Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Fath al-Qadir by Al-Shawkani

Ayahs 1–10 of 176

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًۭا كَثِيرًۭا وَنِسَآءًۭ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًۭا

O mankind, fear your Lord, who created you from one soul and created from it its mate and dispersed from both of them many men and women. And fear Allah, through whom you ask one another, and the wombs. Indeed Allah is ever, over you, an Observer.

هِيَ مَدَنِيَّةٌ كُلُّها. قالَ القُرْطُبِيُّ: إلّا آيَةً واحِدَةً نَزَلَتْ بِمَكَّةَ عامَ الفَتْحِ في عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ الحَجْبِيِّ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النساء: ٥٨] عَلى ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ، قالَ النَّقّاشُ: وقِيلَ: نَزَلَتْ عِنْدَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، وعَلى ما تَقَدَّمَ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: يا أيُّها النّاسُ حَيْثُما وقَعَ فَإنَّهُ مَكِّيٌّ يُلْزِمُ أنْ يَكُونَ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيًّا، وبِهِ قالَ عَلْقَمَةُ وغَيْرُهُ.

وقالَ النَّحّاسُ: هَذِهِ الآيَةُ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: والصَّحِيحُ الأوَّلُ، فَإنَّ في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: ما نَزَلَتْ سُورَةُ النِّساءِ إلّا وأنا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. يَعْنِي قَدْ بَنى بِها. ولا خِلافَ بَيْنَ العَماءِ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إنَّما بَنى بِعائِشَةَ بِالمَدِينَةِ، ومَن تَبَيَّنَ أحْكامَها عَلِمَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ لا شَكَّ فِيها.

قالَ: وأمّا مَن قالَ: يا أيُّها النّاسُ مَكِّيٌّ حَيْثُ وقَعَ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإنَّ البَقَرَةَ مَدَنِيَّةٌ وفِيها يا أيُّها النّاسُ في مَوْضِعَيْنِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ في فَضائِلِهِ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ النِّساءِ بِالمَدِينَةِ، وفي إسْنادِهِ العَوْفِيُّ وهو ضَعِيفٌ، وكَذا أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ.

وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ هَذِهِ السُّورَةِ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ في سُورَةِ النِّساءِ لَخَمْسَ آياتٍ ما يَسُرُّنِي أنَّ لِي بِها الدُّنْيا وما فِيها ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ الآيَةَ [النساء: ٤٠]، ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآيَةَ [النساء: ٣١]، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] الآيَةَ، ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ٦٤] . ثُمَّ قالَ: هَذا إسْنادٌ صَحِيحٌ إنْ كانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ سَمِعَ مِن أبِيهِ، وقَدِ اخْتُلِفَ في ذَلِكَ.

وأخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ رَجُلٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: خَمْسُ آياتٍ مِنَ النِّساءِ هُنَّ أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيا جَمِيعًا ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآيَةَ [النساء: ٣٥] ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ الآيَةَ [النساء: ٣٠] ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٤٨] ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ الآيَةَ [النساء: ١١٠] ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم﴾ الآيَةَ [النساء: ١٥٢] . ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

ثُمَّ رُوِيَ مِن طَرِيقِ صالِحٍ المُرِّيِّ عَنْ قَتادَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ثَمانُ آياتٍ نَزَلَتْ في سُورَةِ النِّساءِ هُنَّ خَيْرٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وغَرَبَتْ، وذَكَرَ ما ذَكَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وزادَ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٦] ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٧] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكم﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٨] . وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ …

2

وَءَاتُوا۟ ٱلْيَتَٰمَىٰٓ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا۟ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَهُمْ إِلَىٰٓ أَمْوَٰلِكُمْ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبًۭا كَبِيرًۭا

And give to the orphans their properties and do not substitute the defective [of your own] for the good [of theirs]. And do not consume their properties into your own. Indeed, that is ever a great sin.

هِيَ مَدَنِيَّةٌ كُلُّها. قالَ القُرْطُبِيُّ: إلّا آيَةً واحِدَةً نَزَلَتْ بِمَكَّةَ عامَ الفَتْحِ في عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ الحَجْبِيِّ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النساء: ٥٨] عَلى ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ، قالَ النَّقّاشُ: وقِيلَ: نَزَلَتْ عِنْدَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، وعَلى ما تَقَدَّمَ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: يا أيُّها النّاسُ حَيْثُما وقَعَ فَإنَّهُ مَكِّيٌّ يُلْزِمُ أنْ يَكُونَ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيًّا، وبِهِ قالَ عَلْقَمَةُ وغَيْرُهُ.

وقالَ النَّحّاسُ: هَذِهِ الآيَةُ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: والصَّحِيحُ الأوَّلُ، فَإنَّ في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: ما نَزَلَتْ سُورَةُ النِّساءِ إلّا وأنا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. يَعْنِي قَدْ بَنى بِها. ولا خِلافَ بَيْنَ العَماءِ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إنَّما بَنى بِعائِشَةَ بِالمَدِينَةِ، ومَن تَبَيَّنَ أحْكامَها عَلِمَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ لا شَكَّ فِيها.

قالَ: وأمّا مَن قالَ: يا أيُّها النّاسُ مَكِّيٌّ حَيْثُ وقَعَ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإنَّ البَقَرَةَ مَدَنِيَّةٌ وفِيها يا أيُّها النّاسُ في مَوْضِعَيْنِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ في فَضائِلِهِ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ النِّساءِ بِالمَدِينَةِ، وفي إسْنادِهِ العَوْفِيُّ وهو ضَعِيفٌ، وكَذا أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ.

وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ هَذِهِ السُّورَةِ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ في سُورَةِ النِّساءِ لَخَمْسَ آياتٍ ما يَسُرُّنِي أنَّ لِي بِها الدُّنْيا وما فِيها ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ الآيَةَ [النساء: ٤٠]، ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآيَةَ [النساء: ٣١]، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] الآيَةَ، ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ٦٤] . ثُمَّ قالَ: هَذا إسْنادٌ صَحِيحٌ إنْ كانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ سَمِعَ مِن أبِيهِ، وقَدِ اخْتُلِفَ في ذَلِكَ.

وأخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ رَجُلٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: خَمْسُ آياتٍ مِنَ النِّساءِ هُنَّ أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيا جَمِيعًا ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآيَةَ [النساء: ٣٥] ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ الآيَةَ [النساء: ٣٠] ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٤٨] ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ الآيَةَ [النساء: ١١٠] ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم﴾ الآيَةَ [النساء: ١٥٢] . ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

ثُمَّ رُوِيَ مِن طَرِيقِ صالِحٍ المُرِّيِّ عَنْ قَتادَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ثَمانُ آياتٍ نَزَلَتْ في سُورَةِ النِّساءِ هُنَّ خَيْرٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وغَرَبَتْ، وذَكَرَ ما ذَكَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وزادَ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٦] ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٧] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكم﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٨] . وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ …

3

وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا۟ فِى ٱلْيَتَٰمَىٰ فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُوا۟

And if you fear that you will not deal justly with the orphan girls, then marry those that please you of [other] women, two or three or four. But if you fear that you will not be just, then [marry only] one or those your right hand possesses. That is more suitable that you may not incline [to injustice].

هِيَ مَدَنِيَّةٌ كُلُّها. قالَ القُرْطُبِيُّ: إلّا آيَةً واحِدَةً نَزَلَتْ بِمَكَّةَ عامَ الفَتْحِ في عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ الحَجْبِيِّ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النساء: ٥٨] عَلى ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ، قالَ النَّقّاشُ: وقِيلَ: نَزَلَتْ عِنْدَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، وعَلى ما تَقَدَّمَ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: يا أيُّها النّاسُ حَيْثُما وقَعَ فَإنَّهُ مَكِّيٌّ يُلْزِمُ أنْ يَكُونَ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيًّا، وبِهِ قالَ عَلْقَمَةُ وغَيْرُهُ.

وقالَ النَّحّاسُ: هَذِهِ الآيَةُ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: والصَّحِيحُ الأوَّلُ، فَإنَّ في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: ما نَزَلَتْ سُورَةُ النِّساءِ إلّا وأنا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. يَعْنِي قَدْ بَنى بِها. ولا خِلافَ بَيْنَ العَماءِ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إنَّما بَنى بِعائِشَةَ بِالمَدِينَةِ، ومَن تَبَيَّنَ أحْكامَها عَلِمَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ لا شَكَّ فِيها.

قالَ: وأمّا مَن قالَ: يا أيُّها النّاسُ مَكِّيٌّ حَيْثُ وقَعَ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإنَّ البَقَرَةَ مَدَنِيَّةٌ وفِيها يا أيُّها النّاسُ في مَوْضِعَيْنِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ في فَضائِلِهِ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ النِّساءِ بِالمَدِينَةِ، وفي إسْنادِهِ العَوْفِيُّ وهو ضَعِيفٌ، وكَذا أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ.

وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ هَذِهِ السُّورَةِ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ في سُورَةِ النِّساءِ لَخَمْسَ آياتٍ ما يَسُرُّنِي أنَّ لِي بِها الدُّنْيا وما فِيها ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ الآيَةَ [النساء: ٤٠]، ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآيَةَ [النساء: ٣١]، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] الآيَةَ، ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ٦٤] . ثُمَّ قالَ: هَذا إسْنادٌ صَحِيحٌ إنْ كانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ سَمِعَ مِن أبِيهِ، وقَدِ اخْتُلِفَ في ذَلِكَ.

وأخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ رَجُلٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: خَمْسُ آياتٍ مِنَ النِّساءِ هُنَّ أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيا جَمِيعًا ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآيَةَ [النساء: ٣٥] ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ الآيَةَ [النساء: ٣٠] ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٤٨] ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ الآيَةَ [النساء: ١١٠] ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم﴾ الآيَةَ [النساء: ١٥٢] . ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

ثُمَّ رُوِيَ مِن طَرِيقِ صالِحٍ المُرِّيِّ عَنْ قَتادَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ثَمانُ آياتٍ نَزَلَتْ في سُورَةِ النِّساءِ هُنَّ خَيْرٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وغَرَبَتْ، وذَكَرَ ما ذَكَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وزادَ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٦] ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٧] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكم﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٨] . وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ …

4

وَءَاتُوا۟ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحْلَةًۭ ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍۢ مِّنْهُ نَفْسًۭا فَكُلُوهُ هَنِيٓـًۭٔا مَّرِيٓـًۭٔا

And give the women [upon marriage] their [bridal] gifts graciously. But if they give up willingly to you anything of it, then take it in satisfaction and ease.

هِيَ مَدَنِيَّةٌ كُلُّها. قالَ القُرْطُبِيُّ: إلّا آيَةً واحِدَةً نَزَلَتْ بِمَكَّةَ عامَ الفَتْحِ في عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ الحَجْبِيِّ، وهي قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها﴾ [النساء: ٥٨] عَلى ما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ، قالَ النَّقّاشُ: وقِيلَ: نَزَلَتْ عِنْدَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، وعَلى ما تَقَدَّمَ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: يا أيُّها النّاسُ حَيْثُما وقَعَ فَإنَّهُ مَكِّيٌّ يُلْزِمُ أنْ يَكُونَ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيًّا، وبِهِ قالَ عَلْقَمَةُ وغَيْرُهُ.

وقالَ النَّحّاسُ: هَذِهِ الآيَةُ مَكِّيَّةٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: والصَّحِيحُ الأوَّلُ، فَإنَّ في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: ما نَزَلَتْ سُورَةُ النِّساءِ إلّا وأنا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. يَعْنِي قَدْ بَنى بِها. ولا خِلافَ بَيْنَ العَماءِ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إنَّما بَنى بِعائِشَةَ بِالمَدِينَةِ، ومَن تَبَيَّنَ أحْكامَها عَلِمَ أنَّها مَدَنِيَّةٌ لا شَكَّ فِيها.

قالَ: وأمّا مَن قالَ: يا أيُّها النّاسُ مَكِّيٌّ حَيْثُ وقَعَ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإنَّ البَقَرَةَ مَدَنِيَّةٌ وفِيها يا أيُّها النّاسُ في مَوْضِعَيْنِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ في فَضائِلِهِ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ النِّساءِ بِالمَدِينَةِ، وفي إسْنادِهِ العَوْفِيُّ وهو ضَعِيفٌ، وكَذا أخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ.

وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ هَذِهِ السُّورَةِ ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ في سُورَةِ النِّساءِ لَخَمْسَ آياتٍ ما يَسُرُّنِي أنَّ لِي بِها الدُّنْيا وما فِيها ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ الآيَةَ [النساء: ٤٠]، ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآيَةَ [النساء: ٣١]، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨] الآيَةَ، ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ٦٤] . ثُمَّ قالَ: هَذا إسْنادٌ صَحِيحٌ إنْ كانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ سَمِعَ مِن أبِيهِ، وقَدِ اخْتُلِفَ في ذَلِكَ.

وأخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ رَجُلٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: خَمْسُ آياتٍ مِنَ النِّساءِ هُنَّ أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيا جَمِيعًا ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآيَةَ [النساء: ٣٥] ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ الآيَةَ [النساء: ٣٠] ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٤٨] ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ الآيَةَ [النساء: ١١٠] ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم﴾ الآيَةَ [النساء: ١٥٢] . ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

ثُمَّ رُوِيَ مِن طَرِيقِ صالِحٍ المُرِّيِّ عَنْ قَتادَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ثَمانُ آياتٍ نَزَلَتْ في سُورَةِ النِّساءِ هُنَّ خَيْرٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وغَرَبَتْ، وذَكَرَ ما ذَكَرَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وزادَ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٦] ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٧] ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكم﴾ الآيَةَ [النساء: ٢٨] . وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ …

5

وَلَا تُؤْتُوا۟ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَٰمًۭا وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا

And do not give the weak-minded your property, which Allah has made a means of sustenance for you, but provide for them with it and clothe them and speak to them words of appropriate kindness.

هَذا رُجُوعٌ إلى بَقِيَّةِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِأمْوالِ اليَتامى. وقَدْ تَقَدَّمَ الأمْرُ بِدَفْعِ أمْوالِهِمْ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ هاهُنا أنَّ السَّفِيهَ وغَيْرَ البالِغِ لا يَجُوزُ دَفْعُ مالِهِ إلَيْهِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ مَعْنى السَّفِيهِ لُغَةً. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في هَؤُلاءِ السُّفَهاءِ مَن هم ؟ فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُمُ اليَتامى لا تُؤْتُوهم أمْوالَكم. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مِن أحْسَنِ ما قِيلَ في الآيَةِ. وقالَ مالِكٌ: هُمُ الأوْلادُ الصِّغارُ لا تُعْطُوهم أمْوالَكم فَيُفْسِدُوها وتَبْقَوْا بِلا شَيْءٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ النِّساءُ. قالَ النَّحّاسُ وغَيْرُهُ: وهَذا القَوْلُ لا يَصِحُّ، إنَّما تَقُولُ العَرَبُ سَفائِهُ أوْ سَفِيهاتٌ.

واخْتَلَفُوا في وجْهِ إضافَةِ الأمْوالِ إلى المُخاطَبِينَ وهي لِلسُّفَهاءِ، فَقِيلَ: أضافَها إلَيْهِمْ؛ لِأنَّها بِأيْدِيهِمْ وهُمُ النّاظِرُونَ فِيها كَقَوْلِهِ: ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦]، وقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكم﴾ [البقرة: ٥٤] أيْ: لِيُسَلِّمْ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، ولْيَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا، وقِيلَ: أضافَها إلَيْهِمْ؛ لِأنَّها مِن جِنْسِ أمْوالِهِمْ، فَإنَّ الأمْوالَ جُعِلَتْ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الخَلْقِ في الأصْلِ، وقِيلَ: المُرادُ أمْوالُ المُخاطَبِينَ حَقِيقَةً، وبِهِ قالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ. والمُرادُ النَّهْيُ عَنْ دَفْعِها إلى مَن لا يُحْسِنُ تَدْبِيرَها كالنِّساءِ والصِّبْيانِ، ومَن هو ضَعِيفُ الإدْراكِ لا يَهْتَدِي إلى وُجُوهِ النَّفْعِ الَّتِي تُصْلِحُ المالَ، ولا يَتَجَنَّبُ وُجُوهَ الضَّرَرِ الَّتِي تُهْلِكُهُ وتَذْهَبُ بِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا﴾ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لَكم، و( قَيِّمًا ) قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ وأبِي عامِرٍ، وقَرَأ غَيْرُهم ( قِيامًا ) وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قِوامًا. والقِيامُ والقِوامُ: ما يُقِيمُكَ، يُقالُ: فُلانٌ قِيامُ أهْلِهِ وقِوامُ بَيْتِهِ وهو الَّذِي يُقِيمُ شَأْنَهُ؛ أيْ: يُصْلِحُهُ، ولَمّا انْكَسَرَتِ القافُ في قِوامٍ أبْدَلُوا الواوَ ياءً. قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: قَيِّمًا وقِوامًا بِمَعْنى قِيامًا، وهو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ؛ أيْ: لا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ الَّتِي تَصْلُحُ بِها أُمُورُكم فَتَقُومُونَ بِها قِيامًا وقالَ الأخْفَشُ: المَعْنى قائِمَةٌ بِأُمُورِكم، فَذَهَبَ إلى أنَّها جَمْعٌ.

وقالَ البَصْرِيُّونَ قِيَمًا جَمْعُ قِيمَةٍ كَدِيمَةٍ ودِيَمٍ؛ أيْ: جَعَلَها اللَّهُ قِيمَةً لِلْأشْياءِ. وخَطَّأ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ هَذا القَوْلَ وقالَ: هي مَصْدَرٌ كَقِيامٍ وقِوامٍ.

والمَعْنى: أنَّها صَلاحٌ لِلْحالِ وثَباتٌ لَهُ، فَأمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّ المُرادَ أمْوالُهم عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الإضافَةِ فالمَعْنى واضِحٌ. وأمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّها أمْوالُ اليَتامى فالمَعْنى أنَّها مِن جِنْسِ ما تَقُومُ مَعايِشُكم ويَصْلُحُ بِهِ حالُكم مِنَ الأمْوالِ.

وقَرَأ الحَسَنُ والنَّخَعِيُّ ( اللّاتِي جَعَلَ ) قالَ الفَرّاءُ: الأكْثَرُ في كَلامِ العَرَبِ النِّساءُ اللَّواتِي والأمْوالُ الَّتِي، وكَذَلِكَ غَيْرُ الأمْوالِ، ذَكَرَهُ النَّحّاسُ. قَوْلُهُ: ﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾ أيِ: اجْعَلُوا لَهم فِيها رِزْقًا أوِ افْرِضُوا لَهم وهَذا فِيمَن تَلْزَمُ نَفَقَتُهُ وكِسْوَتُهُ مِنَ الزَّوْجاتِ والأوْلادِ ونَحْوِهِمْ.

وأمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ الأمْوالَ هي أمْوالُ …

6

وَٱبْتَلُوا۟ ٱلْيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُوا۟ ٱلنِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًۭا فَٱدْفَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافًۭا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا۟ ۚ وَمَن كَانَ غَنِيًّۭا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًۭا فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ فَأَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبًۭا

And test the orphans [in their abilities] until they reach marriageable age. Then if you perceive in them sound judgement, release their property to them. And do not consume it excessively and quickly, [anticipating] that they will grow up. And whoever, [when acting as guardian], is self-sufficient should refrain [from taking a fee]; and whoever is poor - let him take according to what is acceptable. Then when you release their property to them, bring witnesses upon them. And sufficient is Allah as Accountant.

هَذا رُجُوعٌ إلى بَقِيَّةِ الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بِأمْوالِ اليَتامى. وقَدْ تَقَدَّمَ الأمْرُ بِدَفْعِ أمْوالِهِمْ إلَيْهِمْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] فَبَيَّنَ سُبْحانَهُ هاهُنا أنَّ السَّفِيهَ وغَيْرَ البالِغِ لا يَجُوزُ دَفْعُ مالِهِ إلَيْهِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ مَعْنى السَّفِيهِ لُغَةً. واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في هَؤُلاءِ السُّفَهاءِ مَن هم ؟ فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُمُ اليَتامى لا تُؤْتُوهم أمْوالَكم. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا مِن أحْسَنِ ما قِيلَ في الآيَةِ. وقالَ مالِكٌ: هُمُ الأوْلادُ الصِّغارُ لا تُعْطُوهم أمْوالَكم فَيُفْسِدُوها وتَبْقَوْا بِلا شَيْءٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: هُمُ النِّساءُ. قالَ النَّحّاسُ وغَيْرُهُ: وهَذا القَوْلُ لا يَصِحُّ، إنَّما تَقُولُ العَرَبُ سَفائِهُ أوْ سَفِيهاتٌ.

واخْتَلَفُوا في وجْهِ إضافَةِ الأمْوالِ إلى المُخاطَبِينَ وهي لِلسُّفَهاءِ، فَقِيلَ: أضافَها إلَيْهِمْ؛ لِأنَّها بِأيْدِيهِمْ وهُمُ النّاظِرُونَ فِيها كَقَوْلِهِ: ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النور: ٦]، وقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا أنْفُسَكم﴾ [البقرة: ٥٤] أيْ: لِيُسَلِّمْ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، ولْيَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا، وقِيلَ: أضافَها إلَيْهِمْ؛ لِأنَّها مِن جِنْسِ أمْوالِهِمْ، فَإنَّ الأمْوالَ جُعِلَتْ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الخَلْقِ في الأصْلِ، وقِيلَ: المُرادُ أمْوالُ المُخاطَبِينَ حَقِيقَةً، وبِهِ قالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ. والمُرادُ النَّهْيُ عَنْ دَفْعِها إلى مَن لا يُحْسِنُ تَدْبِيرَها كالنِّساءِ والصِّبْيانِ، ومَن هو ضَعِيفُ الإدْراكِ لا يَهْتَدِي إلى وُجُوهِ النَّفْعِ الَّتِي تُصْلِحُ المالَ، ولا يَتَجَنَّبُ وُجُوهَ الضَّرَرِ الَّتِي تُهْلِكُهُ وتَذْهَبُ بِهِ.

قَوْلُهُ: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيامًا﴾ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ لَكم، و( قَيِّمًا ) قِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ وأبِي عامِرٍ، وقَرَأ غَيْرُهم ( قِيامًا ) وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قِوامًا. والقِيامُ والقِوامُ: ما يُقِيمُكَ، يُقالُ: فُلانٌ قِيامُ أهْلِهِ وقِوامُ بَيْتِهِ وهو الَّذِي يُقِيمُ شَأْنَهُ؛ أيْ: يُصْلِحُهُ، ولَمّا انْكَسَرَتِ القافُ في قِوامٍ أبْدَلُوا الواوَ ياءً. قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: قَيِّمًا وقِوامًا بِمَعْنى قِيامًا، وهو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ؛ أيْ: لا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ الَّتِي تَصْلُحُ بِها أُمُورُكم فَتَقُومُونَ بِها قِيامًا وقالَ الأخْفَشُ: المَعْنى قائِمَةٌ بِأُمُورِكم، فَذَهَبَ إلى أنَّها جَمْعٌ.

وقالَ البَصْرِيُّونَ قِيَمًا جَمْعُ قِيمَةٍ كَدِيمَةٍ ودِيَمٍ؛ أيْ: جَعَلَها اللَّهُ قِيمَةً لِلْأشْياءِ. وخَطَّأ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ هَذا القَوْلَ وقالَ: هي مَصْدَرٌ كَقِيامٍ وقِوامٍ.

والمَعْنى: أنَّها صَلاحٌ لِلْحالِ وثَباتٌ لَهُ، فَأمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّ المُرادَ أمْوالُهم عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الإضافَةِ فالمَعْنى واضِحٌ. وأمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّها أمْوالُ اليَتامى فالمَعْنى أنَّها مِن جِنْسِ ما تَقُومُ مَعايِشُكم ويَصْلُحُ بِهِ حالُكم مِنَ الأمْوالِ.

وقَرَأ الحَسَنُ والنَّخَعِيُّ ( اللّاتِي جَعَلَ ) قالَ الفَرّاءُ: الأكْثَرُ في كَلامِ العَرَبِ النِّساءُ اللَّواتِي والأمْوالُ الَّتِي، وكَذَلِكَ غَيْرُ الأمْوالِ، ذَكَرَهُ النَّحّاسُ. قَوْلُهُ: ﴿وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهُمْ﴾ أيِ: اجْعَلُوا لَهم فِيها رِزْقًا أوِ افْرِضُوا لَهم وهَذا فِيمَن تَلْزَمُ نَفَقَتُهُ وكِسْوَتُهُ مِنَ الزَّوْجاتِ والأوْلادِ ونَحْوِهِمْ.

وأمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ الأمْوالَ هي أمْوالُ …

7

لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًۭا مَّفْرُوضًۭا

For men is a share of what the parents and close relatives leave, and for women is a share of what the parents and close relatives leave, be it little or much - an obligatory share.

لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ حُكْمَ أمْوالِ اليَتامى وصَلَهُ بِأحْكامِ المَوارِيثِ وكَيْفِيَّةِ قِسْمَتِها بَيْنَ الوَرَثَةِ.

وأفْرَدَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ النِّساءِ بَعْدَ ذِكْرِ الرِّجالِ، ولَمْ يَقُلْ: لِلرِّجالِ والنِّساءِ نُصِيبٌ، لِلْإيذانِ بِأصالَتِهِنَّ في هَذا الحُكْمِ، ودَفْعِ ما كانَتْ عَلَيْهِ الجاهِلِيَّةُ مِن عَدَمِ تَوْرِيثِ النِّساءِ، وفي ذِكْرِ القَرابَةِ بَيانٌ لِعِلَّةِ المِيراثِ مَعَ التَّعْمِيمِ لِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُسَمّى القَرابَةِ مِن دُونِ تَخْصِيصٍ. وقَوْلُهُ: ﴿مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِمّا تَرَكَ﴾ بِإعادَةِ الجَرِّ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: مِنهُ راجِعٌ إلى المُبْدَلِ مِنهُ.

وقَوْلُهُ: نَصِيبًا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ أوْ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ السَّبَبِ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ أجْمَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ المَواضِعِ قَدْرَ النَّصِيبِ المَفْرُوضِ، ثُمَّ أنْزَلَ قَوْلَهُ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] فَتَبَيَّنَ مِيراثُ كُلِّ فَرْدٍ. قَوْلُهُ: ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى﴾ المُرادُ بِالقَرابَةِ هُنا غَيْرُ الوارِثِينَ، وكَذا اليَتامى والمَساكِينُ، شَرَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهم إذا حَضَرُوا قِسْمَةَ التَّرِكَةِ كانَ لَهم مِنها رِزْقٌ، فَيَرْضَخُ لَهُمُ المُتَقاسِمُونَ شَيْئًا مِنها.

وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ وأنَّ الأمْرَ لِلنَّدْبِ. وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] والأوَّلُ أرْجَحُ؛ لِأنَّ المَذْكُورَ في الآيَةِ لِلْقَرابَةِ غَيْرِ الوارِثِينَ لَيْسَ هو مِن جُمْلَةِ المِيراثِ حَتّى يُقالَ: إنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ المَوارِيثِ، إلّا أنْ تَقُولُوا: إنَّ أُولِي القُرْبى المَذْكُورِينَ هُنا هُمُ الوارِثُونَ كانَ لِلنَّسْخِ وجْهٌ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ هَذا الرَّضْخَ لِغَيْرِ الوارِثِ مِنَ القَرابَةِ واجِبٌ بِمِقْدارِ ما تَطِيبُ بِهِ أنْفُسُ الوَرَثَةِ، وهو مَعْنى الأمْرِ الحَقِيقِيِّ فَلا يُصارُ إلى النَّدْبِ إلّا لِقَرِينَةٍ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: مِنهُ راجِعٌ إلى المَقْسُومِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالقِسْمَةِ، وقِيلَ: راجِعٌ إلى ما تُرِكَ. والقَوْلُ المَعْرُوفُ: هو القَوْلُ الجَمِيلُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مَنٌّ بِما صارَ إلَيْهِمْ مِنَ الرَّضْخِ ولا أذًى.

قَوْلُهُ: ﴿ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا﴾ هُمُ الأوْصِياءُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ طائِفَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وفِيهِ وعْظٌ لَهم بِأنْ يَفْعَلُوا بِاليَتامى الَّذِينَ في حُجُورِهِمْ ما يُحِبُّونَ أنْ يُفْعَلَ بِأوْلادِهِمْ مِن بَعْدِهِمْ، وقالَتْ طائِفَةٌ: المُرادُ جَمِيعُ النّاسِ أُمِرُوا بِاتِّقاءِ اللَّهِ في الأيْتامِ وأوْلادِ النّاسِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا في حُجُورِهِمْ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ المُرادَ بِهِمْ مَن يَحْضُرُ المَيِّتَ عِنْدَ مَوْتِهِ، أُمِرُوا بِتَقْوى اللَّهِ، وبِأنْ يَقُولُوا لِلْمُحْتَضِرِ قَوْلًا سَدِيدًا مِن إرْشادِهِمْ إلى التَّخَلُّصِ عَنْ حُقُوقِ اللَّهِ وحُقُوقِ بَنِي آدَمَ، وإلى الوَصِيَّةِ بِالقُرَبِ المُقَرِّبَةِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وإلى تَرْكِ التَّبْذِيرِ بِمالِهِ وإحْرامِ ورَثَتِهِ كَما يَخْشَوْنَ عَلى ورَثَتِهِمْ مِن بَعْدِهِمْ لَوْ تَرَكُوهم فُقَراءَ عالَةً يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: النّاسُ صِنْفانِ يَصْلُحُ لِأحَدِهِما أنْ يُقالَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ ما لا يَصْلُحُ لِلْآخَرِ، وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ إذا تَرَكَ ورَثَتَهُ مُسْتَقِلِّينَ بِأنْفُسِهِمْ أغْنِياءَ حَسُنَ أنْ …

8

وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُو۟لُوا۟ ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينُ فَٱرْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا

And when [other] relatives and orphans and the needy are present at the [time of] division, then provide for them [something] out of the estate and speak to them words of appropriate kindness.

لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ حُكْمَ أمْوالِ اليَتامى وصَلَهُ بِأحْكامِ المَوارِيثِ وكَيْفِيَّةِ قِسْمَتِها بَيْنَ الوَرَثَةِ.

وأفْرَدَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ النِّساءِ بَعْدَ ذِكْرِ الرِّجالِ، ولَمْ يَقُلْ: لِلرِّجالِ والنِّساءِ نُصِيبٌ، لِلْإيذانِ بِأصالَتِهِنَّ في هَذا الحُكْمِ، ودَفْعِ ما كانَتْ عَلَيْهِ الجاهِلِيَّةُ مِن عَدَمِ تَوْرِيثِ النِّساءِ، وفي ذِكْرِ القَرابَةِ بَيانٌ لِعِلَّةِ المِيراثِ مَعَ التَّعْمِيمِ لِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُسَمّى القَرابَةِ مِن دُونِ تَخْصِيصٍ. وقَوْلُهُ: ﴿مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِمّا تَرَكَ﴾ بِإعادَةِ الجَرِّ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: مِنهُ راجِعٌ إلى المُبْدَلِ مِنهُ.

وقَوْلُهُ: نَصِيبًا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ أوْ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ السَّبَبِ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ أجْمَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ المَواضِعِ قَدْرَ النَّصِيبِ المَفْرُوضِ، ثُمَّ أنْزَلَ قَوْلَهُ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] فَتَبَيَّنَ مِيراثُ كُلِّ فَرْدٍ. قَوْلُهُ: ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى﴾ المُرادُ بِالقَرابَةِ هُنا غَيْرُ الوارِثِينَ، وكَذا اليَتامى والمَساكِينُ، شَرَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهم إذا حَضَرُوا قِسْمَةَ التَّرِكَةِ كانَ لَهم مِنها رِزْقٌ، فَيَرْضَخُ لَهُمُ المُتَقاسِمُونَ شَيْئًا مِنها.

وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ وأنَّ الأمْرَ لِلنَّدْبِ. وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] والأوَّلُ أرْجَحُ؛ لِأنَّ المَذْكُورَ في الآيَةِ لِلْقَرابَةِ غَيْرِ الوارِثِينَ لَيْسَ هو مِن جُمْلَةِ المِيراثِ حَتّى يُقالَ: إنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ المَوارِيثِ، إلّا أنْ تَقُولُوا: إنَّ أُولِي القُرْبى المَذْكُورِينَ هُنا هُمُ الوارِثُونَ كانَ لِلنَّسْخِ وجْهٌ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ هَذا الرَّضْخَ لِغَيْرِ الوارِثِ مِنَ القَرابَةِ واجِبٌ بِمِقْدارِ ما تَطِيبُ بِهِ أنْفُسُ الوَرَثَةِ، وهو مَعْنى الأمْرِ الحَقِيقِيِّ فَلا يُصارُ إلى النَّدْبِ إلّا لِقَرِينَةٍ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: مِنهُ راجِعٌ إلى المَقْسُومِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالقِسْمَةِ، وقِيلَ: راجِعٌ إلى ما تُرِكَ. والقَوْلُ المَعْرُوفُ: هو القَوْلُ الجَمِيلُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مَنٌّ بِما صارَ إلَيْهِمْ مِنَ الرَّضْخِ ولا أذًى.

قَوْلُهُ: ﴿ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا﴾ هُمُ الأوْصِياءُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ طائِفَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وفِيهِ وعْظٌ لَهم بِأنْ يَفْعَلُوا بِاليَتامى الَّذِينَ في حُجُورِهِمْ ما يُحِبُّونَ أنْ يُفْعَلَ بِأوْلادِهِمْ مِن بَعْدِهِمْ، وقالَتْ طائِفَةٌ: المُرادُ جَمِيعُ النّاسِ أُمِرُوا بِاتِّقاءِ اللَّهِ في الأيْتامِ وأوْلادِ النّاسِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا في حُجُورِهِمْ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ المُرادَ بِهِمْ مَن يَحْضُرُ المَيِّتَ عِنْدَ مَوْتِهِ، أُمِرُوا بِتَقْوى اللَّهِ، وبِأنْ يَقُولُوا لِلْمُحْتَضِرِ قَوْلًا سَدِيدًا مِن إرْشادِهِمْ إلى التَّخَلُّصِ عَنْ حُقُوقِ اللَّهِ وحُقُوقِ بَنِي آدَمَ، وإلى الوَصِيَّةِ بِالقُرَبِ المُقَرِّبَةِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وإلى تَرْكِ التَّبْذِيرِ بِمالِهِ وإحْرامِ ورَثَتِهِ كَما يَخْشَوْنَ عَلى ورَثَتِهِمْ مِن بَعْدِهِمْ لَوْ تَرَكُوهم فُقَراءَ عالَةً يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: النّاسُ صِنْفانِ يَصْلُحُ لِأحَدِهِما أنْ يُقالَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ ما لا يَصْلُحُ لِلْآخَرِ، وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ إذا تَرَكَ ورَثَتَهُ مُسْتَقِلِّينَ بِأنْفُسِهِمْ أغْنِياءَ حَسُنَ أنْ …

9

وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا۟ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةًۭ ضِعَٰفًا خَافُوا۟ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُوا۟ قَوْلًۭا سَدِيدًا

And let those [executors and guardians] fear [injustice] as if they [themselves] had left weak offspring behind and feared for them. So let them fear Allah and speak words of appropriate justice.

لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ حُكْمَ أمْوالِ اليَتامى وصَلَهُ بِأحْكامِ المَوارِيثِ وكَيْفِيَّةِ قِسْمَتِها بَيْنَ الوَرَثَةِ.

وأفْرَدَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ النِّساءِ بَعْدَ ذِكْرِ الرِّجالِ، ولَمْ يَقُلْ: لِلرِّجالِ والنِّساءِ نُصِيبٌ، لِلْإيذانِ بِأصالَتِهِنَّ في هَذا الحُكْمِ، ودَفْعِ ما كانَتْ عَلَيْهِ الجاهِلِيَّةُ مِن عَدَمِ تَوْرِيثِ النِّساءِ، وفي ذِكْرِ القَرابَةِ بَيانٌ لِعِلَّةِ المِيراثِ مَعَ التَّعْمِيمِ لِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُسَمّى القَرابَةِ مِن دُونِ تَخْصِيصٍ. وقَوْلُهُ: ﴿مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِمّا تَرَكَ﴾ بِإعادَةِ الجَرِّ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: مِنهُ راجِعٌ إلى المُبْدَلِ مِنهُ.

وقَوْلُهُ: نَصِيبًا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ أوْ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ السَّبَبِ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ أجْمَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ المَواضِعِ قَدْرَ النَّصِيبِ المَفْرُوضِ، ثُمَّ أنْزَلَ قَوْلَهُ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] فَتَبَيَّنَ مِيراثُ كُلِّ فَرْدٍ. قَوْلُهُ: ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى﴾ المُرادُ بِالقَرابَةِ هُنا غَيْرُ الوارِثِينَ، وكَذا اليَتامى والمَساكِينُ، شَرَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهم إذا حَضَرُوا قِسْمَةَ التَّرِكَةِ كانَ لَهم مِنها رِزْقٌ، فَيَرْضَخُ لَهُمُ المُتَقاسِمُونَ شَيْئًا مِنها.

وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ وأنَّ الأمْرَ لِلنَّدْبِ. وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] والأوَّلُ أرْجَحُ؛ لِأنَّ المَذْكُورَ في الآيَةِ لِلْقَرابَةِ غَيْرِ الوارِثِينَ لَيْسَ هو مِن جُمْلَةِ المِيراثِ حَتّى يُقالَ: إنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ المَوارِيثِ، إلّا أنْ تَقُولُوا: إنَّ أُولِي القُرْبى المَذْكُورِينَ هُنا هُمُ الوارِثُونَ كانَ لِلنَّسْخِ وجْهٌ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ هَذا الرَّضْخَ لِغَيْرِ الوارِثِ مِنَ القَرابَةِ واجِبٌ بِمِقْدارِ ما تَطِيبُ بِهِ أنْفُسُ الوَرَثَةِ، وهو مَعْنى الأمْرِ الحَقِيقِيِّ فَلا يُصارُ إلى النَّدْبِ إلّا لِقَرِينَةٍ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: مِنهُ راجِعٌ إلى المَقْسُومِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالقِسْمَةِ، وقِيلَ: راجِعٌ إلى ما تُرِكَ. والقَوْلُ المَعْرُوفُ: هو القَوْلُ الجَمِيلُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مَنٌّ بِما صارَ إلَيْهِمْ مِنَ الرَّضْخِ ولا أذًى.

قَوْلُهُ: ﴿ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا﴾ هُمُ الأوْصِياءُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ طائِفَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وفِيهِ وعْظٌ لَهم بِأنْ يَفْعَلُوا بِاليَتامى الَّذِينَ في حُجُورِهِمْ ما يُحِبُّونَ أنْ يُفْعَلَ بِأوْلادِهِمْ مِن بَعْدِهِمْ، وقالَتْ طائِفَةٌ: المُرادُ جَمِيعُ النّاسِ أُمِرُوا بِاتِّقاءِ اللَّهِ في الأيْتامِ وأوْلادِ النّاسِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا في حُجُورِهِمْ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ المُرادَ بِهِمْ مَن يَحْضُرُ المَيِّتَ عِنْدَ مَوْتِهِ، أُمِرُوا بِتَقْوى اللَّهِ، وبِأنْ يَقُولُوا لِلْمُحْتَضِرِ قَوْلًا سَدِيدًا مِن إرْشادِهِمْ إلى التَّخَلُّصِ عَنْ حُقُوقِ اللَّهِ وحُقُوقِ بَنِي آدَمَ، وإلى الوَصِيَّةِ بِالقُرَبِ المُقَرِّبَةِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وإلى تَرْكِ التَّبْذِيرِ بِمالِهِ وإحْرامِ ورَثَتِهِ كَما يَخْشَوْنَ عَلى ورَثَتِهِمْ مِن بَعْدِهِمْ لَوْ تَرَكُوهم فُقَراءَ عالَةً يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: النّاسُ صِنْفانِ يَصْلُحُ لِأحَدِهِما أنْ يُقالَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ ما لا يَصْلُحُ لِلْآخَرِ، وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ إذا تَرَكَ ورَثَتَهُ مُسْتَقِلِّينَ بِأنْفُسِهِمْ أغْنِياءَ حَسُنَ أنْ …

10

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًۭا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًۭا

Indeed, those who devour the property of orphans unjustly are only consuming into their bellies fire. And they will be burned in a Blaze.

لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ حُكْمَ أمْوالِ اليَتامى وصَلَهُ بِأحْكامِ المَوارِيثِ وكَيْفِيَّةِ قِسْمَتِها بَيْنَ الوَرَثَةِ.

وأفْرَدَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ النِّساءِ بَعْدَ ذِكْرِ الرِّجالِ، ولَمْ يَقُلْ: لِلرِّجالِ والنِّساءِ نُصِيبٌ، لِلْإيذانِ بِأصالَتِهِنَّ في هَذا الحُكْمِ، ودَفْعِ ما كانَتْ عَلَيْهِ الجاهِلِيَّةُ مِن عَدَمِ تَوْرِيثِ النِّساءِ، وفي ذِكْرِ القَرابَةِ بَيانٌ لِعِلَّةِ المِيراثِ مَعَ التَّعْمِيمِ لِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُسَمّى القَرابَةِ مِن دُونِ تَخْصِيصٍ. وقَوْلُهُ: ﴿مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِمّا تَرَكَ﴾ بِإعادَةِ الجَرِّ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: مِنهُ راجِعٌ إلى المُبْدَلِ مِنهُ.

وقَوْلُهُ: نَصِيبًا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ أوْ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ السَّبَبِ في نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، وقَدْ أجْمَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ المَواضِعِ قَدْرَ النَّصِيبِ المَفْرُوضِ، ثُمَّ أنْزَلَ قَوْلَهُ: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] فَتَبَيَّنَ مِيراثُ كُلِّ فَرْدٍ. قَوْلُهُ: ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى﴾ المُرادُ بِالقَرابَةِ هُنا غَيْرُ الوارِثِينَ، وكَذا اليَتامى والمَساكِينُ، شَرَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ أنَّهم إذا حَضَرُوا قِسْمَةَ التَّرِكَةِ كانَ لَهم مِنها رِزْقٌ، فَيَرْضَخُ لَهُمُ المُتَقاسِمُونَ شَيْئًا مِنها.

وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ وأنَّ الأمْرَ لِلنَّدْبِ. وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] والأوَّلُ أرْجَحُ؛ لِأنَّ المَذْكُورَ في الآيَةِ لِلْقَرابَةِ غَيْرِ الوارِثِينَ لَيْسَ هو مِن جُمْلَةِ المِيراثِ حَتّى يُقالَ: إنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ المَوارِيثِ، إلّا أنْ تَقُولُوا: إنَّ أُولِي القُرْبى المَذْكُورِينَ هُنا هُمُ الوارِثُونَ كانَ لِلنَّسْخِ وجْهٌ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ هَذا الرَّضْخَ لِغَيْرِ الوارِثِ مِنَ القَرابَةِ واجِبٌ بِمِقْدارِ ما تَطِيبُ بِهِ أنْفُسُ الوَرَثَةِ، وهو مَعْنى الأمْرِ الحَقِيقِيِّ فَلا يُصارُ إلى النَّدْبِ إلّا لِقَرِينَةٍ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: مِنهُ راجِعٌ إلى المَقْسُومِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِالقِسْمَةِ، وقِيلَ: راجِعٌ إلى ما تُرِكَ. والقَوْلُ المَعْرُوفُ: هو القَوْلُ الجَمِيلُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مَنٌّ بِما صارَ إلَيْهِمْ مِنَ الرَّضْخِ ولا أذًى.

قَوْلُهُ: ﴿ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا﴾ هُمُ الأوْصِياءُ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ طائِفَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وفِيهِ وعْظٌ لَهم بِأنْ يَفْعَلُوا بِاليَتامى الَّذِينَ في حُجُورِهِمْ ما يُحِبُّونَ أنْ يُفْعَلَ بِأوْلادِهِمْ مِن بَعْدِهِمْ، وقالَتْ طائِفَةٌ: المُرادُ جَمِيعُ النّاسِ أُمِرُوا بِاتِّقاءِ اللَّهِ في الأيْتامِ وأوْلادِ النّاسِ وإنْ لَمْ يَكُونُوا في حُجُورِهِمْ، وقالَ آخَرُونَ: إنَّ المُرادَ بِهِمْ مَن يَحْضُرُ المَيِّتَ عِنْدَ مَوْتِهِ، أُمِرُوا بِتَقْوى اللَّهِ، وبِأنْ يَقُولُوا لِلْمُحْتَضِرِ قَوْلًا سَدِيدًا مِن إرْشادِهِمْ إلى التَّخَلُّصِ عَنْ حُقُوقِ اللَّهِ وحُقُوقِ بَنِي آدَمَ، وإلى الوَصِيَّةِ بِالقُرَبِ المُقَرِّبَةِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وإلى تَرْكِ التَّبْذِيرِ بِمالِهِ وإحْرامِ ورَثَتِهِ كَما يَخْشَوْنَ عَلى ورَثَتِهِمْ مِن بَعْدِهِمْ لَوْ تَرَكُوهم فُقَراءَ عالَةً يَتَكَفَّفُونَ النّاسَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: النّاسُ صِنْفانِ يَصْلُحُ لِأحَدِهِما أنْ يُقالَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ ما لا يَصْلُحُ لِلْآخَرِ، وذَلِكَ أنَّ الرَّجُلَ إذا تَرَكَ ورَثَتَهُ مُسْتَقِلِّينَ بِأنْفُسِهِمْ أغْنِياءَ حَسُنَ أنْ …

Commentary: Fath al-Qadir by Al-Shawkani. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.