Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 21–30 of 176

21

وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُۥ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍۢ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظًۭا

And how could you take it while you have gone in unto each other and they have taken from you a solemn covenant?

﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا أتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ ﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ .

لا جَرَمَ أنَّ الكَراهِيَةَ تَعْقُبُها إرادَةُ اسْتِبْدالِ المَكْرُوهِ بِضِدِّهِ، فَلِذَلِكَ عَطَفَ الشَّرْطَ عَلى الَّذِي قَبْلَهُ اسْتِطْرادًا واسْتِيفاءً لِلْأحْكامِ.

فالمُرادُ بِالِاسْتِبْدالِ طَلاقُ المَرْأةِ السّابِقَةِ وتَزَوُّجُ امْرَأةٍ أُخْرى.

الِاسْتِبْدالُ: التَّبْدِيلُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: قالَ أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ. في سُورَةِ البَقَرَةِ. أيْ إنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبٌ لِلْفِراقِ إلّا إرادَةَ اسْتِبْدالِ زَوْجٍ بِأُخْرى فَيُلْجِئُ الَّتِي يُرِيدُ فِراقَها، حَتّى تُخالِعَهُ، لِيَجِدَ مالًا يُعْطِيهِ مَهْرًا لِلَّتِي رَغِبَ فِيها، نَهى عَنْ أنْ يَأْخُذُوا شَيْئًا مِمّا أعْطَوْهُ أزْواجَهم مِن مَهْرٍ وغَيْرِهِ

صفحة ٢٨٩

والقِنْطارُ هُنا مُبالَغَةٌ في مِقْدارِ المالِ المُعْطى صَداقًا أيْ مالًا كَثِيرًا، كَثْرَةٌ غَيْرُ مُتَعارَفَةٍ. وهَذِهِ المُبالَغَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ إيتاءَ القِنْطارِ مُباحٌ شَرْعًا لِأنَّ اللَّهَ لا يُمَثِّلُ بِما لا يَرْضى شَرْعَهُ مِثْلَ الحَرامِ، ولِذَلِكَ لَمّا خَطَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَنَهى عَنِ المُغالاةِ في الصَّدُقاتِ، قالَتْ لَهُ امْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ بَعْدَ أنْ نَزَلَ. يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ كِتابُ اللَّهِ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أوْ قَوْلُكَ ؟ قالَ: بَلْ كِتابُ اللَّهِ بِمَ ذَلِكَ ؟ قالَتْ: إنَّكَ نَهَيْتَ النّاسَ آنِفًا أنْ يُغالُوا في صَداقِ النِّساءِ، واللَّهُ يَقُولُ في كِتابِهِ: ﴿وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾ . فَقالَ عُمَرُ كُلُّ أحَدٍ أفْقَهُ مِن عُمَرَ. وفي رِوايَةٍ قالَ: امْرَأةٌ أصابَتْ وأمِيرٌ أخْطَأ واللَّهُ المُسْتَعانُ. ثُمَّ رَجَعَ إلى المِنبَرِ فَقالَ: إنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكم أنْ تُغالُوا في صَدُقاتِ النِّساءِ فَلْيَفْعَلْ كُلُّ رَجُلٍ في مالِهِ ما شاءَ. والظّاهِرُ مِن هَذِهِ الرِّوايَةِ أنَّ عُمَرَ رَجَعَ عَنْ تَحْجِيرِ المُباحِ لِأنَّهُ رَآهُ يُنافِي الإباحَةَ بِمُقْتَضى دَلالَةِ الإشارَةِ وقَدْ كانَ بَدا لَهُ مِن قَبْلُ أنَّ في المُغالاةِ عِلَّةً تَقْتَضِي المَنعَ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ نَسِيَ الآيَةَ بِناءً عَلى أنَّ المُجْتَهِدَ لا يَلْزَمُهُ البَحْثُ عَنِ المُعارِضِ لِدَلِيلِ اجْتِهادِهِ، أوْ أنْ يَكُونَ حَمَلَها عَلى قَصْدِ المُبالَغَةِ فَرَأى أنَّ ذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى الإباحَةِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، أوْ أنْ يَكُونَ رَأى لِنَفْسِهِ أنْ يُحَجِّرَ بَعْضَ المُباحِ لِلْمَصْلَحَةِ ثُمَّ عَدَلَ عَنْهُ لِأنَّهُ يُنافِي إذْنَ الشَّرْعِ في فِعْلِهِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ.

وضَمِيرُ (إحْداهُنَّ) راجِعٌ إلى النِّساءِ. وهَذِهِ هي المَرْأةُ الَّتِي يُرادُ طَلاقُها.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى القِنْطارِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ. في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

والِاسْتِفْهامُ في (أتَأْخُذُونَهُ) إنْكارِيٌّ.

والبُهْتانُ مَصْدَرٌ كالشُّكْرانِ والغُفْرانِ، مَصْدَرُ بَهَتَهُ كَمَنَعَهَ إذا قالَ عَلَيْهِ ما لَمْ يَفْعَلْ. وتَقَدَّمَ البُهْتُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ. في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وانْتُصِبَ (بُهْتانًا) عَلى الحالِ مِنَ الفاعِلِ في (تَأْخُذُونَهُ) بِتَأْوِيلِهِ بِاسْمِ الفاعِلِ، أيْ مُباهِتِينَ. وإنَّما جُعِلَ هَذا الأخْذُ بُهْتانًا لِأنَّهم كانَ مِن عادَتِهِمْ إذا …

22

وَلَا تَنكِحُوا۟ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةًۭ وَمَقْتًۭا وَسَآءَ سَبِيلًا

And do not marry those [women] whom your fathers married, except what has already occurred. Indeed, it was an immorality and hateful [to Allah] and was evil as a way.

﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا وساءَ سَبِيلًا﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ: لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا، والمُناسَبَةُ

صفحة ٢٩١

أنَّ مِن جُمْلَةِ أحْوالِ إرْثِهِمُ النِّساءَ كَرْهًا، أنْ يَكُونَ ابْنُ المَيِّتِ أوْلى بِزَوْجَةِ أبِيهِ، إذا لَمْ تَكُنْ أُمَّهُ، فَنُهُوا عَنْ هَذِهِ الصُّورَةِ نَهْيًا خاصًّا مُغَلَّظًا، وتُخُلِّصَ مِنهُ إلى إحْصاءِ المُحَرَّماتِ.

(وما نَكَحَ) بِمَعْنى الَّذِي نَكَحَ مُرادٌ بِهِ الجِنْسُ، فَلِذَلِكَ حَسُنَ وقْعُ (ما) عِوَضَ (مَن) لِأنَّ (مَن) تَكْثُرُ في المَوْصُولِ المَعْلُومِ، عَلى أنَّ البَيانَ بِقَوْلِهِ (مِنَ النِّساءِ) سَوّى بَيْنَ (ما) و(مَن) فَرُجِّحَتْ (ما) لِخِفَّتِها، والبَيانُ أيْضًا يُعَيِّنُ أنْ تَكُونَ (ما) مَوْصُولَةً. وعَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ: لا تَنْكِحُوا نِساءَ آبائِكم لِيَدُلَّ بِلَفْظِ (نَكَحَ) عَلى أنَّ عَقْدَ الأبِ عَلى المَرْأةِ كافٍ في حُرْمَةِ تَزَوُّجِ ابْنِهِ إيّاها. وذِكْرُ (مِنَ النِّساءِ) بَيانٌ لِكَوْنِ (ما) مَوْصُولَةً.

والنَّهْيُ يَتَعَلَّقُ بِالمُسْتَقْبَلِ، والفِعْلُ المُضارِعُ مَعَ النَّهْيِ مَدْلُولُهُ إيجادُ الحَدَثِ في المُسْتَقْبَلِ، وهَذا المَعْنى يُفِيدُ النَّهْيَ عَنِ الِاسْتِمْرارِ عَلى نِكاحِهِنَّ إذا كانَ قَدْ حَصَلَ قَبْلَ وُرُودِ النَّهْيِ. والنِّكاحُ حَقِيقَةٌ في العَقْدِ شَرْعًا بَيْنَ الرَّجُلِ والمَرْأةِ عَلى المُعاشَرَةِ والِاسْتِمْتاعِ بِالمَعْنى الصَّحِيحِ شَرْعًا، وتَقَدَّمَ أنَّهُ حَقِيقَةٌ في هَذا المَعْنى دُونَ الوَطْءِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ، فَحَرامٌ عَلى الرَّجُلِ أنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأةً عَقَدَ أبُوهُ عَلَيْها عَقْدَ نِكاحٍ صَحِيحٍ، ولَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِها، وأمّا إطْلاقُ النِّكاحِ عَلى الوَطْءِ بِعَقْدٍ فَقَدْ حَمَلَ لَفْظَ النِّكاحِ عَلَيْهِ بَعْضُ العُلَماءِ، وزَعَمُوا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] أطْلَقَ فِيهِ النِّكاحَ عَلى الوَطْءِ لِأنَّها لا يُحِلُّها لِمُطَلِّقِها ثَلاثًا مُجَرَّدُ العَقْدِ أيْ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى الِاسْتِعانَةِ بِبَيانِ السُّنَّةِ لِلْمَقْصُودِ مِن قَوْلِهِ (تَنْكِحَ) وقَدْ بَيَّنْتُ رَدَّ ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ.

أمّا الوَطْءُ الحَرامُ مِن زِنًى فَكَوْنُهُ مِن مَعانِيَ النِّكاحِ في لُغَةِ العَرَبِ دَعْوى واهِيَةٌ.

وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ فِيمَن زَنى بِامْرَأةٍ هَلْ تَحْرُمُ عَلى ابْنِهِ أوْ عَلى أبِيهِ. فالَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مالِكٌ في المُوَطَّأِ، والشّافِعِيُّ: أنَّ الزِّنى لا يَنْشُرُ الحُرْمَةَ، وهَذا

صفحة ٢٩٢

الَّذِي حَكاهُ الشَّيْخُ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ أبِي زَيْدٍ في الرِّسالَةِ، ويُرْوى ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ الزُّهْرِيِّ، ورَبِيعَةَ، واللَّيْثِ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ، وابْنُ الماجِشُونَ مِن أصْحابِ مالِكٍ: الزِّنى يَنْشُرُ الحُرْمَةَ. قالَ ابْنُ الماجِشُونَ: ماتَ مالِكٌ عَلى هَذا. وهو قَوْلُ الأوْزاعِيِّ والثَّوْرِيِّ. وقالَ ابْنُ المَوّازِ هو مَكْرُوهٌ، ووَقَعَ في المُدَوَّنَةِ (يُفارِقُها) فَحَمَلَهُ الأكْثَرُ عَلى الوُجُوبِ. وتَأوَّلَهُ بَعْضُهم عَلى الكَراهَةِ. وهَذِهِ المَسْألَةُ جَرَتْ فِيها مُناظَرَةٌ بَيْنَ الشّافِعِيِّ ومُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ أشارَ إلَيْها الجَصّاصُ في أحْكامِهِ، والفَخْرُ في …

23

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَٰتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَٰتُكُمْ وَعَمَّٰتُكُمْ وَخَٰلَٰتُكُمْ وَبَنَاتُ ٱلْأَخِ وَبَنَاتُ ٱلْأُخْتِ وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِىٓ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَٰٓئِبُكُمُ ٱلَّٰتِى فِى حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِى دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُوا۟ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَٰٓئِلُ أَبْنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنْ أَصْلَٰبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُوا۟ بَيْنَ ٱلْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

Prohibited to you [for marriage] are your mothers, your daughters, your sisters, your father's sisters, your mother's sisters, your brother's daughters, your sister's daughters, your [milk] mothers who nursed you, your sisters through nursing, your wives' mothers, and your step-daughters under your guardianship [born] of your wives unto whom you have gone in. But if you have not gone in unto them, there is no sin upon you. And [also prohibited are] the wives of your sons who are from your [own] loins, and that you take [in marriage] two sisters simultaneously, except for what has already occurred. Indeed, Allah is ever Forgiving and Merciful.

﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكم وعَمّاتُكم وخالاتُكم وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ وأُمَّهاتُكُمُ اللّاتِي أرْضَعْنَكم وأخَواتُكم مِنَ الرَّضاعَةِ وأُمَّهاتُ نِسائِكم ورَبائِبُكُمُ اللّاتِي في حُجُورِكم مِن نِسائِكُمُ اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكم وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِن أصْلابِكم وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ تَخَلُّصٌ إلى ذِكْرِ المُحَرَّماتِ بِمُناسَبَةِ ذِكْرِ تَحْرِيمِ نِكاحِ ما نَكَحَ الآباءُ وغُيِّرَ

صفحة ٢٩٤

أُسْلُوبُ النَّهْيِ فِيهِ لِأنَّ (لا تَفْعَلْ) نَهْيٌ عَنِ المُضارِعِ الدّالِّ عَلى زَمَنِ الحالِ فَيُؤْذِنُ بِالتَّلَبُّسُ بِالمَنهِيِّ أوْ إمْكانِ التَّلَبُّسِ بِهِ، بِخِلافِ (حُرِّمَتْ) فَيَدُلُّ عَلى أنَّ تَحْرِيمَهُ أمْرٌ مُقَرَّرٌ، ولِذَلِكَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ ما يُحَرِّمُ الإسْلامُ إلّا امْرَأةَ الأبِ والجَمْعَ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ فَمِن أجْلِ هَذا أيْضًا نَجِدُ حُكْمَ الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ عُبِّرَ فِيهِ بِلَفْظِ الفِعْلِ المُضارِعِ فَقِيلَ: وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ.

وتَعَلُّقُ التَّحْرِيمِ بِأسْماءِ الذَّواتِ يُحْمَلُ عَلى تَحْرِيمِ ما يُقْصَدُ مِن تِلْكَ الذّاتِ غالِبًا فَنَحْوُ: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ إلَخْ مَعْناهُ: حُرِّمَ أكْلُها، ونَحْوُ: حَرَّمَ اللَّهُ الخَمْرَ، أيْ شُرْبَها، وفي: حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم مَعْناهُ تَزَوُّجُهُنَّ.

والأُمَّهاتُ جَمْعُ أُمَّةٍ أوْ أُمَّهَةٍ، والعَرَبُ أماتُوا أُمَّهَةً وأُمَّةً وأبْقَوْا جَمْعَهُ، كَما أبْقَوْا أُمَّ وأماتُوا جَمْعَهُ، فَلَمْ يُسْمَعْ مِنهُمُ الأُمّاتُ، ووَرَدَ أُمَّةٌ نادِرًا في قَوْلِ شاعِرٍ أنْشَدَهُ ابْنُ كَيْسانَ:

تَقَبَّلْتَها عَنْ أُمَّةٍ لَكَ طالَما تُنُوزِعَ في الأسْواقِ مِنها خِمارُها

ووَرَدَ أُمَّهَةٌ نادِرًا في بَيْتٍ يُعْزى إلى قُصَيِّ بْنِ كِلابٍ:

عِنْدَ تَنادِيهِمْ بِهالٍ وهَبِـي ∗∗∗ أُمَّهَتِي خِنْدَفُ وإلْياسُ أبِي

وجاءَ في الجَمْعِ أُمَّهاتٌ بِكَثْرَةٍ، وجاءَ أُمّاتٌ قَلِيلًا في قَوْلِ جَرِيرٍ:

لَقَدْ ولَدَ الأُخَيْطِلَ أُمُّ سَوْءٍ ∗∗∗ مُقَلَّدَةٌ مِنَ الأُمّاتِ عارًا

وقِيلَ: إنْ أُمّاتَ خاصٌّ بِما لا يَعْقِلُ، قالَ الرّاعِي:

كانَتْ نَجائِبُ مُنْذِرٍ ومُحَرِّقٍ ∗∗∗ أُمّاتُهُنَّ وطَرَقُهُنَّ فَحِيلا

فَيُحْتَمَلُ أنَّ أصْلَ أُمِّ أُمّا أوْ أُمَّها فَوَقَعَ فِيهِ الحَذْفُ ثُمَّ أرْجَعُوها في الجَمْعِ.

صفحة ٢٩٥

ومِن غَرِيبِ الِاتِّفاقِ أنَّ أسْماءَ أعْضاءِ العائِلَةِ لَمْ تَجْرِ عَلى قِياسٍ مِثْلَ أبٍ، إذْ كانَ عَلى حَرْفَيْنِ، وأخٍ، وابْنٍ، وابْنَةٍ،، وأحْسَبُ أنَّ ذَلِكَ مِن أثَرِ أنَّها مِنَ اللُّغَةِ القَدِيمَةِ الَّتِي نَطَقَ بِها البَشَرُ قَبْلَ تَهْذِيبِ اللُّغَةِ، ثُمَّ تَطَوَّرَتِ اللُّغَةُ عَلَيْها وهي هي. والمُرادُ مِنَ الأُمَّهاتِ وما عُطِفَ عَلَيْها الدُّنْيا وما فَوْقَها، وهَؤُلاءِ المُحَرَّماتُ مِنَ النَّسَبِ، وقَدْ أثْبَتَ اللَّهُ تَعالى تَحْرِيمَ مَن ذَكَرَهُنَّ، وقَدْ كُنَّ مُحَرَّماتٍ عِنْدَ العَرَبِ في جاهِلِيَّتِها، تَأْكِيدًا لِذَلِكَ التَّحْرِيمِ وتَغْلِيظًا لَهُ، إذْ قَدِ اسْتَقَرَّ ذَلِكَ في النّاسِ مِن قَبْلُ، فَقَدْ قالُوا: ما كانَتِ الأُمُّ حَلالًا لِابْنِها قَطُّ مِن عَهْدِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَتِ الأُخْتُ التَّوْأمَةُ حَرامًا وغَيْرُ التَّوْأمَةِ حَلالًا، ثُمَّ حَرَّمَ اللَّهُ الأخَواتِ مُطْلَقًا مِن عَهْدِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ثُمَّ حُرِّمَتْ بَناتُ الأخِ، ويُوجَدُ …

24

۞ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۖ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا۟ بِأَمْوَٰلِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ ۚ فَمَا ٱسْتَمْتَعْتُم بِهِۦ مِنْهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةًۭ ۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَٰضَيْتُم بِهِۦ مِنۢ بَعْدِ ٱلْفَرِيضَةِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

And [also prohibited to you are all] married women except those your right hands possess. [This is] the decree of Allah upon you. And lawful to you are [all others] beyond these, [provided] that you seek them [in marriage] with [gifts from] your property, desiring chastity, not unlawful sexual intercourse. So for whatever you enjoy [of marriage] from them, give them their due compensation as an obligation. And there is no blame upon you for what you mutually agree to beyond the obligation. Indeed, Allah is ever Knowing and Wise.

صفحة ٥

﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾

عَطْفٌ عَلى ﴿وأنْ تَجْمَعُوا﴾ [النساء: ٢٣] والتَّقْدِيرُ: وحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلَخْ. فَهَذا الصِّنْفُ مِنَ المُحَرَّماتِ لِعارِضٍ نَظِيرُ الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ.

والمُحْصَناتُ بِفَتْحِ الصّادِ مِن أحْصَنَها الرَّجُلُ: إذا حَفِظَها واسْتَقَلَّ بِها عَنْ غَيْرِهِ، ويُقالُ: امْرَأةٌ مُحْصِنَةٌ بِكَسْرِ الصّادِ أحْصَنَتْ نَفْسَها عَنْ غَيْرِ زَوْجِها، ولَمْ يُقْرَأْ قَوْلُهُ (والمُحْصَناتُ) في هَذِهِ الآيَةِ إلّا بِالفَتْحِ.

ويُقالُ: أحْصَنَ الرَّجُلُ فَهو مُحْصِنٌ بِكَسْرِ الصّادِ لا غَيْرُ، ولا يُقالُ مُحْصَنٌ. ولِذَلِكَ لَمْ يَقْرَأْ أحَدٌ: مُحْصَنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ. بِفَتْحِ الصّادِ، وقُرِئَ قَوْلُهُ (مُحْصَناتٍ) بِالفَتْحِ والكَسْرِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ [النساء: ٢٥] بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الصّادِ، وبِفَتْحِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ الصّادِ. والمُرادُ هُنا المَعْنى الأوَّلُ، أيْ وحُرِّمَتْ عَلَيْكم ذَواتُ الأزْواجِ ما دُمْنَ في عِصْمَةِ أزْواجِهِنَّ، فالمَقْصُودُ تَحْرِيمُ اشْتِراكِ رَجُلَيْنِ فَأكْثَرَ في عِصْمَةِ امْرَأةٍ، وذَلِكَ إبْطالٌ لِنَوْعٍ مِنَ النِّكاحِ كانَ في الجاهِلِيَّةِ يُسَمّى الضِّمادَ، ولِنَوْعٍ آخَرَ ورَدَ ذِكْرُهُ في حَدِيثِ عائِشَةَ: أنْ يَشْتَرِكَ الرِّجالُ في المَرْأةِ وهم دُونَ العَشَرَةِ، فَإذا حَمَلَتْ ووَضَعَتْ حَمْلَها أرْسَلَتْ إلَيْهِمْ فَلا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ مِنهم أنْ يَمْتَنِعَ، فَتَقُولُ لَهم: قَدْ عَرَفْتُمُ الَّذِي كانَ مَن أمْرِكم وقَدْ ولَدْتُ فَهو ابْنُكَ يا فُلانُ، تُسَمِّي مَن أحَبَّتْ بِاسْمِهِ فَيُلْحَقُ بِهِ. ونَوْعٌ آخَرُ يُسَمّى نِكاحَ الِاسْتِبْضاعِ؛ وهو أنْ يَقُولَ الزَّوْجُ لِامْرَأتِهِ إذا طَهُرَتْ مِن حَيْضِها: أرْسِلِي إلى فُلانٍ، فاسْتَبْضِعِي مِنهُ، ويَعْتَزِلُها زَوْجُها ولا يَمَسُّها حَتّى يَتَبَيَّنَ حَمْلُها مِن ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي تَسْتَبْضِعُ مِنهُ، فَإذا تَبَيَّنَ حَمْلُها أصابَها زَوْجُها. قالَتْ عائِشَةُ: وإنَّما يَفْعَلُ هَذا رَغْبَةً في

صفحة ٦

نَجابَةِ الوَلَدِ، وأحْسَبُ أنَّ هَذا كانَ يَقَعُ بِتَراضٍ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، والمَقْصِدُ لا يَنْحَصِرُ في نَجابَةِ الوَلَدِ، فَقَدْ يَكُونُ لِبَذْلِ مالٍ أوْ صُحْبَةٍ. فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى تَحْرِيمِ كُلِّ عَقْدٍ عَلى نِكاحِ ذاتِ الزَّوْجِ، أيْ تَحْرِيمِ أنْ يَكُونَ لِلْمَرْأةِ أكْثَرُ مِن زَوْجٍ واحِدٍ. وأفادَتِ الآيَةُ تَعْمِيمَ حُرْمَتِهِنَّ ولَوْ كانَ أزْواجُهُنَّ مُشْرِكِينَ، ولِذَلِكَ لَزِمَ الِاسْتِثْناءُ بِقَوْلِهِ: ﴿إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ أيْ إلّا اللّائِي سَبَيْتُمُوهُنَّ في الحَرْبِ، لِأنَّ اليَمِينَ في كَلامِ العَرَبِ كِنايَةٌ عَنِ اليَدِ حِينَ تُمْسِكُ السَّيْفَ.

وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ السَّبْيَ هادِمًا لِلنِّكاحِ تَقْرِيرًا لِمُعْتادِ الأُمَمِ في الحُرُوبِ، وتَخْوِيفًا أنْ لا يُناصِبُوا الإسْلامَ لِأنَّهم لَوْ رُفِعَ عَنْهُمُ السَّبْيُ لَتَكالَبُوا عَلى قِتالِ المُسْلِمِينَ، إذْ لا شَيْءَ يَحْذَرُهُ العَرَبِيُّ مِنَ الحَرْبِ أشَدُّ مِن سَبْيِ نِسْوَتِهِ، ثُمَّ مِن أسْرِهِ، كَما قالَ النّابِغَةُ:

حِذارًا عَلى أنْ لا تُنالَ مَقادَتِي ولا نِسْوَتِي حَتّى يَمُتْنَ حَرائِرا

واتَّفَقَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ سَبْيَ المَرْأةِ دُونَ زَوْجِها يَهْدِمُ النِّكاحَ، ويُحِلُّها لِمَن وقَعَتْ في قِسْمَتِهِ عِنْدَ قِسْمَةِ المَغانِمِ. واخْتَلَفُوا في الَّتِي تُسْبى مَعَ زَوْجِها: فالجُمْهُورُ عَلى أنَّ سَبْيَها يَهْدِمُ نِكاحَها، وهَذا إغْضاءٌ مِنَ الحِكْمَةِ الَّتِي شُرِعَ لِأجْلِها …

25

وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ ٱلْمُحْصَنَٰتِ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلْمُؤْمِنَٰتِ ۚ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَٰنِكُم ۚ بَعْضُكُم مِّنۢ بَعْضٍۢ ۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍۢ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخْدَانٍۢ ۚ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍۢ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ۚ ذَٰلِكَ لِمَنْ خَشِىَ ٱلْعَنَتَ مِنكُمْ ۚ وَأَن تَصْبِرُوا۟ خَيْرٌۭ لَّكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ

And whoever among you cannot [find] the means to marry free, believing women, then [he may marry] from those whom your right hands possess of believing slave girls. And Allah is most knowing about your faith. You [believers] are of one another. So marry them with the permission of their people and give them their due compensation according to what is acceptable. [They should be] chaste, neither [of] those who commit unlawful intercourse randomly nor those who take [secret] lovers. But once they are sheltered in marriage, if they should commit adultery, then for them is half the punishment for free [unmarried] women. This [allowance] is for him among you who fears sin, but to be patient is better for you. And Allah is Forgiving and Merciful.

صفحة ١٢

﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ واللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِكم بَعْضُكم مِن بَعْضٍ فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ ولا مُتَّخِذاتِ أخْدانٍ فَإذا أُحْصِنَّ فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكم وأنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

عُطِفَ قَوْلُهُ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا﴾ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] تَخْصِيصًا لِعُمُومِهِ بِغَيْرِ الإماءِ، وتَقْيِيدًا لِإطْلاقِهِ بِاسْتِطاعَةِ الطَّوْلِ.

والطَّوْلُ بِفَتْحِ الطّاءِ وسُكُونِ الواوِ القُدْرَةُ، وهو مَصْدَرُ طالَ المَجازِيِّ بِمَعْنى قَدَرَ، وذَلِكَ أنَّ الطَّوْلَ يَسْتَلْزِمُ المَقْدِرَةَ عَلى المُناوَلَةِ؛ فَلِذَلِكَ يَقُولُونَ: تَطاوَلَ لِكَذا، أيْ تَمَطّى لِيَأْخُذَهُ، ثُمَّ قالُوا: تَطاوَلَ، بِمَعْنى تَكَلَّفَ المَقْدِرَةَ وأيْنَ الثُّرَيّا مِن يَدِ المُتَطاوِلِ. فَجَعَلُوا لِطالَ الحَقِيقِيِّ مَصْدَرًا بِضَمِّ الطّاءِ وجَعَلُوا لِطالَ المَجازِيِّ مَصْدَرًا بِفَتْحِ الطّاءِ وهو مِمّا فَرَّقَتْ فِيهِ العَرَبُ بَيْنَ المَعْنَيَيْنِ المُشْتَرَكَيْنِ.

والمُحْصَناتُ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ الصّادِ وقَرَأهُ الكِسائِيُّ بِكَسْرِ الصّادِ عَلى اخْتِلافِ مَعْنَيَيْ (أحْصَنَّ) كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، أيِ اللّاتِي أحْصَنَّ أنْفُسَهُنَّ، أوْ أحْصَنَهُنَّ أوْلِياؤُهُنَّ، فالمُرادُ العَفِيفاتُ. والمُحْصَناتُ هُنا وصْفٌ خَرَجَ مَخْرَجَ الغالِبِ، لِأنَّ المُسْلِمَ لا يَقْصِدُ إلّا إلى نِكاحِ امْرَأةٍ عَفِيفَةٍ، قالَ تَعالى: ﴿والزّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إلّا زانٍ أوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣] أيْ بِحَسَبِ خُلُقِ الإسْلامِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ الإحْصانَ يُطْلَقُ عَلى الحُرِّيَّةِ، وأنَّ المُرادَ بِالمُحْصَناتِ الحَرائِرُ، ولا داعِيَ إلَيْهِ، واللُّغَةُ لا تُساعِدُ عَلَيْهِ.

وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ الطَّوْلَ هُنا هو القُدْرَةُ عَلى بَذْلِ مَهْرٍ لِامْرَأةٍ حُرَّةٍ احْتاجَ لِتَزَوُّجِها: أُولى أوْ ثانِيَةٍ أوْ ثالِثَةٍ أوْ رابِعَةٍ، لِأنَّ اللَّهَ ذَكَرَ عَدَمَ اسْتِطاعَةِ الطَّوْلِ في مُقابَلَةِ قَوْلِهِ

صفحة ١٣

﴿أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] وقَوْلِهِ: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤] ولِذَلِكَ كانَ هَذا الأصَحَّ في تَفْسِيرِ الطَّوْلِ. وهو قَوْلُ مالِكٍ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ إلى أنَّ مَن كانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ واحِدَةٌ فَهي طَوْلٌ فَلا يُباحُ لَهُ تَزَوُّجُ الإماءِ؛ لِأنَّهُ طالِبُ شَهْوَةٍ إذْ كانَتْ عِنْدَهُ امْرَأةٌ تَعُفُّهُ عَنِ الزِّنى، ووَقَعَ لِمالِكٍ ما يَقْرُبُ مِن هَذا في كِتابِ مُحَمَّدِ بْنِ المَوّازِ، وهو قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ، واسْتَحْسَنَهُ اللَّخْمِيُّ والطَّبَرِيُّ، وهو تَضْيِيقٌ لا يُناسِبُ يُسْرَ الإسْلامِ عَلى أنَّ الحاجَةَ إلى امْرَأةٍ ثانِيَةٍ قَدْ لا يَكُونُ لِشَهْوَةٍ بَلْ لِحاجَةٍ لا تَسُدُّها امْرَأةٌ واحِدَةٌ، فَتَعَيَّنَ الرُّجُوعُ إلى طَلَبِ التَّزَوُّجِ، ووُجُودِ المَقْدِرَةِ، وقالَ رَبِيعَةُ، والنَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ، وعَطاءٌ، والثَّوْرِيُّ: الطَّوْلُ: الصَّبْرُ والجَلَدُ عَلى نِكاحِ الحَرائِرِ.

ووَقَعَ لِمالِكٍ في كِتابِ مُحَمَّدٍ: أنَّ الَّذِي يَجِدُ مَهْرَ حُرَّةٍ ولا يَقْدِرُ عَلى نَفَقَتِها، لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ أمَةً، وهَذا لَيْسَ …

26

يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ

Allah wants to make clear to you [the lawful from the unlawful] and guide you to the [good] practices of those before you and to accept your repentance. And Allah is Knowing and Wise.

﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ويَتُوبَ عَلَيْكم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .

تَذْيِيلٌ يُقْصَدُ مِنهُ اسْتِئْناسُ المُؤْمِنِينَ واسْتِنْزالُ نُفُوسِهِمْ إلى امْتِثالِ الأحْكامِ المُتَقَدِّمَةِ مِن أوَّلِ السُّورَةِ إلى هُنا، فَإنَّها أحْكامٌ جَمَّةٌ وأوامِرُ ونَواهٍ تُفْضِي إلى خَلْعِ عَوائِدَ ألِفُوها، وصَرْفِهم عَنْ شَهَواتٍ اسْتَباحُوها، كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذا ﴿ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ﴾ [النساء: ٢٧]، أيِ الِاسْتِرْسالَ عَلى ما كانُوا عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ، فَأعْقَبَ ذَلِكَ بِبَيانِ أنَّ في ذَلِكَ بَيانًا وهُدًى حَتّى لا تَكُونَ شَرِيعَةُ هَذِهِ الأُمَّةِ دُونَ شَرائِعِ الأُمَمِ الَّتِي قَبْلَها، بَلْ تَفُوقَها في انْتِظامِ أحْوالِها، فَكانَ هَذا كالِاعْتِذارِ عَلى ما ذُكِرَ مِنَ المُحَرَّماتِ. فَقَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِتَفْصِيلِ الأحْكامِ في مَواقِعِ الشُّبُهاتِ كَيْ لا يَضِلُّوا كَما ضَلَّ مَن قَبْلَهم، فَفِيهِ أنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ أهْدى مِمّا قَبْلَها.

وقَوْلُهُ: ﴿ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ بَيانٌ لِقَصْدِ إلْحاقِ هَذِهِ الأُمَّةِ بِمَزايا الأُمَمِ الَّتِي قَبْلَها.

صفحة ١٩

والإرادَةُ: القَصْدُ والعَزْمُ عَلى العَمَلِ، وتُطْلَقُ عَلى الصِّفَةِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي تُخَصِّصُ المُمْكِنَ بِبَعْضِ ما يَجُوزُ عَلَيْهِ. والِامْتِنانُ بِما شَرَعَهُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ مِن تَوْضِيحِ الأحْكامِ قَدْ حَصَلَتْ إرادَتُهُ فِيما مَضى، وإنَّما عُبِّرَ بِصِيغَةِ المُضارِعِ هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ البَيانِ واسْتِمْرارِهِ، فَإنَّ هَذِهِ التَّشْرِيعاتِ دائِمَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ تَكُونُ بَيانًا لِلْمُخاطَبِينَ ولِمَن جاءَ بَعْدَهم، ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اللَّهَ يُبْقِي بَعْدَها بَيانًا مُتَعاقِبًا.

وقَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ انْتَصَبَ فِعْلُ ”يُبَيِّنَ“ بِـ (أنْ) المَصْدَرِيَّةِ مَحْذُوفَةٍ، والمَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مَفْعُولُ ”يُرِيدُ“، أيْ يُرِيدُ اللَّهُ البَيانَ لَكم والهُدى والتَّوْبَةَ، فَكانَ أصْلُ الِاسْتِعْمالِ ذِكْرَ (أنْ) المَصْدَرِيَّةِ، ولِذَلِكَ فاللّامُ هُنا لِتَوْكِيدِ مَعْنى الفِعْلِ الَّذِي قَبْلَها، وقَدْ شاعَتْ زِيادَةُ هَذِهِ اللّامُ بَعْدَ مادَّةِ الإرادَةِ وبَعْدَ مادَّةِ الأمْرِ مُعاقِبَةً لِـ (أنْ) المَصْدَرِيَّةِ. تَقُولُ، أُرِيدُ أنْ تَفْعَلَ وأُرِيدُ لِتَفْعَلَ، وقالَ تَعالى: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ﴾ [التوبة: ٣٢] وقالَ: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ﴾ [الصف: ٨] وقالَ: ﴿وأُمِرْتُ أنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [غافر: ٦٦] وقالَ: ﴿وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] فَإذا جاءُوا بِاللّامِ أشْبَهَتْ لامَ التَّعْلِيلِ فَقَدَّرُوا (أنْ) بَعْدَ اللّامِ المُؤَكِّدَةِ كَما قَدَّرُوها بَعْدَ لامِ ”كَيْ“ لِأنَّها أشْبَهَتْها في الصُّورَةِ، ولِذَلِكَ قالَ الفَرّاءُ: اللّامُ نائِبَةٌ عَنْ (أنْ) المَصْدَرِيَّةِ. وإلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ مالَ صاحِبُ الكَشّافِ.

قالَ سِيبَوَيْهِ: هي لامُ التَّعْلِيلِ أيْ لامُ (كَيْ) وأنَّ ما بَعْدَها عِلَّةٌ، ومَفْعُولُ الفِعْلِ الَّذِي قَبْلَها مَحْذُوفٌ يُقَدَّرُ بِالقَرِينَةِ، أيْ يُرِيدُ اللَّهُ التَّحْلِيلَ والتَّحْرِيمَ لِيُبَيِّنَ، ومِنهم مَن قَرَّرَ قَوْلَ سِيبَوَيْهِ بِأنَّ المَفْعُولَ المَحْذُوفَ دَلَّ عَلَيْهِ التَّعْلِيلُ المَذْكُورُ فَيُقَدَّرُ: يُرِيدُ اللَّهُ البَيانَ لِيُبَيِّنَ، فَيَكُونُ الكَلامُ مُبالَغَةً بِجَعْلِ العِلَّةِ نَفْسَ المُعَلَّلِ.

وقالَ …

27

وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُوا۟ مَيْلًا عَظِيمًۭا

Allah wants to accept your repentance, but those who follow [their] passions want you to digress [into] a great deviation.

﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ .

كَرَّرَ قَوْلَهُ ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ﴿ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ فَلَيْسَ بِتَأْكِيدٍ لَفْظِيٍّ، وهَذا كَما يُعادُ اللَّفْظُ في الجَزاءِ والصِّفَةِ ونَحْوِها، كَقَوْلِ الأحْوَصِ في الحَماسَةِ:

صفحة ٢١

فَإذا تَزُولُ تَزُولُ عَنْ مُتَخَمِّطٍ تُخْشى بَوادِرُهُ عَلى الأقْرانِ

وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ [القصص: ٦٣] والمَقْصِدُ مِنَ التَّعَرُّضِ لِإرادَةِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ تَنْبِيهُ المُسْلِمِينَ إلى دَخائِلِ أعْدائِهِمْ، لِيَعْلَمُوا الفَرْقَ بَيْنَ مُرادِ اللَّهِ مِنَ الخَلْقِ، ومُرادِ أعْوانِ الشَّياطِينِ، وهُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ. ولِذَلِكَ قَدَّمَ المُسْنَدَ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ لِيَدُلَّ عَلى التَّخْصِيصِ الإضافِيِّ، أيِ اللَّهُ وحْدَهُ هو الَّذِي يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم، أيْ يُحَرِّضَكم عَلى التَّوْبَةِ والإقْلاعِ عَنِ المَعاصِي، وأمّا الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ فَيُرِيدُونَ انْصِرافَكم عَنِ الحَقِّ ومَيْلَكم عَنْهُ إلى المَعاصِي. وإطْلاقُ الإرادَةِ عَلى رَغْبَةِ أصْحابِ الشَّهَواتِ في مَيْلِ المُسْلِمِينَ عَنِ الحَقِّ لِمُشاكَلَةِ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] . والمَقْصُودُ: ويُحِبُّ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا. ولَمّا كانَتْ رَغْبَتُهم في مَيْلِ المُسْلِمِينَ عَنِ الحَقِّ رَغْبَةً لا تَخْلُو عَنْ سَعْيِهِمْ لِحُصُولِ ذَلِكَ، أشْبَهَتْ رَغْبَتُهم إرادَةَ المُرِيدِ لِلْفِعْلِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ [النساء: ٤٤] .

وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ (تَمِيلُوا) لِظُهُورِهِ مِن قَرِينَةِ المَقامِ، وأرادَ بِالَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ الَّذِينَ تَغْلِبُهم شَهَواتُهم عَلى مُخالَفَةِ ما شَرَعَهُ اللَّهُ لَهم مِنَ الَّذِينَ لا دِينَ لَهم. وهُمُ الَّذِينَ لا يَنْظُرُونَ في عَواقِبِ الذُّنُوبِ ومَفاسِدِها وعُقُوبَتِها، ولَكِنَّهم يُرْضُونَ شَهَواتِهِمُ الدّاعِيَةَ إلَيْها. وفي ذِكْرِ هَذِهِ الصِّلَةِ هُنا تَشْنِيعٌ لِحالِهِمْ، فَفي المَوْصُولِ إيماءٌ إلى تَعْلِيلِ الخَبَرِ، والمُرادُ بِهِمُ المُشْرِكُونَ: أرادُوا أنْ يَتْبَعَهُمُ المُسْلِمُونَ في نِكاحِ أزْواجِ الآباءِ، واليَهُودُ أرادُوا أنْ يَتْبَعُوهم في نِكاحِ الأخَواتِ مِنَ الأبِ ونِكاحِ العَمّاتِ والجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، والمِيلُ العَظِيمُ هو البُعْدُ عَنْ أحْكامِ الشَّرْعِ والطَّعْنُ فِيها، فَكانَ المُشْرِكُونَ يُحَبِّبُونَ لِلْمُسْلِمِينَ الزِّنى ويَعْرِضُونَ عَلَيْهِمُ البَغايا، وكانَ المَجُوسُ يَطْعَنُونَ في تَحْرِيمِ ابْنَةِ الأخِ وابْنَةِ الأُخْتِ ويَقُولُونَ: لِماذا أحَلَّ دِينُكُمُ ابْنَةَ العَمَّةِ وابْنَةَ الخالَةِ، وكانَ اليَهُودُ يَقُولُونَ: لا تَحْرُمُ الأُخْتُ الَّتِي لِلْأبِ ولا تَحْرُمُ العَمَّةُ ولا الخالَةُ ولا العَمُّ ولا الخالُ، وعَبَّرَ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ بِالشَّهَواتِ لِأنَّ مَجِيءَ الإسْلامِ قَدْ بَيَّنَ انْتِهاءَ إباحَةِ ما أُبِيحَ في الشَّرائِعِ الأُخْرى، بَلْهَ ما كانَ حَرامًا في الشَّرائِعِ كُلِّها وتَساهَلَ فِيهِ أهْلُ الشِّرْكِ.

28

يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ ٱلْإِنسَٰنُ ضَعِيفًۭا

And Allah wants to lighten for you [your difficulties]; and mankind was created weak.

صفحة ٢٢

﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكم وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ .

أعْقَبَ الِاعْتِذارَ الَّذِي تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] بِالتَّذْكِيرِ بِأنَّ اللَّهَ لا يَزالُ مُراعِيًا رِفْقَهُ بِهَذِهِ الأُمَّةِ وإرادَتِهِ بِها اليُسْرَ دُونَ العُسْرِ، إشارَةً إلى أنَّ هَذا الدِّينَ بَيَّنَ حِفْظَ المَصالِحِ ودَرْءَ المَفاسِدِ، في أيْسَرِ كَيْفِيَّةٍ وأرْفَقِها، فَرُبَّما ألْغَتِ الشَّرِيعَةُ بَعْضَ المَفاسِدِ إذا كانَ في الحَمْلِ عَلى تَرْكِها مَشَقَّةٌ أوْ تَعْطِيلُ مَصْلَحَةٍ، كَما ألْغَتْ مَفاسِدَ نِكاحِ الإماءِ نَظَرًا لِلْمَشَقَّةِ عَلى غَيْرِ ذِي الطَّوْلِ. والآياتُ الدّالَّةُ عَلى هَذا المَعْنى بَلَغَتْ مَبْلَغَ القَطْعِ كَقَوْلِهِ وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ. وقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقَوْلِهِ: ﴿ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّ هَذا الدِّينَ يُسْرٌ ولَنْ يُشادَّ هَذا الدِّينَ أحَدٌ إلّا غَلَبَهُ»، وكَذَلِكَ كانَ يَأْمُرُ أصْحابَهُ الَّذِينَ يُرْسِلُهم إلى بَثِّ الدِّينِ؛ فَقالَ لِمُعاذٍ وأبِي مُوسى: «يَسِّرا ولا تُعَسِّرا» وقالَ «إنَّما بُعِثْتُمْ مُبَشِّرِينَ لا مُنَفِّرِينَ» . وقالَ لِمُعاذٍ لَمّا شَكا بَعْضُ المُصَلِّينَ خَلْفَهُ مِن تَطْوِيلِهِ «أفَتّانٌ أنْتَ» . فَكانَ التَّيْسِيرُ مِن أُصُولِ الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ، وعَنْهُ تَفَرَّعَتِ الرُّخَصُ بِنَوْعَيْها.

وقَوْلُهُ: ﴿وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ تَذْيِيلٌ وتَوْجِيهٌ لِلتَّخْفِيفِ، وإظْهارٌ لِمَزِيَّةِ هَذا الدِّينِ وأنَّهُ ألْيَقُ الأدْيانِ بِالنّاسِ في كُلِّ زَمانٍ ومَكانٍ، ولِذَلِكَ فَما مَضى مِنَ الأدْيانِ كانَ مُراعًى فِيهِ حالٌ دُونَ حالٍ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكم وعَلِمَ أنَّ فِيكم ضَعْفًا﴾ [الأنفال: ٦٦] الآيَةَ في سُورَةِ الأنْفالِ. وقَدْ فَسَّرَ بَعْضُهُمُ الضَّعْفَ هُنا بِأنَّهُ الضَّعْفُ مِن جِهَةِ النِّساءِ. قالَ طاوُسٌ لَيْسَ يَكُونُ الإنْسانُ في شَيْءٍ أضْعَفَ مِنهُ في أمْرِ النِّساءِ. ولَيْسَ مُرادُهُ حَصْرَ مَعْنى الآيَةِ فِيهِ، ولَكِنَّهُ مِمّا رُوعِيَ في الآيَةِ لا مَحالَةَ، لِأنَّ مِنَ الأحْكامِ المُتَقَدِّمَةِ ما هو تَرْخِيصٌ في النِّكاحِ.

29

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَكُم بَيْنَكُم بِٱلْبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍۢ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًۭا

O you who have believed, do not consume one another's wealth unjustly but only [in lawful] business by mutual consent. And do not kill yourselves [or one another]. Indeed, Allah is to you ever Merciful.

صفحة ٢٣

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةٌ عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ .

اسْتِئْنافٌ مِنَ التَّشْرِيعِ المَقْصُودِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ. وعَلامَةُ الِاسْتِئْنافِ افْتِتاحُهُ بِـ (﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾) ومُناسَبَتُهُ لِما قَبْلَهُ أنَّ أحْكامَ المَوارِيثِ والنِّكاحِ اشْتَمَلَتْ عَلى أوامِرَ بِإيتاءِ ذِي الحَقِّ في المالِ حَقَّهُ، كَقَوْلِهِ وآتُوا اليَتامى أمْوالَهم وقَوْلِهِ: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤] وقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] الآيَةَ، فانْتَقَلَ مِن ذَلِكَ إلى تَشْرِيعٍ عامٍّ في الأمْوالِ والأنْفُسِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الأكْلَ مَجازٌ في الِانْتِفاعِ بِالشَّيْءِ انْتِفاعًا تامًّا، لا يَعُودُ مَعَهُ إلى الغَيْرِ، فَأكْلُ الأمْوالِ هو الِاسْتِيلاءُ عَلَيْها بِنِيَّةِ عَدَمِ إرْجاعِها لِأرْبابِها، وغالِبُ هَذا المَعْنى أنْ يَكُونَ اسْتِيلاءَ ظُلْمٍ، وهو مَجازٌ صارَ كالحَقِيقَةِ. وقَدْ يُطْلَقُ عَلى الِانْتِفاعِ المَأْذُونِ فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]، ولِذَلِكَ غَلَبَ تَقْيِيدُ المَنهِيِّ عَنْهُ مِن ذَلِكَ بِقَيْدِ (بِالباطِلِ) ونَحْوِهِ.

والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ بِـ (تَأْكُلُوا) والضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ (أمْوالٌ): راجِعانِ إلى الَّذِينَ آمَنُوا، وظاهِرٌ أنَّ المَرْءَ لا يُنْهى عَنْ أكْلِ مالِ نَفْسِهِ، ولا يُسَمّى انْتِفاعُهُ بِمالِهِ أكْلًا، فالمَعْنى: لا يَأْكُلُ بَعْضُهم مالَ بَعْضٍ. والباطِلُ ضِدُّ الحَقِّ، وهو ما لَمْ يَشْرَعْهُ اللَّهُ ولا كانَ عَنْ إذْنِ مِنهُ، والباءُ فِيهِ لِلْمُلابَسَةِ.

والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةٌ﴾ مُنْقَطِعٌ، لِأنَّ التِّجارَةَ لَيْسَتْ مِن أكْلِ الأمْوالِ بِالباطِلِ، فالمَعْنى: لَكِنْ كَوْنُ التِّجارَةِ غَيْرُ مَنهِيٍّ عَنْهُ. ومَوْقِعُ المُنْقَطِعِ هُنا بَيِّنٌ جارٍ عَلى الطَّرِيقَةِ العَرَبِيَّةِ، إذْ لَيْسَ يَلْزَمُ في الِاسْتِدْراكِ شُمُولُ الكَلامِ السّابِقِ لِلشَّيْءِ المُسْتَدْرَكِ ولا يُفِيدُ الِاسْتِدْراكُ حَصْرًا، ولِذَلِكَ فَهو مُقْتَضى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ قَيْدُ الباطِلِ في حالَةِ الِاسْتِثْناءِ مُلْغًى، فَيَكُونَ اسْتِثْناءً مِن أكْلِ الأمْوالِ ويَكُونَ مُتَّصِلًا، وهو يَقْتَضِي أنَّ الِاسْتِثْناءَ قَدْ حَصَرَ إباحَةَ أكْلِ الأمْوالِ في التِّجارَةِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ الِاسْتِثْناءُ فَتَخْصِيصُ التِّجارَةِ بِالِاسْتِدْراكِ أوْ بِالِاسْتِثْناءِ لِأنَّها أشَدُّ أنْواعِ أكْلِ الأمْوالِ

صفحة ٢٤

شَبَهًا بِالباطِلِ، إذِ التَّبَرُّعاتُ كُلُّها أكْلُ أمْوالٍ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، والمُعاوَضاتُ غَيْرُ التِّجاراتِ كَذَلِكَ، لِأنَّ أخْذَ كِلا المُتَعاوِضَيْنِ عِوَضًا عَمّا بَذَلَهُ لِلْآخَرِ مُساوِيًا لِقِيمَتِهِ في نَظَرِهِ يُطَيِّبُ نَفْسَهُ. وأمّا التِّجارَةُ فَلِأجْلِ ما فِيها مِن أخْذِ المُتَصَدِّي لِلتَّجَرِ مالًا زائِدًا عَلى قِيمَةِ ما بَذَلَهُ لِلْمُشْتَرِي قَدْ تُشْبِهُ أكْلَ المالِ بِالباطِلِ فَلِذَلِكَ خُصَّتْ بِالِاسْتِدْراكِ أوِ الِاسْتِثْناءِ. وحِكْمَةُ إباحَةِ أكْلِ المالِ الزّائِدِ فِيها أنَّ عَلَيْها مَدارَ رَواجِ السِّلَعِ الحاجِيَّةِ والتَّحَسُّنِيَّةِ، ولَوْلا تَصَدِّي التُّجّارِ وجَلْبُهُمُ السِّلَعَ لَما وجَدَ صاحِبُ الحاجَةِ ما يَسُدُّ حاجَتَهُ عِنْدَ الِاحْتِياجِ. ويُشِيرُ إلى هَذا ما في المُوَطَّأِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ في …

30

وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَٰنًۭا وَظُلْمًۭا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًۭا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا

And whoever does that in aggression and injustice - then We will drive him into a Fire. And that, for Allah, is [always] easy.

صفحة ٢٣

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةٌ عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ .

اسْتِئْنافٌ مِنَ التَّشْرِيعِ المَقْصُودِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ. وعَلامَةُ الِاسْتِئْنافِ افْتِتاحُهُ بِـ (﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾) ومُناسَبَتُهُ لِما قَبْلَهُ أنَّ أحْكامَ المَوارِيثِ والنِّكاحِ اشْتَمَلَتْ عَلى أوامِرَ بِإيتاءِ ذِي الحَقِّ في المالِ حَقَّهُ، كَقَوْلِهِ وآتُوا اليَتامى أمْوالَهم وقَوْلِهِ: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤] وقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] الآيَةَ، فانْتَقَلَ مِن ذَلِكَ إلى تَشْرِيعٍ عامٍّ في الأمْوالِ والأنْفُسِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الأكْلَ مَجازٌ في الِانْتِفاعِ بِالشَّيْءِ انْتِفاعًا تامًّا، لا يَعُودُ مَعَهُ إلى الغَيْرِ، فَأكْلُ الأمْوالِ هو الِاسْتِيلاءُ عَلَيْها بِنِيَّةِ عَدَمِ إرْجاعِها لِأرْبابِها، وغالِبُ هَذا المَعْنى أنْ يَكُونَ اسْتِيلاءَ ظُلْمٍ، وهو مَجازٌ صارَ كالحَقِيقَةِ. وقَدْ يُطْلَقُ عَلى الِانْتِفاعِ المَأْذُونِ فِيهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] وقَوْلِهِ: ﴿ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]، ولِذَلِكَ غَلَبَ تَقْيِيدُ المَنهِيِّ عَنْهُ مِن ذَلِكَ بِقَيْدِ (بِالباطِلِ) ونَحْوِهِ.

والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ بِـ (تَأْكُلُوا) والضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ (أمْوالٌ): راجِعانِ إلى الَّذِينَ آمَنُوا، وظاهِرٌ أنَّ المَرْءَ لا يُنْهى عَنْ أكْلِ مالِ نَفْسِهِ، ولا يُسَمّى انْتِفاعُهُ بِمالِهِ أكْلًا، فالمَعْنى: لا يَأْكُلُ بَعْضُهم مالَ بَعْضٍ. والباطِلُ ضِدُّ الحَقِّ، وهو ما لَمْ يَشْرَعْهُ اللَّهُ ولا كانَ عَنْ إذْنِ مِنهُ، والباءُ فِيهِ لِلْمُلابَسَةِ.

والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةٌ﴾ مُنْقَطِعٌ، لِأنَّ التِّجارَةَ لَيْسَتْ مِن أكْلِ الأمْوالِ بِالباطِلِ، فالمَعْنى: لَكِنْ كَوْنُ التِّجارَةِ غَيْرُ مَنهِيٍّ عَنْهُ. ومَوْقِعُ المُنْقَطِعِ هُنا بَيِّنٌ جارٍ عَلى الطَّرِيقَةِ العَرَبِيَّةِ، إذْ لَيْسَ يَلْزَمُ في الِاسْتِدْراكِ شُمُولُ الكَلامِ السّابِقِ لِلشَّيْءِ المُسْتَدْرَكِ ولا يُفِيدُ الِاسْتِدْراكُ حَصْرًا، ولِذَلِكَ فَهو مُقْتَضى الحالِ، ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ قَيْدُ الباطِلِ في حالَةِ الِاسْتِثْناءِ مُلْغًى، فَيَكُونَ اسْتِثْناءً مِن أكْلِ الأمْوالِ ويَكُونَ مُتَّصِلًا، وهو يَقْتَضِي أنَّ الِاسْتِثْناءَ قَدْ حَصَرَ إباحَةَ أكْلِ الأمْوالِ في التِّجارَةِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، وأيًّا ما كانَ الِاسْتِثْناءُ فَتَخْصِيصُ التِّجارَةِ بِالِاسْتِدْراكِ أوْ بِالِاسْتِثْناءِ لِأنَّها أشَدُّ أنْواعِ أكْلِ الأمْوالِ

صفحة ٢٤

شَبَهًا بِالباطِلِ، إذِ التَّبَرُّعاتُ كُلُّها أكْلُ أمْوالٍ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، والمُعاوَضاتُ غَيْرُ التِّجاراتِ كَذَلِكَ، لِأنَّ أخْذَ كِلا المُتَعاوِضَيْنِ عِوَضًا عَمّا بَذَلَهُ لِلْآخَرِ مُساوِيًا لِقِيمَتِهِ في نَظَرِهِ يُطَيِّبُ نَفْسَهُ. وأمّا التِّجارَةُ فَلِأجْلِ ما فِيها مِن أخْذِ المُتَصَدِّي لِلتَّجَرِ مالًا زائِدًا عَلى قِيمَةِ ما بَذَلَهُ لِلْمُشْتَرِي قَدْ تُشْبِهُ أكْلَ المالِ بِالباطِلِ فَلِذَلِكَ خُصَّتْ بِالِاسْتِدْراكِ أوِ الِاسْتِثْناءِ. وحِكْمَةُ إباحَةِ أكْلِ المالِ الزّائِدِ فِيها أنَّ عَلَيْها مَدارَ رَواجِ السِّلَعِ الحاجِيَّةِ والتَّحَسُّنِيَّةِ، ولَوْلا تَصَدِّي التُّجّارِ وجَلْبُهُمُ السِّلَعَ لَما وجَدَ صاحِبُ الحاجَةِ ما يَسُدُّ حاجَتَهُ عِنْدَ الِاحْتِياجِ. ويُشِيرُ إلى هَذا ما في المُوَطَّأِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ في …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.