتِ. ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى﴾ المُشاقَقَةُ: المُعاداةُ والمُخالَفَةُ، وتَبَيُّنُ الهُدى ظُهُورُهُ، بِأنْ يَعْلَمَ صِحَّةَ الرِّسالَةِ بِالبَراهِينِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ ثُمَّ يَفْعَلُ المُشاقَقَةُ ( ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ ) أيْ: غَيْرَ طَرِيقِهِمْ، وهو ما هم عَلَيْهِ مِن دِينِ الإسْلامِ والتَّمَسُّكِ بِأحْكامِهِ ( ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ ) أيْ: نَجْعَلْهُ والِيًا لِما تَوَلّاهُ مِنَ الضَّلالِ ( ﴿ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ ) قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو عَمْرٍو ( نُوَلِّهْ ) ( ونُصْلِهْ ) بِسُكُونِ الهاءِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِهِما وهُما لُغَتانِ، وقُرِئَ ( ونَصْلِهِ ) بِفَتْحِ النُّونِ مِن صَلاهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ.

وقَدِ اسْتَدَلَّ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى حُجِّيَّةِ الإجْماعِ لِقَوْلِهِ: ( ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ ) ولا حُجَّةَ في ذَلِكَ عِنْدِي؛ لَأنَّ المُرادَ بِغَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ هُنا هو الخُرُوجُ مِن دِينِ الإسْلامِ إلى غَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ اللَّفْظُ ويَشْهَدُ بِهِ السَّبَبُ، فَلا …

An-Nisaa 4:117Listen in Qur'an →
118

لَّعَنَهُ ٱللَّهُ ۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًۭا مَّفْرُوضًۭا

Whom Allah has cursed. For he had said, "I will surely take from among Your servants a specific portion.

النَّجْوى: السِّرُّ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ أوِ الجَماعَةٍ، تَقُولُ: ناجَيْتُ فُلانًا مُناجاةً ونِجاءً، وهم يَنْتِجُونَ ويَتَناجَوْنَ، ونَجَوْتُ فُلانًا أنْجُوهُ نَجْوًى؛ أيْ: ناجَيْتُهُ، فَنَجْوى مُشْتَقَّةٌ مَن نَجَوْتُ الشَّيْءَ أنْجُوهُ؛ أيْ: خَلَّصْتُهُ وأفْرَدْتُهُ، والنَّجْوَةُ مِنَ الأرْضِ: المُرْتَفِعُ؛ لِانْفِرادِهِ بِارْتِفاعِهِ عَمّا حَوْلَهُ، فالنَّجْوى: المُسارَّةُ مَصْدَرٌ. وقَدْ تُسَمّى بِهِ الجَماعَةُ كَما يُقالُ: قَوْمٌ عَدْلٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ( ﴿وإذْ هم نَجْوى﴾ ) [الإسراء: ٤٧] فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا؛ أيْ: لِكُلِّ مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ، أوْ مُتَّصِلًا عَلى تَقْدِيرِ إلّا نَجْوى مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى البَدَلِ مِن كَثِيرٍ؛ أيْ: لا خَيْرَ في كَثِيرٍ إلّا فِيمَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ، وقَدْ قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ النَّجْوى كَلامُ الجَماعَةِ المُنْفَرِدَةِ أوِ الِاثْنَيْنِ، سَواءً كانَ ذَلِكَ سِرًّا أوْ جَهْرًا، وبِهِ قالَ الزَّجّاجُ، قَوْلُهُ: ( بِصَدَقَةٍ ) الظّاهِرُ أنَّها صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، وقِيلَ: إنَّها صَدَقَةُ الفَرْضِ، والمَعْرُوفُ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، والأوَّلُ أوْلى، والمَعْرُوفُ لَفْظٌ عامٌّ يَشْمَلُ جَمِيعَ أنْواعِ البِرِّ.

وقالَ مُقاتِلٌ: المَعْرُوفُ هُنا القَرْضُ، والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ:

؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يَعْدَمْ جَوازَيْهِ لا يَذْهَبُ العُرْفَ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ

ومِنهُ الحَدِيثُ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وإنَّ مِنَ المَعْرُوفِ أنْ تَلْقى أخاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ»، وقِيلَ: المَعْرُوفُ إغاثَةُ المَلْهُوفِ.

والإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ عامٌّ في الدِّماءِ والأعْراضِ والأمْوالِ، وفي كُلِّ شَيْءٍ يَقَعُ التَّداعِي فِيهِ، قَوْلُهُ: ( ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ ) إشارَةٌ إلى الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، جَعَلَ مُجَرَّدَ الأمْرِ بِها خَيْرًا، ثُمَّ رَغَّبَ في فِعْلِها بِقَوْلِهِ: ( ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ ) لِأنَّ فِعْلَها أقْرَبُ إلى اللَّهِ مِن مُجَرَّدِ الأمْرِ بِها؛ إذْ خَيْرِيَّةُ الأمْرِ بِها إنَّما هي لِكَوْنِهِ وسِيلَةً إلى فِعْلِها.

قَوْلُهُ: ( ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ ) عِلَّةٌ لِلْفِعْلِ؛ لِأنَّ مَن فَعَلَها لِغَيْرِ ذَلِكَ فَهو غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِهَذا المَدْحِ والجَزاءِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ ناجٍ مِنَ الوِزْرِ، والأعْمالُ بِالنِّيّاتِ. ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى﴾ المُشاقَقَةُ: المُعاداةُ والمُخالَفَةُ، وتَبَيُّنُ الهُدى ظُهُورُهُ، بِأنْ يَعْلَمَ صِحَّةَ الرِّسالَةِ بِالبَراهِينِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ ثُمَّ يَفْعَلُ المُشاقَقَةُ ( ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ ) أيْ: غَيْرَ طَرِيقِهِمْ، وهو ما هم عَلَيْهِ مِن دِينِ الإسْلامِ والتَّمَسُّكِ بِأحْكامِهِ ( ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ ) أيْ: نَجْعَلْهُ والِيًا لِما تَوَلّاهُ مِنَ الضَّلالِ ( ﴿ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ ) قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو عَمْرٍو ( نُوَلِّهْ ) ( ونُصْلِهْ ) بِسُكُونِ الهاءِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِهِما وهُما لُغَتانِ، وقُرِئَ ( ونَصْلِهِ ) بِفَتْحِ النُّونِ مِن صَلاهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ.

وقَدِ اسْتَدَلَّ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى حُجِّيَّةِ الإجْماعِ لِقَوْلِهِ: ( ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ ) ولا حُجَّةَ في ذَلِكَ عِنْدِي؛ لَأنَّ المُرادَ بِغَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ هُنا هو الخُرُوجُ مِن دِينِ الإسْلامِ إلى غَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ اللَّفْظُ ويَشْهَدُ بِهِ السَّبَبُ، فَلا …

An-Nisaa 4:118Listen in Qur'an →
119

وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَءَامُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلْأَنْعَٰمِ وَلَءَامُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيْطَٰنَ وَلِيًّۭا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًۭا مُّبِينًۭا

And I will mislead them, and I will arouse in them [sinful] desires, and I will command them so they will slit the ears of cattle, and I will command them so they will change the creation of Allah." And whoever takes Satan as an ally instead of Allah has certainly sustained a clear loss.

قَوْلُهُ: ( ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ ) قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ وتَكْرِيرُها بِلَفْظِها لِلتَّأْكِيدِ، وقِيلَ: كُرِّرَتْ هُنا لِأجْلِ قِصَّةِ بَنِي أُبَيْرِقٍ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ هُنا لِسَبَبٍ غَيْرِ قِصَّةِ بَنِي أُبَيْرِقٍ، وهو ما رَواهُ الثَّعْلَبِيُّ، والقُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِما عَلى الضَّحّاكِ: أنَّ شَيْخًا مِنَ الأعْرابِ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي شَيْخٌ مُنْهَمِكٌ في الذُّنُوبِ والخَطايا إلّا أنِّي لَمْ أُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا مُذْ عَرَفْتُهُ وآمَنتُ بِهِ ولَمْ أتَّخِذْ مِن دُونِهِ ولِيًّا ولَمْ أُوقِعِ المَعاصِي جُرْأةً عَلى اللَّهِ ولا مُكابَرَةً لَهُ، وإنِّي لَنادِمٌ وتائِبٌ ومُسْتَغْفِرٌ فَما حالِي عِنْدَ اللَّهِ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ عَنِ الحَقِّ ضَلالًا بَعِيدًا؛ لِأنَّ الشِّرْكَ أعْظَمُ أنْواعِ الضَّلالِ وأبْعَدُها مِنَ الصَّوابِ.

﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا﴾ أيْ: ما يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إلّا أصْنامًا لَها أسْماءٌ مُؤَنَّثَةٌ كاللّاتِ والعُزّى ومَناةَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالإناثِ المَواتُ الَّتِي لا رُوحَ لَها كالخَشَبَةِ والحَجَرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالإناثِ المَلائِكَةُ لِقَوْلِهِمْ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. وقُرِئَ ( وُثُنًا ) بِضَمِّ الواوِ والثّاءِ جَمْعُ وثَنٍ، رَوى هَذِهِ القِراءَةَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنْ عائِشَةَ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ( إلّا أُثُنًا ) جَمْعُ وثَنٍ أيْضًا، وأصْلُهُ وثَنٌ فَأُبْدِلَتِ الواوُ هَمْزَةً، وقَرَأ الحَسَنُ ( إلّا أُنُثًا ) بِضَمِّ الهَمْزَةِ والنُّونِ بَعْدَها مُثَلَّثَةٌ، جَمْعُ أنِيثٍ كَغَدِيرٍ وغَدْرٍ، وحَكى الطَّبَرِيُّ أنَّهُ جَمْعُ إناثٍ كَثِمارٍ وثَمَرٍ.

وحَكى هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: وقَرَأ بِها ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ. وعَلى جَمِيعِ هَذِهِ القِراءاتِ فَهَذا الكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّوْبِيخِ لِلْمُشْرِكِينَ والإزْراءِ عَلَيْهِمْ والتَّضْعِيفِ لِعُقُولِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ عَبَدُوا مِن دُونِ اللَّهِ نَوْعًا ضَعِيفًا ﴿وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ أيْ: وما يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا وهو إبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ؛ لِأنَّهم إذا أطاعُوهُ فِيما سَوَّلَ لَهم فَقَدْ عَبَدُوهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ اشْتِقاقُ لَفْظِ الشَّيْطانِ، والمُرِيدُ: المُتَمَرِّدُ العاتِي، مِن مَرَدَ: إذا عَتا.

قالَ الأزْهَرِيُّ: المُرِيدُ الخارِجُ عَنِ الطّاعَةِ، وقَدْ مَرَدَ الرَّجُلُ مُرُودًا: إذا عَتا وخَرَجَ عَنِ الطّاعَةِ، فَهو مارِدٌ ومُرِيدٌ ومُتَمَرِّدٌ، وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هو الَّذِي ظَهَرَ شَرُّهُ، يُقالُ شَجَرَةٌ مَرْداءُ: إذا تَساقَطَ ورَقَها وظَهَرَتْ عِيدانُها، ومِنهُ قِيلَ لِلرَّجُلِ: أمْرَدُ؛ أيْ: ظاهِرُ مَكانِ الشَّعْرِ مِن عارِضَيْهِ، قَوْلُهُ: ( لَعَنَهُ اللَّهُ ) أصْلُ اللَّعْنِ الطَّرْدُ والإبْعادُ، وقَدْ تَقَدَّمَ، وهو في العُرْفِ إبْعادٌ مُقْتَرِنٌ بِسُخْطٍ، قَوْلُهُ: ﴿وقالَ لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ( لَعَنَهُ اللَّهُ ) والجُمْلَتانِ صِفَةٌ لِشَيْطانٍ؛ أيْ: شَيْطانًا مَرِيدًا جامِعًا بَيْنَ لَعْنَةِ اللَّهِ لَهُ وبَيْنَ هَذا القَوْلِ الشَّنِيعِ، والنَّصِيبُ المَفْرُوضُ: هو المَقْطُوعُ المُقَدَّرُ؛ أيْ: لَأجْعَلَنَّ قِطْعَةً مُقَدَّرَةً مِن عِبادِ اللَّهِ تَحْتَ غَوايَتِي، وفي جانِبِ إضْلالِي …

An-Nisaa 4:119Listen in Qur'an →
120

يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيْطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا

Satan promises them and arouses desire in them. But Satan does not promise them except delusion.

قَوْلُهُ: ( ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ ) قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ وتَكْرِيرُها بِلَفْظِها لِلتَّأْكِيدِ، وقِيلَ: كُرِّرَتْ هُنا لِأجْلِ قِصَّةِ بَنِي أُبَيْرِقٍ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ هُنا لِسَبَبٍ غَيْرِ قِصَّةِ بَنِي أُبَيْرِقٍ، وهو ما رَواهُ الثَّعْلَبِيُّ، والقُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِما عَلى الضَّحّاكِ: أنَّ شَيْخًا مِنَ الأعْرابِ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي شَيْخٌ مُنْهَمِكٌ في الذُّنُوبِ والخَطايا إلّا أنِّي لَمْ أُشْرِكْ بِاللَّهِ شَيْئًا مُذْ عَرَفْتُهُ وآمَنتُ بِهِ ولَمْ أتَّخِذْ مِن دُونِهِ ولِيًّا ولَمْ أُوقِعِ المَعاصِي جُرْأةً عَلى اللَّهِ ولا مُكابَرَةً لَهُ، وإنِّي لَنادِمٌ وتائِبٌ ومُسْتَغْفِرٌ فَما حالِي عِنْدَ اللَّهِ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ ومَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ عَنِ الحَقِّ ضَلالًا بَعِيدًا؛ لِأنَّ الشِّرْكَ أعْظَمُ أنْواعِ الضَّلالِ وأبْعَدُها مِنَ الصَّوابِ.

﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا إناثًا﴾ أيْ: ما يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إلّا أصْنامًا لَها أسْماءٌ مُؤَنَّثَةٌ كاللّاتِ والعُزّى ومَناةَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالإناثِ المَواتُ الَّتِي لا رُوحَ لَها كالخَشَبَةِ والحَجَرِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالإناثِ المَلائِكَةُ لِقَوْلِهِمْ: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ. وقُرِئَ ( وُثُنًا ) بِضَمِّ الواوِ والثّاءِ جَمْعُ وثَنٍ، رَوى هَذِهِ القِراءَةَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنْ عائِشَةَ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ( إلّا أُثُنًا ) جَمْعُ وثَنٍ أيْضًا، وأصْلُهُ وثَنٌ فَأُبْدِلَتِ الواوُ هَمْزَةً، وقَرَأ الحَسَنُ ( إلّا أُنُثًا ) بِضَمِّ الهَمْزَةِ والنُّونِ بَعْدَها مُثَلَّثَةٌ، جَمْعُ أنِيثٍ كَغَدِيرٍ وغَدْرٍ، وحَكى الطَّبَرِيُّ أنَّهُ جَمْعُ إناثٍ كَثِمارٍ وثَمَرٍ.

وحَكى هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: وقَرَأ بِها ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ. وعَلى جَمِيعِ هَذِهِ القِراءاتِ فَهَذا الكَلامُ خارِجٌ مَخْرَجَ التَّوْبِيخِ لِلْمُشْرِكِينَ والإزْراءِ عَلَيْهِمْ والتَّضْعِيفِ لِعُقُولِهِمْ، لِكَوْنِهِمْ عَبَدُوا مِن دُونِ اللَّهِ نَوْعًا ضَعِيفًا ﴿وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا﴾ أيْ: وما يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا وهو إبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ؛ لِأنَّهم إذا أطاعُوهُ فِيما سَوَّلَ لَهم فَقَدْ عَبَدُوهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ اشْتِقاقُ لَفْظِ الشَّيْطانِ، والمُرِيدُ: المُتَمَرِّدُ العاتِي، مِن مَرَدَ: إذا عَتا.

قالَ الأزْهَرِيُّ: المُرِيدُ الخارِجُ عَنِ الطّاعَةِ، وقَدْ مَرَدَ الرَّجُلُ مُرُودًا: إذا عَتا وخَرَجَ عَنِ الطّاعَةِ، فَهو مارِدٌ ومُرِيدٌ ومُتَمَرِّدٌ، وقالَ ابْنُ عَرَفَةَ: هو الَّذِي ظَهَرَ شَرُّهُ، يُقالُ شَجَرَةٌ مَرْداءُ: إذا تَساقَطَ ورَقَها وظَهَرَتْ عِيدانُها، ومِنهُ قِيلَ لِلرَّجُلِ: أمْرَدُ؛ أيْ: ظاهِرُ مَكانِ الشَّعْرِ مِن عارِضَيْهِ، قَوْلُهُ: ( لَعَنَهُ اللَّهُ ) أصْلُ اللَّعْنِ الطَّرْدُ والإبْعادُ، وقَدْ تَقَدَّمَ، وهو في العُرْفِ إبْعادٌ مُقْتَرِنٌ بِسُخْطٍ، قَوْلُهُ: ﴿وقالَ لَأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ( لَعَنَهُ اللَّهُ ) والجُمْلَتانِ صِفَةٌ لِشَيْطانٍ؛ أيْ: شَيْطانًا مَرِيدًا جامِعًا بَيْنَ لَعْنَةِ اللَّهِ لَهُ وبَيْنَ هَذا القَوْلِ الشَّنِيعِ، والنَّصِيبُ المَفْرُوضُ: هو المَقْطُوعُ المُقَدَّرُ؛ أيْ: لَأجْعَلَنَّ قِطْعَةً مُقَدَّرَةً مِن عِبادِ اللَّهِ تَحْتَ غَوايَتِي، وفي جانِبِ إضْلالِي …

An-Nisaa 4:120Listen in Qur'an →

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.