Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi

Ayahs 41–50 of 176

41

فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍۭ بِشَهِيدٍۢ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدًۭا

So how [will it be] when We bring from every nation a witness and we bring you, [O Muhammad] against these [people] as a witness?

قوله تعالى: {فَكَيْفَ} : فيها ثلاثة أقوال، أحدها: أنها في محل رفع خبراً لمبتدأ محذوف أي: فكيف حالُهم أو صنعُهم؟ والعامل في «إذا» هو هذا المقدر. والثاني: أنها في محلِّ نصب بفعل محذوف أي: فيكف تكونون أو تَصْنَعون؟ ويَجْري فيها الوجهان: النصب على التشبيه بالحالِ كما هو مذهبُ سيبويه، أو على التشبيه بالظرفية كما هو مذهب الأخفش، وهو العاملُ في «إذا» أيضاً. والثالث: حكاه ابن عطية عن مكي أنها معمولةٌ ل «جئنا» ، وهذا غلط فاحش.

قوله: {مِن كُلِّ} فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق ب «جئنا» . والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من «شهيد» ، وذلك على رأي مَنْ يجوُّزُ تقديمَ حالِ المجرور بالحرف عليه، وقد تقدم تحريره. والمشهودُ عليه محذوفٌ أي: بشهيد على أمته/.

والمِثْقال: مِفْعَال من الثِّقَل وهو زِنَةُ كل شيء، والذَّرَّة: النملة الصغيرة، وقيل: رأسُها، وقيل: الخَرْدَلة، وقيل: جزء الهَباءَة، وعن ابن عباس: أنه أَدْخَلَ يده في التراب ثم نَفَخَها وقال: «كلُّ واحدةٍ منه ذرةٌ» والأولُ هو المشهور؛ لأن النملة يُضْرَبُ بها المثل في القلة، وأصغرُ ما تكون إذا مَرَّ عليها حَوْلٌ، قالوا لأنها حينئذ تَصْغُر جداً، قال حسان:

1584 - لو يَدِبُّ الحَوْلِيُّ مِنْ وَلَدِ الذَّرْ ... رِ عليها لأنْدَبَتْها الكُلُومُ وقال امرؤ القيس:

1585 - مِن القاصِراتِ الطَرْفِ لو دَبَّ مُحْوِلٌ ... من الذَرِّ فوق الإِتْبِ منها لأَثَّرا

قوله تعالى: {وَجِئْنَا بِكَ} في هذه الجملةِ ثلاثةُ أوجه، أظهرها: أنها في محل جر عطفاً على «جئنا» الأولى أي: فكيف تصنعون في وقت المجيئين؟ . والثاني: أنها في محلِّ نصبٍ على الحال، و «قد» مرادةٌ معها، والعامل فيها «جئنا» الأولى أي: جئنا من كل أمة بشهيد وقد جئنا، وفيه نظر. والثالث: أنها مستأنفة فلا محل لها. قال أبو البقاء: «ويجوزُ أن يكونَ مستأنفاً، ويكون الماضي بمعنى المستقبل» . انتهى. وإنما احتاج إلى ذلك لأنَّ المجيءَ بعدُ لم يقع، فادَّعى ذلك، والله أعلم. و {على هؤلاء} متعلق ب «شهيداً» و «على» على بابها وقيل: هي بمعنى اللام وفيه بُعْدٌ، وأجيز أن تكون «على» متعلقةً بمحذوف على أنها حالٌ من «شهيداً» ، وفيه بُعْدٌ، و «شهيداً» حالٌ من الكاف في «بك» .

42

يَوْمَئِذٍۢ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَعَصَوُا۟ ٱلرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثًۭا

That Day, those who disbelieved and disobeyed the Messenger will wish they could be covered by the earth. And they will not conceal from Allah a [single] statement.

قوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ} : فيه ثلاثة أقوال، أحدها: أنه معمول ل «يود» أي: يَوَدُّ الذين كفروا يوم إذ جئنا. والثاني: أنه معمولٌ ل «شهيداً» قاله أبو البقاء، قال «وعلى هذا يكون» يود «صفةً ل» يوم «، والعائد محذوف تقديره: فيه، وقد ذكر ذلك في قوله {واتقوا يَوْماً لاَّ تَجْزِي} [البقرة: 48] وفيما قاله نظرٌ لا يَخْفى.

والثالث: أن» يوم «مبني لإضافته إلى» إذ «قاله الحوفي، قال: لأنَّ الظرف إذا أضيف إلى غير متمكن جاز بناؤُه معه. و» إذ «هنا اسمٌ؛ لأنَّ الظروفَ إذا أُضيف إليها خَرَجَتْ إلى معنى الاسمية من أجل تخصيصِ المضاف إليها كما تُخَصَّصُ الأسماءُ، مع استحقاقِها الجر، والجرُّ ليس من علامات الظروف» .

والتنوينُ في «إذ» تنوينُ عوضٍ على الصحيح، فقيل: عوض من الجملة الأولى في قوله {جِئْنَا مِن كُلِّ} أي: يومَ إذْ جِئْنا من كل أمة بشهيد، وجِئْنا بك على هؤلاء شهيداً، والرسولُ على هذا اسم جنس. وقيل: عوضٌ من الجملةِ الأخيرة، وهي «وجِئْنا بك» ، ويكون المراد بالرسول محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وكان النظم «وعَصَوْك» ولكنْ أُبْرِزَ ظاهراً بصفةِ الرسالةِ تنويهاً بقَدْرِهِ وشَرَفِه.

وفي قوله: {وَعَصَوُاْ} ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أنها جملة معطوفة على «كفروا» فتكونُ صلةً، فيكونون جامعين بين كفرٍ ومعصية. وقيل: بل هي صلةٌ لموصول آخر فيكونون طائفتين. وقيل: هي في محل نصب على الحال من «كفروا» و «قد» مرادةٌ أي: وقد عصوا. وقرأ يحيى وأبو السمَّال: «وعَصَوا الرسول» بكسر الواو على الأصل.

قوله: {لَوْ تسوى} إنْ قيل: إنَّ «لو» على بابها كما هو قول الجمهور فمفعول «يود» محذوف أي: يود الذين كفروا تسويةَ الأرض [بهم] ، ويدلُّ عليه: {لَوْ تسوى بِهِمُ الأرض} وجوابها حينئذ محذوف أي: لَسُرُّوا بذلك. وإنْ قيل: إنها مصدرية كانت هي وما بعدها في محل مفعول «يود» ولا جوابَ لها حينئذٍ، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك في {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ} [البقرة: 96] قال أبو البقاء « وعَصَو الرسول» في موضع الحال، و «قد» مرادةٌ، وهي معترضةٌ بين «يود» وبين مفعولِها وهو «لو تُسَوَّى» ، و «لو» بمعنى «أَنْ» «المصدرية» . انتهى. وفي جَعْلِه الجملةَ الحاليةَ معترضةً بين المفعولِ وعاملِه نَظَرٌ لا يَخْفَى، لأنها مِنْ جملةِ متعلقات العامل الذي هو صلةٌ للموصولِ، وهذا نظير ما لو قلت: «ضَرَبَ الذين جاؤوا مُسْرِعين زيداً» فكما لا يقال إنَّ «مسرعين» معترض به فكذلك هذه الجملة.

وقرأ أبو عمرو وابن كثير وعاصم «تُسَوَّى» بضم التاء وتخفيف السين مبنياً للمفعول. وقرأ حمزة والكسائي: تَسَوَّى بفتحِها والتخفيفِ، ونافع وابن عامر بالتثقيل. فأما القراءة الأولى فمعناها: أنهم يَوَدُّون أن الله تعالى يُسَوِّي بهم الأرض: إمَّا على أن الأرض تنشق وتبتلعهم، وتكون الباء بمعنى «على» ، وإمَّا على أنهم يَوَدُّون أن لو صاروا تراباً كالبهائم، والأصل: يَوَّدون أن الله يُسَوِّيهم بالأرض، فَقُلِب إلى هذا كقولهم: «أدخلت القَلَنْسوة في رأسي» ، وإمَّا على أنهم يودُّون لو يُدْفَنون فيها، وهو كمعنى القولِ الأول، وقيل: لو تُعْدَلُ بهم الأرض أي: يُؤْخَذُ ما عليها منهم فديةً.

وأمَّا القراءة الثانية فأصلُها «تَتَسَوَّى» بتاءين، فحذفت إحداهما. وفي الثالثة حُذِفت أحداهما. ومعنى القراءتين ظاهرِ مِمَّا تقدَّم، فإن الأقوال الجارية في القراءةِ الأولى جاريةٌ في القراءتين الأُخْرَيَيْن، غايةُ ما في الباب أنه نَسَب الفعلَ إلى الأرض ظاهراً.

قوله: {وَلاَ يَكْتُمُونَ} فيه ستةُ أوجهٍ، وذلك أنَّ هذه الواوَ تحتمل أن تكونَ للعطفِ وأن تكون للحالِ: فِإنْ كانت للعطفِ احتمل أن يكون من عطف المفردات، وأن يكونَ من عطف الجمل، إذا تقرر هذا فيجوز أن [يكون] {وَلاَ يَكْتُمُونَ} عطفاً على مفعول «يود» أي: يَوَدُّون تسويةَ الأرض بهم وانتفاءَ كتمان الحديث، و «لو» على هذا …

43

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِى سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا۟ ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰٓ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌۭ مِّنكُم مِّنَ ٱلْغَآئِطِ أَوْ لَٰمَسْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمْ تَجِدُوا۟ مَآءًۭ فَتَيَمَّمُوا۟ صَعِيدًۭا طَيِّبًۭا فَٱمْسَحُوا۟ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا

O you who have believed, do not approach prayer while you are intoxicated until you know what you are saying or in a state of janabah, except those passing through [a place of prayer], until you have washed [your whole body]. And if you are ill or on a journey or one of you comes from the place of relieving himself or you have contacted women and find no water, then seek clean earth and wipe over your faces and your hands [with it]. Indeed, Allah is ever Pardoning and Forgiving.

قوله تعالى: {لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة} : فيه وجهان، أحدهما: أن في الكلامِ حَذْفَ مضافٍ تقديرُه: مواضعَ الصلاة، والمراد بمواضعها المساجدُ، ويؤيدُ هذا قولُه بعد ذلك: {إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ} في أحد التأويلين. والثاني: أنه لا حذفَ، والنهي عن قربان نفسِ الصلاة في هذه الحالة.

قوله: {وَأَنْتُمْ سكارى} مبتدأٌ وخبرٌ في محلِّ نصبٍ على الحال من فاعل «تقربوا» . وقرأ الجمهورُ: «سُكارى» بضم السين وألف بعد الكاف، وفيه قولان، أحدهما: وهو الصحيح أنه جمع تكسير، نص عليه سيبويه، قال: «وقد يُكَسِّرون بعضَ هذا على فُعالى، وذلك كقولِ بعضِهم» سُكارى «» وعُجالى «. والثاني: أنه اسمُ جمع، وزعم ابنُ الباذش أنه مذهب سيبويه، قال:» وهو القياسُ لأنه لم يأت من أبنيةِ الجمع شيءٌ على هذا الوزن «. وذكر السيرافي الخلافَ، ورجَّح كونه تكسيراً.

وقرأ الأعمش:» سُكْرى «بضم السين وسكون الكاف/، وتوجيهُها أنها صفةٌ على فُعْلى كحُبْلى، وقعت صفةً لجماعةٍ أي: وأنتم جماعةٌ سُكْرى. وحَكى جناح بن حبيش:» كُسْلى وكَسْلى «بضم الكاف وفتحها. قاله الزمخشري. وقرأ النخعي:» سَكْرى «بفتح السين وسكون الكاف، وهذه تحتمل وجهين، أحدُهما: ما تقدَّم في القراءة قبلها وهو أنها صفةٌ مفردةٌ على فَعْلى كامرأةٍ سَكْرى وُصِفَ بها الجماعة. والثاني: أنها جمعُ تكسيرٍ كجَرْحى ومَوْتى وهَلْكى، وإنما جَمْعُ سَكْران على» فَعْلى «حملاً على هذه؛ لِما فيه من الآفةِ اللاحقةِ للفعلِ، وقد تقدَّم لك شيء من هذا في قولهِ في البقرة عند قولِه: {وَإِن يَأتُوكُمْ أسارى} [الآية: 85] ، وقُرىء» سَكارى «بفتحِ السينِ، والألفِ، وهذا جمعُ تكسيرِ نحو: نَدْمان ونَدامى وعَطْشان وعَطاشَى.

والسُّكْر لغةً: السَّدُّ، ومنه قيل لِما يَعْرِضُ للمرءِ مِنْ شرب المُسْكِر؛ لأنه يَسُدُّ مابين المرء وعقله، وأكثرُ ما يقال السُّكْرُ لإِزالة العقلِ بالمُسكِر، وقد يُقال ذلك لإِزالتِه بغضبٍ ونحوِه من عشقٍ وغيرِه قال:

1586 - سُكْرانِ سُكْرُ هوىً وسُكْرُ مُدامَةٍ ... أنَّى يُفيقُ فتىً به سُكْرانِ

والسَّكْرُ بالفتح وسكون الكاف حَبْسُ الماءِ، وبكسرِ السينِ نفسُ الموضعِ المسدودِ، وأمَّا» السَّكَر «بفتحهما فما يُسْكَرُ به من المشروبِ، ومنه {سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً} [النحل: 67] ، وقيل: السُّكْر بضمِّ السين وسكون الكاف السَّدُّ أي: الحاجزُ بين الشيئين قال:

1587 - فما زِلْنَا على السُّكْرِ ... نُداوي السُّكْرِ بالسُّكْرِ

والحاصلُ: أنَّ أصلَ المادة الدلالةُ على الانسدادِ، ومنه» سَكِرتْ عينُ البازي «إذا خالَطَها نومٌ، و» سَكِر النهرُ «إذا لم يَجْرِ، وسَكَرْتُه أنا.

قوله: {حتى تَعْلَمُواْ} » حتى «جارةٌ بمعنى» إلى «، فهي متعلقة بفعلِ النهي، والفعلُ بعدها منصوبٌ بإضمار» أَنْ «، وتقدَّم تحقيقُه.

و «ما» يجوزُ فيها ثلاثة أوجه: أن تكونَ بمعنى الذي، أو نكرةً موصوفةً، والعائدُ على هذين القولين محذوفٌ أي: يقولونه، أو مصدريةً فلا حَذْفَ إلا على رأيِ ابنِ السراجِ ومَنْ تَبِعه.

قوله: {وَلاَ جُنُباً} نصبٌ على أنه معطوفٌ على الحال قبله، وهو قوله {وَأَنْتُمْ سكارى} ، عَطَفَ المفردَ على الجملةِ لَمَّا كانَتْ في تأويلِه، وأعادَ معها « لا» تنبيهاً على أنَّ النهيَ عن قربانِ الصلاةِ مع كل واحدة من هذين الحالين على انفرادِهما، فالنهيُ عنها مع اجتماعِ الحالين آكدُ وأَوْلى.

والجُنُبُ: مشتقٌ من الجَنابة وهي البُعْد قال:

1588 - فلا تَحْرِمَنِّي نائلاً عن جَنابَةٍ ... فإني امرؤٌ وَسْطَ القِبابِ غريبُ

وسُمِّي الرجلُ جُنُباً لبُعْده عن الطهارة، أو لأنه ضاجَعَ بجَنْبه ومَسَّ به، والمشهورُ أنه يُستعمل بلفظٍ واحد للمفرد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث، ومنه الآيةُ الكريمة. قال الزمخشري: «لجَرَيانه مَجَرى المصدر الذي هو الإِجْناب» ومن العرب مَنْ يُثَنِّيه فيقول: «جُنُبان» ويجمعه سَلامَةً …

44

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ نَصِيبًۭا مِّنَ ٱلْكِتَٰبِ يَشْتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا۟ ٱلسَّبِيلَ

Have you not seen those who were given a portion of the Scripture, purchasing error [in exchange for it] and wishing you would lose the way?

قوله تعالى: {مِّنَ الكتاب} : فيه وجهان، أحدُهما: أنه متعلق بمحذوفٍ إذ هو صفةٌ ل «نصيباً» فهو في محل نصب، والثاني: أنه متعلق ب «أوتوا» أي: أوتوا من الكتابِ نصيباً. و «يَشْتَرُون» حالٌ وفي صاحبِها وجهان، أحدُهما: أنه واو «أوتوا» ، والثاني: أنه الموصولُ، وهي على هذا حالٌ مقدرة، والمشترى به محذوف أي: بالهُدى، كما صَرَّح به في مواضعَ. و «يريدون» عطفٌ على «يشترون» . وقرأ النخعي: «ويُريدون أَنْ تَضُلُّوا» بتاءِ الخطاب، والمعنى: وتريدون أيها المؤمنون أن تَدَّعوا الصوابَ/. وقرأ الحسن: «أن تُضِلُّوا» من «أضلَّ» . وقرىء: «أَنْ تُضَلُّوا السبيل» بضم التاء وفتح الضاد على ما لم يُسَمَّ فاعلُه. و «السبيل» مفعول به كقولك: «أخطأ الطريق» ، وليس بظرفٍ، وقيل: يتعدَّى ب «عَنْ» تقول: «ضَلَلْتُ السبيل، وعن السبيل» .

45

وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَآئِكُمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيًّۭا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرًۭا

And Allah is most knowing of your enemies; and sufficient is Allah as an ally, and sufficient is Allah as a helper.

قوله تعالى: {وكفى بالله} : قد تقدَّم الكلامُ على هذا التركيبِ أولَ السورةِ فَأَغْنى عن إعادتِه، وكذلك تقدَّم الكلامُ في المنصوبِ بعده.

46

مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُوا۟ يُحَرِّفُونَ ٱلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَٱسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍۢ وَرَٰعِنَا لَيًّۢا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًۭا فِى ٱلدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا۟ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَٱسْمَعْ وَٱنظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًۭا

Among the Jews are those who distort words from their [proper] usages and say, "We hear and disobey" and "Hear but be not heard" and "Ra'ina," twisting their tongues and defaming the religion. And if they had said [instead], "We hear and obey" and "Wait for us [to understand]," it would have been better for them and more suitable. But Allah has cursed them for their disbelief, so they believe not, except for a few.

قوله تعالى: {مِّنَ الذين هَادُواْ يُحَرِّفُونَ} : فيه سبعةُ أوجهٍ أحدها: أَنْ يكونَ «مِن الذين» خبراً مقدماً، و «يُحَرِّفون» جملةٌ في محلِّ رفعٍ صفةً لموصوف محذوف هو مبتدأ، تقديره: «من الذين هادوا قومٌ يُحَرِّفون» وحَذَفُ الموصوفِ بعد «مِنْ» التبعيضية جائزٌ، وإنْ كانت الصفةُ فعلاً كقولهم: «منا ظَعَن ومنا أَقام» أي: فريق ظعن، وهذا هو مذهبُ سيبويه والفارسي، ومثلُه:

1590 - وما الدهرُ إلا تارتانِ فمِنْهما ... أموتُ وأُخْرى أبتغي العيشَ أكدحُ

أي: فمنهما تارةً أموت فيها.

الثاني: قول الفراء وهو أنَّ الجارَّ والمجرور خبرٌ مقدم أيضاً، ولكنَّ المبتدأَ المحذوفَ يقدِّرُه موصولاً تقديره: «من الذين هادوا مَنْ يحرفون» ، ويكون قد حَمَل على المعنى في «يُحَرِّفون» ، قال الفراء: «ومثله:

1591 - فَظَلُّوا ومنهم دَمْعُه سابقٌ له ... وآخرُ يَثْني دمعةً العينِ باليدِ

قال:» تقديرُه: «ومنهم مَنْ دمعُه سابقٌ له» . والبصريون لا يجيزون حَذْفَ الموصولِ لأنه جزءُ كلمة، وهذا عندهم مؤولٌ على حذف موصوف كما تقدم، وتأويلُهم أَوْلَى لعطفِ النكرة عليه وهو «آخر» ، و «أخرى» في البيتِ قبلَه، فيكونُ في ذلك دلالةٌ على المحذوفِ، والتقديرُ: فمنهم عاشقٌ سابقٌ دمعُه له وآخرُ.

الثالث: أنَّ «مِن الذين» خبرُ مبتدأ محذوف أي: هم الذين هادوا، و «يُحَرِّفون» على هذا حالٌ من ضمير «هادوا» . وعلى هذه الأوجهِ الثلاثةِ يكونُ الكلامُ قد تَمَّ عند قوله «نصيراً» .

الرابع: أن يكونَ «من الذين» حالاً من فاعل «يريدون» قاله أبو البقاء، ومَنَع أن يكونَ حالاً من الضمير في «أوتوا» ومن «الذين» أعني في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ} قال: «لأنَّ الحال لا تكونُ لشيءٍ واحد إلا بعطفِ بعضِها على بعض» . قلت: وهذه مسألةٌ خلافٍ، من النحويين مَنْ مَنَع، ومنهم مَنْ جَوَّز وهو الصحيح.

الخامس: أنَّ «مِن الذين» بيانٌ للموصولِ في قوله: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ} لأنهم يهودٌ ونصارى فبيَّنهم باليهودِ، قال الزمخشري، وفيه نظرٌ من حيث إنه قد فُصِل بينهما بثلاثِ جمل وهي: «والله أعلم» إلى آخره، وإذا كان الفارسي قد مَنَعَ الاعتراضَ بجملتين فما بالُك بثلاث!! قاله الشيخ، وفيه نظرٌ فإنَّ الجمَلَ هنا متعاطفةٌ، والعطفُ يُصَيِّر الشيئين شيئاً واحداً.

السادس: أنه بيانٌ لأعدائِكم، وما بينهما اعتراض أيضاً وقد عُرِف ما فيه.

السابع: أنه متعلِّقٌ ب «نصيراً» ، وهذه المادةُ تتعدَّى ب «من» . قال تعالى:

{وَنَصَرْنَاهُ مِنَ القوم} [الأنبياء: 77] {فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ الله} [غافر: 29] على أحدِ تأويلين: إمَّا على تضمينِ النصرِ معنى المنع أي: منعناه من القوم، وكذلك: وكفى بالله مانعاً بنصرِه من الذين هادوا، وإمَّا على جَعْلِ «مِنْ» بِمعنى «على» والأولُ مذهبُ البصريين. فإذا جعلنا «من الذين» بياناً لِما قبله فبِمَ يتعلَّق؟؟ والظاهرُ أنه يتعلق بمحذوف، ويَدُلُّ على ذلك أنهم قالوا في «سُقيْاً لك» : إنَّ «لك» متعلق بمحذوف لأنه بيانٌ.

وقال أبو البقاء: «وقيل: هو حالٌ من» أعدائكم «أي: واللهُ أعلمُ بأعدائِكم كائنين من الذين هادوا، والفصلُ بينهما مُسَدِّد فلم يمنعْ من الحال» . فقوله هذا يُعْطي أنه بيانٌ لأعدائكم مع إعرابِه له حالاً فيتعلَّق بمحذوف، لكن لا على ذلك الحذفِ المقصودِ في البيان.

وقد ظهر مِمَّا تقدَّم أنَّ «يُحَرِّفون» : إمَّا لا محلَّ له، أو له محلُّ رفعٍ أو نصبٍ على حَسْبِ ما تقدم. وقرأ أبو رجاء والنخعي: «الكلام» وقرىء «الكِلْم» بكسر الكاف وسكون اللام جمع «كِلْمة» مخففة من كَلِمة، ومعانيهما متقاربةٌ.

و {عَن مَّوَاضِعِهِ} متعلِّقٌ ب «يُحَرِّفون» ، وذكَّر الضمير في «مواضعه» حَمْلاً على «الكَلِم» لأنها جنسٌ.

وجاء هنا: {عَن مَّوَاضِعِهِ} ، وفي المائدة: {مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ} [الآية: 41] قال الزمخشري: «أمَّا» عن …

47

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَٰبَ ءَامِنُوا۟ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًۭا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدْبَارِهَآ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّآ أَصْحَٰبَ ٱلسَّبْتِ ۚ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ مَفْعُولًا

O you who were given the Scripture, believe in what We have sent down [to Muhammad], confirming that which is with you, before We obliterate faces and turn them toward their backs or curse them as We cursed the sabbath-breakers. And ever is the decree of Allah accomplished.

قوله تعالى: {مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ} : متعلقٌ بالأمر في قوله: «آمنوا» ، و «نَطْمِس» يكون متعدياً، ومنه هذه الآية، ومثلُها: {فَإِذَا النجوم طُمِسَتْ} [المرسلات: 8] لبنائِه للمفعولِ من غيرِ حرفِ جرٍّ، ويكون لازماً يقال: «طمس المطرُ الأعلامَ» و «طَمَست الأعلامُ» ، قال كعب:

1593 - من كلِّ نَضَّاخةِ الذِّفْرى إذا عَرِقَتْ ... عُرْضَتُها طامِسُ الأعلامِ مجهولُ

وقرأ الجمهور: «نَطْمِس» بكسر الميم، وأبو رجاء بضمها، وهما لغتان في المضارع. وقَدَّر بعضُهم مضافاً أي: عيونَ وجوهٍ، ويُقَوِّيه أنَّ الطمسَ للأعينِ، قال تعالى: {لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ} [يس: 66] .

وقوله: {على أَدْبَارِهَآ} فيه وجهان، أظهرُهما: أنه متعلق ب «نَرُدَّها» . والثاني: أن يتعلَّق بمحذوف؛ لأنه حال من المفعول في «نردَّها» قاله أبو البقاء، وليس بواضح.

قوله: «أو نلعَنهم» عطفٌ على «نَطْمِسَ» ، والضميرُ في «نلعنهم» يعودُ على الوجوه، «على حَذْفِ مضافٍ إليه» ، أي: وجوه قوم، أو على أن يُرادَ بهم الوُجَهاءُ والرؤساءُ، أو يعودُ على الذين أوتوا الكتاب، ويكون ذلك التفاتاً من خطابٍ إلى غيبة، وفيه استدعاؤُهم للإِيمان، حيث لم يواجِهْهم باللعنةِ بعد أَنْ شَرَّفهم بكونهم من أهل الكتاب. وقوله: {وَكَانَ أَمْرُ الله} : أمرٌ واحدٌ أُريد به الأمورُ. وقيل: هو مصدرٌ واقعٌ موقعَ المفعول به أي: مأمورُه أي: ما أَوْجَدَه كائنٌ لا محالةَ.

48

إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفْتَرَىٰٓ إِثْمًا عَظِيمًا

Indeed, Allah does not forgive association with Him, but He forgives what is less than that for whom He wills. And he who associates others with Allah has certainly fabricated a tremendous sin.

وقوله تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ} : مستأنفٌ، وليس عطفاً على «يَغْفر» الأولِ لفسادِ المعنى. والفاعل في «يشاء» ضميرٌ عائد على الله تعالى، ويُفْهَمُ مِنْ كلامِ الزمخشري أنه ضميرٌ عائدٌ على «مَنْ» في «لِمَنْ» ؛ المعنى عنده: إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ الشرك لمن لا يشاء أن يغفر له، بكونهِ مات على الشرك غيرَ تائبٍ منه، ويغفرُ ما دونَ ذلك لمَنْ يشاءُ أَنْ يغفرَ له بكونهِ مات تائباً من الشرك «، و» لِمَنْ يشاء «متعلقٌ ب» يغفر «.

49

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم ۚ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّى مَن يَشَآءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا

Have you not seen those who claim themselves to be pure? Rather, Allah purifies whom He wills, and injustice is not done to them, [even] as much as a thread [inside a date seed].

وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ} : تقدَّم مثلُه، و «بل» إضرابٌ عن تزكيتهم أنفسَهم. وقَدَّر: أبو البقاء قبل هذا الإِضراب جملةً قال: «تقديره: أخطؤوا بل الله يزكي من يشاء.

وقوله: {وَلاَ يُظْلَمُونَ} يجوز أن يكونَ حالاً مِمَّا تقدَّم، وأَنْ يكونَ مستأنفاً، والضميرُ في» يُظْلمون «يجوز أن يعودَ على مَنْ يشاء» أي: لا يُنْقِصُ من تزكيتهم شيئاً، وإنما جَمَع الضميرَ حَمْلاً على معنى «مَنْ» ، وأن يعودَ على الذين يُزَكُّون، وأن يعود على القبيلين: مَنْ زكَّى نفسَه ومَنْ زكَّاه الله، فذاك لا يُنْقِصُ من عقابِه شيئاً، وهذا لا يُنْقِصُ من ثوابِه شيئاً. والأولُ أظهرُ؛ لأن «مَنْ» أقربُ مذكورٍ، ولأنَّ «بل» إضرابٌ منقطعٌ ما بعدها عَمَّا قبلها. وقال أبو البقاء: «ويجوزُ أن يكونَ مستأنفاً أي: مَنْ زَكَّى نفسَه، ومَنْ زَكَّاه الله» انتهى، فَجَعَلَ عود الضميرِ على الفريقين بناءً على وجهِ الاستئنافِ، وهذا غيرُ لازمٍ، بل يجوزُ عَوْدُه عليهما والجملةُ حاليةٌ.

و {فَتِيلاً} مفعولُ ثانٍ، لأنَّ الأولَ قام مقامَ الفاعلِ، ويجوز أن يكونَ نعتَ مصدرٍ محذوفٍ، كما تقدَّم تقريرُه في {مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء: 40] . والفتيل: خيط رقيق في شِقِّ النَّواة، يُضْرب به المَثَلُ في القلة، وقيل: هو ما خرج من بين إصبعيك أو كفَّيْك من الوسخ حين تفتلهما، فهو فعيل بمعنى مفعول، وقد ضَرَبَتِ العربُ المثلَ في القلة التافهة بأربعة أشياء اجتمعن في النواة، وهي: الفتيل والنقير وهو النُّقْرة التي في ظَهر النَّواة والقِطْمير وهو القشر الرقيق فوقها وهذه الثلاثةُ واردةٌ في الكتابِ العزيز، والثُّفْروق وهو ما بين النواة والقِمْع الذي يكون في رأس التمرة كالعِلاقة بينهما.

50

ٱنظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلْكَذِبَ ۖ وَكَفَىٰ بِهِۦٓ إِثْمًۭا مُّبِينًا

Look how they invent about Allah untruth, and sufficient is that as a manifest sin.

قوله تعالى: {انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ} : كيف منصوبٌ ب «يَفْتَرون» وتقدَّم الخلافُ فيه، والجملةُ في محلِّ نصب بعد إسقاط الخافضِ، لأنها معلقةٌ ل «انظر» و «انظر» يتعدَّى ب «في» لأنَّها هنا ليست بصريةً. و «على الله» متعلقٌ ب «يفترون» وأجاز أبو البقاء أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من «الكذب» قُدِّم عليه قال: «ولا يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بالكذبِ؛ لأنَّ معمولَ المصدرِ لا يقتدَّم عليه، فإنْ جُعِل على التبيين جاز» وجَوَّز ابنُ عطية أن تكونَ «كيف» مبتدأً، والجملةُ من قولِه «يفترون» الخبرُ، وهذا فاسدٌ لأنَّ «كيف» لا تُرْفَعُ بالابتداء، وعلى تقديرِ ذلك فأين الربطُ بينها وبين الجملةِ الواقعة خبراً عنها؟ ولم تكن نفسَ المبتدأ حتى تَسْتغني عن رابط. و «إثْماً» تمييزٌ، والضميرُ في «به» عائدٌ على الكذب، وقيل: على الافتراءِ، وجَعَله الزمخشري عائداً على زعمِهم، يعني مِنْ حيث التقديرُ.

Commentary: Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.