Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 51–60 of 176

51

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يُؤْمِنُونَ بِٱلْجِبْتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا۟ هَٰٓؤُلَآءِ أَهْدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ سَبِيلًا

Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, who believe in superstition and false objects of worship and say about the disbelievers, "These are better guided than the believers as to the way"?

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطاغُوتِ ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ ومَن يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾

هَذا لَفْظٌ عامٌّ في ظاهِرِهِ، ولَمْ يَخْتَلِفْ أحَدٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ في أنَّ المُرادَ اليَهُودُ، واخْتُلِفَ في المَعْنى الَّذِي بِهِ زَكُّوا أنْفُسَهم، فَقالَ قَتادَةُ، والحَسَنُ: ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقَوْلُهُمْ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا﴾ [البقرة: ١١١].وَقالَ الضَحّاكُ، والسُدِّيُّ: ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: لا ذُنُوبَ لَنا وما فَعَلْناهُ نَهارًا غُفِرَ لَيْلًا، وما فَعَلْناهُ لَيْلًا غُفِرَ نَهارًا، ونَحْنُ كالأطْفالِ في عَدَمِ الذُنُوبِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وأبُو مالِكٍ، وعِكْرِمَةُ: تَقْدِيمُهم أولادَهُمُ الصِغارَ لِلصَّلاةِ لِأنَّهم لا ذُنُوبَ لَهم.

قالَ المُؤَلِّفُ: وهَذا يَبْعُدُ مِن مَقْصِدِ الآيَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: أبْناؤُنا الَّذِينَ ماتُوا يَشْفَعُونَ لَنا، ويُزَكُّونَنا، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: ذَلِكَ ثَناءُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، ومَدْحُهم لَهم وتَزْكِيَتُهم لَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَتَقْتَضِي هَذِهِ الآيَةُ الغَضَّ مِنَ المُزَكِّي لِنَفْسِهِ بِلِسانِهِ، والإعْلامَ بِأنَّ الزاكِيَ المُزَكّى مَن حَسُنَتْ أفْعالُهُ، وزَكّاهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ، والضَمِيرُ فِي: "يُزَكُّونَ" عائِدٌ عَلى المَذْكُورِينَ مِمَّنْ زَكّى نَفْسَهُ، أو مِمَّنْ يُزَكِّيهِ اللهُ تَعالى، وغَيْرُ هَذَيْنِ الصِنْفَيْنِ عُلِمَ أنَّ اللهَ تَعالى لا يَظْلِمُهم مِن غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.

وقَرَأتْ طائِفَةٌ "وَلا تُظْلَمُونَ" بِالتاءِ عَلى الخِطابِ.

والفَتِيلُ: هو ما فُتِلَ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ، وَمُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمُ: الفَتِيلُ: الخَيْطُ الَّذِي في شِقِّ نَواةِ التَمْرَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وأبُو مالِكٍ، والسُدِّيُّ: هو ما خَرَجَ مِن بَيْنِ إصْبَعَيْكَ أو كَفَّيْكَ إذا فَتَلْتَهُما، وهَذا كُلُّهُ يَرْجِعُ إلى الكِنايَةِ عن تَحْقِيرِ الشَيْءِ وتَصْغِيرِهِ، وأنَّ اللهَ لا يَظْلِمُهُ، ولا شَيْءَ دُونَهُ في الصِغَرِ، فَكَيْفَ بِما فَوْقَهُ. ونَصْبُهُ عَلى مَفْعُولٍ ثانٍ بِـ "يُظْلَمُونَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ﴾ الآيَةُ، يُبَيِّنُ أنَّ تَزْكِيَتَهم أنْفُسَهم كانَتْ بِالباطِلِ والكَذِبِ، ويُقَوِّي أنَّ التَزْكِيَةَ كانَتْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] إذِ الافْتِراءُ في هَذِهِ المَقالَةِ أمْكَنُ.

و"كَيْفَ" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "يَفْتَرُونَ"، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ: "يَفْتَرُونَ".

و"وَكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا" خَبَرٌ في مُضَمَّنِهِ تَعَجُّبٌ وتَعْجِيبٌ مِنَ الأمْرِ، ولِذَلِكَ دَخَلَتِ الباءُ لِتَدُلَّ عَلى مَعْنى الأمْرِ بِالتَعَجُّبِ، وأنْ يُكْتَفى لَهم بِهَذا الكَذِبِ إثْمًا ولا يُطْلَبَ لَهم غَيْرُهُ، إذْ هو مُوبِقٌ ومُهْلِكٌ، و"إثْمًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ﴾ الآيَةُ. ظاهِرُها يَعُمُّ اليَهُودَ والنَصارى، ولَكِنْ أجْمَعَ المُتَأوِّلُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِها طائِفَةٌ …

52

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ ۖ وَمَن يَلْعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا

Those are the ones whom Allah has cursed; and he whom Allah curses - never will you find for him a helper.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطاغُوتِ ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ ومَن يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾

هَذا لَفْظٌ عامٌّ في ظاهِرِهِ، ولَمْ يَخْتَلِفْ أحَدٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ في أنَّ المُرادَ اليَهُودُ، واخْتُلِفَ في المَعْنى الَّذِي بِهِ زَكُّوا أنْفُسَهم، فَقالَ قَتادَةُ، والحَسَنُ: ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقَوْلُهُمْ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا﴾ [البقرة: ١١١].وَقالَ الضَحّاكُ، والسُدِّيُّ: ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: لا ذُنُوبَ لَنا وما فَعَلْناهُ نَهارًا غُفِرَ لَيْلًا، وما فَعَلْناهُ لَيْلًا غُفِرَ نَهارًا، ونَحْنُ كالأطْفالِ في عَدَمِ الذُنُوبِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وأبُو مالِكٍ، وعِكْرِمَةُ: تَقْدِيمُهم أولادَهُمُ الصِغارَ لِلصَّلاةِ لِأنَّهم لا ذُنُوبَ لَهم.

قالَ المُؤَلِّفُ: وهَذا يَبْعُدُ مِن مَقْصِدِ الآيَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: أبْناؤُنا الَّذِينَ ماتُوا يَشْفَعُونَ لَنا، ويُزَكُّونَنا، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: ذَلِكَ ثَناءُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، ومَدْحُهم لَهم وتَزْكِيَتُهم لَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَتَقْتَضِي هَذِهِ الآيَةُ الغَضَّ مِنَ المُزَكِّي لِنَفْسِهِ بِلِسانِهِ، والإعْلامَ بِأنَّ الزاكِيَ المُزَكّى مَن حَسُنَتْ أفْعالُهُ، وزَكّاهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ، والضَمِيرُ فِي: "يُزَكُّونَ" عائِدٌ عَلى المَذْكُورِينَ مِمَّنْ زَكّى نَفْسَهُ، أو مِمَّنْ يُزَكِّيهِ اللهُ تَعالى، وغَيْرُ هَذَيْنِ الصِنْفَيْنِ عُلِمَ أنَّ اللهَ تَعالى لا يَظْلِمُهم مِن غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.

وقَرَأتْ طائِفَةٌ "وَلا تُظْلَمُونَ" بِالتاءِ عَلى الخِطابِ.

والفَتِيلُ: هو ما فُتِلَ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ، وَمُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمُ: الفَتِيلُ: الخَيْطُ الَّذِي في شِقِّ نَواةِ التَمْرَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وأبُو مالِكٍ، والسُدِّيُّ: هو ما خَرَجَ مِن بَيْنِ إصْبَعَيْكَ أو كَفَّيْكَ إذا فَتَلْتَهُما، وهَذا كُلُّهُ يَرْجِعُ إلى الكِنايَةِ عن تَحْقِيرِ الشَيْءِ وتَصْغِيرِهِ، وأنَّ اللهَ لا يَظْلِمُهُ، ولا شَيْءَ دُونَهُ في الصِغَرِ، فَكَيْفَ بِما فَوْقَهُ. ونَصْبُهُ عَلى مَفْعُولٍ ثانٍ بِـ "يُظْلَمُونَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ﴾ الآيَةُ، يُبَيِّنُ أنَّ تَزْكِيَتَهم أنْفُسَهم كانَتْ بِالباطِلِ والكَذِبِ، ويُقَوِّي أنَّ التَزْكِيَةَ كانَتْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] إذِ الافْتِراءُ في هَذِهِ المَقالَةِ أمْكَنُ.

و"كَيْفَ" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "يَفْتَرُونَ"، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ: "يَفْتَرُونَ".

و"وَكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا" خَبَرٌ في مُضَمَّنِهِ تَعَجُّبٌ وتَعْجِيبٌ مِنَ الأمْرِ، ولِذَلِكَ دَخَلَتِ الباءُ لِتَدُلَّ عَلى مَعْنى الأمْرِ بِالتَعَجُّبِ، وأنْ يُكْتَفى لَهم بِهَذا الكَذِبِ إثْمًا ولا يُطْلَبَ لَهم غَيْرُهُ، إذْ هو مُوبِقٌ ومُهْلِكٌ، و"إثْمًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ﴾ الآيَةُ. ظاهِرُها يَعُمُّ اليَهُودَ والنَصارى، ولَكِنْ أجْمَعَ المُتَأوِّلُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِها طائِفَةٌ …

53

أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌۭ مِّنَ ٱلْمُلْكِ فَإِذًۭا لَّا يُؤْتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا

Or have they a share of dominion? Then [if that were so], they would not give the people [even as much as] the speck on a date seed.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذًا لا يُؤْتُونَ الناسَ نَقِيرًا﴾ ﴿أمْ يَحْسُدُونَ الناسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عنهُ وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾

عُرْفُ "أمْ" أنْ تُعْطَفَ بَعْدَ اسْتِفْهامٍ مُتَقَدِّمٍ، كَقَوْلِكَ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو؟ فَإذا ورَدَتْ ولَمْ يَتَقَدَّمْها اسْتِفْهامٌ، فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّها مُضَمَّنَةٌ مَعْنى الإضْرابِ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ والقَطْعِ عنهُ، وهي مُضَمَّنَةٌ -مَعَ ذَلِكَ- مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، فَهي بِمَعْنى "بَلْ" مَعَ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، كَقَوْلِ العَرَبِ: إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ؟، فالتَقْدِيرُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: إنَّها لَإبِلٌ بَلْ أهِيَ شاءٌ؟ وكَذَلِكَ هَذا المَوْضِعُ، تَقْدِيرُهُ: بَلْ ألَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ؟ وقَدْ حُكِيَ عن بَعْضِ النَحْوِيِّينَ، أنَّ "أمْ" يُسْتَفْهَمُ بِها ابْتِداءً دُونَ تَقَدُّمِ اسْتِفْهامٍ، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ في المُشْكِلِ، وهَذا غَيْرُ مَشْهُورٍ لِلْعَرَبِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "أمْ" بِمَعْنى "بَلْ"، ولَمْ يَذْكُرُوا الألِفَ اللازِمَةَ، فَأوجَبُوا -عَلى هَذا- حُصُولَ المِلْكِ لِلْمَذْكُورِينَ في الآيَةِ، والتَزَمُوا ذَلِكَ وفَسَّرُوا عَلَيْهِ، فالمَعْنى عِنْدَهُمْ: بَلْ هم مُلُوكٌ أهْلُ دُنْيا وعُتُوٍّ وَتَنَعُّمٍ، لا يَبْغُونَ غَيْرَهُ، فَهم بُخَلاءُ بِهِ، حَرِيصُونَ عَلى ألّا يَكُونَ ظُهُورٌ لِسِواهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والمَعْنى عَلى الأرْجَحِ -الَّذِي هو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والحُذّاقِ- أنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى الإنْكارِ، أيْ: ألَهم مُلْكٌ؟ فَإذًا لَوْ كانَ لَبَخِلُوا.

قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَإذًا لا يُؤْتُوا" بِغَيْرِ نُونٍ عَلى إعْمالِ "إذًا"، والمُصْحَفُ عَلى إلْغائِها، والوَجْهانِ جائِزانِ، وإنْ كانَتْ صَدْرًا مِن أجْلِ دُخُولِ الفاءِ عَلَيْها.

والنَقِيرُ: أعْرَفُ ما فِيهِ أنَّها النُكْتَةُ الَّتِي في ظَهْرِ النَواةِ مِنَ التَمْرَةِ، ومِن هُنالِكَ تَنْبُتُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي النُقْطَةُ الَّتِي في بَطْنِ النَواةِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هو نَقْرُ الإنْسانِ بِأُصْبُعِهِ، وهَذا كُلُّهُ يَجْمَعُهُ أنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ الغايَةِ في الحَقارَةِ والقِلَّةِ عَلى مَجازِ العَرَبِ واسْتِعارَتِها، و"فَإذًا" في هَذِهِ الآيَةِ مُلْغاةٌ لِدُخُولِ فاءِ العَطْفِ عَلَيْها، ويَجُوزُ إعْمالُها، والإلْغاءُ أفْصَحُ، وذَلِكَ أنَّها إذا تَقَدَّمَتْ أُعْمِلَتْ قَوْلًا واحِدًا، فَإذا دَخَلَ عَلَيْها وهي مُتَقَدِّمَةٌ فاءٌ أو واوٌ جازَ إعْمالُها والإلْغاءُ أفْصَحُ، وهي لُغَةُ القُرْآنِ، وتُكْتَبُ "إذًا" بِالنُونِ وبِالألِفِ، فالنُونُ هو الأصْلُ، كَعن ومِن، وجازَ كَتْبُها بِالألِفِ لِصِحَّةِ الوُقُوفِ عَلَيْها فَأشْبَهَتْ نُونَ التَنْوِينِ، ولا يَصِحُّ الوُقُوفُ عَلى "عن" و"مِن".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ الناسَ﴾ الآيَةُ، "أمْ" هَذِهِ عَلى بابِها، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ الَّذِي في تَقْدِيرِنا: "بَلْ لَهُمْ" قَدْ تَقَدَّمَها.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المُرادِ بِـ "الناسَ" في هَذا المَوْضِعِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والسُدِّيُّ، والضَحّاكُ: هو النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، والفَضْلُ النُبُوَّةُ فَقَطْ، والمَعْنى: فَلِمَ يَخُصُّونَهُ بِالحَسَدِ ولا يَحْسُدُونَ آلَ إبْراهِيمَ في جَمِيعِ ما آتَيْناهم مِن هَذا وغَيْرِهِ مِنَ المُلْكِ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُدِّيُّ أيْضًا: هو النَبِيُّ ﷺ، والفَضْلُ: …

54

أَمْ يَحْسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۖ فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِبْرَٰهِيمَ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَٰهُم مُّلْكًا عَظِيمًۭا

Or do they envy people for what Allah has given them of His bounty? But we had already given the family of Abraham the Scripture and wisdom and conferred upon them a great kingdom.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذًا لا يُؤْتُونَ الناسَ نَقِيرًا﴾ ﴿أمْ يَحْسُدُونَ الناسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عنهُ وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾

عُرْفُ "أمْ" أنْ تُعْطَفَ بَعْدَ اسْتِفْهامٍ مُتَقَدِّمٍ، كَقَوْلِكَ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو؟ فَإذا ورَدَتْ ولَمْ يَتَقَدَّمْها اسْتِفْهامٌ، فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّها مُضَمَّنَةٌ مَعْنى الإضْرابِ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ والقَطْعِ عنهُ، وهي مُضَمَّنَةٌ -مَعَ ذَلِكَ- مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، فَهي بِمَعْنى "بَلْ" مَعَ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، كَقَوْلِ العَرَبِ: إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ؟، فالتَقْدِيرُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: إنَّها لَإبِلٌ بَلْ أهِيَ شاءٌ؟ وكَذَلِكَ هَذا المَوْضِعُ، تَقْدِيرُهُ: بَلْ ألَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ؟ وقَدْ حُكِيَ عن بَعْضِ النَحْوِيِّينَ، أنَّ "أمْ" يُسْتَفْهَمُ بِها ابْتِداءً دُونَ تَقَدُّمِ اسْتِفْهامٍ، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ في المُشْكِلِ، وهَذا غَيْرُ مَشْهُورٍ لِلْعَرَبِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "أمْ" بِمَعْنى "بَلْ"، ولَمْ يَذْكُرُوا الألِفَ اللازِمَةَ، فَأوجَبُوا -عَلى هَذا- حُصُولَ المِلْكِ لِلْمَذْكُورِينَ في الآيَةِ، والتَزَمُوا ذَلِكَ وفَسَّرُوا عَلَيْهِ، فالمَعْنى عِنْدَهُمْ: بَلْ هم مُلُوكٌ أهْلُ دُنْيا وعُتُوٍّ وَتَنَعُّمٍ، لا يَبْغُونَ غَيْرَهُ، فَهم بُخَلاءُ بِهِ، حَرِيصُونَ عَلى ألّا يَكُونَ ظُهُورٌ لِسِواهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والمَعْنى عَلى الأرْجَحِ -الَّذِي هو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والحُذّاقِ- أنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى الإنْكارِ، أيْ: ألَهم مُلْكٌ؟ فَإذًا لَوْ كانَ لَبَخِلُوا.

قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَإذًا لا يُؤْتُوا" بِغَيْرِ نُونٍ عَلى إعْمالِ "إذًا"، والمُصْحَفُ عَلى إلْغائِها، والوَجْهانِ جائِزانِ، وإنْ كانَتْ صَدْرًا مِن أجْلِ دُخُولِ الفاءِ عَلَيْها.

والنَقِيرُ: أعْرَفُ ما فِيهِ أنَّها النُكْتَةُ الَّتِي في ظَهْرِ النَواةِ مِنَ التَمْرَةِ، ومِن هُنالِكَ تَنْبُتُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي النُقْطَةُ الَّتِي في بَطْنِ النَواةِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هو نَقْرُ الإنْسانِ بِأُصْبُعِهِ، وهَذا كُلُّهُ يَجْمَعُهُ أنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ الغايَةِ في الحَقارَةِ والقِلَّةِ عَلى مَجازِ العَرَبِ واسْتِعارَتِها، و"فَإذًا" في هَذِهِ الآيَةِ مُلْغاةٌ لِدُخُولِ فاءِ العَطْفِ عَلَيْها، ويَجُوزُ إعْمالُها، والإلْغاءُ أفْصَحُ، وذَلِكَ أنَّها إذا تَقَدَّمَتْ أُعْمِلَتْ قَوْلًا واحِدًا، فَإذا دَخَلَ عَلَيْها وهي مُتَقَدِّمَةٌ فاءٌ أو واوٌ جازَ إعْمالُها والإلْغاءُ أفْصَحُ، وهي لُغَةُ القُرْآنِ، وتُكْتَبُ "إذًا" بِالنُونِ وبِالألِفِ، فالنُونُ هو الأصْلُ، كَعن ومِن، وجازَ كَتْبُها بِالألِفِ لِصِحَّةِ الوُقُوفِ عَلَيْها فَأشْبَهَتْ نُونَ التَنْوِينِ، ولا يَصِحُّ الوُقُوفُ عَلى "عن" و"مِن".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ الناسَ﴾ الآيَةُ، "أمْ" هَذِهِ عَلى بابِها، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ الَّذِي في تَقْدِيرِنا: "بَلْ لَهُمْ" قَدْ تَقَدَّمَها.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المُرادِ بِـ "الناسَ" في هَذا المَوْضِعِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والسُدِّيُّ، والضَحّاكُ: هو النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، والفَضْلُ النُبُوَّةُ فَقَطْ، والمَعْنى: فَلِمَ يَخُصُّونَهُ بِالحَسَدِ ولا يَحْسُدُونَ آلَ إبْراهِيمَ في جَمِيعِ ما آتَيْناهم مِن هَذا وغَيْرِهِ مِنَ المُلْكِ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُدِّيُّ أيْضًا: هو النَبِيُّ ﷺ، والفَضْلُ: …

55

فَمِنْهُم مَّنْ ءَامَنَ بِهِۦ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ ۚ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا

And some among them believed in it, and some among them were averse to it. And sufficient is Hell as a blaze.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ فَإذًا لا يُؤْتُونَ الناسَ نَقِيرًا﴾ ﴿أمْ يَحْسُدُونَ الناسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ الكِتابَ والحِكْمَةَ وآتَيْناهم مُلْكًا عَظِيمًا﴾ ﴿فَمِنهم مَن آمَنَ بِهِ ومِنهم مَن صَدَّ عنهُ وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾

عُرْفُ "أمْ" أنْ تُعْطَفَ بَعْدَ اسْتِفْهامٍ مُتَقَدِّمٍ، كَقَوْلِكَ: أقامَ زَيْدٌ أمْ عَمْرٌو؟ فَإذا ورَدَتْ ولَمْ يَتَقَدَّمْها اسْتِفْهامٌ، فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّها مُضَمَّنَةٌ مَعْنى الإضْرابِ عَنِ الكَلامِ الأوَّلِ والقَطْعِ عنهُ، وهي مُضَمَّنَةٌ -مَعَ ذَلِكَ- مَعْنى الِاسْتِفْهامِ، فَهي بِمَعْنى "بَلْ" مَعَ ألِفِ الِاسْتِفْهامِ، كَقَوْلِ العَرَبِ: إنَّها لَإبِلٌ أمْ شاءٌ؟، فالتَقْدِيرُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: إنَّها لَإبِلٌ بَلْ أهِيَ شاءٌ؟ وكَذَلِكَ هَذا المَوْضِعُ، تَقْدِيرُهُ: بَلْ ألَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ؟ وقَدْ حُكِيَ عن بَعْضِ النَحْوِيِّينَ، أنَّ "أمْ" يُسْتَفْهَمُ بِها ابْتِداءً دُونَ تَقَدُّمِ اسْتِفْهامٍ، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ في المُشْكِلِ، وهَذا غَيْرُ مَشْهُورٍ لِلْعَرَبِ، وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: "أمْ" بِمَعْنى "بَلْ"، ولَمْ يَذْكُرُوا الألِفَ اللازِمَةَ، فَأوجَبُوا -عَلى هَذا- حُصُولَ المِلْكِ لِلْمَذْكُورِينَ في الآيَةِ، والتَزَمُوا ذَلِكَ وفَسَّرُوا عَلَيْهِ، فالمَعْنى عِنْدَهُمْ: بَلْ هم مُلُوكٌ أهْلُ دُنْيا وعُتُوٍّ وَتَنَعُّمٍ، لا يَبْغُونَ غَيْرَهُ، فَهم بُخَلاءُ بِهِ، حَرِيصُونَ عَلى ألّا يَكُونَ ظُهُورٌ لِسِواهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والمَعْنى عَلى الأرْجَحِ -الَّذِي هو مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ والحُذّاقِ- أنَّهُ اسْتِفْهامٌ عَلى مَعْنى الإنْكارِ، أيْ: ألَهم مُلْكٌ؟ فَإذًا لَوْ كانَ لَبَخِلُوا.

قَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "فَإذًا لا يُؤْتُوا" بِغَيْرِ نُونٍ عَلى إعْمالِ "إذًا"، والمُصْحَفُ عَلى إلْغائِها، والوَجْهانِ جائِزانِ، وإنْ كانَتْ صَدْرًا مِن أجْلِ دُخُولِ الفاءِ عَلَيْها.

والنَقِيرُ: أعْرَفُ ما فِيهِ أنَّها النُكْتَةُ الَّتِي في ظَهْرِ النَواةِ مِنَ التَمْرَةِ، ومِن هُنالِكَ تَنْبُتُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي النُقْطَةُ الَّتِي في بَطْنِ النَواةِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هو نَقْرُ الإنْسانِ بِأُصْبُعِهِ، وهَذا كُلُّهُ يَجْمَعُهُ أنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ الغايَةِ في الحَقارَةِ والقِلَّةِ عَلى مَجازِ العَرَبِ واسْتِعارَتِها، و"فَإذًا" في هَذِهِ الآيَةِ مُلْغاةٌ لِدُخُولِ فاءِ العَطْفِ عَلَيْها، ويَجُوزُ إعْمالُها، والإلْغاءُ أفْصَحُ، وذَلِكَ أنَّها إذا تَقَدَّمَتْ أُعْمِلَتْ قَوْلًا واحِدًا، فَإذا دَخَلَ عَلَيْها وهي مُتَقَدِّمَةٌ فاءٌ أو واوٌ جازَ إعْمالُها والإلْغاءُ أفْصَحُ، وهي لُغَةُ القُرْآنِ، وتُكْتَبُ "إذًا" بِالنُونِ وبِالألِفِ، فالنُونُ هو الأصْلُ، كَعن ومِن، وجازَ كَتْبُها بِالألِفِ لِصِحَّةِ الوُقُوفِ عَلَيْها فَأشْبَهَتْ نُونَ التَنْوِينِ، ولا يَصِحُّ الوُقُوفُ عَلى "عن" و"مِن".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ الناسَ﴾ الآيَةُ، "أمْ" هَذِهِ عَلى بابِها، لِأنَّ الِاسْتِفْهامَ الَّذِي في تَقْدِيرِنا: "بَلْ لَهُمْ" قَدْ تَقَدَّمَها.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المُرادِ بِـ "الناسَ" في هَذا المَوْضِعِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، والسُدِّيُّ، والضَحّاكُ: هو النَبِيُّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، والفَضْلُ النُبُوَّةُ فَقَطْ، والمَعْنى: فَلِمَ يَخُصُّونَهُ بِالحَسَدِ ولا يَحْسُدُونَ آلَ إبْراهِيمَ في جَمِيعِ ما آتَيْناهم مِن هَذا وغَيْرِهِ مِنَ المُلْكِ؟ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُدِّيُّ أيْضًا: هو النَبِيُّ ﷺ، والفَضْلُ: …

56

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ بِـَٔايَٰتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًۭا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا۟ ٱلْعَذَابَ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًۭا

Indeed, those who disbelieve in Our verses - We will drive them into a Fire. Every time their skins are roasted through We will replace them with other skins so they may taste the punishment. Indeed, Allah is ever Exalted in Might and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ إنَّ اللهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا لَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ونُدْخِلُهم ظِلا ظَلِيلا﴾

تَقَدَّمَ في الآياتِ وصْفُ المَرَدَةِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وذِكْرُ أفْعالِهِمْ وذُنُوبِهِمْ، ثُمَّ جاءَ بِالوَعِيدِ النَصُّ لَهم بِلَفْظٍ جَلِيٍّ عامٍّ لَهم ولِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ فَعَلَ فِعْلَهم مِنَ الكُفْرِ، والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ: "نُصْلِيهِمْ" بِضَمِّ النُونِ، مِن أصْلَيْتَ، ومَعْناهُ: قَرَّبْتَ مِنَ النارِ وألْقَيْتَ فِيها، وهو مَعْنى صَلَّيْتَ بِتَشْدِيدِ اللامِ وقَرَأ حُمَيْدٌ "نَصْلِيهِمْ" مِن صَلَيْتَ، ومَعْناهُ: صَلَّيْتَ، ومَعْناهُ: شَوَيْتَ، ومِنهُ الحَدِيثُ: " «أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشاةٍ مَصْلِيَّةٍ"» أىْ: مَشْوِيَّةٍ، وكَذا وقَعَ تَصْرِيفُ الفِعْلِ في العَيْنِ وغَيْرِهِ، وقَرَأ سَلامٌ، ويَعْقُوبُ: "نُصْلِيهُمْ" بِضَمِّ الهاءِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى تَبْدِيلِ الجُلُودِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: تُبَدَّلُ عَلَيْهِمْ جُلُودٌ غَيْرُها، إذْ نُفُوسُهم هي المُعَذَّبَةُ، والجُلُودُ لا تَأْلَمُ في ذاتِها، فَإنَّها تُبَدَّلُ لِيَذُوقُوا تَجْدِيدَ العَذابِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: تَبْدِيلُ الجُلُودِ هو إعادَةُ ذَلِكَ الجِلْدِ بِعَيْنِهِ الَّذِي كانَ في الدُنْيا، تَأْكُلُهُ النارُ ويُعِيدُهُ اللهُ دَأبًا لِتَجَدُّدِ العَذابِ، وإنَّما سَمّاهُ تَبْدِيلًا، لِأنَّ أوصافَهُ تَتَغَيَّرُ ثُمَّ يُعادُ، كَما تَقُولُ: "بَدِّلْ مِن خاتَمِي هَذا خاتَمًا". وهي فِضَّتُهُ بِعَيْنِها، فالبَدَلُ إنَّما وقَعَ في تَغْيِيرِ الصِفاتِ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: كُلَّما احْتَرَقَتْ جُلُودُهم بُدِّلُوا جُلُودًا بَيْضاءَ كالقَراطِيسِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: تُبَدَّلُ عَلَيْهِمْ في اليَوْمِ سَبْعِينَ ألْفَ مَرَّةٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الجُلُودُ في هَذا المَوْضِعِ سَرابِيلُ القَطْرانِ، سَمّاها جُلُودًا لِلُزُومِها فَصارَتْ كالجُلُودِ، وهي تُبَدَّلُ دَأبًا عافانا اللهُ مِن عَذابِهِ بِرَحْمَتِهِ، حَكاهُ الطَبَرِيُّ.

وحَسُنَ الِاتِّصافُ بَعْدَ هَذِهِ المُقَدِّماتِ بِالعِزَّةِ والإحْكامِ، لِأنَّ اللهَ لا يُغالِبُهُ مُغالِبٌ إلّا غَلَبَهُ اللهُ، ولا يَفْعَلُ شَيْئًا إلّا بِحِكْمَةٍ وإصابَةٍ، لا إلَهَ إلّا هو تَبارَكَ وتَعالى.

ولَمّا ذَكَرَ اللهُ وعِيدَ الكُفّارِ عَقَّبَ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ عَلى الإيمانِ والأعْمالِ الصالِحَةِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "سَيُدْخِلُهُمْ" بِالياءِ، وكَذَلِكَ "يُدْخِلُهُمْ" بَعْدَ ذَلِكَ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى "مِن تَحْتِها" في [سُورَةِ البَقَرَةِ] و"مُطَهَّرَةٌ" مَعْناهُ: مِنَ الرِيَبِ والأقْذارِ الَّتِي هي مَعْهُوداتٌ في الدُنْيا، و"ظَلِيلًا" مَعْناهُ: عِنْدَ بَعْضِهِمْ: يَقِي الحَرَّ والبَرْدَ، ويَصِحُّ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ ظِلٌّ لا يَسْتَحِيلُ ولا يَنْتَقِلُ، كَما يَفْعَلُ ظِلُّ الدُنْيا، فَأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: "ظَلِيلًا" لِذَلِكَ، ويَصِحُّ أنْ يَصِفَهُ بِظَلِيلٍ لِامْتِدادِهِ، فَقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الراكِبُ الجَوادَ المُضَمَّرَ في ظِلِّها مِائَةَ سَنَةٍ ما يَقْطَعُها".»

57

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّٰتٍۢ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ٱلْأَنْهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًۭا ۖ لَّهُمْ فِيهَآ أَزْوَٰجٌۭ مُّطَهَّرَةٌۭ ۖ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّۭا ظَلِيلًا

But those who believe and do righteous deeds - We will admit them to gardens beneath which rivers flow, wherein they abide forever. For them therein are purified spouses, and We will admit them to deepening shade.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نارًا كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا غَيْرَها لِيَذُوقُوا العَذابَ إنَّ اللهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ سَنُدْخِلُهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا لَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ونُدْخِلُهم ظِلا ظَلِيلا﴾

تَقَدَّمَ في الآياتِ وصْفُ المَرَدَةِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وذِكْرُ أفْعالِهِمْ وذُنُوبِهِمْ، ثُمَّ جاءَ بِالوَعِيدِ النَصُّ لَهم بِلَفْظٍ جَلِيٍّ عامٍّ لَهم ولِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ فَعَلَ فِعْلَهم مِنَ الكُفْرِ، والقِراءَةُ المَشْهُورَةُ: "نُصْلِيهِمْ" بِضَمِّ النُونِ، مِن أصْلَيْتَ، ومَعْناهُ: قَرَّبْتَ مِنَ النارِ وألْقَيْتَ فِيها، وهو مَعْنى صَلَّيْتَ بِتَشْدِيدِ اللامِ وقَرَأ حُمَيْدٌ "نَصْلِيهِمْ" مِن صَلَيْتَ، ومَعْناهُ: صَلَّيْتَ، ومَعْناهُ: شَوَيْتَ، ومِنهُ الحَدِيثُ: " «أُتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِشاةٍ مَصْلِيَّةٍ"» أىْ: مَشْوِيَّةٍ، وكَذا وقَعَ تَصْرِيفُ الفِعْلِ في العَيْنِ وغَيْرِهِ، وقَرَأ سَلامٌ، ويَعْقُوبُ: "نُصْلِيهُمْ" بِضَمِّ الهاءِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى تَبْدِيلِ الجُلُودِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: تُبَدَّلُ عَلَيْهِمْ جُلُودٌ غَيْرُها، إذْ نُفُوسُهم هي المُعَذَّبَةُ، والجُلُودُ لا تَأْلَمُ في ذاتِها، فَإنَّها تُبَدَّلُ لِيَذُوقُوا تَجْدِيدَ العَذابِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: تَبْدِيلُ الجُلُودِ هو إعادَةُ ذَلِكَ الجِلْدِ بِعَيْنِهِ الَّذِي كانَ في الدُنْيا، تَأْكُلُهُ النارُ ويُعِيدُهُ اللهُ دَأبًا لِتَجَدُّدِ العَذابِ، وإنَّما سَمّاهُ تَبْدِيلًا، لِأنَّ أوصافَهُ تَتَغَيَّرُ ثُمَّ يُعادُ، كَما تَقُولُ: "بَدِّلْ مِن خاتَمِي هَذا خاتَمًا". وهي فِضَّتُهُ بِعَيْنِها، فالبَدَلُ إنَّما وقَعَ في تَغْيِيرِ الصِفاتِ. وقالَ ابْنُ عُمَرَ: كُلَّما احْتَرَقَتْ جُلُودُهم بُدِّلُوا جُلُودًا بَيْضاءَ كالقَراطِيسِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: تُبَدَّلُ عَلَيْهِمْ في اليَوْمِ سَبْعِينَ ألْفَ مَرَّةٍ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الجُلُودُ في هَذا المَوْضِعِ سَرابِيلُ القَطْرانِ، سَمّاها جُلُودًا لِلُزُومِها فَصارَتْ كالجُلُودِ، وهي تُبَدَّلُ دَأبًا عافانا اللهُ مِن عَذابِهِ بِرَحْمَتِهِ، حَكاهُ الطَبَرِيُّ.

وحَسُنَ الِاتِّصافُ بَعْدَ هَذِهِ المُقَدِّماتِ بِالعِزَّةِ والإحْكامِ، لِأنَّ اللهَ لا يُغالِبُهُ مُغالِبٌ إلّا غَلَبَهُ اللهُ، ولا يَفْعَلُ شَيْئًا إلّا بِحِكْمَةٍ وإصابَةٍ، لا إلَهَ إلّا هو تَبارَكَ وتَعالى.

ولَمّا ذَكَرَ اللهُ وعِيدَ الكُفّارِ عَقَّبَ بِوَعْدِ المُؤْمِنِينَ بِالجَنَّةِ عَلى الإيمانِ والأعْمالِ الصالِحَةِ، وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ: "سَيُدْخِلُهُمْ" بِالياءِ، وكَذَلِكَ "يُدْخِلُهُمْ" بَعْدَ ذَلِكَ وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ في مَعْنى "مِن تَحْتِها" في [سُورَةِ البَقَرَةِ] و"مُطَهَّرَةٌ" مَعْناهُ: مِنَ الرِيَبِ والأقْذارِ الَّتِي هي مَعْهُوداتٌ في الدُنْيا، و"ظَلِيلًا" مَعْناهُ: عِنْدَ بَعْضِهِمْ: يَقِي الحَرَّ والبَرْدَ، ويَصِحُّ أنْ يُرِيدَ أنَّهُ ظِلٌّ لا يَسْتَحِيلُ ولا يَنْتَقِلُ، كَما يَفْعَلُ ظِلُّ الدُنْيا، فَأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: "ظَلِيلًا" لِذَلِكَ، ويَصِحُّ أنْ يَصِفَهُ بِظَلِيلٍ لِامْتِدادِهِ، فَقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "إنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الراكِبُ الجَوادَ المُضَمَّرَ في ظِلِّها مِائَةَ سَنَةٍ ما يَقْطَعُها".»

58

۞ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحْكُمُوا۟ بِٱلْعَدْلِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعًۢا بَصِيرًۭا

Indeed, Allah commands you to render trusts to whom they are due and when you judge between people to judge with justice. Excellent is that which Allah instructs you. Indeed, Allah is ever Hearing and Seeing.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿إنَّ اللهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ إنَّ اللهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ إنَّ اللهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكم فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللهَ والرَسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾

قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبَ، وابْنُ زَيْدٍ، هَذا خِطابٌ لِوُلاةِ المُسْلِمِينَ خاصَّةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَهُوَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وأُمَرائِهِ، ثُمَّ يَتَناوَلُ مَن بَعْدَهم. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ: ذَلِكَ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ خاصَّةً في أمْرِ مِفْتاحِ الكَعْبَةِ حِينَ أخَذَهُ مِن عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ العَبْدَرِيِّ، ومِنِ ابْنِ عَمِّهِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمانَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، فَطَلَبَهُ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ لِتَنْضافَ لَهُ السِدانَةُ إلى السِقايَةِ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ الكَعْبَةَ فَكَسَرَ ما كانَ فِيها مِنَ الأوثانِ، وأخْرَجَ مَقامَ إبْراهِيمَ، ونَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: وخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وهو يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ، وما كُنْتُ سَمِعْتُها قَبْلُ مِنهُ، فَدَعا عُثْمانَ وشَيْبَةَ فَقالَ لَهُما: « "خُذاها خالِدَةً تالِدَةً لا يَنْزِعُها مِنكم إلّا ظالِمٌ"،» وحَكى مَكِّيُّ أنَّ شَيْبَةَ أرادَ ألّا يَدْفَعَ المِفْتاحَ، ثُمَّ دَفَعَهُ وقالَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: خُذْهُ بِأمانَةِ اللهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

واخْتَلَفَ الرُواةُ في بَعْضِ ألْفاظِ هَذا الخَبَرِ زِيادَةً ونُقْصانًا، إلّا أنَّهُ المَعْنى بِعَيْنِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الآيَةُ في الوُلاةِ بِأنْ يَعِظُوا النِساءَ في النُشُوزِ ونَحْوِهِ، ويَرُدُّوهُنَّ إلى الأزْواجِ، والأظْهَرُ في الآيَةِ أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الناسِ، ومَعَ أنَّ سَبَبَها ما ذَكَرْناهُ فَهي تَتَناوَلُ الوُلاةَ فِيما إلَيْهِمْ مِنَ الأماناتِ في قِسْمَةِ الأمْوالِ، ورَدِّ الظُلاماتِ وعَدْلِ الحُكُوماتِ وغَيْرِهِ، وتَتَناوَلُهم ومَن دُونَهم مِنَ الناسِ في حِفْظِ الوَدائِعِ والتَحَرُّزِ في الشَهاداتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، كالرَجُلِ يَحْكُمُ في نازِلَةٍ ما ونَحْوِهِ، والصَلاةُ والزَكاةُ والصِيامُ وسائِرُ العِباداتِ أماناتٌ لِلَّهِ تَعالى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يُرَخِّصِ اللهُ لِمُوسِرٍ ولا مُعْسِرٍ أنْ يُمْسِكَ الأمانَةَ. وَ"نِعِمّا" أصْلُهُ: نِعْمَ ما، سُكِّنَتِ الأُولى وأُدْغِمَتْ في الثانِيَةِ، وحُرِّكَتِ العَيْنُ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، وخُصَّتْ بِالكَسْرِ إتْباعًا لِلنُّونِ، و"ما" المُرْدَفَةُ عَلى "نِعْمَ" إنَّما هي مُهَيِّئَةٌ لِاتِّصالِ الفِعْلِ بِها، كَما هي في "رُبَّما" و"مِمّا" في قَوْلِهِ: « "وَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِمّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ"» وكَقَوْلِ الشاعِرِ:

؎ وإنّا لَمِمّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً عَلى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِسانَ مِنَ الفَمِ

ونَحْوِهِ، وفي هَذا هي بِمَنزِلَةِ "رُبَّما"، وهي لَها مُخالِفَةٌ في المَعْنى، لِأنَّ "رُبَّما" مَعْناها التَقْلِيلُ، و"مِمّا" مَعْناها التَكْثِيرُ، ومَعَ أنَّ "ما" مُوَطِّئَةٌ فَهي بِمَعْنى "الَّذِي" وما وطَّأتْ إلّا وهي اسْمٌ، ولَكِنَّ القَصْدَ إنَّما هو لِما يَلِيها مِنَ المَعْنى الَّذِي في الفِعْلِ.

وحَسُنَ الِاتِّصافُ بَعْدَ هَذِهِ المُقَدِّماتِ …

59

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَطِيعُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِيعُوا۟ ٱلرَّسُولَ وَأُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَٰزَعْتُمْ فِى شَىْءٍۢ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌۭ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا

O you who have believed, obey Allah and obey the Messenger and those in authority among you. And if you disagree over anything, refer it to Allah and the Messenger, if you should believe in Allah and the Last Day. That is the best [way] and best in result.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿إنَّ اللهَ يَأْمُرُكم أنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهْلِها وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ الناسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ إنَّ اللهَ نِعِمّا يَعِظُكم بِهِ إنَّ اللهَ كانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكم فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللهَ والرَسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾

قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبَ، وابْنُ زَيْدٍ، هَذا خِطابٌ لِوُلاةِ المُسْلِمِينَ خاصَّةً.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَهُوَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ وأُمَرائِهِ، ثُمَّ يَتَناوَلُ مَن بَعْدَهم. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَغَيْرُهُ: ذَلِكَ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ خاصَّةً في أمْرِ مِفْتاحِ الكَعْبَةِ حِينَ أخَذَهُ مِن عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ العَبْدَرِيِّ، ومِنِ ابْنِ عَمِّهِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمانَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، فَطَلَبَهُ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ لِتَنْضافَ لَهُ السِدانَةُ إلى السِقايَةِ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ الكَعْبَةَ فَكَسَرَ ما كانَ فِيها مِنَ الأوثانِ، وأخْرَجَ مَقامَ إبْراهِيمَ، ونَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: وخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وهو يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ، وما كُنْتُ سَمِعْتُها قَبْلُ مِنهُ، فَدَعا عُثْمانَ وشَيْبَةَ فَقالَ لَهُما: « "خُذاها خالِدَةً تالِدَةً لا يَنْزِعُها مِنكم إلّا ظالِمٌ"،» وحَكى مَكِّيُّ أنَّ شَيْبَةَ أرادَ ألّا يَدْفَعَ المِفْتاحَ، ثُمَّ دَفَعَهُ وقالَ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: خُذْهُ بِأمانَةِ اللهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

واخْتَلَفَ الرُواةُ في بَعْضِ ألْفاظِ هَذا الخَبَرِ زِيادَةً ونُقْصانًا، إلّا أنَّهُ المَعْنى بِعَيْنِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الآيَةُ في الوُلاةِ بِأنْ يَعِظُوا النِساءَ في النُشُوزِ ونَحْوِهِ، ويَرُدُّوهُنَّ إلى الأزْواجِ، والأظْهَرُ في الآيَةِ أنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ الناسِ، ومَعَ أنَّ سَبَبَها ما ذَكَرْناهُ فَهي تَتَناوَلُ الوُلاةَ فِيما إلَيْهِمْ مِنَ الأماناتِ في قِسْمَةِ الأمْوالِ، ورَدِّ الظُلاماتِ وعَدْلِ الحُكُوماتِ وغَيْرِهِ، وتَتَناوَلُهم ومَن دُونَهم مِنَ الناسِ في حِفْظِ الوَدائِعِ والتَحَرُّزِ في الشَهاداتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ، كالرَجُلِ يَحْكُمُ في نازِلَةٍ ما ونَحْوِهِ، والصَلاةُ والزَكاةُ والصِيامُ وسائِرُ العِباداتِ أماناتٌ لِلَّهِ تَعالى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمْ يُرَخِّصِ اللهُ لِمُوسِرٍ ولا مُعْسِرٍ أنْ يُمْسِكَ الأمانَةَ. وَ"نِعِمّا" أصْلُهُ: نِعْمَ ما، سُكِّنَتِ الأُولى وأُدْغِمَتْ في الثانِيَةِ، وحُرِّكَتِ العَيْنُ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، وخُصَّتْ بِالكَسْرِ إتْباعًا لِلنُّونِ، و"ما" المُرْدَفَةُ عَلى "نِعْمَ" إنَّما هي مُهَيِّئَةٌ لِاتِّصالِ الفِعْلِ بِها، كَما هي في "رُبَّما" و"مِمّا" في قَوْلِهِ: « "وَكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِمّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ"» وكَقَوْلِ الشاعِرِ:

؎ وإنّا لَمِمّا نَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً عَلى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِسانَ مِنَ الفَمِ

ونَحْوِهِ، وفي هَذا هي بِمَنزِلَةِ "رُبَّما"، وهي لَها مُخالِفَةٌ في المَعْنى، لِأنَّ "رُبَّما" مَعْناها التَقْلِيلُ، و"مِمّا" مَعْناها التَكْثِيرُ، ومَعَ أنَّ "ما" مُوَطِّئَةٌ فَهي بِمَعْنى "الَّذِي" وما وطَّأتْ إلّا وهي اسْمٌ، ولَكِنَّ القَصْدَ إنَّما هو لِما يَلِيها مِنَ المَعْنى الَّذِي في الفِعْلِ.

وحَسُنَ الِاتِّصافُ بَعْدَ هَذِهِ المُقَدِّماتِ …

60

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا۟ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓا۟ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوٓا۟ أَن يَكْفُرُوا۟ بِهِۦ وَيُرِيدُ ٱلشَّيْطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَٰلًۢا بَعِيدًۭا

Have you not seen those who claim to have believed in what was revealed to you, [O Muhammad], and what was revealed before you? They wish to refer legislation to Taghut, while they were commanded to reject it; and Satan wishes to lead them far astray.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالا بَعِيدًا﴾ ﴿وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللهُ وإلى الرَسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عنكَ صُدُودًا﴾

تَقُولُ العَرَبُ: زَعَمَ فُلانٌ كَذا، في الأمْرِ الَّذِي يَضْعُفُ فِيهِ التَحْقِيقُ، وتَتَقَوّى فِيهِ شُبَهُ الإبْطالِ، فَغايَةُ دَرَجَةِ الزَعْمِ إذا قَوِيَ أنْ يَكُونَ مَظْنُونًا. يُقالُ: زَعْمٌ بِفَتْحِ الزايِ، وهو المَصْدَرُ، وزُعْمٌ بِضَمِّها، وهو الِاسْمُ، وكَذَلِكَ زَعْمُ المُنافِقِينَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ هو مِمّا قَوِيَتْ فِيهِ شُبْهَةُ الإبْطالِ لِسُوءِ أفْعالِهِمْ، حَتّى صَحَّحَها الخَبَرُ مِنَ اللهِ تَعالى عنهُمْ، ومِن هَذا قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَجُلِ زَعَمُوا"،» وقَدْ قالَ الأعْشى:

؎ ونُبِّئْتُ قَيْسًا ولَمْ أبْلُهُ كَما زَعَمُوا خَيْرَ أهْلِ اليَمَن

فَقالَ المَمْدُوحُ: وما هو إلّا الزَعْمُ وحَرَمُهُ، وإذا قالَ سِيبَوَيْهِ: "زَعَمَ الخَلِيلُ" فَإنَّما يَسْتَعْمِلُها فِيما انْفَرَدَ الخَلِيلُ بِهِ، وكانَ أقْوى رُتَبِ "زَعَمَ" أنْ تَبْقى مَعَها عُهْدَةُ الخَبَرِ عَلى المُخْبِرِ. و"أنْ" مَعْمُولَةٌ لِـ "يَزْعُمُونَ".

وقالَ عامِرٌ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في مُنافِقٍ اسْمُهُ بِشْرٌ، خاصَمَ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ، فَدَعاهُ اليَهُودِيُّ إلى المُسْلِمِينَ لِعِلْمِهِ أنَّهم لا يَرْتَشُونَ، وكانَ هو يَدْعُو اليَهُودِيَّ إلى اليَهُودِ لِعِلْمِهِ أنَّهم يَرْتَشُونَ، فاتَّفَقا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى أنْ أتَيا كاهِنًا كانَ بِالمَدِينَةِ فَرَضِياهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِما وفي صَنِيعِهِما.

فالَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ هُمُ المُنافِقُونَ، والَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ هُمُ اليَهُودُ، وكُلٌّ قَدْ أُمِرَ في كِتابِهِ بِالكُفْرِ بِالطاغُوتِ، و"الطاغُوتِ" هُنا- الكاهِنُ المَذْكُورُ، فَهَذا تَأْنِيبٌ لِلصِّنْفَيْنِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الطاغُوتُ هُنا هو كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وهو الَّذِي تَراضَيا بِهِ، فَعَلى هَذا إنَّما يُؤَنِّبُ صِنْفَ المُنافِقِينَ وحْدَهُ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ، وبِما أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ بِزَعْمِهِمْ، لِأنَّ اليَهُودَ لَمْ يُؤْمَرُوا في شَرْعِهِمْ بِالكُفْرِ بِالأحْبارِ، وكَعْبٌ مِنهم. وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ كَعْبًا هَذا أصْلُهُ مِن طَيِّئٍ وتَهَوَّدَ. وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في مُؤْمِنٍ ويَهُودِيٍّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتْ في يَهُودِيَّيْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذانِ القَوْلانِ بَعِيدانِ مِنَ الاسْتِقامَةِ عَلى ألْفاظِ الآيَةِ، وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ مِن قُرَيْظَةَ والنَضِيرِ، وذَلِكَ أنَّهم تَفاخَرُوا بِسَبَبِ تَكافُؤِ دِمائِهِمْ، إذْ كانَتِ النَضِيرُ في الجاهِلِيَّةِ تَدِي مَن قَتَلَتْ، وتَسْتَقِيدُ إذا قَتَلَتْ قُرَيْظَةُ مِنهُمْ، فَأبَتْ قُرَيْظَةُ لَمّا جاءَ الإسْلامُ، وطَلَبُوا المُنافَرَةَ، فَدَعا المُؤْمِنُونَ مِنهم إلى النَبِيِّ ﷺ، ودَعا المُنافِقُونَ إلى أبِي بُرْدَةَ الكاهِنِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ. وحَكى الزَجّاجُ: أنَّ المُنافِقَ المُتَقَدِّمَ الذِكْرِ أو غَيْرَهُ اخْتَصَمَ عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ فَقَضى في أمْرِهِ، فَحُرِجَ وقالَ لِخَصْمِهِ: لا أرْضى بِحُكْمِهِ، فَذَهَبا إلى أبِي بَكْرٍ فَقَضى بَيْنَهُما، فَقالَ المُنافِقُ: لا أرْضى، فَذَهَبا إلى عُمَرَ …

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.