Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 11–20 of 176

11

يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِىٓ أَوْلَٰدِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ٱلْأُنثَيَيْنِ ۚ فَإِن كُنَّ نِسَآءًۭ فَوْقَ ٱثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ۖ وَإِن كَانَتْ وَٰحِدَةًۭ فَلَهَا ٱلنِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُۥ وَلَدٌۭ ۚ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُۥ وَلَدٌۭ وَوَرِثَهُۥٓ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ ٱلثُّلُثُ ۚ فَإِن كَانَ لَهُۥٓ إِخْوَةٌۭ فَلِأُمِّهِ ٱلسُّدُسُ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصِى بِهَآ أَوْ دَيْنٍ ۗ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًۭا ۚ فَرِيضَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

Allah instructs you concerning your children: for the male, what is equal to the share of two females. But if there are [only] daughters, two or more, for them is two thirds of one's estate. And if there is only one, for her is half. And for one's parents, to each one of them is a sixth of his estate if he left children. But if he had no children and the parents [alone] inherit from him, then for his mother is one third. And if he had brothers [or sisters], for his mother is a sixth, after any bequest he [may have] made or debt. Your parents or your children - you know not which of them are nearest to you in benefit. [These shares are] an obligation [imposed] by Allah. Indeed, Allah is ever Knowing and Wise.

﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكم لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلْثا ما تَرَكَ وإنْ كانَتْ واحِدَةٌ فَلَها النِّصْفُ﴾ .

تَتَنَزَّلُ آيَةُ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ مَنزِلَةَ البَيانِ والتَّفْصِيلِ لِقَوْلِهِ ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧] وهَذا المَقْصِدُ الَّذِي جَعَلَ قَوْلَهُ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ إلَخْ بِمَنزِلَةِ المُقَدِّمَةِ لَهُ فَلِذَلِكَ كانَتْ جُمْلَةُ ﴿يُوصِيكُمُ﴾ مَفْصُولَةً لِأنَّ كِلا المَوْقِعَيْنِ مُقْتَضٍ لِلْفَصْلِ.

صفحة ٢٥٦

ومِنَ الِاهْتِمامِ بِهَذِهِ الأحْكامِ تَصْدِيرُ تَشْرِيعِها بِقَوْلِهِ ﴿يُوصِيكُمُ﴾ لِأنَّ الوِصايَةَ هي الأمْرُ بِما فِيهِ نَفْعُ المَأْمُورِ وفِيهِ اهْتِمامُ الآمِرِ لِشِدَّةِ صَلاحِهِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَ ما يَعْهَدُ بِهِ الإنْسانُ، فِيما يَضَعُ بِأبْنائِهِ وبِمالِهِ وبِذاتِهِ بَعْدَ المَوْتِ وصِيَّةً.

وقَدْ رُوِيَتْ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ. فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ، «عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أنَّهُ قالَ مَرِضْتُ فَعادَنِي رَسُولُ اللَّهِ وأبُو بَكْرٍ في بَنِي سَلِمَةَ فَوَجَدانِي لا أعْقِلُ فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ بِماءٍ فَتَوَضَّأ، ثُمَّ رَشَّ عَلَيَّ مِنهُ فَأفَقْتُ فَقُلْتُ كَيْفَ أصْنَعُ في مالِي يا رَسُولَ اللَّهِ فَنَزَلَتْ ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ»﴾ .

ورَوى التِّرْمِذِيُّ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ جابِرٍ، قالَ: «جاءَتِ امْرَأةُ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ فَقالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ إنَّ سَعْدًا هَلَكَ وتَرَكَ ابْنَتَيْنِ وأخاهُ، فَعَمَدَ أخُوهُ فَقَبَضَ ما تَرَكَ سَعْدٌ، وإنَّما تُنْكَحُ النِّساءُ عَلى أمْوالِهِنَّ فَلَمْ يُجِبْها في مَجْلِسِها ذَلِكَ، ثُمَّ جاءَتْهُ فَقالَتْ يا رَسُولَ اللَّهِ ابْنَتا سَعْدٍ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ادْعُ لِي أخاهُ، فَجاءَ، فَقالَ ادْفَعْ إلى ابْنَتَيْهِ الثُّلُثَيْنِ وإلى امْرَأتِهِ الثُّمُنُ ولَكَ ما بَقِيَ ونَزَلَتْ آيَةُ المِيراثِ» .

بَيَّنَ اللَّهُ في هَذِهِ الآياتِ فُرُوضَ الوَرَثَةِ، وناطَ المِيراثُ كُلَّهُ بِالقَرابَةِ القَرِيبَةِ، سَواءٌ كانَتْ جِبِلِّيَّةً وهي النَّسَبُ، أوْ قَرِيبَةً مِنَ الجِبِلِّيَّةِ، وهي عِصْمَةُ الزَّوْجِيَّةِ، لِأنَّ طَلَبَ الذَّكَرِ لِلْأُنْثى جِبِلِّيٌّ، وكَوْنُها المَرْأةَ المُعَيَّنَةَ يَحْصُلُ بِالإلْفِ، وهو ناشِئٌ عَنِ الجِبِلَّةِ. وبَيَّنَ أهْلَ الفُرُوضِ ولَمْ يُبَيِّنْ مَرْجِعَ المالِ بَعْدَ إعْطاءِ أهْلِ الفُرُوضِ فُرُوضَهم، وذَلِكَ لِأنَّهُ تَرَكَهُ عَلى المُتَعارَفِ عِنْدَهم قَبْلَ الإسْلامِ مِنَ احْتِواءِ أقْرَبِ العُصْبَةِ عَلى مالِ المَيِّتِ، وقَدْ بَيَّنَ هَذا المَقْصِدَ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «ألْحِقُوا الفَرائِضَ بِأهْلِها فَما بَقِيَ فَلِأوْلى رَجُلٍ ذَكَرٍ» .

ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى بَعْدَ هَذا ﴿فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ولَدٌ ووَرِثَهُ أبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ فَلَمْ يُبَيِّنْ حَظَّ الأبِ، لِأنَّ الأبَ في تِلْكَ الحالَةِ قَدْ رَجَعَ إلى حالَتِهِ المُقَرَّرَةِ، وهي احْتِواءُ المالِ فاحْتَجَّ إلى ذِكْرِ فَرْضِ الأُمِّ.

وابْتَدَأ اللَّهُ تَعالى بِمِيراثِ الأبْناءِ لِأنَّهم أقْرَبُ النّاسِ.

صفحة ٢٥٧

والأوْلادُ جَمْعُ ولَدٍ بِوَزْنِ فَعَلٍ مِثْلُ أسَدٍ ووَثَنٍ، وفِيهِ لُغَةُ وِلْدٍ بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ اللّامِ وكَأنَّهُ حِينَئِذٍ فِعْلٌ الَّذِي بِمَعْنى المَفْعُولِ كالذِّبْحِ والسِّلْخِ. والوَلَدُ اسْمٌ لِلِابْنِ ذَكَرًا كانَ أوْ أُنْثى، ويُطْلَقُ عَلى الواحِدِ وعَلى الجَماعَةِ مِنَ الأوْلادِ، والوارِدُ في القُرْآنِ بِمَعْنى الواحِدِ وجَمْعُهُ أوْلادٌ. …

12

۞ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَٰجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌۭ ۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌۭ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصِينَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍۢ ۚ وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌۭ ۚ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌۭ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم ۚ مِّنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ تُوصُونَ بِهَآ أَوْ دَيْنٍۢ ۗ وَإِن كَانَ رَجُلٌۭ يُورَثُ كَلَٰلَةً أَوِ ٱمْرَأَةٌۭ وَلَهُۥٓ أَخٌ أَوْ أُخْتٌۭ فَلِكُلِّ وَٰحِدٍۢ مِّنْهُمَا ٱلسُّدُسُ ۚ فَإِن كَانُوٓا۟ أَكْثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمْ شُرَكَآءُ فِى ٱلثُّلُثِ ۚ مِنۢ بَعْدِ وَصِيَّةٍۢ يُوصَىٰ بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّۢ ۚ وَصِيَّةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌۭ

And for you is half of what your wives leave if they have no child. But if they have a child, for you is one fourth of what they leave, after any bequest they [may have] made or debt. And for the wives is one fourth if you leave no child. But if you leave a child, then for them is an eighth of what you leave, after any bequest you [may have] made or debt. And if a man or woman leaves neither ascendants nor descendants but has a brother or a sister, then for each one of them is a sixth. But if they are more than two, they share a third, after any bequest which was made or debt, as long as there is no detriment [caused]. [This is] an ordinance from Allah, and Allah is Knowing and Forbearing.

﴿ولَكم نِصْفُ ما تَرَكَ أزْواجُكم إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ ولَدٌ فَإنْ كانَ لَهُنَّ ولَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أوْ دَيْنٍ ولَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَكم ولَدٌ فَإنْ كانَ لَكم ولَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أوْ دَيْنٍ﴾ .

صفحة ٢٦٣

هَذِهِ فَرِيضَةُ المِيراثِ الَّذِي سَبَبُهُ العِصْمَةُ، وقَدْ أعْطاها اللَّهُ حَقَّها المَهْجُورَ عِنْدَ الجاهِلِيَّةِ إذْ كانُوا لا يُوَرِّثُونَ الزَّوْجَيْنِ: أمّا الرَّجُلُ فَلا يَرِثُ امْرَأتَهُ لِأنَّها إنْ لَمْ يَكُنْ لَها أوْلادٌ مِنهُ، فَهو قَدْ صارَ بِمَوْتِها بِمَنزِلَةِ الأجْنَبِيِّ عَنْ قَرابَتِها مِن آباءٍ وإخْوَةٍ وأعْمامٍ، وإنْ كانَ لَها أوْلادٌ كانَ أوْلادُها أحَقَّ بِمِيراثِها إنْ كانُوا كِبارًا، فَإنْ كانُوا صِغارًا قَبَضَ أقْرِباؤُهم مالَهم وتَصَرَّفُوا فِيهِ، وأمّا المَرْأةُ فَلا تَرِثُ زَوْجَها بَلْ كانَتْ تُعَدُّ مَوْرُوثَةً عَنْهُ يَتَصَرَّفُ فِيها ورَثَتُهُ كَما سَيَجِيءُ في قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩] . فَنَوَّهَ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ بِصِلَةِ العِصْمَةِ، وهي الَّتِي وصَفَها بِالمِيثاقِ الغَلِيظِ في قَوْلِهِ ﴿وأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١] .

والجَمْعُ في أزْواجُكم وفي قَوْلِهِ ﴿مِمّا تَرَكْتُمْ﴾ كالجَمْعِ في الأوْلادِ والآباءِ، مُرادٌ بِهِ تَعَدُّدُ أفْرادِ الوارِثِينَ مِنَ الأُمَّةِ، وهاهُنا قَدِ اتَّفَقَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ الرَّجُلَ إذا كانَتْ لَهُ زَوْجاتٌ أنَّهُنَّ يَشْتَرِكْنَ في الرُّبْعِ أوْ في الثُّمْنِ مِن غَيْرِ زِيادَةٍ لَهُنَّ، لِأنَّ تَعَدُّدَ الزَّوْجاتِ بِيَدِ صاحِبِ المالِ فَكانَ تَعَدُّدُهُنَّ وسِيلَةً لِإدْخالِ المَضَرَّةِ عَلى الوَرَثَةِ الآخَرِينَ بِخِلافِ تَعَدُّدِ البَناتِ والأخَواتِ فَإنَّهُ لا خِيارَ فِيهِ لِرَبِّ المالِ. والمَعْنى: ولِكُلِّ واحِدٍ مِنكم نِصْفُ ما تَرَكَتْ كُلُّ زَوْجَةٍ مِن أزْواجِهِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ﴾ .

وقَوْلُهُ ﴿ولَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ﴾ أيْ لِمَجْمُوعِهِنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكَ زَوْجُهُنَّ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ﴾ وهَذا حَذَقٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ إيجازُ الكَلامِ.

وأُعْقِبَتْ فَرِيضَةُ الأزْواجِ بِذِكْرِ ﴿مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أوْ دَيْنٍ﴾ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّهُنَّ مَمْنُوعاتٌ مِنَ الإيصاءِ ومِنَ التَّدايُنِ كَما كانَ الحالُ في زَمانِ الجاهِلِيَّةِ. وأمّا ذِكْرُ تِلْكَ الجُمْلَةِ عَقِبَ ذِكْرِ مِيراثِ النِّساءِ مِن رِجالِهِنَّ فَجَرْيًا عَلى الأُسْلُوبِ المُتَّبَعِ في هَذِهِ الآياتِ، وهو أنْ يُعَقَّبَ كُلُّ صِنْفٍ مِنَ الفَرائِضِ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ لا يُسْتَحَقُّ إلّا بَعْدَ إخْراجِ الوَصِيَّةِ وقَضاءِ الدَّيْنِ.

* * *

﴿وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوِ امْرَأةٌ ولَهُ أخٌ أوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما السُّدُسُ فَإنْ كانُوا أكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهم شُرَكاءُ في الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِها أوْ دَيْنٍ﴾ .

صفحة ٢٦٤

بَعْدَ أنْ بَيَّنَ مِيراثَ ذِي الأوْلادِ أوِ الوالِدَيْنِ وفَصَّلَهُ في أحْوالِهِ حَتّى حالَةِ مِيراثِ الزَّوْجَيْنِ، انْتَقَلَ هُنا إلى مِيراثِ مَن لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولا والِدٌ، وهو المَوْرُوثُ كَلالَةً، ولِذَلِكَ قابَلَ بِها مِيراثَ الأبَوَيْنِ.

والكَلالَةُ اسْمٌ لِلْكَلالِ وهو التَّعَبُ والإعْياءُ قالَ الأعْشى:

فَآلَيْتُ لا أرْثِي لَها مِن كَلالَةٍ ولا مِن حَفِيٍّ حَتّى أُلاقِي مُحَمَّدا …

13

تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدْخِلْهُ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ

These are the limits [set by] Allah, and whoever obeys Allah and His Messenger will be admitted by Him to gardens [in Paradise] under which rivers flow, abiding eternally therein; and that is the great attainment.

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ نُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ نُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها ولَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ .

صفحة ٢٦٨

الإشارَةُ إلى المَعانِي والجُمَلِ المُتَقَدِّمَةِ.

والحُدُودُ جَمْعُ حَدٍّ، وهو ظَرْفُ المَكانِ الَّذِي يُمَيَّزُ عَنْ مَكانٍ آخَرَ بِحَيْثُ يَمْنَعُ تَجاوُزَهُ، واسْتُعْمِلَ الحُدُودُ هُنا مَجازًا في العَمَلِ الَّذِي لا تَحِلُّ مُخالَفَتُهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ.

ومَعْنى ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أنَّهُ يُتابِعُ حُدُودَهُ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في مُقابِلِهِ ﴿ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ .

قَوْلُهُ خالِدًا فِيها اسْتُعْمِلَ الخُلُودُ في طُولِ المُدَّةِ. أوْ أُرِيدَ مِن عِصْيانِ اللَّهِ ورَسُولِهِ العِصْيانُ الأتَمُّ وهو نَبْذُ الإيمانِ، لِأنَّ القَوْمَ يَوْمَئِذٍ كانُوا قَدْ دَخَلُوا في الإيمانِ ونَبَذُوا الكُفْرَ، فَكانُوا حَرِيصِينَ عَلى العَمَلِ بِوَصايا الإسْلامِ، فَما يُخالِفُ ذَلِكَ إلّا مَن كانَ غَيْرَ ثابِتِ الإيمانِ إلّا مَن تابَ.

ولَعَلَّ قَوْلَهُ ﴿ولَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ تَقْسِيمٌ، لِأنَّ العِصْيانَ أنْواعٌ: مِنهُ ما يُوجِبُ الخُلُودَ، ومِنهُ ما يُوجِبُ العَذابَ المُهِينَ، وقَرِينَةُ ذَلِكَ أنَّ عَطْفَ ﴿ولَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ عَلى الخُلُودِ في النّارِ لا يُحْتاجُ إلَيْهِ إذا لَمْ يَكُنْ مُرادًا بِهِ التَّقْسِيمُ، فَيُضْطَرُّ إلى جَعْلِهِ زِيادَةَ تَوْكِيدٍ، أوْ تَقُولُ إنَّ مَحَطَّ العَطْفِ هو وصْفُهُ بِالمُهِينِ لِأنَّ العَرَبَ أُباةُ الضَّيْمِ، شُمُّ الأُنُوفِ، فَقَدْ يَحْذَرُونَ الإهانَةَ أكْثَرَ مِمّا يَحْذَرُونَ عَذابَ النّارِ، ومِنَ الأمْثالِ المَأْثُورَةِ في حِكاياتِهِمُ: النّارُ ولا العارُ. وفي كِتابِ الآدابِ في أعْجازِ أبْياتِهِ: والحُرُّ يَصْبِرُ خَوْفَ العارِ لِلنّارِ.

قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ (نُدْخِلْهُ) في المَوْضِعَيْنِ هُنا بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِياءِ الغَيْبَةِ والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ.

14

وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدْخِلْهُ نَارًا خَٰلِدًۭا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٌۭ مُّهِينٌۭ

And whoever disobeys Allah and His Messenger and transgresses His limits - He will put him into the Fire to abide eternally therein, and he will have a humiliating punishment.

﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ نُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها وذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ نُدْخِلْهُ نارًا خالِدًا فِيها ولَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ .

صفحة ٢٦٨

الإشارَةُ إلى المَعانِي والجُمَلِ المُتَقَدِّمَةِ.

والحُدُودُ جَمْعُ حَدٍّ، وهو ظَرْفُ المَكانِ الَّذِي يُمَيَّزُ عَنْ مَكانٍ آخَرَ بِحَيْثُ يَمْنَعُ تَجاوُزَهُ، واسْتُعْمِلَ الحُدُودُ هُنا مَجازًا في العَمَلِ الَّذِي لا تَحِلُّ مُخالَفَتُهُ عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ.

ومَعْنى ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ أنَّهُ يُتابِعُ حُدُودَهُ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في مُقابِلِهِ ﴿ويَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ .

قَوْلُهُ خالِدًا فِيها اسْتُعْمِلَ الخُلُودُ في طُولِ المُدَّةِ. أوْ أُرِيدَ مِن عِصْيانِ اللَّهِ ورَسُولِهِ العِصْيانُ الأتَمُّ وهو نَبْذُ الإيمانِ، لِأنَّ القَوْمَ يَوْمَئِذٍ كانُوا قَدْ دَخَلُوا في الإيمانِ ونَبَذُوا الكُفْرَ، فَكانُوا حَرِيصِينَ عَلى العَمَلِ بِوَصايا الإسْلامِ، فَما يُخالِفُ ذَلِكَ إلّا مَن كانَ غَيْرَ ثابِتِ الإيمانِ إلّا مَن تابَ.

ولَعَلَّ قَوْلَهُ ﴿ولَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ تَقْسِيمٌ، لِأنَّ العِصْيانَ أنْواعٌ: مِنهُ ما يُوجِبُ الخُلُودَ، ومِنهُ ما يُوجِبُ العَذابَ المُهِينَ، وقَرِينَةُ ذَلِكَ أنَّ عَطْفَ ﴿ولَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ عَلى الخُلُودِ في النّارِ لا يُحْتاجُ إلَيْهِ إذا لَمْ يَكُنْ مُرادًا بِهِ التَّقْسِيمُ، فَيُضْطَرُّ إلى جَعْلِهِ زِيادَةَ تَوْكِيدٍ، أوْ تَقُولُ إنَّ مَحَطَّ العَطْفِ هو وصْفُهُ بِالمُهِينِ لِأنَّ العَرَبَ أُباةُ الضَّيْمِ، شُمُّ الأُنُوفِ، فَقَدْ يَحْذَرُونَ الإهانَةَ أكْثَرَ مِمّا يَحْذَرُونَ عَذابَ النّارِ، ومِنَ الأمْثالِ المَأْثُورَةِ في حِكاياتِهِمُ: النّارُ ولا العارُ. وفي كِتابِ الآدابِ في أعْجازِ أبْياتِهِ: والحُرُّ يَصْبِرُ خَوْفَ العارِ لِلنّارِ.

قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ (نُدْخِلْهُ) في المَوْضِعَيْنِ هُنا بِنُونِ العَظَمَةِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِياءِ الغَيْبَةِ والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ.

15

وَٱلَّٰتِى يَأْتِينَ ٱلْفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَٱسْتَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةًۭ مِّنكُمْ ۖ فَإِن شَهِدُوا۟ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًۭا

Those who commit unlawful sexual intercourse of your women - bring against them four [witnesses] from among you. And if they testify, confine the guilty women to houses until death takes them or Allah ordains for them [another] way.

﴿واللّاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِساءِكم فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكم فَإنْ شَهِدُوا فَأمْسِكُوهُنَّ في البِيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما فَإنْ تابا وأصْلَحا فَأعْرِضُوا عَنْهُما إنَّ اللَّهَ كانَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ .

صفحة ٢٦٩

مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ مُعْضِلٌ، وافْتِتاحُها بِواوِ العَطْفِ أعْضَلُ، لِاقْتِضائِهِ اتِّصالَها بِكَلامٍ قَبْلَها. وقَدْ جاءَ حَدُّ الزِّنى في سُورَةِ النُّورِ، وهي نازِلَةٌ في سَنَةِ سِتٍّ بَعْدَ غَزْوَةِ بَنِيَ المُصْطَلِقِ عَلى الصَّحِيحِ، والحُكْمُ الثّابِتُ في سُورَةِ النُّورِ أشَدُّ مِنَ العُقُوبَةِ المَذْكُورَةِ هُنا، ولا جائِزٌ أنْ يَكُونَ الحَدُّ الَّذِي في سُورَةِ النُّورِ قَدْ نُسِخَ بِما هُنا لِأنَّهُ لا قائِلَ بِهِ. فَإذا مَضَيْنا عَلى مُعْتادِنا في اعْتِبارِ الآيِ نازِلَةً عَلى تَرْتِيبِها في القِراءَةِ في سُوَرِها، قُلْنا: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في سُورَةِ النِّساءِ عَقِبَ أحْكامِ المَوارِيثِ وحِراسَةِ أمْوالِ اليَتامى، وجَعَلْنا الواوَ عاطِفَةً هَذا الحُكْمَ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ في أوَّلِ السُّورَةِ بِما يَتَعَلَّقُ بِمُعاشَرَةِ النِّساءِ، كَقَوْلِهِ ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] وجَزَمْنا بِأنَّ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ نَزَلَ قَبْلَ أوَّلِ سُورَةِ النُّورِ، وأنَّ هَذِهِ العُقُوبَةَ كانَتْ مَبْدَأ شَرْعِ العُقُوبَةِ عَلى الزِّنى - فَتَكُونُ هاتِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةً بِآيَةِ سُورَةِ النُّورِ لا مَحالَةَ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مَنسُوخَتانِ بِآيَةِ الجَلْدِ في سُورَةِ النُّورِ. اهـ. وحَكى ابْنُ الفُرْسِ في تَرْتِيبِ النَّسْخِ أقْوالًا ثَمانِيَةً لا نُطِيلُ فِيها. فالواوُ عاطِفَةٌ حُكْمَ تَشْرِيعٍ عَقِبَ تَشْرِيعٍ لِمُناسَبَةٍ: هي الرُّجُوعُ إلى أحْكامِ النِّساءِ، فَإنَّ اللَّهَ لَمّا ذَكَرَ أحْكامًا مِنَ النِّكاحِ إلى قَوْلِهِ: ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] وما النِّكاحُ إلّا اجْتِماعُ الرَّجُلِ والمَرْأةِ عَلى مُعاشَرَةٍ عِمادُها التَّآنُسُ والسُّكُونُ إلى الأُنْثى، ناسَبَ أنْ يَعْطِفَ إلى ذِكْرِ أحْكامِ اجْتِماعِ الرَّجُلِ بِالمَرْأةِ عَلى غَيْرِ الوَجْهِ المَذْكُورِ فِيهِ شَرْعًا، وهو الزِّنى المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالفاحِشَةِ.

فالزِّنى هو أنْ يَقَعَ شَيْءٌ مِن تِلْكَ المُعاشَرَةِ عَلى غَيْرِ الحالِ المَعْرُوفِ المَأْذُونِ فِيهِ، فَلا جَرَمَ أنْ كانَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ أحْوالِ الأُمَمِ والقَبائِلِ في خَرْقِ القَوانِينِ المَجْعُولَةِ لِإباحَةِ اخْتِصاصِ الرَّجُلِ بِالمَرْأةِ.

ففِي الجاهِلِيَّةِ كانَ طَرِيقُ الِاخْتِصاصِ بِالمَرْأةِ السَّبْيَ أوِ الغارَةَ أوِ التَّعْوِيضَ أوْ رَغْبَةً في مُصاهَرَةِ قَوْمٍ ورَغْبَتَهم فِيهِ أوْ إذْنَ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ بِأنْ تَسْتَبْضِعَ مِن رَجُلٍ ولَدًا، كَما تَقَدَّمَ.

وفِي الإسْلامِ بَطَلَتِ الغارَةُ وبَطَلَ الِاسْتِبْضاعُ، ولِذَلِكَ تَجِدُ الزِّنى لا يَقَعُ إلّا

صفحة ٢٧٠

خِفْيَةً لِأنَّهُ مُخالَفَةٌ لِقَوانِينِ النّاسِ في نِظامِهِمْ وأخْلاقِهِمْ. وسُمِّيَ الزِّنى الفاحِشَةَ لِأنَّهُ تَجاوُزُ الحَدِّ في الفَسادِ وأصْلُ الفُحْشِ: الأمْرُ الشَّدِيدُ الكَراهِيَةِ والذَّمِّ، مِن فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ أوْ حالٍ. ولَمْ أقِفْ عَلى وُقُوعِ العَمَلِ بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ قَبْلَ نَسْخِهِما.

ومَعْنى (يَأْتِينَ) يَفْعَلْنَ، وأصْلُ الإيتاءِ المَجِيءُ إلى شَيْءٍ. …

16

وَٱلَّذَانِ يَأْتِيَٰنِهَا مِنكُمْ فَـَٔاذُوهُمَا ۖ فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا۟ عَنْهُمَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّابًۭا رَّحِيمًا

And the two who commit it among you, dishonor them both. But if they repent and correct themselves, leave them alone. Indeed, Allah is ever Accepting of repentance and Merciful.

﴿واللّاتِي يَأْتِينَ الفاحِشَةَ مِن نِساءِكم فاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أرْبَعَةً مِنكم فَإنْ شَهِدُوا فَأمْسِكُوهُنَّ في البِيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ المَوْتُ أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ ﴿واللَّذانِ يَأْتِيانِها مِنكم فَآذُوهُما فَإنْ تابا وأصْلَحا فَأعْرِضُوا عَنْهُما إنَّ اللَّهَ كانَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ .

صفحة ٢٦٩

مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ مُعْضِلٌ، وافْتِتاحُها بِواوِ العَطْفِ أعْضَلُ، لِاقْتِضائِهِ اتِّصالَها بِكَلامٍ قَبْلَها. وقَدْ جاءَ حَدُّ الزِّنى في سُورَةِ النُّورِ، وهي نازِلَةٌ في سَنَةِ سِتٍّ بَعْدَ غَزْوَةِ بَنِيَ المُصْطَلِقِ عَلى الصَّحِيحِ، والحُكْمُ الثّابِتُ في سُورَةِ النُّورِ أشَدُّ مِنَ العُقُوبَةِ المَذْكُورَةِ هُنا، ولا جائِزٌ أنْ يَكُونَ الحَدُّ الَّذِي في سُورَةِ النُّورِ قَدْ نُسِخَ بِما هُنا لِأنَّهُ لا قائِلَ بِهِ. فَإذا مَضَيْنا عَلى مُعْتادِنا في اعْتِبارِ الآيِ نازِلَةً عَلى تَرْتِيبِها في القِراءَةِ في سُوَرِها، قُلْنا: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في سُورَةِ النِّساءِ عَقِبَ أحْكامِ المَوارِيثِ وحِراسَةِ أمْوالِ اليَتامى، وجَعَلْنا الواوَ عاطِفَةً هَذا الحُكْمَ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ في أوَّلِ السُّورَةِ بِما يَتَعَلَّقُ بِمُعاشَرَةِ النِّساءِ، كَقَوْلِهِ ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] وجَزَمْنا بِأنَّ أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ نَزَلَ قَبْلَ أوَّلِ سُورَةِ النُّورِ، وأنَّ هَذِهِ العُقُوبَةَ كانَتْ مَبْدَأ شَرْعِ العُقُوبَةِ عَلى الزِّنى - فَتَكُونُ هاتِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةً بِآيَةِ سُورَةِ النُّورِ لا مَحالَةَ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿أوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مَنسُوخَتانِ بِآيَةِ الجَلْدِ في سُورَةِ النُّورِ. اهـ. وحَكى ابْنُ الفُرْسِ في تَرْتِيبِ النَّسْخِ أقْوالًا ثَمانِيَةً لا نُطِيلُ فِيها. فالواوُ عاطِفَةٌ حُكْمَ تَشْرِيعٍ عَقِبَ تَشْرِيعٍ لِمُناسَبَةٍ: هي الرُّجُوعُ إلى أحْكامِ النِّساءِ، فَإنَّ اللَّهَ لَمّا ذَكَرَ أحْكامًا مِنَ النِّكاحِ إلى قَوْلِهِ: ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] وما النِّكاحُ إلّا اجْتِماعُ الرَّجُلِ والمَرْأةِ عَلى مُعاشَرَةٍ عِمادُها التَّآنُسُ والسُّكُونُ إلى الأُنْثى، ناسَبَ أنْ يَعْطِفَ إلى ذِكْرِ أحْكامِ اجْتِماعِ الرَّجُلِ بِالمَرْأةِ عَلى غَيْرِ الوَجْهِ المَذْكُورِ فِيهِ شَرْعًا، وهو الزِّنى المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالفاحِشَةِ.

فالزِّنى هو أنْ يَقَعَ شَيْءٌ مِن تِلْكَ المُعاشَرَةِ عَلى غَيْرِ الحالِ المَعْرُوفِ المَأْذُونِ فِيهِ، فَلا جَرَمَ أنْ كانَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ أحْوالِ الأُمَمِ والقَبائِلِ في خَرْقِ القَوانِينِ المَجْعُولَةِ لِإباحَةِ اخْتِصاصِ الرَّجُلِ بِالمَرْأةِ.

ففِي الجاهِلِيَّةِ كانَ طَرِيقُ الِاخْتِصاصِ بِالمَرْأةِ السَّبْيَ أوِ الغارَةَ أوِ التَّعْوِيضَ أوْ رَغْبَةً في مُصاهَرَةِ قَوْمٍ ورَغْبَتَهم فِيهِ أوْ إذْنَ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ بِأنْ تَسْتَبْضِعَ مِن رَجُلٍ ولَدًا، كَما تَقَدَّمَ.

وفِي الإسْلامِ بَطَلَتِ الغارَةُ وبَطَلَ الِاسْتِبْضاعُ، ولِذَلِكَ تَجِدُ الزِّنى لا يَقَعُ إلّا

صفحة ٢٧٠

خِفْيَةً لِأنَّهُ مُخالَفَةٌ لِقَوانِينِ النّاسِ في نِظامِهِمْ وأخْلاقِهِمْ. وسُمِّيَ الزِّنى الفاحِشَةَ لِأنَّهُ تَجاوُزُ الحَدِّ في الفَسادِ وأصْلُ الفُحْشِ: الأمْرُ الشَّدِيدُ الكَراهِيَةِ والذَّمِّ، مِن فِعْلٍ أوْ قَوْلٍ أوْ حالٍ. ولَمْ أقِفْ عَلى وُقُوعِ العَمَلِ بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ قَبْلَ نَسْخِهِما.

ومَعْنى (يَأْتِينَ) يَفْعَلْنَ، وأصْلُ الإيتاءِ المَجِيءُ إلى شَيْءٍ. …

17

إِنَّمَا ٱلتَّوْبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٍۢ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍۢ فَأُو۟لَٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

The repentance accepted by Allah is only for those who do wrong in ignorance [or carelessness] and then repent soon after. It is those to whom Allah will turn in forgiveness, and Allah is ever Knowing and Wise.

﴿إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ لِلَّذِينِ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينِ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ .

اسْتِطْرادٌ جَرَّ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تابا وأصْلَحا فَأعْرِضُوا عَنْهُما﴾ [النساء: ١٦] . والتَّوْبَةُ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها مُسْتَوْفًى في قَوْلِهِ، في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: ٩٠] .

و(إنَّما) لِلْحَصْرِ.

و(عَلى) هُنا حَرْفٌ لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ بِمَعْنى التَّعَهُّدِ والتَّحَقُّقِ كَقَوْلِكَ: عَلَيَّ لَكَ كَذا، فَهي تُفِيدُ تَحَقُّقَ التَّعَهُّدِ. والمَعْنى: التَّوْبَةُ تَحِقُّ عَلى اللَّهِ، وهَذا مَجازٌ في تَأْكِيدِ

صفحة ٢٧٨

الوَعْدِ بِقَبُولِها حَتّى جُعِلَتْ كالحَقِّ عَلى اللَّهِ، ولا شَيْءَ بِواجِبٍ عَلى اللَّهِ إلّا وُجُوبُ وعْدِهِ بِفَضْلِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إخْبارُهُ تَعالى عَنْ أشْياءَ أوْجَبَها عَلى نَفْسِهِ يَقْتَضِي وُجُوبَ تِلْكَ الأشْياءِ سَمْعًا ولَيْسَ وُجُوبًا.

وقَدْ تَسَلَّطَ الحَصْرُ عَلى الخَبَرِ، وهو (لِلَّذِينِ يَعْمَلُونَ) وذُكِرَ لَهُ قَيْدانِ وهُما (بِجَهالَةٍ) و(مِن قَرِيبٍ) والجَهالَةُ تُطْلَقُ عَلى سُوءِ المُعامَلَةِ وعَلى الإقْدامِ عَلى العَمَلِ دُونَ رَوِيَّةٍ، وهي ما قابَلَ الحِلْمَ، ولِذَلِكَ تُطْلَقُ الجَهالَةُ عَلى الظُّلْمِ. قالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:

ألا لا يَجْهَلَنَّ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا

وقالَ تَعالى، حِكايَةً عَنْ يُوسُفَ ﴿وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣] . والمُرادُ هُنا ظُلْمُ النَّفْسِ، وذُكِرَ هَذا القَيْدُ هُنا لِمُجَرَّدِ تَشْوِيهِ عَمَلِ السُّوءِ، فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ، إذْ لا يَكُونُ عَمَلُ السُّوءِ إلّا كَذَلِكَ. ولَيْسَ المُرادُ بِالجَهالَةِ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الجَهْلِ، وهو انْتِفاءُ العِلْمِ بِما فَعَلَهُ، لِأنَّ ذَلِكَ لا يُسَمّى جَهالَةً. وإنَّما هو مِن مَعانِي لَفْظِ الجَهْلِ، ولَوْ عَمِلَ أحَدٌ مَعْصِيَةً وهو غَيْرُ عالِمٍ بِأنَّها مَعْصِيَةٌ لَمْ يَكُنْ آثِمًا ولا يَجِبُ عَلَيْهِ إلّا أنْ يَتَعَلَّمَ ذَلِكَ ويَتَجَنَّبَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَرِيبٍ﴾ مِن فِيهِ لِلِابْتِداءِ و(قَرِيبٌ) صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، أيْ مِن زَمَنٍ قَرِيبٍ مِن وقْتِ عَمَلِ السُّوءِ.

وتَأوَّلَ بَعْضُهم مَعْنى (مِن قَرِيبٍ) بِأنَّ القَرِيبَ هو ما قَبْلَ الِاحْتِضارِ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ بَعْدَهُ ﴿حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ يُبَيِّنُ المُرادَ مِن مَعْنى (قَرِيبٍ) .

اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ مِنَ السَّلَفِ ومَن بَعْدَهم في إعْمالِ مَفْهُومِ القَيْدَيْنِ بِجَهالَةٍ - ﴿مِن قَرِيبٍ﴾ حَتّى قِيلَ إنَّ حُكْمَ الآيَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، والأكْثَرُ عَلى أنَّ قَيْدَ بِجَهالَةٍ وصْفٌ كاشِفٌ لِعَمَلِ السُّوءِ؛ لِأنَّ المُرادَ عَمَلُ السُّوءِ مَعَ الإيمانِ. فَقَدْ رَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: اجْتَمَعَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَرَأوْا أنَّ كُلَّ عَمَلٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ فَهو جَهالَةٌ عَمْدًا كانَ أوْ غَيْرَهُ.

صفحة ٢٧٩

والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُما قَيْدانِ ذُكِرا لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ شَأْنَ المُسْلِمِ أنْ يَكُونَ عَمَلُهُ …

18

وَلَيْسَتِ ٱلتَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ قَالَ إِنِّى تُبْتُ ٱلْـَٰٔنَ وَلَا ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ۚ أُو۟لَٰٓئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًۭا

But repentance is not [accepted] of those who [continue to] do evil deeds up until, when death comes to one of them, he says, "Indeed, I have repented now," or of those who die while they are disbelievers. For them We have prepared a painful punishment.

﴿إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ لِلَّذِينِ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ﴿ولَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينِ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ ولا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وهم كُفّارٌ أُولَئِكَ أعْتَدْنا لَهم عَذابًا ألِيمًا﴾ .

اسْتِطْرادٌ جَرَّ إلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تابا وأصْلَحا فَأعْرِضُوا عَنْهُما﴾ [النساء: ١٦] . والتَّوْبَةُ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها مُسْتَوْفًى في قَوْلِهِ، في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ [آل عمران: ٩٠] .

و(إنَّما) لِلْحَصْرِ.

و(عَلى) هُنا حَرْفٌ لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ بِمَعْنى التَّعَهُّدِ والتَّحَقُّقِ كَقَوْلِكَ: عَلَيَّ لَكَ كَذا، فَهي تُفِيدُ تَحَقُّقَ التَّعَهُّدِ. والمَعْنى: التَّوْبَةُ تَحِقُّ عَلى اللَّهِ، وهَذا مَجازٌ في تَأْكِيدِ

صفحة ٢٧٨

الوَعْدِ بِقَبُولِها حَتّى جُعِلَتْ كالحَقِّ عَلى اللَّهِ، ولا شَيْءَ بِواجِبٍ عَلى اللَّهِ إلّا وُجُوبُ وعْدِهِ بِفَضْلِهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: إخْبارُهُ تَعالى عَنْ أشْياءَ أوْجَبَها عَلى نَفْسِهِ يَقْتَضِي وُجُوبَ تِلْكَ الأشْياءِ سَمْعًا ولَيْسَ وُجُوبًا.

وقَدْ تَسَلَّطَ الحَصْرُ عَلى الخَبَرِ، وهو (لِلَّذِينِ يَعْمَلُونَ) وذُكِرَ لَهُ قَيْدانِ وهُما (بِجَهالَةٍ) و(مِن قَرِيبٍ) والجَهالَةُ تُطْلَقُ عَلى سُوءِ المُعامَلَةِ وعَلى الإقْدامِ عَلى العَمَلِ دُونَ رَوِيَّةٍ، وهي ما قابَلَ الحِلْمَ، ولِذَلِكَ تُطْلَقُ الجَهالَةُ عَلى الظُّلْمِ. قالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:

ألا لا يَجْهَلَنَّ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا

وقالَ تَعالى، حِكايَةً عَنْ يُوسُفَ ﴿وإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣] . والمُرادُ هُنا ظُلْمُ النَّفْسِ، وذُكِرَ هَذا القَيْدُ هُنا لِمُجَرَّدِ تَشْوِيهِ عَمَلِ السُّوءِ، فالباءُ لِلْمُلابَسَةِ، إذْ لا يَكُونُ عَمَلُ السُّوءِ إلّا كَذَلِكَ. ولَيْسَ المُرادُ بِالجَهالَةِ ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الجَهْلِ، وهو انْتِفاءُ العِلْمِ بِما فَعَلَهُ، لِأنَّ ذَلِكَ لا يُسَمّى جَهالَةً. وإنَّما هو مِن مَعانِي لَفْظِ الجَهْلِ، ولَوْ عَمِلَ أحَدٌ مَعْصِيَةً وهو غَيْرُ عالِمٍ بِأنَّها مَعْصِيَةٌ لَمْ يَكُنْ آثِمًا ولا يَجِبُ عَلَيْهِ إلّا أنْ يَتَعَلَّمَ ذَلِكَ ويَتَجَنَّبَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿مِن قَرِيبٍ﴾ مِن فِيهِ لِلِابْتِداءِ و(قَرِيبٌ) صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ، أيْ مِن زَمَنٍ قَرِيبٍ مِن وقْتِ عَمَلِ السُّوءِ.

وتَأوَّلَ بَعْضُهم مَعْنى (مِن قَرِيبٍ) بِأنَّ القَرِيبَ هو ما قَبْلَ الِاحْتِضارِ، وجَعَلُوا قَوْلَهُ بَعْدَهُ ﴿حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ﴾ يُبَيِّنُ المُرادَ مِن مَعْنى (قَرِيبٍ) .

اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ مِنَ السَّلَفِ ومَن بَعْدَهم في إعْمالِ مَفْهُومِ القَيْدَيْنِ بِجَهالَةٍ - ﴿مِن قَرِيبٍ﴾ حَتّى قِيلَ إنَّ حُكْمَ الآيَةِ مَنسُوخٌ بِآيَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، والأكْثَرُ عَلى أنَّ قَيْدَ بِجَهالَةٍ وصْفٌ كاشِفٌ لِعَمَلِ السُّوءِ؛ لِأنَّ المُرادَ عَمَلُ السُّوءِ مَعَ الإيمانِ. فَقَدْ رَوى عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: اجْتَمَعَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ فَرَأوْا أنَّ كُلَّ عَمَلٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ فَهو جَهالَةٌ عَمْدًا كانَ أوْ غَيْرَهُ.

صفحة ٢٧٩

والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُما قَيْدانِ ذُكِرا لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ شَأْنَ المُسْلِمِ أنْ يَكُونَ عَمَلُهُ …

19

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا۟ ٱلنِّسَآءَ كَرْهًۭا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا۟ بِبَعْضِ مَآ ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأْتِينَ بِفَٰحِشَةٍۢ مُّبَيِّنَةٍۢ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًۭٔا وَيَجْعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيْرًۭا كَثِيرًۭا

O you who have believed, it is not lawful for you to inherit women by compulsion. And do not make difficulties for them in order to take [back] part of what you gave them unless they commit a clear immorality. And live with them in kindness. For if you dislike them - perhaps you dislike a thing and Allah makes therein much good.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾ .

اسْتِئْنافُ تَشْرِيعٍ في أحْكامِ النِّساءِ الَّتِي كانَ سِياقُ السُّورَةِ لِبَيانِها وهي الَّتِي لَمْ تَزَلْ آيُها مُبَيِّنَةً لِأحْكامِها تَأْسِيسًا واسْتِطْرادًا، وبَدْءًا وعَوْدًا، وهَذا حُكْمٌ تابِعٌ لِإبْطالِ ما كانَ عَلَيْهِ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ مِن جَعْلِ زَوْجِ المَيِّتِ مَوْرُوثَةً عَنْهُ وافْتُتِحَ بُقُولِهِ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا. لِلتَّنْوِيهِ بِما خُوطِبُوا بِهِ.

وخُوطِبَ الَّذِينَ آمَنُوا لِيَعُمَّ الخِطابُ جَمِيعَ الأُمَّةِ، فَيَأْخُذَ كُلٌّ مِنهم بِحَظِّهِ مِنهُ، فَمُرِيدُ الِاخْتِصاصِ بِامْرَأةِ المَيِّتِ يَعْلَمُ ما يَخْتَصُّ بِهِ مِنهُ، والوالِي كَذَلِكَ، ووُلاةُ الأُمُورِ كَذَلِكَ.

وصِيغَةُ (لا يَحِلُّ) صِيغَةُ نَهْيٍ صَرِيحٍ لِأنَّ الحِلَّ هو الإباحَةُ في لِسانِ العَرَبِ ولِسانِ الشَّرِيعَةِ، فَنَفْيُهُ يُرادِفُ مَعْنى التَّحْرِيمِ.

والإرْثُ حَقِيقَتُهُ مَصِيرُ الكَسْبِ إلى شَخْصٍ عَقِبَ شَخْصٍ آخَرَ، وأكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ في مَصِيرِ الأمْوالِ، ويُطْلَقُ الإرْثُ مَجازًا عَلى تَمَحُّضِ المِلْكِ لِأحَدٍ بَعْدَ المُشارَكِ فِيهِ، أوْ في

صفحة ٢٨٣

حالَةِ ادِّعاءِ المُشارَكِ فِيهِ، ومِنهُ: يَرِثُ الأرْضَ ومَن عَلَيْها. وهو فِعْلٌ مُتَعَدٍّ إلى واحِدٍ، يَتَعَدّى إلى المَتاعِ المَوْرُوثِ، فَتَقُولُ: ورِثْتُ مالَ فُلانٍ، وقَدْ يَتَعَدّى إلى ذاتِ الشَّخْصِ المَوْرُوثِ، يُقالُ: ورِثَ فُلانٌ أباهُ، قالَ تَعالى: فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا يَرِثُنِي. وهَذا هو الغالِبُ فِيهِ إذا تَعَدّى إلى ما لَيْسَ بِمالٍ.

وتَعْدِيَةُ فِعْلِ (﴿أنْ تَرِثُوا﴾) إلى النِّساءِ مِنِ اسْتِعْمالِهِ الأوَّلِ: بِتَنْزِيلِ النِّساءِ مَنزِلَةَ الأمْوالِ المَوْرُوثَةِ، لِإفادَةِ تَبْشِيعِ الحالَةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها في الجاهِلِيَّةِ. أخْرَجَ البُخارِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانُوا إذا ماتَ الرَّجُلُ كانَ أوْلِياؤُهُ أحَقَّ بِامْرَأتِهِ إنْ شاءَ بَعْضُهم تَزَوَّجَها، وإنْ شاءُوا زَوَّجُوها، وإنْ شاءُوا لَمْ يُزَوِّجُوها، فَهم أحَقُّ بِها مِن أهْلِها فَنَزَلَتْ هَذا الآيَةُ. وعَنْ مُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ، والزُّهْرِيِّ كانَ الِابْنُ الأكْبَرُ أحَقَّ بِزَوْجِ أبِيهِ إذا لَمْ تَكُنْ أُمَّهُ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ أبْناءٌ فَوَلِيُّ المَيِّتِ إذا سَبَقَ فَألْقى عَلى امْرَأةِ المَيِّتِ ثَوْبَهُ فَهو أحَقُّ بِها، وإنْ سَبَقَتْهُ فَذَهَبَتْ إلى أهْلِها كانَتْ أحَقَّ بِنَفْسِها. وكانَ مِن أشْهَرِ ما وقَعَ مِن ذَلِكَ في الجاهِلِيَّةِ أنَّهُ لَمّا ماتَ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ وتَرَكَ امْرَأتَهُ ولَها أوْلادٌ مِنهُ: العِيصُ، وأبُو العِيصِ، والعاصُ، وأبُو العاصِ، ولَهُ أوْلادٌ مِن غَيْرِها، مِنهم أبُو عَمْرِو بْنُ أُمَيَّةَ فَخَلَفَ أبُو عَمْرٍو عَلى امْرَأةِ أبِيهِ، فَوَلَدَتْ لَهُ: مُسافِرًا، وأبا مُعَيْطٍ، فَكانَ الأعْياصُ أعْمامًا لِمُسافِرٍ وأبِي مُعَيْطٍ وإخْوَتَهُما مِنَ الأُمِّ.

وقَدْ قِيلَ: نَزَلَتِ الآيَةُ لَمّا تُوُفِّيَ أبُو قَيْسِ بْنُ الأسْلَتِ رامَ ابْنُهُ أنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأتَهُ كَبْشَةَ بِنْتَ مَعْنٍ الأنْصارِيَّةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وكانَتْ هَذِهِ السِّيرَةُ لازِمَةً في الأنْصارِ، وكانَتْ في قُرَيْشٍ مُباحَةً مَعَ التَّراضِي. وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ يَكُونُ قَوْلُهُ ”كُرْهًا“ حالًا مِنَ (النِّساءِ) أيْ كارِهاتٍ غَيْرَ راضِياتٍ، حَتّى يَرْضَيْنَ بِأنْ يَكُنَّ أزْواجًا لِمَن يَرْضَيْنَهُ، مَعَ مُراعاةِ شُرُوطِ النِّكاحِ، والخِطابُ عَلى هَذا الوَجْهِ لِوَرَثَةِ المَيِّتِ.

وقَدْ تَكَرَّرَ هَذا الإكْراهُ بِعَوائِدِهِمُ …

20

وَإِنْ أَرَدتُّمُ ٱسْتِبْدَالَ زَوْجٍۢ مَّكَانَ زَوْجٍۢ وَءَاتَيْتُمْ إِحْدَىٰهُنَّ قِنطَارًۭا فَلَا تَأْخُذُوا۟ مِنْهُ شَيْـًٔا ۚ أَتَأْخُذُونَهُۥ بُهْتَٰنًۭا وَإِثْمًۭا مُّبِينًۭا

But if you want to replace one wife with another and you have given one of them a great amount [in gifts], do not take [back] from it anything. Would you take it in injustice and manifest sin?

﴿وإنْ أرَدْتُمُ اسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا أتَأْخُذُونَهُ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ ﴿وكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وقَدْ أفْضى بَعْضُكم إلى بَعْضٍ وأخَذْنَ مِنكم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ .

لا جَرَمَ أنَّ الكَراهِيَةَ تَعْقُبُها إرادَةُ اسْتِبْدالِ المَكْرُوهِ بِضِدِّهِ، فَلِذَلِكَ عَطَفَ الشَّرْطَ عَلى الَّذِي قَبْلَهُ اسْتِطْرادًا واسْتِيفاءً لِلْأحْكامِ.

فالمُرادُ بِالِاسْتِبْدالِ طَلاقُ المَرْأةِ السّابِقَةِ وتَزَوُّجُ امْرَأةٍ أُخْرى.

الِاسْتِبْدالُ: التَّبْدِيلُ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: قالَ أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ. في سُورَةِ البَقَرَةِ. أيْ إنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبٌ لِلْفِراقِ إلّا إرادَةَ اسْتِبْدالِ زَوْجٍ بِأُخْرى فَيُلْجِئُ الَّتِي يُرِيدُ فِراقَها، حَتّى تُخالِعَهُ، لِيَجِدَ مالًا يُعْطِيهِ مَهْرًا لِلَّتِي رَغِبَ فِيها، نَهى عَنْ أنْ يَأْخُذُوا شَيْئًا مِمّا أعْطَوْهُ أزْواجَهم مِن مَهْرٍ وغَيْرِهِ

صفحة ٢٨٩

والقِنْطارُ هُنا مُبالَغَةٌ في مِقْدارِ المالِ المُعْطى صَداقًا أيْ مالًا كَثِيرًا، كَثْرَةٌ غَيْرُ مُتَعارَفَةٍ. وهَذِهِ المُبالَغَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ إيتاءَ القِنْطارِ مُباحٌ شَرْعًا لِأنَّ اللَّهَ لا يُمَثِّلُ بِما لا يَرْضى شَرْعَهُ مِثْلَ الحَرامِ، ولِذَلِكَ لَمّا خَطَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَنَهى عَنِ المُغالاةِ في الصَّدُقاتِ، قالَتْ لَهُ امْرَأةٌ مِن قُرَيْشٍ بَعْدَ أنْ نَزَلَ. يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ كِتابُ اللَّهِ أحَقُّ أنْ يُتَّبَعَ أوْ قَوْلُكَ ؟ قالَ: بَلْ كِتابُ اللَّهِ بِمَ ذَلِكَ ؟ قالَتْ: إنَّكَ نَهَيْتَ النّاسَ آنِفًا أنْ يُغالُوا في صَداقِ النِّساءِ، واللَّهُ يَقُولُ في كِتابِهِ: ﴿وآتَيْتُمْ إحْداهُنَّ قِنْطارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنهُ شَيْئًا﴾ . فَقالَ عُمَرُ كُلُّ أحَدٍ أفْقَهُ مِن عُمَرَ. وفي رِوايَةٍ قالَ: امْرَأةٌ أصابَتْ وأمِيرٌ أخْطَأ واللَّهُ المُسْتَعانُ. ثُمَّ رَجَعَ إلى المِنبَرِ فَقالَ: إنِّي كُنْتُ نَهَيْتُكم أنْ تُغالُوا في صَدُقاتِ النِّساءِ فَلْيَفْعَلْ كُلُّ رَجُلٍ في مالِهِ ما شاءَ. والظّاهِرُ مِن هَذِهِ الرِّوايَةِ أنَّ عُمَرَ رَجَعَ عَنْ تَحْجِيرِ المُباحِ لِأنَّهُ رَآهُ يُنافِي الإباحَةَ بِمُقْتَضى دَلالَةِ الإشارَةِ وقَدْ كانَ بَدا لَهُ مِن قَبْلُ أنَّ في المُغالاةِ عِلَّةً تَقْتَضِي المَنعَ، فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ نَسِيَ الآيَةَ بِناءً عَلى أنَّ المُجْتَهِدَ لا يَلْزَمُهُ البَحْثُ عَنِ المُعارِضِ لِدَلِيلِ اجْتِهادِهِ، أوْ أنْ يَكُونَ حَمَلَها عَلى قَصْدِ المُبالَغَةِ فَرَأى أنَّ ذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى الإباحَةِ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ، أوْ أنْ يَكُونَ رَأى لِنَفْسِهِ أنْ يُحَجِّرَ بَعْضَ المُباحِ لِلْمَصْلَحَةِ ثُمَّ عَدَلَ عَنْهُ لِأنَّهُ يُنافِي إذْنَ الشَّرْعِ في فِعْلِهِ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ.

وضَمِيرُ (إحْداهُنَّ) راجِعٌ إلى النِّساءِ. وهَذِهِ هي المَرْأةُ الَّتِي يُرادُ طَلاقُها.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى القِنْطارِ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: والقَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ. في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

والِاسْتِفْهامُ في (أتَأْخُذُونَهُ) إنْكارِيٌّ.

والبُهْتانُ مَصْدَرٌ كالشُّكْرانِ والغُفْرانِ، مَصْدَرُ بَهَتَهُ كَمَنَعَهَ إذا قالَ عَلَيْهِ ما لَمْ يَفْعَلْ. وتَقَدَّمَ البُهْتُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ. في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وانْتُصِبَ (بُهْتانًا) عَلى الحالِ مِنَ الفاعِلِ في (تَأْخُذُونَهُ) بِتَأْوِيلِهِ بِاسْمِ الفاعِلِ، أيْ مُباهِتِينَ. وإنَّما جُعِلَ هَذا الأخْذُ بُهْتانًا لِأنَّهم كانَ مِن عادَتِهِمْ إذا …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.