Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi

Ayahs 71–80 of 176

71

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ خُذُوا۟ حِذْرَكُمْ فَٱنفِرُوا۟ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُوا۟ جَمِيعًۭا

O you who have believed, take your precaution and [either] go forth in companies or go forth all together.

(والحَذَر والحِذْر) لغتان بمعنىً. قيل: ولم يُسْمَعْ في هذا التركيبِ إلا: «خُذْ حِذْرك» بالكسر لا «حَذَرك» قوله: «ثُباتٍ» نصب على الحال، وكذا [ «جميعاً» ، والمعنى: انفروا جماعاتٍ في تفرقةٍ سَرِيَّةً بعد سرية أو مجتعين كوكبةً واحدة] قال الشيخ: ولم يُقْرأ فيما عَلِمْتُ إلا بكسر التاء «. انتهى. وهذه هي اللغة الفصيحة. وبعضُ العرب ينصِبُ جمعَ المؤنثِ السالم، إذا كان معتلِّ اللام معوَّضاً منها تاءُ التأنيثِ بالفتحة، وأنشد الفراء.

1604 - فلمَّا جَلاها بالأُيام تَحيَّزَتْ ... ثباتاً عليها ذُلُّها واكتئابُها

وقرئ شاذاً:» ويَجْعلون لله البناتَ «بالفتحة. وحُكِي:» سمعتُ لغاتَهم «وزعم الفارسي أنَّ الوارد من ذلك مفردٌ رُدَّتْ لامُه؛ لأنَّ الأصلَ:» لُغَوَة «فلمَّا رُدَّتِ اللامُ قُلِبَتْ ألفاً، وقد رُدَّ على الفارسي بأنه يلزمه الجمعُ بين العوض والمعوض منه، ويَرُدُّ عليه أيضاً القراءةُ المتقدمةُ في» البناتَ «لأنَّ المفردَ منه مكسورُ الفاء، وهذه المسألةُ قد أوْضَحتُها في كتابي» شرح التسهيل «غايةَ الإِيضاح.

و» ثباتٍ «جمعُ ثُبَة ووزنُها في الأصلِ: فُعَلة كحُطَمة، وإنما حُذِفت لامُها وعُوِّض منها تاءُ التأنيث، وهل لامُها واو أو ياء؟ قولان حجة القول الأول أنها مشتقة من ثَبا يَثْبوا كخلا يَخْلو أي: اجتمع، وحجةُ الثاني أنها مشتقةٌ من ثَبَيْتُ على الرجل إذا أثنيتُ عليه كأنك جمعت محاسنَة، وتُجمع بالألف والتاء وبالواو والنون، ويجوز في فائِها حين تُجمع على» ثُبين «الضمُّ والكسرُ، وكذا كل أشبهَها نحو:» قُلة «و» بُرة «ما لم تُجْمَعْ جمع تكسير. والثُّبَةُ: الجماعةُ من الرجال تكون فوق العشرة. وقيل: الاثنان والثلاثة، وتُصَغَّرُ على» ثُبَيَّة «بردِّ المحذوفِ، وأمَّا» ثُبَةُ الحوضِ «وهي وسَطُه فالمحذوفُ عينُها لأنها من باب يَثُوب الماءُ أي يَرْجِعُ، تُصَغَّر على» ثُوَيْبة «كقولك في تصغير سَنَة:» سُنَيْهة «.

والنَّفَر: الفَزَعُ، يقال: نَفَر إليه أي: فَزِع إليه، وفي مضارعه لغتان: ضمُّ العينِ وكسرُها، وقيل: يُقال: نَفَر الرجل يَنْفِر بالكسر، ونَفَرت الدابةُ تنفُر بالضم فَفَرَّقوا بينهما في المضارع، وهذا الفرق يَرُدُّه قراءة الأعمش» فانفُروا «» أو انفُروا «بالضم فيهما. والمصدرُ: النَّفير والنُّفور والنَّفْر، والنَّفَر: الجماعةُ كالقوم والرهط.

قوله: {وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ} » منكم «خبر مقدم ل» إنَّ «واسمُها» لَمَنْ «دخلت اللام على الاسم تأكيداً لَمَّا فُصِل بينه وبينها بالخبر،» ومَنْ «يجوزُ أن تكونَ موصولةً أو نكرةً موصوفةً، واللامُ في» لَيُبَطِّئَنْ «فيها قولان، أصحُّهما: انها جوابُ قسمٍ محذوفٍ تقديره: أقسم الله ليبطِّئَن، والجملتان - أعني القسمَ وجوابه - صلةٌ ل» مَنْ «أو صفةٌ هلا على حَسَبِ القولين المتقدمين، والعائدُ على كلا التقديرين هو الضمير المرفوعُ ب» ليبطِّئن «والتقديرُ: وإنَّ منكم للذي - أو لفريقاً» واللَّهِ ليبطِّئن.

واستدلَّ بعضُ النحاةِ بهذه الآيةِ على أنه يجوز وصلُ الموصولِ بجملةِ القسمِِ وجوابِه إذا عَرِيَتْ جملةُ القسمِ من ضمير عائد على الموصول نحو: «جاء الذي أحلفُ باللَّهِ لقد قام أبوه» وجَعَلَه ردَّاً على قدماء النحاةِ حيث زعموا منعَ ذلك، ولا دَلالةً في ذلك، إذ لقائلٍ أن يقول: ذلك القسمُ المحذوفُ لا أقدِّرُه إلا مشتملاً على ضميرٍ عائدٍ الموصول.

والقول الثاني - نقله ابن عطية عن بعضِهم - أنها لام التأكيد بعد تأكيد، وهذا خطأُ من قائله. والجمهورُ على «لَيُبَطِّئَنْ» بتشديد الطاء، ومجاهد بالتخفيف، وعلى كلتا القراءتين يحتمل أن يكون الفعل لازماً ومتعدياً، يقال: أَبْطَأَ وبَطَّأَ بمعنى بَطُؤَ أي: تكاسل وتثبَّط، فهذان لازمان، وإنْ قَدَّر أنهما متعدِّيان فمفعولُهما محذوفٌ أي: ليبطِّئَنْ غيرَه أي: يُثَبِّطه ويُجْبِنُه عن القتال. و «إذا لم أكن» ظرفٌ …

72

وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌۭ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًۭا

And indeed, there is among you he who lingers behind; and if disaster strikes you, he says, "Allah has favored me in that I was not present with them."

Explained together with ayah 71

73

وَلَئِنْ أَصَٰبَكُمْ فَضْلٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنۢ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُۥ مَوَدَّةٌۭ يَٰلَيْتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًۭا

But if bounty comes to you from Allah, he will surely say, as if there had never been between you and him any affection. "Oh, I wish I had been with them so I could have attained a great attainment."

قوله تعالى: {لَيَقُولَنَّ} : الجمهورُ على فتحِ لام «ليقولَنَّ» لأنه فعل مسند إلى ضميرِ «مَنْ» مبنيُّ على الفتح لأجل نون التوكيد. وقرأ الحسن بضمها، فأسند الفعل إلى ضمير «مَنْ» أيضاً لكنْ حملاً له على معناها، والأصلُ: ليقولونَنَّ، وقد تقدَّم تصريفه.

قوله: {كَأَن لَّمْ تَكُنْ} هذه «كَأَنْ» المخففةُ من الثقيلة، وعملُها باقٍ عند البصريين، وزعم الكوفيون أنَّها حين تخفيفِها لا تعمل كما لا تعمل «لكن» مخففةً عند الجمهور، وإعمالُها عند البصريين غالباً في ضمير الأمرِ والشأنِ وهو واجبُ الحذفِ، ولا تعملُ عندَهم في ضميرٍ غيرِه ولا في اسمٍ ظاهرٍ إلا ضرورةً كقوله:

160 - 5- وصدرٍ مشرقِ النَّحْرِ ... كَأَنْ ثَدْيَيْهِ حُقَّانِ

وقول الآخر:

160 - 6- ويوماً تُوافينا بوجهٍ مُقَسَّمٍ ... كأنْ ظبيةٍ تَعْطُوا إلى وارِق السَّلَمْ

في إحدى الروايات، وظاهرُ كلام سيبويه أنها تعمل في غير ضمير الشأن في غير الضرورة، ونَصُّه يُطالَعُ في كتابه. والجملة المنفية بعدها في محلِّ رفع خبر لها، والجملةُ بعدها إن كانت فعلية فَتُتَلَقَّى ب «قدر» كقوله:

160 - 7- لا يَهُولَنْكَ اصطلاُؤكَ للحَرْ ... بِ فمحذورُها كَأَنْ قد أَلَمَّا أو ب «لم» كهذه الآيةِ، وقولُه: {كَأَن لَّمْ تَغْنَ بالأمس} [يونس: 24] وقد تُلُقِّيَتْ ب «لَمَّا» في قولِ عَمَّارِ الكلبي:

160 - 8- بَدَّدَتْ منها الليالِي شَمْلَهمْ ... فكأنْ لمَّا يكونوا قبلُ ثَمّْ

قال الشيخ: «ويَحْتاج مثلُ هذا إلى سماعٍ من العَرَبِ» وقال ابن عطية: «و» كَأَنْ «مضمنةٌ معنى التشبيهِ، ولكنها ليست كالثقيلة في الاحتياجِ إلى الاسمِ والخبرِ، وإنما تَجِيءُ بعدَها الجملُ» وظاهرُ هذه العبارة أنها لا تعمل حين تخفيفِِها، وقد تقدَّم أنَّ ذلك قولُ الكوفيين لا البصريين، ويُحْتمل أنه أراد بذلك أنَّ الجملةَ بعدها لا تتاثرُ بها لفظاً لأنَّ اسمَها محذوفٌ والجملةُ خبرٌ لها.

وقرأ ابن كثير وحفص «يَكُنْ» بالياءِ، لأن المودة في معنى الودِّ، ولأنه قد فُصِل بينها وبين فِعْلِها، والباقون بالتاء اعتباراً بلفظِها. و «يكون» تحتمل أنْ تكونَ تامةً، فيتعلق الظرفُ بها أو بمحذوف؛ لأنه حالٌ من «مودة» إذ هو في الأصل صفةُ نكرةٍ قُدِّم عليها، وأَنْ تكونَ ناقصةً فيتعلَّقُ الظرفُ بمحذوفٍ على أنه خبرها.

واختلف الناسُ في هذه الجملةِ - على ثلاثةِ أقوال: الأول: أنها لا محلَّ لها من الإِعراب اعتراضيةٌ، وعلى هذا فما المُعْتَرَضُ بينهما؟ وجهان الأول منهما: أنها معترضةٌ بين جملةِ الشرطِ التي هي «فإنْ أصابَتْكم» وبين جملةِ القسم التي هي «ولَئِنْ أصابَتْكم» والتقديرُ: «فإنْ أصابَتْكم مصيبةٌ قال: قد أَنْعَمَ اللَّهُ عليَّ إذ لم أَكُنْ معهم شهيداً، كأَنْ لم تكن بينكم وبينه مودةٌ، ولَئِنْ أصابكم فضلٌ، فأُخِّرت الجملةُ المعتَرضُ بها أعني قولَه: {كَأَن لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ} والنيةُ بها التوسطُ، وهذا قول الزجاج وتبعه الماتريدي.

وردَّ الراغب الأصبهاني هذا القول بأنه مستقبح / لأنه لا يُفْصَلُ بين بعضِ الجملة وبعضِ ما يتعلَّق بجملةٍ أخرى. قلت: هذا من الزجاج كأنه تفسير معنى لا إعراب، يدل على ذلك ما أذكُره عنه من تفسير الإِعراب. الثاني من الوجهين: أن تكونَ معترضةً بين القولِ ومفعولِه، والأصل: «ليقولَنَّ يا ليتني كنتُ معهم كأن لم تَكُنْ» وعلى هذا أكثر الناس، ولكن اختلفَتْ عبارتُهم في ذلك، ولا يظهر المعنى إلا بنقل نصوصِهم فَلْنَنْقلها. فقال الزمخشري: «اعتراضٌ بين الفعل الذي هو» ليقولَنَّ «وبين مفعولِه وهو» ياليتني «والمعنى: كأن لم يتقدم له معكم مودةٌ؛ لأن المنافقين كانوا يُوادُّون المؤمنين في الظاهر، وإن كانوا يبغون لهم الغوائلَ في الباطن، والظاهر أنه تهكمُ لأنهم كانوا أَعْدَى عدوٍّ للمؤمنين وأشدَّهم حسداً لهم، فيكف يُوصَفُون بالمودةِ إلا على وجه العكس والتهكم؟» وقال الزجاج: «هذه الجملةُ …

74

۞ فَلْيُقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْءَاخِرَةِ ۚ وَمَن يُقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًۭا

So let those fight in the cause of Allah who sell the life of this world for the Hereafter. And he who fights in the cause of Allah and is killed or achieves victory - We will bestow upon him a great reward.

قوله تعالى: {الذين يَشْرُونَ الحياة} : فاعل بقوله: {فَلْيُقَاتِلْ} و «يَشْرون» يحتمل وجهين، أحدُهما: أن يكون بمعنى يشترون. فإنْ قيل: قد قررت أن الباء إنما تدخُل على المتروك، والظاهرُ هنا أنها دَخَلَتْ على المأخوذِ. فالجوابُ: أنَّ المرادَ بالذين يشترون المنافقون المبطِّئُون عن الجهاد أمَروا بأَنْ يُغَيِّروا ما بهم من النفاق، ويُخْلِصوا الإِيمانَ باللَّهِ ورسولِه، ويجاهدوا في سبيلِ الله، فلم تَدْخُلْ إلا على المتروك؛ لأنَّ المنافقين تاركون للآخرة آخذون للدنيا. والثاني: أنَّ «يشرون» بمعنى يَبيعون، ويكون المرادَ بالذين يَشْرُون: المؤمنون المتخلفون عن الجهاد المُؤْثِرون الآجلةَ على العاجلة، ونظيرُ هذه الآية في كون «شرى» تحتمل الاشتراء والبيع باعتبارين قوله تعالى: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} [يوسف: 20] وسيأتي. وقد تقدَّم لك شيءٌ من هذا في أول البقرة.

والجمهورُ على سكون لام «فَلْيقاتل» لأنها وقعت بعد الفاء فأشبهت اللفظة كتفاً. وقُرئ بكسرها وهو الأصل. والجمهور على بناء «فيُقْتل» للمفعول، ومحارب بن دثار ببنائه للفاعل، والأول أظهرُ، لقوله: «أو يَغْلِب» ويُقْتَلْ «ويُغْلِب» عطفٌ على الشرط، والفاء في «فسوف» جوابه، لا يجوز حذفها. والمشهورُ إظهار هذه الباء عند الفاء، وأدغمها أبو عمرو والكسائي وهشام وخَلاَّد بخلاف عنه. والجمهور على «نُؤْتيه» بنون العظمة، وطلحة بن مصرف والأعمش بياء الغيبة، وهما ظاهرتان.

وقدَّم قولَه: {فَيُقْتَلْ} لأنها درجةُ شهادة وهي أعظمُ من غيرها، وثَنَّى بالغَلَبة وهي تشمل نوعين: قتلَ أعداءِ الله والظفرَ بالغنيمة، والأولى أعظمُ من الثانية.

75

وَمَا لَكُمْ لَا تُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّۭا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا

And what is [the matter] with you that you fight not in the cause of Allah and [for] the oppressed among men, women, and children who say, "Our Lord, take us out of this city of oppressive people and appoint for us from Yourself a protector and appoint for us from Yourself a helper?"

قوله تعالى: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ} : هذا استفهامٌ يُراد به التحريضُ والأمرُ بالجهاد. و «ما» مبتدأٌ، «و» لكم «خبرُه، أي: أيُّ شيء استقرَّ لكم. وجملةُ قولِه» لا تقاتلون «فيها وجهان، أظهرهما: أنها في محلِّ نصبٍ على الحال أي: ما لكم غيرَ مقاتلين، أَنْكَرَ عليهم أن يكونوا على غير هذه الحالة، وقد صَرَّح بالحال بعد هذا التركيب في قوله: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ} [المدثر: 49] ، وقالوا في مثل هذه الحال: إنها لازمةٌ / لأنَّ الكلامَ لايتم دونها، وفيه نظر. والعاملُ في هذه الحال الاستقرارُ المقدَّر كقولِك: ما لك ضاحكاً؟ والوجه الثاني: أن الأصل:» وما لكم في ألا تقتلوا «فَحُذِفَتْ» في «فبقي» أَنْ لا تقاتلوا «فجرى فيها الخلافُ المشهور، ثم حُذِفَتْ» أَنْ «الناصبة فارتفع الفعل بعدها كقولهم:» تَسْمَعُ بالمُعَيْدِيّ خيرٌ من أن تراه «وقوله:

161 - 1- ألا أيُّهذا الزاجري أحضُرُ الوغى ... . . . . . . . . . . . . . . . . . .

في إحدى الروايتين، وهذا يؤيد كونَ الحالِ ليس بلازمةٍ.

قوله: {والمستضعفين} فيه ثلاثة أوجه. أظهرُها: أنه مجرورٌ عطفاً على اسم الله تعالى أي: وفي سبيل المستضعفين. والثاني: وإليه ذهبَ الزجاج والمبرد أن يكونَ مجرواً عطفاً على نفس» سبيل «. قال أبو البقاء بعد أَنْ حكاه عن المبرد وحده:» وليس بشيء «كأنه لم يظهر لأبي البقاء وجهُ ذلك، ووجهُ أنَّ تقديرَه:» وفي خلاص المستضعفين «والثالث وإليه ذهب الزمخشري: أن يكونَ منصوباً على الاختصاص تقديره: وأَخُصُّ من سبيلِ الله خلاصَ المستضعفين، لأنَّ سبيلَ اللَّهِ عامٌّ في كلِّ خير، وخلاص المستضعفين من المسلمين من أيدي الكفار من أعظم الخيور. والجمهورُ على» والمستضعفين «بواو العطف، وقرأ ابن شهاب:» في سبيل الله المستضعفين «وفيها تخريجان، أحدُهما: أن يكونَ حرفُ العطف مقدراً كقولهم:» أكلت لحماً تمراً سمكاً «والثاني: أن يكونَ بدلاً من» سبيل الله «أي: في سبيلِ الله سبيلِ المستضعفين، لأنَّ سبيلَهم سبيلُ الله تعالى.

قوله: {مِنَ الرجال} فيه وجهان، أحدهما: أنه حال من المستضعفين.

والثاني: أنَّ» مِنْ «لبيان الجنس، والوِلْدان قيل: جمع» وليد «وقيل: جمع وَلَد، كوَرَل ووِرْلان. والمراد بهم: الصبيان وقيل: العبيد والإِماء، يقال للعبد» وليد «وللأمة» وليدة «، فغلَّب المذكر على المؤنث لأندارجِه فيه. و» الذين يقولون «فيه وجهان، أحدُهما: أن يكونَ مجروراً على أنه صفةٌ: إمَّا للمستضعفين وإمَّا للرجال ومَنْ بعدَهم، وغَلَّب المذكرَ على المؤنث. وقال أبو البقاء» الذين يقولون «في موضع جر صفةً لِمَنْ عقل من المذكورين» كأنه تَوَهَّم أن الوِلْدان [هم] الصبيانُ، والصبيانُ لا يَعْقِلون، فَجَعَله نعتاً لِمَنْ عقل من المذكورين وهم الرجال والنساء دونَ الوِلْدان، لأنَّ جَمْعَ السلامة في المذكَّر يُشْترط فيه العقلُ، «والذين» جارٍ مجراه، وهذه غَفْلةٌ؛ لأنَّ مرادَ النَّحْويين بالعاقلِ ما كان من جنس العقلاء وإنْ كان مسلوبَ العقلِ، ويَدُلُّ عليه قولُه تعالى:

{أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ} [النور: 31] فالمرادُ هنا بالطفل الصبيانُ الصغار، ومع ذلك وَصَفَهم بالذين. والثاني: أن يكونَ منصوباً على الاختصاص.

قوله: {الظالم أَهْلُهَا} «الظالم» صفةٌ للقرية، و «أهلُها» مرفوعٌ به على الفاعلية. و «أل» في «الظالم» موصولةٌ بمعنى التي، أي: التي ظَلَم أهلها. فالظلمُ جارٍ على القرية لفظاً وهو لِما بعدها معنى، ومثلُه: «مَرَرْتُ برجلٍ حسن غلامُه» قال الزمخشري: «فإنْ قلت: لِمَ ذكَّر» الظالم «وموصوفُه مؤنثٌ؟ قلت: هو وصفٌ للقرية إلا أنه مستندٌ إلى أهلها فأُعْطِي إعرابَ» القرية «لأنه صفتها وذُكِّر لإِسنادِه إلى الأهل، كما تقول: مِنْ هذه القريةِ التي ظَلَم أهلُها، ولو أُنِّث فقيل:» الظالمةُ أهلُها «لجازَ، لا لتأنيثِ الموصوفِ، بل لأن الأهلَ يُذَكَّرُ …

76

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوٓا۟ أَوْلِيَآءَ ٱلشَّيْطَٰنِ ۖ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا

Those who believe fight in the cause of Allah, and those who disbelieve fight in the cause of Taghut. So fight against the allies of Satan. Indeed, the plot of Satan has ever been weak.

Explained together with ayah 75

77

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوٓا۟ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌۭ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةًۭ ۚ وَقَالُوا۟ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلَآ أَخَّرْتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ قَرِيبٍۢ ۗ قُلْ مَتَٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌۭ وَٱلْءَاخِرَةُ خَيْرٌۭ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا

Have you not seen those who were told, "Restrain your hands [from fighting] and establish prayer and give zakah"? But then when fighting was ordained for them, at once a party of them feared men as they fear Allah or with [even] greater fear. They said, "Our Lord, why have You decreed upon us fighting? If only You had postponed [it for] us for a short time." Say, The enjoyment of this world is little, and the Hereafter is better for he who fears Allah. And injustice will not be done to you, [even] as much as a thread [inside a date seed]."

قوله تعالى: {إِذَا فَرِيقٌ} : «إذا» هنا فجائية، وقد تقدم أن فيها ثلاثةَ مذاهب، أحدها- وهو الأصح: أنها ظرف مكان، والثاني: انها زمان، والثالث: أنها حرفٌ، ولهذه المذاهبِ موضوعٌ غير هذا، وقد قيل في «إذا» هذه إنها فجائية مكانية، وأنها جواب ل «لَمَّا» في قوله {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ} ، وعلى هذا ففيها وجهان، أحدهما: أنها خبر مقدم، و «فريق» مبتدأ و «منهم» صفةٌ ل «فريق» ، وكذلك «يَخْشَون» ، ويجوزُ أَنْ يكونَ «يخشون» حالاً من «فريق» لاختصاصِه بالوصفِ، والتقديرُ: «فبالحضرةِ فريقٌ كائنٌ منهم خاشون أو خاشين» . والثاني: أن يكونَ «فريقٌ» مبتدأً، و «منهم» صفتَه «وهو المسوِّغُ للابتداءِ به، و» يَخْشَوْن «جملةٌ خبريةٌ وهو العاملُ في» إذا «، وعلى القولِ الأول العاملُ فيها محذوفٌ على قاعدِة الظروف الواقعةِ خبراً. وقيل: إنها هنا ظرفُ زمانٍ، وهذا فاسدٌ؛ لأنها إذ ذاك لا بد لها مِنْ عاملٍ، وعاملُها إمَّا ما قبلها وإمَّا ما بعدها، لا جائز أن يكون ما قبلها، لأن ما قبلها وهو» كُتب «ماض لفظاً ومعنى وهي للاستقبال، فاستحال ذلك. فإن قيل: تُجْعَلُ هنا للمُضِيِّ بمعنى» إذ «قيل: لا يجوز ذلك لأنه يَصيرُ التقدير: فلمَّا كُتِب عليهم القتال في وقتِ خشيةِ فريقٍ منهم، وهذا يفتقرُ إلى جواب» لَمَّا «ولا جوابَ لها، ولا جائزٌ أن يكونَ ما بعدها؛ لأنَّ العاملَ فيها إذا كان بعدها كان جواباً لها، ولا جوابَ لها هنا، وكان قد تقدَّم أولَ البقرة أنَّ في» لَمَّا «قولين / قولَ سيبويه: إنها حرف وجوب لوجوب، وقولَ الفارسي: إنها ظرفُ زمانٍ بمعنى» حين «وتقدَّم الردُّ عليه هناك بأنها أُجيبت ب» ما «النافيةِ وإذا الفجائيةِ، وأنَّ ما بعدها لا يعمل فيها قبلها فَأَغْنى عن إعادتهِ، ولا يجوزُ أن يَعمل ما يليها فيها؛ لأنه في محلِّ خفض بالإِضافة على زَعْمِه والمضافُ إليه لا يعمل في المضاف. وقد أجابَ بعضُهم بأنَّ العاملَ فيها هنا معنى» يَخْشَوْن «كأنه قيل: جَزِعوا، قال:» وجَزعوا هو العاملُ في «إذا» وهذه الآيةُ مشكلةٌ؛ لأنَّ فيها ظرفين أحدُهما لِما مضى والآخرُ لِما يُسْتقبل «. انتهى.

قوله: {كَخَشْيَةِ الله} فيه ثلاثةُ أوجه، أحدها وهو المشهور عند المُعْربين: انها نعتُ مصدرٍ محذوفٍ، أي: خشيةً كخشية الله. والثاني وهو المقرر من مذهب سيبويه غيرَ مرة: أنها في محل نصب على الحال من ضمير الخشية المحذوف أي: يخشونها الناسَ، أي: يخشون الخشيةَ الناسَ مشبهةً خشيةَ الله.

والثالث: أنها في محل نصبٍ على الحال من الضمير في «يَخْشَوْن» أي: يَخْشَون الناسَ مثلَ أهل خشية الله أي: مشبهين لأهل خشية الله أو أشدَّ خشية أي: أشدَّ خشيةً من أهل خشية الله. و «اشدَّ» معطوف على الحال، قاله الزمخشري. ثم قال: «فإنْ قلت: لِمَ عَدَلْتَ عن الظاهر وهو كونه صفة للمصدر ولم تقدِّرْه: يَخْشَوْن خشيةً [مثل خشية] الله بمعنى: مثلَ ما يخشى الله. قلت: أَبَى ذلك قولُه {أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} ؛ لأنه وما عُطِفَ عليه في حكمٍ واحدٍ، ولو قلت:» يخشون الناسَ أشدَّ خشيةً «لم يكن إلا حالاً من ضميرِ الفريقِ، ولم ينتصِبْ انتصابَ المصدر لأنك لا تقول:» خَشِي فلانٌ أشدَّ خشيةً «فتنصِبُ» خشية «وأنت تريد المصدر، إنما تقول» أشدَّ خشيةٍ «فتجرُّها، وإذا نَصَبْتَها لم يكن» أشدَّ خشيةً «إلا عبارةً عن الفاعلِ حالاً منه، اللهم إلا أن تَجْعَلَ الخشيةَ خاشيةً على حدِّ قولِهم:» جَدَّ جَدُّه «فتزعم أنَّ معناه: يخشون الناسَ خشيةً مثل خشيةٍ أشدَّ خشيةً من خشية الله، ويجوز على هذا أن يكونَ محلُّ» أشدُّ «مجروراً عطفاً على» خشية الله «تريد كشخية الله أو كشخيةٍ أشدَّ منها» . انتهى.

ويجوز نصبُ «خشيةً» على وجه آخر وهو العطف على محل الكاف، وينتصب «أشدَّ» حينئذ على الحال من «خشية» لأنه في الأصلِ نعتُ نكرةٍ قُدِّم عليها، والأصل: يخشون الناسَ مثلَ خشيةِ الله أو خشيةً أشدَّ منها. فلا ينتصب …

78

أَيْنَمَا تَكُونُوا۟ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍۢ مُّشَيَّدَةٍۢ ۗ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌۭ يَقُولُوا۟ هَٰذِهِۦ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۭ يَقُولُوا۟ هَٰذِهِۦ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًۭا

Wherever you may be, death will overtake you, even if you should be within towers of lofty construction. But if good comes to them, they say, "This is from Allah "; and if evil befalls them, they say, "This is from you." Say, "All [things] are from Allah." So what is [the matter] with those people that they can hardly understand any statement?

قوله تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُواْ} : «أين» اسم شرط يجزم فعلين و «ما» زائدة على سبيل الجواز مؤكدةٌ لها، و «أين» ظرف مكان و «تكونوا» مجزومٌ بها، و «يُدْرِكْكم» جوابُه. والجمهورُ على جزمه؛ لأنه جواب الشرط، وطلحة بن سليمان: «يدرِكُكم» برفعه، فخرَّجه المبرد على حَذْفِ الفاء أي: فيدرككم الموت. ومثلُه قولُ الآخر:

161 - 2- يا أقرعُ بنَ حابسٍ يا أقرعُ ... إنك إنْ يُصْرَعْ أخوكَ تُصْرَعُ

وهذا تخريج المبرد، وسيبويه يزعم أنه ليس بجواب، إنما هو دالٌّ على الجواب والنيةُ به التقديمُ. وفي البيت تخريجٌ آخر وهو أن يكون «يصرعُ» المرفوعُ خبراً ل «إنك» والشرطُ معترضٌ بينهما، وجوابُه ما دَلَّ عليه قوله «إنك تُصْرَعُ» كقوله: {وَإِنَّآ إِن شَآءَ الله لَمُهْتَدُونَ} [البقرة: 70] وخَرَّجه الزمخشري على التوهَّم فإنه قال: «ويجوز أن يقال: حُمِل على ما يقع موقعَ» أينما تكونوا «وهو» أينما كنتم «كما حُمِل» ولا ناعبٍ «على ما يقع موقع ليسوا مصلحين وهو» ليسوا بمصلحين «فرَفَع كما رفع زهير:

1613 -. . . . . . . . . . . . . . . . ... يقول لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ وهو قولُ نحويّ سِيبيّ، يعني منسوب لسيبويه، فكأنه قال:» أينما كنتم «وفعلُ الشرط إذا كان ماضياً لفظاً جازَ المضارعِ الرفعُ والجزمُ كقول زهير:

وإنْ أتاه خليلٌ يومَ مسألةٍ ... يقولُ. . . . . . . . . . . . . . .

وفي رفعه الوجهان المذكوران عن سيبويه والمبرد. ورَدَّ عليه الشيخ بأن العطفَ على التوهم لا ينقاس، ولأنَّ قوله يؤدِّي إلى حذف جواب الشرط، ولا يُحْذَفُ إلا إذا كان فعل الشرط ماضياً، لو قلت:» أنت ظالمُ إنْ تفعل «لم يجز. وهذا كما رأيتَ مضارعٌ. وفي هذا الردِّ نظرٌ لا يَخْفَى.

» ولو كنتم «قالوا: هي بمعنى» إنْ «وجوابُها محذوف أي: لأدرككم. وذكر الزمخشري فيه قولاً غريباً من عند نفسِه فقال:» ويجوزُ أن يتصل بقوله {وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} أي: لا تُنقَضون شيئاً مِمَّا كُتِب من آجالكم أينما تكونوا في ملاحمِ حروب أو غيرها، ثم ابتدأ بقوله: {يُدْرِككُّمُ الموت وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ} ، والوقف على هذا الوجه [على] «أينما تكونوا» . انتهى. وردَّ عليه الشيخ فقال: «هذا تخريجُ ليس بمستقيمٍ لا من حيث المعنى ولا من حيث الصناعة النحوية: أمَّا من حيث المعنى فإنه لا يناسِبُ أن يكون متصلاً بقوله: {وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} لأنَّ انتفاءَ الظلم ظاهراً إنما هو في الآخرة لقوله: {قُلْ مَتَاعُ الدنيا قَلِيلٌ والآخرة خَيْرٌ لِّمَنِ اتقى} وأما من حيث الصناعةُ النحوية فإنَّ ظاهرَ كلامِه يَدُلُّ على أن» أينما تكونوا «متعلقٌ بقولِه: {ولا تُظْلمون} بمعنى ما فَسَّره، وهذا لا يجوز لأن أسماءَ الشرط لها صدرُ الكلام فلا يتقدَّم عامُلها عليها، فإنْ وَرَدَ مثلُ:» اضربْ زيداً متى جاء «قُدِّر له عاملٌ يدلُّ عليه» اضرب «لا نفسُ» اضرب «المتقدم.

فإن قيل: فكذلك يُقَدِّر الزمخشري عاملاً يدلُّ عليه «ولا تُظْلمون» تقديره: «أينما تكونوا فلا تظلمون» فحذف «فلا تظلمون» لدلالةِ ما قبله عليه، فيخلُصُ من الإِشكال المذكور. قيل: لا يمكن ذلك لأنه حينئذ يُحذف جواب الشرط وفعلُ الشرط مضارع، وقد تقدم أنه لايكون إلا ماضياً «وفي هذا الردِّ نظرٌ، لأنه أراد تفسير المعنى. قوله:» ولا يناسب أن يكون متصلاً بقوله: «ولا تظلمون» ممنوعُ، بل هو مناسب، وقد أوضحه الزمخشري بما تقدَّم أحسنَ إيضاح.

والجملة الامتناعية في محلِّ نصب على الحال أي: أينما تكونوا من الأمكنة يدركْكم الموت، ولو كانت حالُكم أنكم في هذه البروج فيُفْهَمُ أن إداركَه لهم في غيرها بطريق الأَوْلى والأَحْرى، وقريبٌ منه: «أعطُوا السائل ولو على فرسٍ» والجملةُ الشرطية تحتمل وجهين، أحدهما: أنها لا محلَّ لها من الإِعراب لأنها استئنافُ إخبارٍ، أخبر تعالى أنه لا يفوتُ الموتَ أحدٌ ومنه قولُ زهير:

1614 - ومَنْ هابَ …

79

مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍۢ فَمِنَ ٱللَّهِ ۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍۢ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولًۭا ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۭا

What comes to you of good is from Allah, but what comes to you of evil, [O man], is from yourself. And We have sent you, [O Muhammad], to the people as a messenger, and sufficient is Allah as Witness.

قوله تعالى: {َمَّآ أَصَابَك} : في «ما» هذه قولان، أحدهما: أنها شرطيةٌ وهو قول أبي البقاء وضَعَّف أن تكونَ موصولةً قال: «ولا يَحْسُن أن تكونَ بمعنى الذي؛ لأنَّ ذلك يقتضي أن يكون المصيبُ لهم ماضياً مخصَّصاً، والمعنى على العمومِ والشرطيةُ أشبهُ، والمرادُ بالآيةِ الخِصْب والجَدْب ولذلك لم يَقُلْ: ما أصبت» ، انتهى. يعني أنَّ بعضَهم يقول: إنَّ المرادَ بالحسنة الطاعةُ وبالسيئةِ المعصيةُ، ولو كان هذا مراداً لقال: «ما أصَبْتَ» لأنه الفاعلُ للحسنةِ والسيئة جميعاً، فلا تضاف إليه إلا بفعلِه لهما. والثاني: أنها موصولةٌ بمعنى الذي وإليه ذهب مكي، ومَنَع أن تكونَ شرطية قال: «وليسَتْ للشرطِ لأنها نزلت في شيءٍ بعينه وهو الجّدْب والخِصْب والشرطُ لا يكون إلا مبهماً، يجوزُ أَنْ يقع وألاَّ يقعَ، وإنما دخلت الفاءُ للإِبهام الذي في» الذي «مع أن صلتَه فعلٌ، فدلَّ ذلك على أنَّ الآيةَ ليست في المعاصي والطاعات كما قال أهلُ الزَّيْغ، وأيضاً فإنَّ اللفظَ» ما أصابَك «ولم يقل» ما أَصَبْتَ «انتهى. والأولُ أظهرُ؛ لأنَّ الشرطيةَ أصلٌ في الإِبهام - كما ذكر أبو البقاء - والموصولةُ فبالحمل عليها. وقولُ مكيّ:» لأنها نَزَلَتْ في شيء بعينه «هذا يقتضي ألاَّ يُشَبَّه الموصولُ بالشرطِ؛ لأنه لا يُشَبَّه به حتى يرادَ به الإِبهامُ لا شيءَ بعينه، وإلاَّ فمتى أُريد به شيءٌ بعينه لم يُشَبَّه بالشرط فلم تَدْخُلِ الفاءُ في خبره، نَصَّ النحويون على ذلك، وفي المسألةِ خلافٌ منتشر، ليس هذا موضعَه. فعلى الأول» أصابَك «في محلِّ جزم بالشرط، وعلى الثاني لا مَحَلَّ له لأنه صلة.

و» من حسنةٍ «الكلامُ فيه كالكلامِ في قوله: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ} [البقرة: 106] وقد تقدَّم والفاءُ في» فَمِنَ الله «جوابُ الشرط على الأولِ وزائدةٌ على الثاني، والجارُّ بعدها خبرٌ لمبتدأ محذوف تقديرُه: فهو من الله، والجملةُ: إمَّا في محلِّ جزمٍ أو رفعٍ على حَسَبِ القولين. واخُتِلفَ في كافِ الخطاب: فقيل: المرادُ كلُّ أحدٍ، وقيل: الرسول والمرادُ أمتُه: وقيل: الفريقُ في قولِه» إذا فريقٌ «وذلك لأن» فريقاً «اسمُ جمعٍ فله لفظٌ ومعنىً، فراعَى لفظَه فَأَفْرَدَ، كقوله:

1617 - تفرَّق أهلانا بِبَيْنٍ فمنهمُ ... فريقٌ أقامَ واستقلَّ فريقُ

وقيل في قوله {فَمِن نَّفْسِكَ} : إنَّ همزةَ الاستفهام محذوفةٌ تقديرُه: أفمِنْ نفسِك، وهو كثير كقوله تعالى: {وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا} [الشعراء: 22] وقوله تعالى: {بَازِغاً قَالَ هذا رَبِّي} [الأنعام: 77] ومنه:

1618 - رَفَوْني وقالوا: يا خُوَيْلِدُ لا تُرَعْ ... فقلتُ وأنكرتُ الوجوهَ هُمُ هُمُ

وقوله: 1619 - أفرحُ أَنْ أُرْزَأ الكرامَ وأنْ ... أُورَثَ ذَوْدَاً شَصائِصاً نَبْلاً

تقديره: وأتلك، وأهذا ربي، وأهمُ هُم، وأأفرحُ» وهذا لم يُجِزْه من النحاة إلا الأخفشُ، وأمَّا غيره فلم يُجِزْه إلا قبل «أم» كقوله:

1620 - لَعَمْرُكَ ما أدري وإنْ كنت؟ ُ دارِياً ... بسبعِ رَمَيْنَ الجمرَ أم بثمانِ

وقيل: ثَمَّ قولٌ مقدر أي: لا يكادونَ يَفْقهون حديثاً يقولون: ما أصابك.

وقرأت عائشة: «فَمَنْ نفسُك» بفتح ميم «من» ورفع السين، على الابتداء والخبر، أي: أيُّ شيءٍ نفسُك حتى يُنْسَب إليها فِعْلٌ؟ قوله: «رسولاً فيه وجهان، أحدهما: أنه حال مؤكدة والثاني: أنه مصدر مؤكِّدٌ بمعنى إرسال، ومن مجيء» رسول «مصدراً قوله:

1621 - لقد كَذَبَ الواشون ما بُحْتُ عندهم ... بِسِرِّ ولا أَرْسَلْتُهمْ برسولِ

أي بإرسال، بمعنى رسالة. و» للناس «يتعلق ب» أرسلناك «واللام للعلة. وأجاز أبو البقاء أن يكونَ حالاً من» رسولاً «كأنه جَعَله في الأصل صفةً للنكرة فَقُدِّم عليها، وفيه نظر.

80

مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًۭا

He who obeys the Messenger has obeyed Allah; but those who turn away - We have not sent you over them as a guardian.

و {حَفِيظاً} : حال من كاف «أرسلناك» و «عليهم» متعلق ب «حفيظاً» وأجاز فيه أبو البقاء ما تقدم في «للناس» .

Commentary: Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.