Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi

Ayahs 141–150 of 176

141

ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوٓا۟ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَٰفِرِينَ نَصِيبٌۭ قَالُوٓا۟ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ ۗ وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا

Those who wait [and watch] you. Then if you gain a victory from Allah, they say, "Were we not with you?" But if the disbelievers have a success, they say [to them], "Did we not gain the advantage over you, but we protected you from the believers?" Allah will judge between [all of] you on the Day of Resurrection, and never will Allah give the disbelievers over the believers a way [to overcome them].

قوله تعالى: {الذين يَتَرَبَّصُونَ} : فيه ستة أوجه، أحدها: أنه بدلٌ من قوله: {الذين يَتَّخِذُونَ} فيجيء فيه الأوجه المذكورة هناك. الثاني: أنه نعتٌ للمنافقين على اللفظ فيكون مجرورَ المحل. الثالث: أنه تابعٌ لهم على الموضعِ فيكونُ منصوبَ المحلِّ، وقد تقرر أنَّ اسمَ الفاعلِ العاملَ إذا أُضيفَ إلى معمولِه جاز أن يُتْبَعَ معمولُه لفظاً وموضعاً، تقول: «هذا ضاربٌ هندٍ العاقلةِ والعاقلةَ» بجرِّ العاقلة ونصبِها. الرابع: أنه منصوبٌ على الشتم. الخامس: أنه خبرُ مبتدأ مضمر أي: هم الذين. السادس: - وذكره أبو البقاء - أنه مبتدأ والخبرُ قولُه: «فإنْ كان لكم فتحُ» وهذا ضعيفٌ لنبوِّ المعنى عنه ولزيادةِ الفاءِ في غيرِ محلِّها، لأنّ هذا الموصولَ غيرُ ظاهرِ الشبهِ باسم الشرط.

قوله: {وَنَمْنَعْكُمْ} الجمهورُ على جزمه عطفاً على ما قبله. وقرأ ابن أبي عبلة بنصب العين وهي ظاهرةٌ، فإنه على إضمار «أن» بعد الواو المقتضية للجمع في جوابِ الاستفهام كقول الحطيئة:

166 - 6- ألم أكُ جارَكمْ ويكونَ بيني ... وبينكمُ المودةُ والإخاءُ

وعَبَّر ابنُ عطية بعبارة الكوفيين فقال: «بفتحِ العين على الصرف» ويعنون بالصرف عدمَ تشريكِ الفعلِ مع ما قبلَه في الإِعراب. وقرأ أُبَي: «ومنعناكم» فعلاً ماضياً وهي ظاهرةٌ أيضاً لأنه حُمِلَ على المعنى، فإن معنى «ألم نستحوذ» : إنَّا قد استحوذنا، لأنَّ الاستفهامَ إذا دخل على نفي قَرَّره، ومثلُه: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا} [الشرح: 1 -2] لَمَّا كان «ألم نشرح» في معنى «قد شرحنا» عُطِفَ عليه «ووضَعْنا» .

ونستحوذ واستحوذ مِمَّا شَذَّ قياساً وفَصُحَ استعمالاً / لأنَّه مِنْ حقه نَقْلُ حركةِ حرفِ علتِه إلى الساكن قبلها، وقَلْبُها ألفاً كاستقام واستبان وبابه، وقد قدمت تحقيق هذا في قوله: {نَسْتَعِينُ} [الآية: 5] في الفاتحة، وقد شَذَّت معه الفاظُ أُخَرُ نحو: «أَغْمَيتْ وأَغْيلتْ المرأة وأَخْيلت السماء» قصرها النحويون على السماع، وقاسَها أبو زيد. والاستحواذ: التغلُّب على الشيء والاستيلاءُ عليه. ومنه: {استحوذ عَلَيْهِمُ الشيطان} [المجادلة: 19] . ويقال: «حاذَ وأحاذ» بمعنى، والمصدُر الحَوْذ.

وقوله: {يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} قيل: هنا معطوفٌ محذوف أي: وبينهم كقوله:

166 - 7- فما كانَ بين الخيرِ لو جاء سالماً ... أبو حُجُرٍ إلا ليالٍ قلائِلُ

أي: وبيني، والظاهرُ أنه لا يَحْتاج لذلك، لأن الخطاب في «بينكم» شاملٌ للجميع، والمرادُ المخاطبون والغائبون، وإنما غَلَّبَ الخطاب لِما عَرَفْتَ من لغة العرب. قوله: {عَلَى المؤمنين} يجوز أن يتعلقَ بالجَعْلِ، ويجوز أَنْ يتعلَّق بمحذوفٍ؛ لأنه في الأصلِ صفةٌ ل «سبيلا» فلمَّا قُدِّم عليه انتصبَ حالاً عنه.

An-Nisaa 4:141Listen in Qur'an →
142

إِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوٓا۟ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُوا۟ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلًۭا

Indeed, the hypocrites [think to] deceive Allah, but He is deceiving them. And when they stand for prayer, they stand lazily, showing [themselves to] the people and not remembering Allah except a little,

وقوله تعالى: {يُخَادِعُونَ} : قد تقدَّم اشتقاقُه ومعنى المفاعلة فيه اول البقرة قوله: {وَهُوَ خَادِعُهُمْ} فيها ثلاثةُ أوجه أحدها: - ذكره أبو البقاء- وهو أنَّها نصبُ على الحال. والثاني: أنها في محل رفع عطفاً على خبر «إنَّ» والثالث: أنها استئناف إخبار بذلك. قال الزمخشري: «وخادِع» اسمُ فاعل من خادَعْتُه فَخَدَعْتُه إذا غلبتَه وكنتَ أخدعَ منه. قوله: «وإذا قاموا» عطفٌ على خبرِ «إنَّ» أخبر عنهم بهذه الصفاتِ الذَّميمة. و «كُسالى» نصبٌ على الحال من ضمير «قاموا» الواقع جواباً. والجمهورُ على ضم الكاف، وهي لغة أهل الحجاز. وقرأ الأعرج بفتحها، وهي لغةُ تميم وأسدٍ، وقرأ ابن السَّمَيْفَع: «كَسْلى» وَصَفَهم بما تُوصف به المؤنثة المفردةُ اعتباراً بمعنى الجماعة كقوله: {وتَرَى الناسَ سَكْرى} والكسلُ: الفتورُ والتواني، وأَكْسَل: إذا جامَعَ وفَتَر ولم يُنْزِل.

قوله: {يراؤون} في هذه الجملةِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُهما: أنها حالٌ من الضمير المستتر في «كُسالى» الثاني: أنها بدلٌ من «كُسالى» ذكره أبو البقاء، فيكونُ حالاً من فاعل «قاموا» وفيه نظرٌ، لأنَّ الثاني ليس الأولَ ولا بعضه ولا مشتملاً عليه. الثالث: أنها مستأنفةٌ أَخْبر عنهم بذلك. وأصلُ يُراؤُون: يُرائِيوُن فأُعِلَّ كنظائرِه. والجمهور على «يُراؤُون» من المفاعلةِ قال الزمخشري: فإنْ قلت: ما معنى المراءاة وهي مُفَاعَلَة من الرؤية؟ قلت: لها وجهان أحدها: أنَّ المرائِيَ يُريهم عمله وهم يُرُوْنه الاستحسانَ. والثاني: أنْ تكونَ من المفاعلة بمعنى التفعيل، يقال: نعَّمه وناعمه، وفَنَّقه وفانَقَه، وعيش مُفَانِق، وروى أبو زيد: «رأَّت المَرْأةُ المِرْآة» إذا أَمْسَكَتْها له ليرى وجهه، ويدل عليه قراءةُ ابن أبي اسحاق: «يُرَؤُّونهم» بهمزةٍ مشددةٍ مثلَ: يُدَعُّونهم، أي: يُبَصِّرونهم ويُرَاؤُوْنهم كذلك، يعني أنّ قراءةَ «يُرَؤُّونَهم» مِنْ غير ألفٍ بل بهمزةٍ مضمومةٍ مشددةٍ توضِّح أنَّ المُفَاعلةَ هنا بمعنى التفعيل. قال ابن عطية: «وهي - يعني هذه القراءة - أقوى من» يراؤون «في المعنى؛ لأنَّ معناها يَحْمِلُون الناسَ على أَنْ يَرَوْهم، ويتظاهرون لهم بالصلاة ويُبْطُنون النفاقَ» وهذا منه ليس بجيد؛ لأنَّ المفاعلة إنْ كانت على بابها فهي أبلغُ لِما عُرِفَ غيرَ مرة، وإنْ كانت بمعنى التفعيل فهي وافيةٌ بالمعنى الذي أرداه، وكأنه لم يعرف أنَّ المفاعلة قد تجيء بمعنى التفعيل. ومتعلِّقُ المراءاةِ محذوفٌ لِيَعُمَّ كلَّ ما يُراءَى به. والأحسن أن تُقَدِّر يُراؤون الناسَ بأعمالهم.

وقوله: {قَلِيلاً} نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ أو لزمان محذوف أي: ذكراً قليلاً أو زماناً قليلاً، والقلةُ هنا على بابِها، وجَوَّز الزمخشري وابن عطية أن تكون بمعنى العَدَم، ويأباه كونُه مستثنى، وقد تقدَّم الردُّ عليهما في ذلك. وقوله: {وَلاَ يَذْكُرُونَ} يجوز أن يكونَ عطفاً على «يُراؤُون» وأن يكون حالاً من فاعل «يُراؤون» وهو ضعيفٌ لأنَّ المضارع المنفي ب «لا» كالمثبت، والمُثْبَتُ إذا وَقَع حالاً لا يَقْتَرِنُ بالواوِ، فإنْ جَعَلَها عاطفةً جاز.

An-Nisaa 4:142Listen in Qur'an →
143

مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ ۚ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلًۭا

Wavering between them, [belonging] neither to the believers nor to the disbelievers. And whoever Allah leaves astray - never will you find for him a way.

قوله تعالى: {مُّذَبْذَبِينَ} : فيه ثلاثةُ أوجهٍ أحدُهما: أنه حال مِنْ فاعل «يُراؤون» الثاني: أنه حالٌ من فاعل «ولا يَذْكَرُون» الثالث: أنه منصوبٌ على الذمّ والجمهور على «مذبذّبين» بميمٍ مضمومة وذالين معجمتين ثانيتهما مفتوحةٌ على أنه اسم مفعول، من ذبذبته فهو مُذَبْذَب أي: متحيِّر. وقرأ ابن عباس وعمرو بن فائد بكسر الذال الثانيةِ اسمَ فاعل، وفيه احتمالان، أحدهما: أنه من «ذَبْذَبَ» متعدِّياً فيكونُ مفعولُه محذوفاً أي: مُذَبْذِبين أنفسهم أو دينَهم أو نحوَ ذلك. والثاني: أنه بمعنى تَفَعْلَل نحو: «صَلْصَلَ» فيكون قاصراً، ويَدُلُّ على هذا الثاني قراءةُ أُبَيّ وما في مصحف عبد الله: «مُتَذّبْذِبين» فلذلك يُحْتَمَلُ أن تكونَ قراءةُ ابنِ عباس بمعنى متذبذبين. وقرأ الحسن البصري «مَذَبْذَبِين» بفتح الميم. قال ابن عطية: «وهي مردودة» ولَعَمْري لقد صدق، ولا ينبغي أن تَصِحَّ عنه. واعتذر الشيخ عنها لأجل فصاحة الحسن واحتجاج الناس بكلامه بانَّ فتح الميم لأجل إتباعها بحركة الذال قال: «وإذا كانوا قد اتبعوا في» مِنْتِن «حركة الميم بحركة التاء مع الحاجز بينهما، وفي نحو» منحدْر «أتبعوا حركة الدال بحركة الراء حال الرفع مع أنَّ حركةَ الإِعرابِ غيرُ لازمة فَلأَنْ يُتْبعوا في نحو» مَذَبذبين «أولى. وهذا فاسدٌ لأن / الإِتباع في الأمثلة التي أوردها ونظائرها إنما هو إذا كانت الحركةُ قويةً وهي الضمةُ والكسرةُ، وأمَّا الفتحةُ فخفيفةٌ فلم يُتْبِعُوا لأجلها. وقرأ ابن القعقاع بدالين مهملين من الدُّبَّة وهي الطريقة، يقال:» خَلَّني ودُبَّتي «أي: طريقتي قال:

166 - 8- طَها هُذْرُبانٌ قَلَّ تغميضُ عيِنِه ... على دُبَّةٍ مثلِ الخَنيفِ المُرَعْبَلِ

وفي حديث ابن عباس:» اتَّبِعوا دُبَّة قريش «أي: طريقها، فالمعنى على هذه القراءة: أنْ يأخذَ بهم تارةً دُبَّةً وتارة دُبَّةً أخرى، فَيَتْبَعُون متحيِّرين غيرَ ماضين على طريق واحد.

ومُذّبْذَب وشبهُه نحو: مُكَبْكَب ومُكَفْكَف مِمَّا ضُعِّف أولُه وثانيه وصَحَّ المعنى بإسقاط ثالثِه فيه مذاهبٌ، أحدُهما: - وهو قولُ جمهورِ البصريين - أنَّ الكلَّ أصولٌ، لأنَّ أقلَّ البنية ثلاثةُ أصولٍ وليس أحدُ المكررين أَوْلى بالزيادةِ من الآخر. الثاني - ويُعْزَى للزجاج - أنَّ ما صَحَّ إسقاطُه زائدةٌ. الثالث: - وهو قول الكوفيين - أن الثالث بدل من تضعيف الثاني، ويزعمون أن أصل كفكف: كَفَّفَ بثلاث فاءات، وذبذب: ذَبَّب بثلاث باءات فاستُثْقِل توالي ثلاثةِ أمثالٍ فَأَبْدَلوا الثالثَ من جنس الأول، ولهذه المذاهب موضوعٌ غيرُ هذا حَرَّرْتُ مباحثَهم فيه، أمَّا إذا لم يَصِحَّ المعنى بحذفِ الثالث نحو: سِمْسم ويُؤْيؤ ووعْوَع فإنَّ الكلَّ يزعمون أصالةَ الجميعِ. والذبذبة في الأصل: الاضطرابُ والتردُّد بين حالتين.

قال النابغة:

166 - 9- ألم تَرَ أنَّ اللهَ أَعْطاك سُورةً ... تَرَى كُلَّ مَلْكٍ دونَها يَتَذَبْذَبُ

وقال آخر.

167 - 0- خيالٌ لأمِّ السَّلْبيل ودونَها ... مسيرةُ شهرٍ للبعيرِ المُذَبْذِبِ

بكسر الذال الثانية. قال ابن جني: «أي القَلِق الذي لا يستقر» قال الزمخشري: «وحقيقةُ المذبذب الذي يُذَبُّ عن كلا الجانبين أي يُذاد ويُدْفع فلا يقرُّ في جانبٍ واحد، كما يقال:» فلان يُرْمَى به الرَّحَوان «إلا أنَّ الذبذبة فيها تكريرٌ ليس في الذَبِّ، كأنَّ المعنى: كلما مالَ إلى جانبٍ ذَبَّ عنه» .

و «بين» معمولٌ لقوله: «مُذَبْذَبين» و «ذلك» إشارةٌ إلى الكفر والإِيمان المدلولِ عليهما بذكر الكافرين والمؤمنين ونحو:

167 - 1- إذا نُهِي السفيهُ جَرَى إليه ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أي: إلى السَّفَهِ لدلالةِ لفظ السفيه عليه. وقال ابن عطية: «أشير إليه وإن لم يَجْزِ له ذِكْرٌ لتضمن الكلام له نحو: {حتى تَوَارَتْ بالحجاب} [ص: 32] {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} [الرحمن: 26] يعني …

An-Nisaa 4:143Listen in Qur'an →
144

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ ٱلْكَٰفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُوا۟ لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَٰنًۭا مُّبِينًا

O you who have believed, do not take the disbelievers as allies instead of the believers. Do you wish to give Allah against yourselves a clear case?

قوله تعالى: {سُلْطَاناً} : السلطان يُذّكَّرُ ويؤنث، فتذكيرُه باعتبار البرهان، وتأنيثُه باعتبار الحجة، إلا أن التأنيث أكثرُ عند الفصحاء، كذا قاله الفراء، وحكى: «قَضَتْ عليك السلطان» «وأَخَذَتْ فلاناً السلطانُ» وعلى هذا فكيف ذُكِّرت صفته فقيل: مبيناً دون: مبينة؟ والجواب أن الصفة هنا رأسُ فاصلة فلذلك عَدَلَ إلى التذكير دون التأنيث. وقال ابن عطية ما يخالف ما حكاه الفراء فإنه قال: «والتذكيرُ أشهرُ، وهي لغة القرآن حيث وقع» . «وعليكم» يجوزُ تعلُّقه بالجَعْل «أو بمحذوف على أنه حال من» سلطانا «؛ لأنه صفة له في الأصل وقد تقدَّم نظيره.

An-Nisaa 4:144Listen in Qur'an →
145

إِنَّ ٱلْمُنَٰفِقِينَ فِى ٱلدَّرْكِ ٱلْأَسْفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا

Indeed, the hypocrites will be in the lowest depths of the Fire - and never will you find for them a helper -

قوله تعالى: {فِي الدرك} : قرأ الكوفيون - بخلاف عن عاصم - بسكونِ الراء، والباقون بفتحِها، وفي ذلك قولان، أحدُهما: أنَّ الدَّرْك والدَّرِكِ لغتان بمعنى واحدٍ كالشَّمْع والشَّمَع، والقَدْر والقَدَر. والثاني: أنَّ الدَّرَك بالفتح جمعُ «دَرَكة» على حدِّ بَقَر وبَقَرة، واختار أبو عبيد الفتحَ قال: «لأنه لم يَجِىءْ في الآثار ذِكْرُ» الدَّرَك «إلا بالفتحِ، وهذا غيرُ لازمٍ لمجيء الأحاديثِ بإحدى اللغتين. واختار بعضُهم الفتحَ لجَمْعِه على أَفْعال، قال الزمخشري:» والوجهُ التحريكُ لقولِهم «أدراك جهنم» يعني أنَّ أفعالاً منقاسٌ في فَعَل بالفتحِ دونَ فَعْل بالسكون، على أنه قد جاء أَفْعال في فَعْل بالسكون نحو: فَرْخ وأَفْراخ، وزَنْد وأَزْناد، وفَرْد وأَفْراد. وقال أبو عبد الله الفاسي في شرحِ القصيد: «وقال غيرُه - يعني غيرَ عاصم - محتجَّاً لقراءة الفتح قولُهم في جَمْعِه:» أَدْراك «يَدُلُّ على أنه» دَرَك «بالفتح، ولا يَلْزم ما قال أيضاً، لأنَّ فَعَلاً بالتحريك قد جُمِع على أَفْعاله كقَلَم وأَقْلام، وجَبَل وأَجبال» انتهى، وهذه غفلةٌ منه لأنه المتنازعَ فيه إنما هو فَعْل بالتسكين: هل يُجْمَعُ على أَفْعال أم لا؟ وأما فَعَلَ بالتحريك فأفْعال قياسُه، وكأنه قَصَدَ الردَّ على الزمخشري فوقَع في الغلطِ، كان ينبغي له أن يقول: وقد جُمِع فَعْل بالسكون على أَفْعال نحو: فَرْخ وأَفْراخ كما ذكرته لك. وحُكِي عن عاصم / أنه قال «لو كان» الدرَك «بالفتح لكان ينبغي أن يقال السُّفْلى لا الأسفل» قال بعض النحويين: «يعني أن الدرَك بالفتح جمع» دَرَكة «كبَقَر جمع بَقَرَة، والجمعُ يُعامل معاملةَ المؤنثة. وهذا غيرُ لازمٍ لأنَّ اسمَ الجنسِ الفارقُ بين واحدِه وجمعِه تاءُ التأنيث يجوز تذكيرُه وتأنيثُه إلا ما استُثْنيَ وجوبُ تذكيرِه أو تأنيثه، والدرَك ليس منه، فيجوز فيه الوجهان، هذا بعد تسليم كون» الدرك «جمع» دَرَكة «بالسكون كا تقدم. والدَّرَكُ مأخوذٌ من المُدراكة وهي المتابعةُ، وسُمِّيت طبقاتُ النار» دَرَكات «لأنَّ بعضَها مدارك لبضع أي: متتابعة. قوله: {مِنَ النار} في محلِّ نصب على الحال، وفي صاحبِها وجهان، أحدُهما: أنه» الدرك «والعامل فيها الاستقرار، والثاني: أنه الضميرُ المستتر في» الأسفل «لأنه صفةٌ فيتحمل ضميراً.

An-Nisaa 4:145Listen in Qur'an →
146

إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُوا۟ وَأَصْلَحُوا۟ وَٱعْتَصَمُوا۟ بِٱللَّهِ وَأَخْلَصُوا۟ دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَعَ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ وَسَوْفَ يُؤْتِ ٱللَّهُ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًۭا

Except for those who repent, correct themselves, hold fast to Allah, and are sincere in their religion for Allah, for those will be with the believers. And Allah is going to give the believers a great reward.

قوله تعالى: {إِلاَّ الذين} : فيه ثلاثةُ أوجه، احدُها: أنه منصوبٌ على الاستثناء مِنْ قوله: {إِنَّ المنافقين} الثاني: أن مستثنى من الضميرِ المجرورِ في «لهم» الثالث: أنه مبتدأٌ، وخبرُه الجملةُ من قوله: {فأولئك مَعَ المؤمنين} قيل: «ودَخَلَتِ الفاءُ في الخبرِ لشبهِ المبتدأ باسم الشرط قال أبو البقاء ومكي وغيرُهما:» مع المؤمنين «خبرُ» أولئك «والجملةُ خبر» إلا الذين «والتقدير: فأولئك مؤمنون مع المؤمنين، وهذا التقديرُ لا تقتضيه الصناعة، بل الذي تقتضيه الصناعة أن يُقَد‍َّر الخبرُ الذي يتعلق به هذا الظرف شيئاً يليق به، وهو» فأولئك مصاحبون أو كائنون أو مستقرون «ونحوه، فتقدِّرُه كوناً مطلقاً أو مايقاربه.

قوله: {وَسَوْفَ يُؤْتِ الله} رُسِمت» يؤت «دون» ياء «وهو مضارعٌ مرفوع فحقُّ يائه أن تثبت لفظاً وخطاً، إلا أنها حذفت لفظاً في الوصل لالتقاء الساكنين فجاءُ الرسم تابعاً للفظ، وله نظائر تقدم بعضها. والقراءُ يقفون عليه دون ياء أتِّباعاً للخط الكريم، إلا يعقوبَ فإنه يقف بالياء نظراً إلى الأصل، ورُوي ذلك أيضاً عن الكسائي وحمزة. وقال أبو عمرو:» ينبغي أن لا يُوقَفَ عليها، لأنه إنْ وُقف عليها كما في الرسم دون ياء خالف النحويين، وإن وقف بالياء خالف رسم المصحف «ولا بأسَ بما قال، لأن الوقف ليس ضرورياً، فإن اضْطُرَّ إليه واقفٌ لقَطْعِ نَفَس ونحوه فنيبغي أن يُتابَع الرسمُ، لأنَّ الأطرافَ قد كَثُر حَذْفُها، ومِمَّا يشبه هذا الموضعَ قولهُ: {وَمَن تَقِ السيئات يَوْمَئِذٍ} [غافر: 9] فإنه رسم» تَقِ «بقافٍ دون هاءِ سكت، وعند النحويين أنه إذا حُذِف من الفعل شيءٌ حتى لم يبق منه إلا حرفٌ واحد ووُقِف عليه وَجَبَ الإِتيانُ بهاء السكت في آخره جبراً له نحو:» قِهْ «و» لم يقه «و» عِه «و» لم يَعِه «، ولا يُعْتَدُّ بحرف المضارعة لزيادتِه على بنية الكلمة فإذا تقرر هذا فنقول: ينبغي ألاَّ يوقف عليه؛ لأنه إنْ وُقِف بغير هاءِ سكت خالف الصناعة النحوية، وإنْ وُقِفَ بهاء خالف رسمَ المصحفَ.

An-Nisaa 4:146Listen in Qur'an →
147

مَّا يَفْعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَءَامَنتُمْ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًۭا

What would Allah do with your punishment if you are grateful and believe? And ever is Allah Appreciative and Knowing.

قوله تعالى: {مَّا يَفْعَلُ الله بِعَذَابِكُمْ} : في «ما» وجهان، أحدهما: أنها استفهامية فتكون في محل نصب ب «يفعل» وإنما قُدِّم لكونه له صدر الكلام. والباءُ على هذا سببيةٌ متعلقةٌ ب «يفعل» ، والاستفهام هنا معناه النفي، والمعنى: أنّ الله لا يفعل بعذابكم شيئاً؛ لأنه لا يجلب لنفسِه بعذابِكم نفعاً ولا يدفع عنها به ضراً، فأيُّ حاجة له في عذابكم؟ والثاني: أن «ما» نافية كأنه قيل: لا يعذبكم الله، وعلى هذا فالباء زائدة ولا تتعلق بشيء. وعندي أن هذين الوجهين في المعنى شيءٌ واحدٌ، فينبغي أن تكون سببية في الموضعين أو زائدة فيهما، لأن الاستفهام بمعنى النفي فلا فرق، والمصدر هنا مضاف لمفعوله وقوله: {إِن شَكَرْتُمْ} جوابه محذوف لدلالةِ ما قبله عليه أي: إنْ شكرتم وآمنتم فما يفعلُ بعذابكم؟

An-Nisaa 4:147Listen in Qur'an →
148

۞ لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلْجَهْرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا

Allah does not like the public mention of evil except by one who has been wronged. And ever is Allah Hearing and Knowing.

قوله تعالى: {لاَّ يُحِبُّ الله الجهر بالسواء} : «بالسوء» متعلق بالجهر، وهو مصدر معرف ب «أل» استدل به الفارسي على جوازِ إعمالِ المصدر المعرف بأل. قيل: ولا دليلَ فيه لأنَّ الظرف والجار يعمل فيهما روائح الأفعال. وفاعلُ هذا المصدرِ محذوفٌ أي: الجهر أحد، وقد تقدم أن الفاعل يَطَّرد حَذْفُه في صورٍ منها المصدر، ويجوز أن يكون الجهرُ مأخوذاً من فِعْل مبني للمفعول على خلاف في ذلك، فيكون الجار بعده في محل رفع لقيامه مقام الفاعل، لأنك لو قلت: لا يحب الله أن يُجهر بالسوء، كان «بالسوء» قائماً مقامَ الفاعل ولا تعلُّقَ له حينئذٍ به. و «من القول» حال من «السوء» .

قوله: {إِلاَّ مَن ظُلِمَ} في هذا الاستثناء قولان، أحدهما: أنه متصل والثاني: أنه منقطع، وإذا قيل بأنه متصل فقيل: هو مستثنى من «أحد» المقدرِ الذي هو فاعلٌ للمصدر، فيجوز أن تكون «مَن» في محلِّ نصبٍ على أصل الاسثناء أو رفعٍ على البدل من «أحد» وهو المختار، ولو صُرِّح به لقيل: لا يحبُّ الله أن يَجْهَر أحدٌ بالسوء إلا المظلومُ، أو المظلومَ رفعاً ونصباً، ذكر ذلك مكي وأبو البقاء وغيرُهما. قال الشيخ: «وهذا مذهب الفراء، أجاز في» ما قام إلا زيدٌ «أن يكون» زيد «بدلاً من» أحد «وأمَّا على مذهب الجمهور فإنه يكون من المستثنى الذي فُرِّغ له العامل فيكون مرفوعاً على الفاعلية بالمصدر، وحَسَّنَ ذلك كونُ الجهر في حَيِّز النفي، كأنه قيل: لا يَجْهَرُ بالسوء من القول إلا المظلومُ» انتهى. والفرقُ ظاهر بين مذهب الفراء وبين هذه الآية، فإن النحويين إنما لم يَرَوا بمذهب الفراء قالوا: لأن المحذوف صار نَسْياً منسياً، وأما فاعل المصدر هنا فإنه كالمنطوقِ به ليس منسياً فلا يلزمُ من تجويزهم الاستثناء من هذا الفاعلِ المقدر أن يكونوا تابعين لمذهب الفراء لِما ظهر من الفرق. وقيل: هو مستثنى مفرغ، فتكون « مَنْ» في محل رفع بالفاعلية كما تقدَّم تقريرُه في كلام الشيخ، والتفريغُ لا يكون إلا في / نفي أو شهبه، ولكنْ لَمَّا وقع الجهر متعلقاً للحبِّ الواقعِ في حَيِّز النفي ساغ ذلك. وقيل: هو مستثنى من الجَهْر على حَذْفِ مضافٍ تقديرُه: إلا جَهْرَ مَنْ ظُلِم، فهذه ثلاثة أوجه على تقديرِ كونه متصلاً، تحصَّل منها في محل «مَنْ» أربعةُ أوجه: الرفع من وجهين وهما البدل من «أحد» المقدر، أو الفاعلية على كونه مفرغاً، والنصبُ على أصلِ الاستثناء من «أحد» المقدَّر أو من الجهر على حَذْفِ مضاف.

والثاني: أنه استثناءٌ منقطعٌ، تقديرُه: لكنْ مَنْ ظُلِم له أن ينتصف من ظالمه بما يوازي ظلامتَه فتكون «مَنْ» في محل نصب فقط على الاستثناء المنقطع.

والجمهورُ على «إلاَّ مَنْ ظُلِمَ» مبنياً للمفعول، وقرأ جماعة كثيرة منهم ابن عباس وابن عمر وابن جبير والحسن: «ظَلَم» مبنياً للفاعل، وهو استثناء منقطع، فهو في محل نصب على أصل الاستثناء المنقطع، واختلفت عبارات العلماء في تقدير هذا الاستثناء، وحاصل ذلك يرجع إلى أحد تقديرات ثلاثة: إمَّا أن يكون راجعاً إلى الجملة الأولى كأنه قيل: لا يحب اللَّهُ الجهرَ بالسوء، لكنَّ الظالمَ يحبه فهو يفعله، وإما أَنْ يكونَ راجعاً إلى فاعل الجهر أي: لا يحبُّ اللَّهُ أن يَجْهَر أحدٌ بالسوء، لكن الظالم يَجْهر به، وإمَّا أن يكون راجعاً إلى متعلق الجهر وهو «مَنْ يُجاهَرُ ويُواجَه بالسوء» أي: لا يحب الله أن يُجْهَر بالسوء لأحد لكن الظالم يُجْهَرُ له به، أي: يُذكر ما فيه من المساوئ في وجهه، لعله أن يَرْتدع. وكونُ هذا المستثنى في هذه القراءة منصوبَ المحل على الانقطاع هو الصحيح، وأجاز ابن عطية والزمخشري أن يكونَ في محلِّ رفع على البدلية، ولكن اختلف مدركُهما فقال ابن عطية: «وإعراب» مَنْ «يحتمل في بعض هذه التأويلات النصبَ، ويحتمل الرفع على البدل من» أحد «المقدر» يعني احداً المقدرَ في المصدر كما تقدَّم تحقيقُه. وقال الزمخشري: و «يجوز أن يكون» مَنْ «مرفوعاً كأنه قيل: …

An-Nisaa 4:148Listen in Qur'an →
149

إِن تُبْدُوا۟ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا۟ عَن سُوٓءٍۢ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّۭا قَدِيرًا

If [instead] you show [some] good or conceal it or pardon an offense - indeed, Allah is ever Pardoning and Competent.

قوله تعالى: {أَوْ تُخْفُوهْ} : الظاهرُ أنَّ الضميرَ المنصوبَ في «تُخْفوه» عائد على «خيراً» والمرادُ به أعمالُ البر كلها. وأجاز بعضُهم أن يعودَ على «السوء» أي: أو تُخْفوا السوء، وهو بعيدٌ.

An-Nisaa 4:149Listen in Qur'an →
150

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا۟ بَيْنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍۢ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍۢ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا۟ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا

Indeed, those who disbelieve in Allah and His messengers and wish to discriminate between Allah and His messengers and say, "We believe in some and disbelieve in others," and wish to adopt a way in between -

قوله تعالى: {بَيْنَ ذلك} : أُشير ب «ذلك» وهو للمفرد، والمراد به البينية أي: بين الكفر والإِيمان، وقد تقدَّم نظيرُه في البقرة و «بين يجوز أن يكونَ منصوباً ب» يتخذ «وأن يكونَ منصوباً بمحذوف إذ هو حال من» سبيلاً «.

An-Nisaa 4:150Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.