Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 41–50 of 176

41

فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍۭ بِشَهِيدٍۢ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًۭا

So how [will it be] when We bring from every nation a witness and we bring you, [O Muhammad] against these [people] as a witness?

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ولا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾

تَقَدَّمَ في الآيَةِ قَبْلَها الإعْلامُ بِتَحْقِيقِ الأحْكامِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَحَسُنَ -بَعْدَ ذَلِكَ- التَنْبِيهُ عَلى الحالَةِ الَّتِي يُحَضَّرُ ذَلِكَ فِيها، ويُجاءُ فِيها بِالشُهَداءِ عَلى الأُمَمِ. ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللهَ يَأْتِي بِالأنْبِياءِ شُهَداءَ عَلى أُمَمِهِمْ بِالتَصْدِيقِ والتَكْذِيبِ، ومَعْنى الأُمَّةِ -فِي هَذِهِ الآيَةِ- غَيْرُ المَعْنى المُتَعارَفِ في إضافَةِ الأُمَمِ إلى الأنْبِياءِ، فَإنَّ المُتَعارَفَ أنْ تُرِيدَ بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ جَمِيعَ مَن آمَنَ بِهِ. وكَذَلِكَ في كُلِّ نَبِيٍّ، وهي هُنا: جَمِيعُ مَن بُعِثَ إلَيْهِ. مَن آمَنَ مِنهم ومَن كَفَرَ. وكَذَلِكَ قالَ المُتَأوِّلُونَ: إنَّ الإشارَةَ "بِهَؤُلاءِ" إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ، وإنَّما خُصَّ كُفّارُ قُرَيْشٍ بِالذِكْرِ لِأنَّ وطْأةَ الوَعِيدِ أشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنها عَلى غَيْرِهِمْ.

"فَكَيْفَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ بِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ في آخِرِ الآيَةِ: تَرى حالَهُمْ، أو يَكُونُونَ، أو نَحْوُهُ، وقالَ مَكِّيٌّ في الهِدايَةِ: "جِئْنا" عامِلٌ في "فَكَيْفَ"، وذَلِكَ خَطَأٌ.

ورُوِيَ « "أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فاضَتْ عَيْناهُ"،» وكَذَلِكَ ذَرَفَتْ عَيْناهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ حِينَ قَرَأها عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ في الحَدِيثِ المَشْهُورِ، وما ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ مِن شَهادَةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ بِتَبْلِيغِ الرُسُلِ، وما جَرى في مَعْنى ذَلِكَ مِنَ القَصَصِ الَّذِي ذَكَرَ مَكِّيٌّ كَسُؤالِ اللَوْحِ المَحْفُوظِ، ثُمَّ إسْرافِيلَ، ثُمَّ جِبْرِيلَ، ثُمَّ الأنْبِياءِ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ آيَتَهُ، وإنَّما آيَتُهُ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى الناسِ﴾ [البقرة: ١٤٣].

وَ"يَوْمَئِذٍ" ظَرْفٌ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ نَصْبُ -يَوْمَ- في هَذا المَوْضِعِ عَلى الظَرْفِ، عَلى أنَّهُ مُعْرَبٌ مَعَ الأسْماءِ غَيْرِ المُتَمَكِّنَةِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى النَصْبِ مَعَ الأسْماءِ غَيْرِ المُتَمَكِّنَةِ، والوُدُّ إنَّما هو في ذَلِكَ اليَوْمِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "تَسَّوّى" عَلى إدْغامِ التاءِ الثانِيَةِ مِن "تَتَسَوّى"، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "تَسَوّى" بِتَخْفِيفِ السِينِ وتَشْدِيدِ الواوِ، عَلى حَذْفِ التاءِ الثانِيَةِ المَذْكُورَةِ، وهُما بِمَعْنىً واحِدٍ، واخْتُلِفَ فِيهِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: تَنْشَقُّ الأرْضُ فَيَحْصُلُونَ فِيها ثُمَّ تَتَسَوّى هي في نَفْسِها عَلَيْهِمْ وبِهِمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ لَوْ تُسَوّى هي مَعَهم في أنْ يَكُونُوا تُرابًا كَآبائِهِمْ، فَجاءَ اللَفْظُ عَلى أنَّ الأرْضَ هي المَسْوِيَّةُ مَعَهُمْ، والمَعْنى إنَّما هو أنَّهم يَسْتَوُونَ مَعَ الأرْضِ، فَفي اللَفْظِ قَلْبٌ يَخْرُجُ عَلى نَحْوِ اللُغَةِ الَّتِي حَكاها سِيبَوَيْهِ: أدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي، وأدْخَلْتُ فَمِي في الحَجَرِ، وما جَرى مَجْراهُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "تُسَوّى" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، فَيَكُونُ اللهُ تَعالى يَفْعَلُ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ المَعْنَيَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: إمالَةُ الفَتْحَةِ إلى الكَسْرَةِ، والألِفِ إلى الياءِ فِي: "تُسَوّى" حَسَنَةٌ.

قالَتْ طائِفَةٌ: مَعْنى الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ لِما …

42

يَوْمَئِذٍۢ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَعَصَوُا۟ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثًۭا

That Day, those who disbelieved and disobeyed the Messenger will wish they could be covered by the earth. And they will not conceal from Allah a [single] statement.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ ولا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾

تَقَدَّمَ في الآيَةِ قَبْلَها الإعْلامُ بِتَحْقِيقِ الأحْكامِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَحَسُنَ -بَعْدَ ذَلِكَ- التَنْبِيهُ عَلى الحالَةِ الَّتِي يُحَضَّرُ ذَلِكَ فِيها، ويُجاءُ فِيها بِالشُهَداءِ عَلى الأُمَمِ. ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ اللهَ يَأْتِي بِالأنْبِياءِ شُهَداءَ عَلى أُمَمِهِمْ بِالتَصْدِيقِ والتَكْذِيبِ، ومَعْنى الأُمَّةِ -فِي هَذِهِ الآيَةِ- غَيْرُ المَعْنى المُتَعارَفِ في إضافَةِ الأُمَمِ إلى الأنْبِياءِ، فَإنَّ المُتَعارَفَ أنْ تُرِيدَ بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ جَمِيعَ مَن آمَنَ بِهِ. وكَذَلِكَ في كُلِّ نَبِيٍّ، وهي هُنا: جَمِيعُ مَن بُعِثَ إلَيْهِ. مَن آمَنَ مِنهم ومَن كَفَرَ. وكَذَلِكَ قالَ المُتَأوِّلُونَ: إنَّ الإشارَةَ "بِهَؤُلاءِ" إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ مِنَ الكُفّارِ، وإنَّما خُصَّ كُفّارُ قُرَيْشٍ بِالذِكْرِ لِأنَّ وطْأةَ الوَعِيدِ أشَدُّ عَلَيْهِمْ مِنها عَلى غَيْرِهِمْ.

"فَكَيْفَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ بِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ في آخِرِ الآيَةِ: تَرى حالَهُمْ، أو يَكُونُونَ، أو نَحْوُهُ، وقالَ مَكِّيٌّ في الهِدايَةِ: "جِئْنا" عامِلٌ في "فَكَيْفَ"، وذَلِكَ خَطَأٌ.

ورُوِيَ « "أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فاضَتْ عَيْناهُ"،» وكَذَلِكَ ذَرَفَتْ عَيْناهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ حِينَ قَرَأها عَلَيْهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ في الحَدِيثِ المَشْهُورِ، وما ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ مِن شَهادَةِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ بِتَبْلِيغِ الرُسُلِ، وما جَرى في مَعْنى ذَلِكَ مِنَ القَصَصِ الَّذِي ذَكَرَ مَكِّيٌّ كَسُؤالِ اللَوْحِ المَحْفُوظِ، ثُمَّ إسْرافِيلَ، ثُمَّ جِبْرِيلَ، ثُمَّ الأنْبِياءِ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ آيَتَهُ، وإنَّما آيَتُهُ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى الناسِ﴾ [البقرة: ١٤٣].

وَ"يَوْمَئِذٍ" ظَرْفٌ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ نَصْبُ -يَوْمَ- في هَذا المَوْضِعِ عَلى الظَرْفِ، عَلى أنَّهُ مُعْرَبٌ مَعَ الأسْماءِ غَيْرِ المُتَمَكِّنَةِ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلى أنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلى النَصْبِ مَعَ الأسْماءِ غَيْرِ المُتَمَكِّنَةِ، والوُدُّ إنَّما هو في ذَلِكَ اليَوْمِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "تَسَّوّى" عَلى إدْغامِ التاءِ الثانِيَةِ مِن "تَتَسَوّى"، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "تَسَوّى" بِتَخْفِيفِ السِينِ وتَشْدِيدِ الواوِ، عَلى حَذْفِ التاءِ الثانِيَةِ المَذْكُورَةِ، وهُما بِمَعْنىً واحِدٍ، واخْتُلِفَ فِيهِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: تَنْشَقُّ الأرْضُ فَيَحْصُلُونَ فِيها ثُمَّ تَتَسَوّى هي في نَفْسِها عَلَيْهِمْ وبِهِمْ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: مَعْناهُ لَوْ تُسَوّى هي مَعَهم في أنْ يَكُونُوا تُرابًا كَآبائِهِمْ، فَجاءَ اللَفْظُ عَلى أنَّ الأرْضَ هي المَسْوِيَّةُ مَعَهُمْ، والمَعْنى إنَّما هو أنَّهم يَسْتَوُونَ مَعَ الأرْضِ، فَفي اللَفْظِ قَلْبٌ يَخْرُجُ عَلى نَحْوِ اللُغَةِ الَّتِي حَكاها سِيبَوَيْهِ: أدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي، وأدْخَلْتُ فَمِي في الحَجَرِ، وما جَرى مَجْراهُ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "تُسَوّى" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، فَيَكُونُ اللهُ تَعالى يَفْعَلُ ذَلِكَ عَلى حَسَبِ المَعْنَيَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: إمالَةُ الفَتْحَةِ إلى الكَسْرَةِ، والألِفِ إلى الياءِ فِي: "تُسَوّى" حَسَنَةٌ.

قالَتْ طائِفَةٌ: مَعْنى الآيَةِ أنَّ الكُفّارَ لِما …

43

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌۭ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًۭا طَيِّبًۭا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا

O you who have believed, do not approach prayer while you are intoxicated until you know what you are saying or in a state of janabah, except those passing through [a place of prayer], until you have washed [your whole body]. And if you are ill or on a journey or one of you comes from the place of relieving himself or you have contacted women and find no water, then seek clean earth and wipe over your faces and your hands [with it]. Indeed, Allah is ever Pardoning and Forgiving.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ولا جُنُبًا إلا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أو عَلى سَفَرٍ أو جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أو لامَسْتُمُ النِساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم إنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾

سَبَبُ النَهْيِ عن قُرْبِ الصَلاةِ في حالِ سُكْرٍ: أنَّ جَماعَةً مِن أصْحابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ شَرِبَتِ الخَمْرَ عِنْدَ أحَدِهِمْ قَبْلَ التَحْرِيمِ، فِيهِمْ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، وعَلِيٌّ، وعَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَحَضَرَتِ الصَلاةُ فَتَقَدَّمَهم عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ فَقَرَأ: ﴿ "قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ"﴾ [الكافرون: ١] فَخَلَطَ فِيها بِأنْ قالَ: "أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ، وأنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ"، فَنَزَلَتِ الآيَةُ، ورُوِيَ أنَّ المُصَلِّيَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ.

وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ المُرادَ سُكْرُ الخَمْرِ، إلّا الضَحّاكَ فَإنَّهُ قالَ: إنَّما المُرادُ سُكْرُ النَوْمِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا ضَعِيفٌ.

والخِطابُ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ الصالِحِينَ، وأمّا السَكْرانُ -إذا عَدِمَ المَيْزَ لِسُكْرِهِ- فَلَيْسَ بِمُخاطَبٍ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وإنَّما هو مُخاطَبٌ إذا صَحا بِامْتِثالِ ما يَجِبُ عَلَيْهِ، وبِتَكْفِيرِ ما ضاعَ في وقْتِ سُكْرِهِ مِنَ الأحْكامِ الَّتِي تَقَرَّرَ تَكْلِيفُهُ إيّاها قَبْلَ السُكْرِ، ولَيْسَ في هَذا تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الناسِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "سَكارى" جَمْعَ: سَكْرانٍ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سَكْرى" بِفَتْحِ السِينِ، عَلى مِثالِ: فَعْلى، وقَرَأ الأعْمَشُ: "سُكْرى" بِضَمِّ السِينِ وسُكُونِ الكافِ عَلى مِثالِ: فُعْلى، وقَرَأ النَخْعِيُّ: "سَكْرى" بِفَتْحِ السِينِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: هو تَكْسِيرُ "سَكْرانَ" عَلى "سَكْرى"، كَما قالُوا: رَوْبى نِيامًا، وكَقَوْلِهِمْ: هَلْكى ومَيْدى في جَمْعِ: هالِكٍ ومائِدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمُؤَنَّثَةٍ واحِدَةٍ، كَأنَّ المَعْنى: وأنْتُمْ جَماعَةٌ سَكْرى. وأمّا "سُكْرى" بِضَمِّ السِينِ فَصِفَةٌ لِواحِدَةٍ، كَحُبْلى، والسُكْرُ: انْسِدادُ الفَهْمِ، ومِنهُ: سَكِرْتُ الماءَ إذا سَدَدْتَ طَرِيقَهُ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: الصَلاةُ هُنا- العِبادَةُ المَعْرُوفَةُ حَسَبَ السَبَبِ في نُزُولِ الآيَةِ. وقالَتْ طائِفَةٌ: الصَلاةُ -هُنا- المُرادُ بِها مَوْضِعُ الصَلاةِ والصَلاةُ مَعًا، لِأنَّهم كانُوا حِينَئِذٍ لا يَأْتُونَ المَسْجِدَ إلّا لِلصَّلاةِ، ولا يُصَلُّونَ إلّا مُجْتَمِعِينَ، فَكانا مُتَلازِمَيْنِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وإنَّما احْتِيجَ إلى هَذا الخِلافِ بِحَسَبِ ما يَأْتِي فِي: "عابِرِي السَبِيلِ".

ويَظْهَرُ مِن قَوْلِهِ: "حَتّى تَعْلَمُوا" أنَّ السَكْرانَ لا يَعْلَمُ ما يَقُولُ، ولِذَلِكَ قالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ وغَيْرُهُ: إنَّ السَكْرانَ لا يَلْزَمُهُ طَلاقُهُ، فَأسْقَطَ عنهُ أحْكامَ القَوْلِ، لِهَذا، ولِقَوْلِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِلَّذِي أقَرَّ بِالزِنى: « "أسَكْرانٌ أنْتَ"؟» فَمَعْناهُ: أنَّهُ لَوْ كانَ سَكْرانًا لَمْ يَلْزَمْهُ الإقْرارُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وبَيْنَ طَلاقِ السَكْرانِ وإقْرارِهِ بِالزِنى فَرْقٌ، وذَلِكَ أنَّ الطَلاقَ والإقْرارَ بِالمالِ والقَذْفَ، وما أشْبَهَ هَذا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُقُوقُ الغَيْرِ مِنَ الآدَمِيِّينَ، فَيُتَّهَمُ السَكْرانُ إنِ ادَّعى أنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ، ويُحْكَمُ عَلَيْهِ حُكْمُ …

44

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يَشْتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا۟ ٱلسَّبِيلَ

Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, purchasing error [in exchange for it] and wishing you would lose the way?

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَلالَةَ ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَبِيلَ﴾ ﴿واللهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكم وكَفى بِاللهِ ولِيًّا وكَفى بِاللهِ نَصِيرًا﴾ ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عن مَواضِعِهِ ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعِنا لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ وطَعْنًا في الدِينِ ولَوْ أنَّهم قالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا واسْمَعْ وانْظُرْنا لَكانَ خَيْرًا لَهم وأقْوَمَ ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا﴾

الرُؤْيَةُ في قَوْلِهِ "ألَمْ تَرَ" مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، وهي عِلْمٌ بِالشَيْءِ. وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: ألَمْ تَعْلَمْ. وقالَ آخَرُونَ: ألَمْ تُخْبَرْ، وهَذا كُلُّهُ يَتَقارَبُ. والرُؤْيَةُ بِالقَلْبِ تَصِلُ بِحَرْفِ الجَرِّ، وبِغَيْرِ حَرْفِ الجَرِّ. والمُرادُ بِـ "الَّذِينَ": اليَهُودُ، قالَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، ثُمَّ اللَفْظُ يَتَناوَلُ مَعَهُمُ النَصارى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في رِفاعَةِ بْنِ زَيْدِ بْنِ التابُوتِ اليَهُودِيِّ.

و"أُوتُوا" أُعْطُوا، والنَصِيبُ: الحَظُّ، والكِتابُ: التَوْراةُ والإنْجِيلُ، وإنَّما جُعِلَ المُعْطى نَصِيبًا في حَقِّ كُلِّ واحِدٍ مُنْفَرِدٍ لِأنَّهُ لا يَحْصُرُ عِلْمَ الكِتابِ واحِدٌ بِوَجْهٍ.

و"يَشْتَرُونَ" عِبارَةٌ عن إيثارِهِمُ الكُفْرَ وتَرْكِهِمُ الإيمانَ، فَكَأنَّهُ أخْذٌ وإعْطاءٌ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ الَّذِينَ كانُوا يُعْطُونَ أمْوالَهم لِلْأحْبارِ عَلى إقامَةِ شَرْعِهِمْ، فَهَذا شِراءٌ عَلى وجْهِهِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ.

﴿وَيُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَبِيلَ﴾، مَعْناهُ: أنْ تَكْفُرُوا، وقَرَأ النَخْعِيُّ: "وَتُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَبِيلَ" بِالتاءِ مَنقُوطَةً مِن فَوْقٍ في "تُرِيدُونَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها تَقْتَضِي تَوْبِيخًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى اسْتِنامَةِ قَوْمٍ مِنهم إلى أحْبارِ اليَهُودِ، في سُؤالٍ عن دِينٍ، أو في مُوالاةٍ أو ما أشْبَهَ ذَلِكَ، وهَذا بَيِّنٌ في ألْفاظِها، فَمِن ذَلِكَ: ﴿وَيُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا﴾، أيْ: تَدَعُوا الصَوابَ في اجْتِنابِهِمْ، وتَحْسَبُوهم غَيْرَ أعْداءٍ، واللهُ أعْلَمُ بِهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿واللهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكُمْ﴾ خَبَرٌ في ضِمْنِهِ التَحْذِيرُ مِنهُمْ، و"بِاللهِ" في قَوْلِهِ: "وَكَفى بِاللهِ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِتَقْدِيرِ زِيادَةِ الخافِضِ، وفائِدَةُ زِيادَتِهِ تَبْيِينُ مَعْنى الأمْرِ فِي لَفْظِ الخَبَرِ، أيِ: اكْتَفُوا بِاللهِ، فالباءُ تَدُلُّ عَلى المُرادِ مِن ذَلِكَ، "وَلِيًّا" فَعِيلًا، و"نَصِيرًا" كَذَلِكَ، مِنَ الوِلايَةِ والنَصْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "مِنَ" راجِعَةٌ عَلى "الَّذِينَ" الأُولى، فَهي -عَلى هَذا- مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "تَرَ". وقالَتْ طائِفَةٌ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "نَصِيرًا" والمَعْنى: يَنْصُرُكم مِنَ الَّذِينَ هادُوا، فَعَلى هَذَيْنَ التَأْوِيلَيْنِ لا يُوقَفُ في قَوْلِهِ: "نَصِيرًا". وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي لِابْتِداءِ الكَلامِ، وفِيهِ إضْمارٌ تَقْدِيرُهُ: يُحَرِّفُونَ، هَذا مَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ كانَتْ مِن جِمالِ أبِي أُقَيْشٍ يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بِشَنِّ

وقالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: تَقْدِيرُهُ: "مَن"، ومِثْلُهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:

فَظَلُّوا ومِنهم دَمْعُهُ سابِقٌ لَهُ ∗∗∗ وآخَرُ يَثْنِي دَمْعَةَ العَيْنِ بِاليَدِ

فَعَلى هَذا التَأْوِيلِ يُوقَفُ في قَوْلِهِ: "نَصِيرًا"، وقَوْلُ سِيبَوَيْهِ أصْوَبُ، لِأنَّ إضْمارَ المَوْصُولِ …

45

وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَآئِكُمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيًّۭا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرًۭا

And Allah is most knowing of your enemies; and sufficient is Allah as an ally, and sufficient is Allah as a helper.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَلالَةَ ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَبِيلَ﴾ ﴿واللهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكم وكَفى بِاللهِ ولِيًّا وكَفى بِاللهِ نَصِيرًا﴾ ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عن مَواضِعِهِ ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعِنا لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ وطَعْنًا في الدِينِ ولَوْ أنَّهم قالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا واسْمَعْ وانْظُرْنا لَكانَ خَيْرًا لَهم وأقْوَمَ ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا﴾

الرُؤْيَةُ في قَوْلِهِ "ألَمْ تَرَ" مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، وهي عِلْمٌ بِالشَيْءِ. وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: ألَمْ تَعْلَمْ. وقالَ آخَرُونَ: ألَمْ تُخْبَرْ، وهَذا كُلُّهُ يَتَقارَبُ. والرُؤْيَةُ بِالقَلْبِ تَصِلُ بِحَرْفِ الجَرِّ، وبِغَيْرِ حَرْفِ الجَرِّ. والمُرادُ بِـ "الَّذِينَ": اليَهُودُ، قالَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، ثُمَّ اللَفْظُ يَتَناوَلُ مَعَهُمُ النَصارى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في رِفاعَةِ بْنِ زَيْدِ بْنِ التابُوتِ اليَهُودِيِّ.

و"أُوتُوا" أُعْطُوا، والنَصِيبُ: الحَظُّ، والكِتابُ: التَوْراةُ والإنْجِيلُ، وإنَّما جُعِلَ المُعْطى نَصِيبًا في حَقِّ كُلِّ واحِدٍ مُنْفَرِدٍ لِأنَّهُ لا يَحْصُرُ عِلْمَ الكِتابِ واحِدٌ بِوَجْهٍ.

و"يَشْتَرُونَ" عِبارَةٌ عن إيثارِهِمُ الكُفْرَ وتَرْكِهِمُ الإيمانَ، فَكَأنَّهُ أخْذٌ وإعْطاءٌ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ الَّذِينَ كانُوا يُعْطُونَ أمْوالَهم لِلْأحْبارِ عَلى إقامَةِ شَرْعِهِمْ، فَهَذا شِراءٌ عَلى وجْهِهِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ.

﴿وَيُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَبِيلَ﴾، مَعْناهُ: أنْ تَكْفُرُوا، وقَرَأ النَخْعِيُّ: "وَتُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَبِيلَ" بِالتاءِ مَنقُوطَةً مِن فَوْقٍ في "تُرِيدُونَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها تَقْتَضِي تَوْبِيخًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى اسْتِنامَةِ قَوْمٍ مِنهم إلى أحْبارِ اليَهُودِ، في سُؤالٍ عن دِينٍ، أو في مُوالاةٍ أو ما أشْبَهَ ذَلِكَ، وهَذا بَيِّنٌ في ألْفاظِها، فَمِن ذَلِكَ: ﴿وَيُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا﴾، أيْ: تَدَعُوا الصَوابَ في اجْتِنابِهِمْ، وتَحْسَبُوهم غَيْرَ أعْداءٍ، واللهُ أعْلَمُ بِهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿واللهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكُمْ﴾ خَبَرٌ في ضِمْنِهِ التَحْذِيرُ مِنهُمْ، و"بِاللهِ" في قَوْلِهِ: "وَكَفى بِاللهِ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِتَقْدِيرِ زِيادَةِ الخافِضِ، وفائِدَةُ زِيادَتِهِ تَبْيِينُ مَعْنى الأمْرِ فِي لَفْظِ الخَبَرِ، أيِ: اكْتَفُوا بِاللهِ، فالباءُ تَدُلُّ عَلى المُرادِ مِن ذَلِكَ، "وَلِيًّا" فَعِيلًا، و"نَصِيرًا" كَذَلِكَ، مِنَ الوِلايَةِ والنَصْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "مِنَ" راجِعَةٌ عَلى "الَّذِينَ" الأُولى، فَهي -عَلى هَذا- مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "تَرَ". وقالَتْ طائِفَةٌ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "نَصِيرًا" والمَعْنى: يَنْصُرُكم مِنَ الَّذِينَ هادُوا، فَعَلى هَذَيْنَ التَأْوِيلَيْنِ لا يُوقَفُ في قَوْلِهِ: "نَصِيرًا". وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي لِابْتِداءِ الكَلامِ، وفِيهِ إضْمارٌ تَقْدِيرُهُ: يُحَرِّفُونَ، هَذا مَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ كانَتْ مِن جِمالِ أبِي أُقَيْشٍ يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بِشَنِّ

وقالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: تَقْدِيرُهُ: "مَن"، ومِثْلُهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:

فَظَلُّوا ومِنهم دَمْعُهُ سابِقٌ لَهُ ∗∗∗ وآخَرُ يَثْنِي دَمْعَةَ العَيْنِ بِاليَدِ

فَعَلى هَذا التَأْوِيلِ يُوقَفُ في قَوْلِهِ: "نَصِيرًا"، وقَوْلُ سِيبَوَيْهِ أصْوَبُ، لِأنَّ إضْمارَ المَوْصُولِ …

46

مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍۢ وَرَٰعِنَا لَيًّۢا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًۭا فِى ٱلدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًۭا

Among the Jews are those who distort words from their [proper] usages and say, "We hear and disobey" and "Hear but be not heard" and "Ra'ina," twisting their tongues and defaming the religion. And if they had said [instead], "We hear and obey" and "Wait for us [to understand]," it would have been better for them and more suitable. But Allah has cursed them for their disbelief, so they believe not, except for a few.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَلالَةَ ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَبِيلَ﴾ ﴿واللهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكم وكَفى بِاللهِ ولِيًّا وكَفى بِاللهِ نَصِيرًا﴾ ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عن مَواضِعِهِ ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعِنا لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ وطَعْنًا في الدِينِ ولَوْ أنَّهم قالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا واسْمَعْ وانْظُرْنا لَكانَ خَيْرًا لَهم وأقْوَمَ ولَكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلا قَلِيلا﴾

الرُؤْيَةُ في قَوْلِهِ "ألَمْ تَرَ" مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، وهي عِلْمٌ بِالشَيْءِ. وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ: ألَمْ تَعْلَمْ. وقالَ آخَرُونَ: ألَمْ تُخْبَرْ، وهَذا كُلُّهُ يَتَقارَبُ. والرُؤْيَةُ بِالقَلْبِ تَصِلُ بِحَرْفِ الجَرِّ، وبِغَيْرِ حَرْفِ الجَرِّ. والمُرادُ بِـ "الَّذِينَ": اليَهُودُ، قالَهُ قَتادَةُ وغَيْرُهُ، ثُمَّ اللَفْظُ يَتَناوَلُ مَعَهُمُ النَصارى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في رِفاعَةِ بْنِ زَيْدِ بْنِ التابُوتِ اليَهُودِيِّ.

و"أُوتُوا" أُعْطُوا، والنَصِيبُ: الحَظُّ، والكِتابُ: التَوْراةُ والإنْجِيلُ، وإنَّما جُعِلَ المُعْطى نَصِيبًا في حَقِّ كُلِّ واحِدٍ مُنْفَرِدٍ لِأنَّهُ لا يَحْصُرُ عِلْمَ الكِتابِ واحِدٌ بِوَجْهٍ.

و"يَشْتَرُونَ" عِبارَةٌ عن إيثارِهِمُ الكُفْرَ وتَرْكِهِمُ الإيمانَ، فَكَأنَّهُ أخْذٌ وإعْطاءٌ، هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ الَّذِينَ كانُوا يُعْطُونَ أمْوالَهم لِلْأحْبارِ عَلى إقامَةِ شَرْعِهِمْ، فَهَذا شِراءٌ عَلى وجْهِهِ عَلى هَذا التَأْوِيلِ.

﴿وَيُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَبِيلَ﴾، مَعْناهُ: أنْ تَكْفُرُوا، وقَرَأ النَخْعِيُّ: "وَتُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَبِيلَ" بِالتاءِ مَنقُوطَةً مِن فَوْقٍ في "تُرِيدُونَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذِهِ الآيَةُ وما بَعْدَها تَقْتَضِي تَوْبِيخًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى اسْتِنامَةِ قَوْمٍ مِنهم إلى أحْبارِ اليَهُودِ، في سُؤالٍ عن دِينٍ، أو في مُوالاةٍ أو ما أشْبَهَ ذَلِكَ، وهَذا بَيِّنٌ في ألْفاظِها، فَمِن ذَلِكَ: ﴿وَيُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا﴾، أيْ: تَدَعُوا الصَوابَ في اجْتِنابِهِمْ، وتَحْسَبُوهم غَيْرَ أعْداءٍ، واللهُ أعْلَمُ بِهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿واللهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكُمْ﴾ خَبَرٌ في ضِمْنِهِ التَحْذِيرُ مِنهُمْ، و"بِاللهِ" في قَوْلِهِ: "وَكَفى بِاللهِ" في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِتَقْدِيرِ زِيادَةِ الخافِضِ، وفائِدَةُ زِيادَتِهِ تَبْيِينُ مَعْنى الأمْرِ فِي لَفْظِ الخَبَرِ، أيِ: اكْتَفُوا بِاللهِ، فالباءُ تَدُلُّ عَلى المُرادِ مِن ذَلِكَ، "وَلِيًّا" فَعِيلًا، و"نَصِيرًا" كَذَلِكَ، مِنَ الوِلايَةِ والنَصْرِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: "مِنَ" راجِعَةٌ عَلى "الَّذِينَ" الأُولى، فَهي -عَلى هَذا- مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "تَرَ". وقالَتْ طائِفَةٌ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "نَصِيرًا" والمَعْنى: يَنْصُرُكم مِنَ الَّذِينَ هادُوا، فَعَلى هَذَيْنَ التَأْوِيلَيْنِ لا يُوقَفُ في قَوْلِهِ: "نَصِيرًا". وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي لِابْتِداءِ الكَلامِ، وفِيهِ إضْمارٌ تَقْدِيرُهُ: يُحَرِّفُونَ، هَذا مَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ كانَتْ مِن جِمالِ أبِي أُقَيْشٍ يُقَعْقَعُ خَلْفَ رِجْلَيْهِ بِشَنِّ

وقالَ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ: تَقْدِيرُهُ: "مَن"، ومِثْلُهُ قَوْلُ ذِي الرُمَّةِ:

فَظَلُّوا ومِنهم دَمْعُهُ سابِقٌ لَهُ ∗∗∗ وآخَرُ يَثْنِي دَمْعَةَ العَيْنِ بِاليَدِ

فَعَلى هَذا التَأْوِيلِ يُوقَفُ في قَوْلِهِ: "نَصِيرًا"، وقَوْلُ سِيبَوَيْهِ أصْوَبُ، لِأنَّ إضْمارَ المَوْصُولِ …

47

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ ءَامِنُوا۟ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًۭا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَٰبَ ٱلسَّبْتِ ۚ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولًا

O you who were given the Scripture, believe in what We have sent down [to Muhammad], confirming that which is with you, before We obliterate faces and turn them toward their backs or curse them as We cursed the sabbath-breakers. And ever is the decree of Allah accomplished.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكم مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها أو نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَبْتِ وكانَ أمْرُ اللهِ مَفْعُولا﴾ ﴿إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرَكَ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾

هَذا خِطابٌ لِلْيَهُودِ والنَصارى، و"لِما مَعَكُمْ" مَعْناهُ: مِن شَرْعٍ ومِلَّةٍ، لا لِما كانَ مَعَهم مِن مُبَدَّلٍ ومُغَيَّرٍ.

والطامِسُ: الداثِرُ المُغَيَّرُ الأعْلامِ، كَما قالَ ذُو الرُمَّةِ:

؎ مِن كُلِّ نَضّاخَةِ الذِفْرى إذا عَرِقَتْ عُرْضَتُها طامِسُ الأعْلامِ مَجْهُولُ

ومِن ذَلِكَ قِيلَ لِلْأعْمى المَسْدُودَةِ عَيْناهُ: أعْمى مَطْمُوسٌ. وقالَتْ طائِفَةٌ: طَمْسُ الوُجُوهِ هُنا: أنْ تُعَفّى أثَرُ الحَواسِّ فِيها، وتُزالَ الخِلْقَةُ مِنها، فَيَرْجِعَ كَسائِرِ الأعْضاءِ في الخُلُوِّ مِن أعْضاءِ الحَواسِّ، فَيَكُونَ الرَدُّ عَلى الأدْبارِ في هَذا المَوْضِعِ بِالمَعْنى، أيْ: خُلُوُّهُ مِنَ الحَواسِّ دُبْرًا لِكَوْنِهِ عامِرًا بِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: طَمْسُ الوُجُوهِ أنْ تُزالَ العَيْنانِ خاصَّةً مِنها، وتُرَدَّ العَيْنانِ في القَفا، فَيَكُونَ ذَلِكَ رَدًّا عَلى الدُبُرِ، ويَمْشِي القَهْقَرى. وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ: أنَّ طَمْسَ الوُجُوهِ أنْ تَتَغَيَّرَ أعْلامُها وتَصِيرَ مَنابِتَ لِلشَّعْرِ، فَذَلِكَ هو الرَدُّ عَلى الدُبُرِ، ورَدَّ عَلى هَذا القَوْلِ الطَبَرِيُّ. وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: كانَ أوَّلُ إسْلامِ كَعْبٍ أنَّهُ مَرَّ بِرَجُلٍ مِنَ اللَيْلِ وهو يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ فَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلى وجْهِهِ، ورَجَعَ القَهْقَرى إلى بَيْتِهِ، فَأسْلَمَ مَكانَهُ، وقالَ: واللهِ لَقَدْ خِفْتُ ألّا أبْلُغَ بَيْتِي حَتّى يُطْمَسَ وجْهِي. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، والسُدِّيُّ، والضَحّاكُ: ذَلِكَ تَجَوُّزٌ، وإنَّما المُرادُ بِهِ وُجُوهُ الهُدى والرُشْدِ، وطَمْسُها: حَتْمُ الإضْلالِ والصَدُّ عنها والتَصْيِيرُ إلى الكُفْرِ، وهو الرَدُّ عَلى الأدْبارِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الوُجُوهُ هي أوطانُهم وسُكْناهم في بِلادِهِمُ الَّتِي خَرَجُوا إلَيْها، وطَمْسُها: إخْراجُهم مِنها، والرَدُّ عَلى الأدْبارِ: هو رُجُوعُهم إلى الشامِ مِن حَيْثُ أتَوْا أوَّلًا.

و"أصْحابَ السَبْتِ" هم أهْلُ أيْلَةَ الَّذِينَ اعْتَدَوْا في السَبْتِ في الصَيْدِ حَسْبَما تَقَدَّمَ، وكانَتْ لَعْنَتُهم أنْ مُسِخُوا خَنازِيرَ وقِرَدَةً، قالَهُ قَتادَةُ، والحَسَنُ، والسُدِّيُّ.

و"أمْرُ اللهِ" في هَذا المَوْضِعِ: واحِدُ الأُمُورِ، دالٌّ عَلى جِنْسِها، لا واحِدُ الأوامِرِ، فَهي عِبارَةٌ عَنِ المَخْلُوقاتِ كالعَذابِ واللَعْنَةِ هُنا، أو ما اقْتَضاهُ كُلُّ مَوْضِعٍ مِمّا يَخْتَصُّ بِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةُ. هَذِهِ مَسْألَةُ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وتَلْخِيصُ الكَلامِ فِيها أنْ يُقالَ: الناسُ أرْبَعَةُ أصْنافٍ: كافِرٌ ماتَ عَلى كُفْرِهِ فَهَذا مُخَلَّدٌ في النارِ بِإجْماعٍ. ومُؤْمِنٌ مُحْسِنٌ لَمْ يُذْنِبْ قَطُّ وماتَ عَلى ذَلِكَ، فَهَذا في الجَنَّةِ مَحْتُومٌ عَلَيْهِ حَسَبَ الخَبَرِ مِنَ اللهِ تَعالى بِإجْماعٍ، وتائِبٌ ماتَ عَلى تَوْبَتِهِ فَهو عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ وجُمْهُورِ فُقَهاءِ الأُمَّةِ لاحِقٌ بِالمُؤْمِنِ المُحْسِنِ، إلّا أنَّ قانُونَ المُتَكَلِّمِينَ أنَّهُ في المَشِيئَةِ. ومُذْنِبٌ ماتَ قَبْلَ تَوْبَتِهِ، فَهَذا مَوْضِعُ الخِلافِ، فَقالَتِ …

48

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا

Indeed, Allah does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allah has certainly fabricated a tremendous sin.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكم مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها أو نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَبْتِ وكانَ أمْرُ اللهِ مَفْعُولا﴾ ﴿إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ ومَن يُشْرَكَ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرى إثْمًا عَظِيمًا﴾

هَذا خِطابٌ لِلْيَهُودِ والنَصارى، و"لِما مَعَكُمْ" مَعْناهُ: مِن شَرْعٍ ومِلَّةٍ، لا لِما كانَ مَعَهم مِن مُبَدَّلٍ ومُغَيَّرٍ.

والطامِسُ: الداثِرُ المُغَيَّرُ الأعْلامِ، كَما قالَ ذُو الرُمَّةِ:

؎ مِن كُلِّ نَضّاخَةِ الذِفْرى إذا عَرِقَتْ عُرْضَتُها طامِسُ الأعْلامِ مَجْهُولُ

ومِن ذَلِكَ قِيلَ لِلْأعْمى المَسْدُودَةِ عَيْناهُ: أعْمى مَطْمُوسٌ. وقالَتْ طائِفَةٌ: طَمْسُ الوُجُوهِ هُنا: أنْ تُعَفّى أثَرُ الحَواسِّ فِيها، وتُزالَ الخِلْقَةُ مِنها، فَيَرْجِعَ كَسائِرِ الأعْضاءِ في الخُلُوِّ مِن أعْضاءِ الحَواسِّ، فَيَكُونَ الرَدُّ عَلى الأدْبارِ في هَذا المَوْضِعِ بِالمَعْنى، أيْ: خُلُوُّهُ مِنَ الحَواسِّ دُبْرًا لِكَوْنِهِ عامِرًا بِها، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: طَمْسُ الوُجُوهِ أنْ تُزالَ العَيْنانِ خاصَّةً مِنها، وتُرَدَّ العَيْنانِ في القَفا، فَيَكُونَ ذَلِكَ رَدًّا عَلى الدُبُرِ، ويَمْشِي القَهْقَرى. وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ: أنَّ طَمْسَ الوُجُوهِ أنْ تَتَغَيَّرَ أعْلامُها وتَصِيرَ مَنابِتَ لِلشَّعْرِ، فَذَلِكَ هو الرَدُّ عَلى الدُبُرِ، ورَدَّ عَلى هَذا القَوْلِ الطَبَرِيُّ. وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: كانَ أوَّلُ إسْلامِ كَعْبٍ أنَّهُ مَرَّ بِرَجُلٍ مِنَ اللَيْلِ وهو يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ فَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلى وجْهِهِ، ورَجَعَ القَهْقَرى إلى بَيْتِهِ، فَأسْلَمَ مَكانَهُ، وقالَ: واللهِ لَقَدْ خِفْتُ ألّا أبْلُغَ بَيْتِي حَتّى يُطْمَسَ وجْهِي. وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ، والسُدِّيُّ، والضَحّاكُ: ذَلِكَ تَجَوُّزٌ، وإنَّما المُرادُ بِهِ وُجُوهُ الهُدى والرُشْدِ، وطَمْسُها: حَتْمُ الإضْلالِ والصَدُّ عنها والتَصْيِيرُ إلى الكُفْرِ، وهو الرَدُّ عَلى الأدْبارِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الوُجُوهُ هي أوطانُهم وسُكْناهم في بِلادِهِمُ الَّتِي خَرَجُوا إلَيْها، وطَمْسُها: إخْراجُهم مِنها، والرَدُّ عَلى الأدْبارِ: هو رُجُوعُهم إلى الشامِ مِن حَيْثُ أتَوْا أوَّلًا.

و"أصْحابَ السَبْتِ" هم أهْلُ أيْلَةَ الَّذِينَ اعْتَدَوْا في السَبْتِ في الصَيْدِ حَسْبَما تَقَدَّمَ، وكانَتْ لَعْنَتُهم أنْ مُسِخُوا خَنازِيرَ وقِرَدَةً، قالَهُ قَتادَةُ، والحَسَنُ، والسُدِّيُّ.

و"أمْرُ اللهِ" في هَذا المَوْضِعِ: واحِدُ الأُمُورِ، دالٌّ عَلى جِنْسِها، لا واحِدُ الأوامِرِ، فَهي عِبارَةٌ عَنِ المَخْلُوقاتِ كالعَذابِ واللَعْنَةِ هُنا، أو ما اقْتَضاهُ كُلُّ مَوْضِعٍ مِمّا يَخْتَصُّ بِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةُ. هَذِهِ مَسْألَةُ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وتَلْخِيصُ الكَلامِ فِيها أنْ يُقالَ: الناسُ أرْبَعَةُ أصْنافٍ: كافِرٌ ماتَ عَلى كُفْرِهِ فَهَذا مُخَلَّدٌ في النارِ بِإجْماعٍ. ومُؤْمِنٌ مُحْسِنٌ لَمْ يُذْنِبْ قَطُّ وماتَ عَلى ذَلِكَ، فَهَذا في الجَنَّةِ مَحْتُومٌ عَلَيْهِ حَسَبَ الخَبَرِ مِنَ اللهِ تَعالى بِإجْماعٍ، وتائِبٌ ماتَ عَلى تَوْبَتِهِ فَهو عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ وجُمْهُورِ فُقَهاءِ الأُمَّةِ لاحِقٌ بِالمُؤْمِنِ المُحْسِنِ، إلّا أنَّ قانُونَ المُتَكَلِّمِينَ أنَّهُ في المَشِيئَةِ. ومُذْنِبٌ ماتَ قَبْلَ تَوْبَتِهِ، فَهَذا مَوْضِعُ الخِلافِ، فَقالَتِ …

49

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم ۚ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا

Have you not seen those who claim themselves to be pure? Rather, Allah purifies whom He wills, and injustice is not done to them, [even] as much as a thread [inside a date seed].

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطاغُوتِ ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ ومَن يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾

هَذا لَفْظٌ عامٌّ في ظاهِرِهِ، ولَمْ يَخْتَلِفْ أحَدٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ في أنَّ المُرادَ اليَهُودُ، واخْتُلِفَ في المَعْنى الَّذِي بِهِ زَكُّوا أنْفُسَهم، فَقالَ قَتادَةُ، والحَسَنُ: ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقَوْلُهُمْ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا﴾ [البقرة: ١١١].وَقالَ الضَحّاكُ، والسُدِّيُّ: ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: لا ذُنُوبَ لَنا وما فَعَلْناهُ نَهارًا غُفِرَ لَيْلًا، وما فَعَلْناهُ لَيْلًا غُفِرَ نَهارًا، ونَحْنُ كالأطْفالِ في عَدَمِ الذُنُوبِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وأبُو مالِكٍ، وعِكْرِمَةُ: تَقْدِيمُهم أولادَهُمُ الصِغارَ لِلصَّلاةِ لِأنَّهم لا ذُنُوبَ لَهم.

قالَ المُؤَلِّفُ: وهَذا يَبْعُدُ مِن مَقْصِدِ الآيَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: أبْناؤُنا الَّذِينَ ماتُوا يَشْفَعُونَ لَنا، ويُزَكُّونَنا، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: ذَلِكَ ثَناءُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، ومَدْحُهم لَهم وتَزْكِيَتُهم لَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَتَقْتَضِي هَذِهِ الآيَةُ الغَضَّ مِنَ المُزَكِّي لِنَفْسِهِ بِلِسانِهِ، والإعْلامَ بِأنَّ الزاكِيَ المُزَكّى مَن حَسُنَتْ أفْعالُهُ، وزَكّاهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ، والضَمِيرُ فِي: "يُزَكُّونَ" عائِدٌ عَلى المَذْكُورِينَ مِمَّنْ زَكّى نَفْسَهُ، أو مِمَّنْ يُزَكِّيهِ اللهُ تَعالى، وغَيْرُ هَذَيْنِ الصِنْفَيْنِ عُلِمَ أنَّ اللهَ تَعالى لا يَظْلِمُهم مِن غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.

وقَرَأتْ طائِفَةٌ "وَلا تُظْلَمُونَ" بِالتاءِ عَلى الخِطابِ.

والفَتِيلُ: هو ما فُتِلَ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ، وَمُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمُ: الفَتِيلُ: الخَيْطُ الَّذِي في شِقِّ نَواةِ التَمْرَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وأبُو مالِكٍ، والسُدِّيُّ: هو ما خَرَجَ مِن بَيْنِ إصْبَعَيْكَ أو كَفَّيْكَ إذا فَتَلْتَهُما، وهَذا كُلُّهُ يَرْجِعُ إلى الكِنايَةِ عن تَحْقِيرِ الشَيْءِ وتَصْغِيرِهِ، وأنَّ اللهَ لا يَظْلِمُهُ، ولا شَيْءَ دُونَهُ في الصِغَرِ، فَكَيْفَ بِما فَوْقَهُ. ونَصْبُهُ عَلى مَفْعُولٍ ثانٍ بِـ "يُظْلَمُونَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ﴾ الآيَةُ، يُبَيِّنُ أنَّ تَزْكِيَتَهم أنْفُسَهم كانَتْ بِالباطِلِ والكَذِبِ، ويُقَوِّي أنَّ التَزْكِيَةَ كانَتْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] إذِ الافْتِراءُ في هَذِهِ المَقالَةِ أمْكَنُ.

و"كَيْفَ" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "يَفْتَرُونَ"، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ: "يَفْتَرُونَ".

و"وَكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا" خَبَرٌ في مُضَمَّنِهِ تَعَجُّبٌ وتَعْجِيبٌ مِنَ الأمْرِ، ولِذَلِكَ دَخَلَتِ الباءُ لِتَدُلَّ عَلى مَعْنى الأمْرِ بِالتَعَجُّبِ، وأنْ يُكْتَفى لَهم بِهَذا الكَذِبِ إثْمًا ولا يُطْلَبَ لَهم غَيْرُهُ، إذْ هو مُوبِقٌ ومُهْلِكٌ، و"إثْمًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ﴾ الآيَةُ. ظاهِرُها يَعُمُّ اليَهُودَ والنَصارى، ولَكِنْ أجْمَعَ المُتَأوِّلُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِها طائِفَةٌ …

50

ٱنظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۖ وَكَفَىٰ بِهِۦٓ إِثْمًۭا مُّبِينًا

Look how they invent about Allah untruth, and sufficient is that as a manifest sin.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطاغُوتِ ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ ومَن يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾

هَذا لَفْظٌ عامٌّ في ظاهِرِهِ، ولَمْ يَخْتَلِفْ أحَدٌ مِنَ المُتَأوِّلِينَ في أنَّ المُرادَ اليَهُودُ، واخْتُلِفَ في المَعْنى الَّذِي بِهِ زَكُّوا أنْفُسَهم، فَقالَ قَتادَةُ، والحَسَنُ: ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقَوْلُهُمْ: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا﴾ [البقرة: ١١١].وَقالَ الضَحّاكُ، والسُدِّيُّ: ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: لا ذُنُوبَ لَنا وما فَعَلْناهُ نَهارًا غُفِرَ لَيْلًا، وما فَعَلْناهُ لَيْلًا غُفِرَ نَهارًا، ونَحْنُ كالأطْفالِ في عَدَمِ الذُنُوبِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وأبُو مالِكٍ، وعِكْرِمَةُ: تَقْدِيمُهم أولادَهُمُ الصِغارَ لِلصَّلاةِ لِأنَّهم لا ذُنُوبَ لَهم.

قالَ المُؤَلِّفُ: وهَذا يَبْعُدُ مِن مَقْصِدِ الآيَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: أبْناؤُنا الَّذِينَ ماتُوا يَشْفَعُونَ لَنا، ويُزَكُّونَنا، وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: ذَلِكَ ثَناءُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، ومَدْحُهم لَهم وتَزْكِيَتُهم لَهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

فَتَقْتَضِي هَذِهِ الآيَةُ الغَضَّ مِنَ المُزَكِّي لِنَفْسِهِ بِلِسانِهِ، والإعْلامَ بِأنَّ الزاكِيَ المُزَكّى مَن حَسُنَتْ أفْعالُهُ، وزَكّاهُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ، والضَمِيرُ فِي: "يُزَكُّونَ" عائِدٌ عَلى المَذْكُورِينَ مِمَّنْ زَكّى نَفْسَهُ، أو مِمَّنْ يُزَكِّيهِ اللهُ تَعالى، وغَيْرُ هَذَيْنِ الصِنْفَيْنِ عُلِمَ أنَّ اللهَ تَعالى لا يَظْلِمُهم مِن غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ.

وقَرَأتْ طائِفَةٌ "وَلا تُظْلَمُونَ" بِالتاءِ عَلى الخِطابِ.

والفَتِيلُ: هو ما فُتِلَ، فَهو فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ، وَمُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمُ: الفَتِيلُ: الخَيْطُ الَّذِي في شِقِّ نَواةِ التَمْرَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وأبُو مالِكٍ، والسُدِّيُّ: هو ما خَرَجَ مِن بَيْنِ إصْبَعَيْكَ أو كَفَّيْكَ إذا فَتَلْتَهُما، وهَذا كُلُّهُ يَرْجِعُ إلى الكِنايَةِ عن تَحْقِيرِ الشَيْءِ وتَصْغِيرِهِ، وأنَّ اللهَ لا يَظْلِمُهُ، ولا شَيْءَ دُونَهُ في الصِغَرِ، فَكَيْفَ بِما فَوْقَهُ. ونَصْبُهُ عَلى مَفْعُولٍ ثانٍ بِـ "يُظْلَمُونَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ﴾ الآيَةُ، يُبَيِّنُ أنَّ تَزْكِيَتَهم أنْفُسَهم كانَتْ بِالباطِلِ والكَذِبِ، ويُقَوِّي أنَّ التَزْكِيَةَ كانَتْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] إذِ الافْتِراءُ في هَذِهِ المَقالَةِ أمْكَنُ.

و"كَيْفَ" يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ "يَفْتَرُونَ"، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ في قَوْلِهِ: "يَفْتَرُونَ".

و"وَكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا" خَبَرٌ في مُضَمَّنِهِ تَعَجُّبٌ وتَعْجِيبٌ مِنَ الأمْرِ، ولِذَلِكَ دَخَلَتِ الباءُ لِتَدُلَّ عَلى مَعْنى الأمْرِ بِالتَعَجُّبِ، وأنْ يُكْتَفى لَهم بِهَذا الكَذِبِ إثْمًا ولا يُطْلَبَ لَهم غَيْرُهُ، إذْ هو مُوبِقٌ ومُهْلِكٌ، و"إثْمًا" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ﴾ الآيَةُ. ظاهِرُها يَعُمُّ اليَهُودَ والنَصارى، ولَكِنْ أجْمَعَ المُتَأوِّلُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِها طائِفَةٌ …

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.