Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 91–100 of 176

91

سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا۟ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوٓا۟ إِلَى ٱلْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا۟ فِيهَا ۚ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوٓا۟ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَٰنًۭا مُّبِينًۭا

You will find others who wish to obtain security from you and [to] obtain security from their people. Every time they are returned to [the influence of] disbelief, they fall back into it. So if they do not withdraw from you or offer you peace or restrain their hands, then seize them and kill them wherever you overtake them. And those - We have made for you against them a clear authorization.

﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهم كُلَّما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكم ويُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ ويَكُفُّوا أيْدِيَهم فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم وأُولَئِكم جَعَلْنا لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ .

هَؤُلاءِ فَرِيقٌ آخَرُ لا سَعْيَ لَهم إلّا في خُوَيْصَّتِهِمْ، ولا يَعْبَأُونَ بِغَيْرِهِمْ، فَهم يُظْهِرُونَ المَوَدَّةَ لِلْمُسْلِمِينَ لِيَأْمَنُوا غَزْوَهم، ويُظْهِرُونَ الوُدَّ لِقَوْمِهِمْ لِيَأْمَنُوا غائِلَتَهم، وما هم بِمُخْلِصِينَ الوُدَّ لِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ، ولِذَلِكَ وُصِفُوا بِإرادَةِ أنْ يَأْمَنُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ ومِن قَوْمِهِمْ، فَلا هَمَّ لَهم إلّا حُظُوظُ أنْفُسِهِمْ، يَلْتَحِقُونَ بِالمُسْلِمِينَ في قَضاءِ لُباناتٍ

صفحة ١٥٥

لَهم فَيُظْهِرُونَ الإيمانَ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى قَوْمِهِمْ فَيَرْتَدُّونَ إلى الكُفْرِ.

وهُوَ مَعْنى قَوْلِهِ ﴿كُلَّما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها﴾ . وقَدْ مَرَّ بَيانُ مَعْنى أُرْكِسُوا قَرِيبًا. وهَؤُلاءِ هم غَطَفانُ وبَنُو أسَدٍ مِمَّنْ كانُوا حَوْلَ المَدِينَةِ قَبْلَ أنْ يَخْلُصَ إسْلامُهم، وبَنُو عَبْدِ الدّارِ مِن أهْلِ مَكَّةَ. كانُوا يَأْتُونَ المَدِينَةَ فَيُظْهِرُونَ الإسْلامَ ويَرْجِعُونَ إلى مَكَّةَ فَيَعْبُدُونَ الأصْنامَ.

وأمْرُ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ في مُعامَلَةِ هَؤُلاءِ ومُعامَلَةِ الفَرِيقِ المُتَقَدِّمِ في قَوْلِهِ ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ [النساء: ٩٠] أمْرٌ واحِدٌ، وهو تَرْكُهم إذا تَرَكُوا المُؤْمِنِينَ وسالَمُوهم، وقِتالُهم إذا ناصَبُوهُمُ العَداءَ.

إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ الشَّرْطَ المَفْرُوضَ بِالنِّسْبَةِ إلى الأوَّلِينَ: أنَّهم يَعْتَزِلُونَ المُسْلِمِينَ، ويُلْقُونَ إلَيْهِمُ السَّلَمَ، ولا يُقاتِلُونَهم، وجَعَلَ الشَّرْطَ المَفْرُوضَ بِالنِّسْبَةِ إلى هَؤُلاءِ أنَّهم لا يَعْتَزِلُونَ المُسْلِمِينَ، ولا يُلْقُونَ إلَيْهِمُ السَّلَمَ، ولا يَكُفُّونَ أيْدِيَهم عَنْهم، نَظَرًا إلى الحالَةِ المُتَرَقَّبَةِ مِن كُلِّ فَرِيقٍ مِنَ المَذْكُورِينَ.

وهُوَ افْتِنانٌ بَدِيعٌ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ اخْتِلافٌ في الحُكْمِ ولَكِنْ صَرَّحَ بِاخْتِلافِ الحالَيْنِ، وبِوَصْفِ ما في ضَمِيرِ الفَرِيقَيْنِ.

والوِجْدانُ في قَوْلِهِ ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾ بِمَعْنى العُثُورِ والِاطِّلاعِ، أيْ سَتَطَّلِعُونَ عَلى قَوْمٍ آخَرِينَ، وهو مِنَ اسْتِعْمالِ وجَدَ، ويَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، فَقَوْلُهُ ”﴿يُرِيدُونَ﴾“ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وسَيَأْتِي بَيانُ تَصارِيفِ اسْتِعْمالِ الوِجْدانِ في كَلامِهِمْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المائدة: ٨٢] في سُورَةِ المائِدَةِ.

وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في قَوْلِهِ ﴿وأُولَئِكم جَعَلْنا لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِهِمْ.

”والسُّلْطانُ المُبِينُ“ هو الحُجَّةُ الواضِحَةُ الدّالَّةُ عَلى نِفاقِهِمْ، فَلا يُخْشى أنْ يُنْسَبَ المُسْلِمُونَ في قِتالِهِمْ إلى اعْتِداءٍ وتَفْرِيقِ الجامِعَةِ.

92

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَـًۭٔا ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَـًۭٔا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ وَدِيَةٌۭ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُوا۟ ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّۢ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَٰقٌۭ فَدِيَةٌۭ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

And never is it for a believer to kill a believer except by mistake. And whoever kills a believer by mistake - then the freeing of a believing slave and a compensation payment presented to the deceased's family [is required] unless they give [up their right as] charity. But if the deceased was from a people at war with you and he was a believer - then [only] the freeing of a believing slave; and if he was from a people with whom you have a treaty - then a compensation payment presented to his family and the freeing of a believing slave. And whoever does not find [one or cannot afford to buy one] - then [instead], a fast for two months consecutively, [seeking] acceptance of repentance from Allah. And Allah is ever Knowing and Wise.

﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ إلّا أنْ يَصَّدَّقُوا فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهْوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ .

صفحة ١٥٦

انْتِقالُ الغَرَضِ يُعِيدُ نَشاطَ السّامِعِ بِتَفَنُّنِ الأغْراضِ، فانْتَقَلَ مِن تَحْدِيدِ أعْمالِ المُسْلِمِينَ مَعَ العَدُوِّ إلى أحْكامِ مُعامَلَةِ المُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ: مِن وُجُوبِ كَفِّ عُدْوانِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ.

والمُناسَبَةُ بَيْنَ الغَرَضِ المُنْتَقَلِ مِنهُ والمُنْتَقَلِ إلَيْهِ: أنَّهُ قَدْ كانَ الكَلامُ في قِتالِ المُتَظاهِرِينَ بِالإسْلامِ الَّذِينَ ظَهَرَ نِفاقُهم، فَلا جَرَمَ أنْ تَتَشَوَّفَ النَّفْسُ إلى حُكْمِ قَتْلِ المُؤْمِنِينَ الخُلَّصِ.

وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ حَدَثَ حادِثُ قَتْلِ مُؤْمِنٍ خَطَأً بِالمَدِينَةِ ناشِئٌ عَنْ حَزازاتٍ أيّامَ القِتالِ في الشِّرْكِ أخْطَأ فِيهِ القاتِلُ إذْ ظَنَّ المَقْتُولَ كافِرًا. وحادِثُ قَتْلِ مُؤْمِنٍ عَمْدًا مِمَّنْ كانَ يُظْهِرُ الإيمانَ، والحادِثُ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ [النساء: ٩٤] وأنَّ هَذِهِ الآياتِ نَزَلَتْ في ذَلِكَ، فَتَزْدادُ المُناسَبَةُ وُضُوحًا لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَصِيرُ كالمُقَدِّمَةِ لِما ورَدَ بَعْدَها مِنَ الأحْكامِ في القَتْلِ.

هَوَّلَ اللَّهُ تَعالى أمْرَ قَتْلِ المُسْلِمِ أخاهُ المُسْلِمَ، وجَعَلَهُ في حَيِّزِ ما لا يَكُونُ، فَقالَ ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً﴾ فَجاءَ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ في النَّفْيِ، وهي صِيغَةُ الجُحُودِ، أيْ ما وُجِدَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ الخَطَأِ، أوْ أنْ يَقْتُلَ قَتْلًا مِنَ القَتْلِ إلّا قَتْلَ الخَطَأِ.

فَكانَ الكَلامُ حَصْرًا وهو حَصْرٌ ادِّعائِيٌّ مُرادٌ بِهِ المُبالَغَةُ كَأنَّ صِفَةَ الإيمانِ في القاتِلِ والمَقْتُولِ تُنافِي الِاجْتِماعَ مَعَ القَتْلِ في نَفْسِ الأمْرِ مُنافاةَ الضِّدَّيْنِ لِقَصْدِ الإيذانِ بِأنَّ المُؤْمِنَ إذا قَتَلَ مُؤْمِنًا فَقَدْ سُلِبَ عَنْهُ الإيمانُ وما هو بِمُؤْمِنٍ، عَلى نَحْوِ «ولا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُها وهو مُؤْمِنٌ» .

فَتَكُونُ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً عَمّا بَعْدَها، غَيْرَ مُرادٍ بِها التَّشْرِيعُ، بَلْ هي كالمُقَدِّمَةِ لِلتَّشْرِيعِ، لِقَصْدِ تَفْظِيعِ حالِ قَتْلِ المُؤْمِنِ المُؤْمِنَ قَتْلًا غَيْرَ خَطَأٍ، وتَكُونُ خَبَرِيَّةً لَفْظًا ومَعْنًى، ويَكُونُ الِاسْتِثْناءُ حَقِيقِيًّا مِن عُمُومِ الأحْوالِ، أيْ

صفحة ١٥٧

يَنْتَفِي قَتْلُ المُؤْمِنِ مُؤْمِنًا في كُلِّ حالٍ إلّا في حالِ عَدَمِ القَصْدِ، وهَذا أحْسَنُ ما يَبْدُو في مَعْنى الآيَةِ.

ولَكَ أنْ تَجْعَلَ قَوْلَهُ ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ خَبَرًا مُرادًا بِهِ النَّهْيُ، اسْتُعْمِلَ المُرَكَّبُ في لازِمِ مَعْناهُ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ التَّمْثِيلِيِّ، وتَجْعَلَ قَوْلَهُ ﴿إلّا خَطَأً﴾ تَرْشِيحًا لِلْمَجازِ: عَلى نَحْوِ ما قَرَّرْناهُ في الوَجْهِ الأوَّلِ، فَيَحْصُلُ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ صُورَةَ الخَطَأِ لا يَتَعَلَّقُ بِها النَّهْيُ، إذْ قَدْ عَلِمَ كُلُّ أحَدٍ أنَّ الخَطَأ لا يَتَعَلَّقُ بِهِ أمْرٌ ولا نَهْيٌ.

يَعْنِي إنْ كانَ نَوْعٌ مِن قَتْلِ المُؤْمِنِ …

93

وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًۭا مُّتَعَمِّدًۭا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدًۭا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمًۭا

But whoever kills a believer intentionally - his recompense is Hell, wherein he will abide eternally, and Allah has become angry with him and has cursed him and has prepared for him a great punishment.

﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ .

هَذا هو المَقْصُودُ مِنَ التَّشْرِيعِ لِأحْكامِ القَتْلِ، لِأنَّهُ هو المُتَوَقَّعُ حُصُولُهُ مِنَ النّاسِ، وإنَّما أُخِّرَ لِتَهْوِيلِ أمْرِهِ، فابْتَدَأ بِذِكْرِ قَتْلِ الخَطَأِ بِعُنْوانِ قَوْلِهِ ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] .

والمُتَعَمِّدُ: القاصِدُ لِلْقَتْلِ، مُشْتَقٌّ مِن عَمَدَ إلى كَذا بِمَعْنى قَصَدَ وذَهَبَ. والأفْعالُ كُلُّها لا تَخَرُجُ عَنْ حالَتَيْ عَمْدٍ وخَطَأٍ، ويُعْرَفُ التَّعَمُّدُ بِأنْ يَكُونَ فِعْلًا لا يَفْعَلُهُ أحَدٌ بِأحَدٍ إلّا وهو قاصِدٌ إزْهاقَ رُوحِهِ بِخُصُوصِهِ بِما تُزْهَقُ بِهِ الأرْواحُ في مُتَعارَفِ النّاسِ، وذَلِكَ لا يَخْفى عَلى أحَدٍ مِنَ العُقَلاءِ.

ومِن أجْلِ ذَلِكَ قالَ الجُمْهُورُ مِنَ الفُقَهاءِ: القَتْلُ نَوْعانِ عَمْدٌ وخَطَأٌ، وهو الجارِي عَلى وفْقِ الآيَةِ، ومِنَ الفُقَهاءِ مَن جَعَلَ نَوْعًا ثالِثًا سَمّاهُ شِبْهَ العَمْدِ، واسْتَنَدُوا في ذَلِكَ إلى آثارٍ مَرْوِيَّةٍ، إنْ صَحَّتْ فَتَأْوِيلُها مُتَعَيِّنٌ وتُحْمَلُ عَلى خُصُوصِ ما ورَدَتْ فِيهِ.

وذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ والواحِدِيُّ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مِقْيَسَ بْنَ صُبابَةَ وأخاهُ هِشامًا جاءا مُسْلِمَيْنِ مُهاجِرَيْنِ فَوُجِدَ هِشامٌ قَتِيلًا في بَنِي النَّجّارِ، ولَمْ يُعْرَفْ قاتِلُهُ، فَأمَرَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِإعْطاءِ أخِيهِ مِقْيَسٍ مِائَةً مِنَ الإبِلِ، دِيَةَ أخِيهِ، وأرْسَلَ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ مَعَ رَجُلٍ مِن فِهْرٍ فَلَمّا أخَذَ مِقْيَسٌ الإبِلَ عَدا عَلى الفِهْرِيِّ فَقَتَلَهُ، واسْتاقَ الإبِلَ، وانْصَرَفَ إلى مَكَّةَ كافِرًا وأنْشَدَ في شَأْنِ أخِيهِ:

صفحة ١٦٤

قَتَلْتُ بِهِ فِهْرًا وحَمَّلْتُ عَقْلَهُ سُراةَ بَنِي النَّجّارِ أرْبابَ فارِعِ

حَلَلْتُ بِهِ وِتْرِي وأدْرَكْتُ ثَأْرَتِي ∗∗∗ وكُنْتُ إلى الأوْثانِ أوَّلَ راجِعِ

وقَدْ أهْدَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ دَمَهُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَقُتِلَ بِسُوقِ مَكَّةَ.

وقَوْلُهُ خالِدًا فِيها مَحْمَلُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ عُلَماءِ السُّنَّةِ عَلى طُولِ المُكْثِ في النّارِ لِأجْلِ قَتْلِ المُؤْمِنِ عَمْدًا، لِأنَّ قَتْلَ النَّفْسِ لَيْسَ كُفْرًا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، ولا خُلُودَ في النّارِ إلّا لِلْكُفْرِ، عَلى قَوْلِ عُلَمائِنا مِن أهْلِ السُّنَّةِ، فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُ الخُلُودِ بِالمُبالَغَةِ في طُولِ المُكْثِ، وهو اسْتِعْمالٌ عَرَبِيٌّ. قالَ النّابِغَةُ في مَرَضِ النُّعْمانِ بْنِ المُنْذِرِ:

ونَحْنُ لَدَيْهِ نَسْألُ اللَّهَ خُلْدَهُ ∗∗∗ يَرُدُّ لَنا مَلْكًا ولِلْأرْضِ عامِرا

ومَحْمَلُهُ عِنْدَ مَن يُكَفِّرُ بِالكَبائِرِ مِنَ الخَوارِجِ، وعِنْدَ مَن يُوجِبُ الخُلُودَ عَلى أهْلِ الكَبائِرِ، عَلى وتِيرَةِ إيجابِ الخُلُودِ بِارْتِكابِ الكَبِيرَةِ.

وكِلا الفَرِيقَيْنِ مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ تَرِدُ عَلى جَرِيمَةِ قَتْلِ النَّفْسِ عَمْدًا، كَما تَرِدُ عَلى غَيْرِها مِنَ الكَبائِرِ، إلّا أنَّ نَفَرًا مِن أهْلِ السُّنَّةِ شَذَّ شُذُوذًا بَيِّنًا في مَحْمَلِ هَذِهِ الآيَةِ: فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ قاتِلَ النَّفْسِ مُتَعَمِّدًا لا تُقْبَلُ لَهُ تَوْبَةٌ، واشْتَهَرَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعُرِفَ بِهِ، أخْذًا بِهَذِهِ الآيَةِ.

وأخْرَجَ البُخارِيُّ أنَّ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قالَ: آيَةٌ اخْتَلَفَ فِيها أهْلُ الكُوفَةِ، فَرَحَلْتُ فِيها إلى ابْنِ عَبّاسٍ، فَسَألْتُهُ عَنْها، فَقالَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا …

94

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُوا۟ وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَنْ أَلْقَىٰٓ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسْتَ مُؤْمِنًۭا تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌۭ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۭا

O you who have believed, when you go forth [to fight] in the cause of Allah, investigate; and do not say to one who gives you [a greeting of] peace "You are not a believer," aspiring for the goods of worldly life; for with Allah are many acquisitions. You [yourselves] were like that before; then Allah conferred His favor upon you, so investigate. Indeed Allah is ever, with what you do, Acquainted.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم فَتَبَيَّنُوا إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ خُوطِبَ بِهِ المُؤْمِنُونَ، اسْتِقْصاءً لِلتَّحْذِيرِ مِن قَتْلِ المُؤْمِنِ بِذِكْرِ أحْوالٍ قَدْ يُتَساهَلُ فِيها وتَعْرِضُ فِيها شُبَهٌ.

والمُناسَبَةُ ما رَواهُ البُخارِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ رَجُلٌ في غُنَيْمَةٍ لَهُ فَلَحِقَهُ المُسْلِمُونَ، فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم، فَقَتَلُوهُ وأخَذُوا غُنَيْمَتَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةَ. وفي رِوايَةٍ وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. وفي رِوايَةٍ «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ حَمَلَ دِيَتَهُ إلى أهْلِهِ ورَدَّ غُنَيْمَتَهُ» .

صفحة ١٦٧

واخْتُلِفَ في اسْمِ القاتِلِ والمَقْتُولِ، بَعْدَ الِاتِّفاقِ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ في سَرِيَّةٍ، فَرَوى ابْنُ القاسِمِ، عَنْ مالِكٍ: أنَّ القاتِلَ أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ، والمَقْتُولَ مِرْداسُ بْنُ نَهِيكٍ الفَزارِيُّ مِن أهْلِ فَدَكَ، وفي سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ أنَّ القاتِلَ مُحَلَّمٌ مِن جَثّامَةَ، والمَقْتُولَ عامِرُ بْنُ الأضْبَطِ. وقِيلَ: القاتِلُ أبُو قَتادَةَ، وقِيلَ أبُو الدَّرْداءِ، وأنَّ النَّبِيءَ ﷺ وبَّخَ القاتِلَ، وقالَ لَهُ: " «فَهَلّا شَقَقْتَ عَنْ بَطْنِهِ فَعَلِمْتَ ما في قَلْبِهِ» . ومُخاطَبَتُهم بِـ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُلَوِّحُ إلى أنَّ الباعِثَ عَلى قَتْلِ مَن أظْهَرَ الإسْلامَ مَنهِيٌّ عَنْهُ.

ولَوْ كانَ قَصْدُ القاتِلِ الحِرْصَ عَلى تَحَقُّقِ أنَّ وصْفَ الإيمانِ ثابِتٌ لِلْمَقْتُولِ، فَإنَّ هَذا التَّحَقُّقَ غَيْرُ مُرادٍ لِلشَّرِيعَةِ، وقَدْ ناطَتْ صِفَةُ الإسْلامِ بِقَوْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ أوْ بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ وهي السَّلامُ عَلَيْكم.

والضَّرْبُ: السَّيْرُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالُوا لِإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ﴾ [آل عمران: ١٥٦] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وقَوْلُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ هو حالٌ مِن ضَمِيرِ ضَرَبْتُمْ ولَيْسَ مُتَعَلِّقًا بِـ ضَرَبْتُمْ لِأنَّ الضَّرْبَ أيِ السَّيْرَ لا يَكُونُ عَلى سَبِيلِ اللَّهِ إذْ سَبِيلُ اللَّهِ لَقَبٌ لِلْغَزْوِ، ألا تَرى قَوْلَهُ تَعالى ﴿وقالُوا لِإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ أوْ كانُوا غُزًّى﴾ [آل عمران: ١٥٦] الآيَةَ.

والتَّبَيُّنُ: شِدَّةُ طَلَبِ البَيانِ، أيِ التَّأمُّلُ القَوِيُّ، حَسْبَما تَقْتَضِيهِ صِيغَةُ التَّفَعُّلِ. ودُخُولُ الفاءِ عَلى فِعْلِ تَبَيَّنُوا لِما في إذا مِن تَضَمُّنِ مَعْنى الِاشْتِراطِ غالِبًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: فَتَبَيَّنُوا بِفَوْقِيَّةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ تَحْتِيَّةٍ ثُمَّ نُونٍ مِنَ التَّبَيُّنِ وهو تَفَعُّلٌ، أيْ تَثَبَّتُوا واطْلُبُوا بَيانَ الأُمُورِ فَلا تَعْجَلُوا فَتَتَّبِعُوا الخَواطِرَ الخاطِفَةَ الخاطِئَةَ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ: (فَتَثَبَّتُوا) - بِفاءٍ فَوْقِيَّةٍ فَمُثَلَّثَةٍ فَمُوَحَّدَةٍ فَفَوْقِيَّةٍ - بِمَعْنى اطْلُبُوا الثّابِتَ، أيِ الَّذِي لا يَتَبَدَّلُ ولا يَحْتَمِلُ نَقِيضَ ما بَدا لَكم.

وقَوْلُهُ ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وخَلَفٌ (السَّلَمَ) بِدُونِ ألِفٍ بَعْدِ اللّامِ وهو ضِدُّ الحَرْبِ، ومَعْنى ألْقى السَّلَمَ أظْهَرَهُ بَيْنَكم كَأنَّهُ رَماهُ بَيْنَهم. وقَرَأ …

95

لَّا يَسْتَوِى ٱلْقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُو۟لِى ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ دَرَجَةًۭ ۚ وَكُلًّۭا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًۭا

Not equal are those believers remaining [at home] - other than the disabled - and the mujahideen, [who strive and fight] in the cause of Allah with their wealth and their lives. Allah has preferred the mujahideen through their wealth and their lives over those who remain [behind], by degrees. And to both Allah has promised the best [reward]. But Allah has preferred the mujahideen over those who remain [behind] with a great reward -

﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .

ولَمّا لامَ اللَّهُ بَعْضَ المُجاهِدِينَ عَلى ما صَدَرَ مِنهم مَنِ التَّعَمُّقِ في الغايَةِ مِنَ الجِهادِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ فَضْلِ المُجاهِدِينَ كَيْلا يَكُونَ ذَلِكَ اللَّوْمُ مُوهِمًا انْحِطاطَ فَضِيلَتِهِمْ في بَعْضِ أحْوالِهِمْ، عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ النِّذارَةِ بِالبِشارَةِ دَفْعًا لِلْيَأْسِ مِنَ الرَّحْمَةِ عَنْ أنْفُسِ المُسْلِمِينَ.

يَقُولُ العَرَبُ: ”لا يَسْتَوِي“ ”ولَيْسَ سَواءً“ بِمَعْنى أنَّ أحَدَ المَذْكُورِينَ أفْضَلُ مِنَ الآخَرِ. ويَعْتَمِدُونَ في ذَلِكَ عَلى القَرِينَةِ الدّالَّةِ عَلى تَعْيِينِ المُفَضَّلِ لِأنَّ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ. قالَ السَّمَوْألُ أوْ غَيْرُهُ:

فَلَيْسَ سَواءً عالِمٌ وجَهُولُ

وقالَ تَعالى ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ [آل عمران: ١١٣]، وقَدْ يُتْبِعُونَهُ بِما يُصَرِّحُ بِوَجْهِ نَفْيِ السَّوائِيَّةِ: إمّا لِخَفائِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠] .

وقَدْ يَكُونُ التَّصْرِيحُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ

صفحة ١٧٠

﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ الفائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠] . وإذْ قَدْ كانَ وجْهُ التَّفاضُلِ مَعْلُومًا في أكْثَرِ مَواقِعِ أمْثالِ هَذا التَّرْكِيبِ، صارَ في الغالِبِ أمْثالُ هَذا التَّرْكِيبِ مُسْتَعْمَلَةً في مَعْنى الكِنايَةِ، وهو التَّعْرِيضُ بِالمَفْضُولِ في تَفْرِيطِهِ وزُهْدِهِ فِيما هو خَيْرٌ مَعَ المُكْنَةِ مِنهُ، وكَذَلِكَ هو هُنا لِظُهُورِ أنَّ القاعِدَ عَنِ الجِهادِ لا يُساوِي المُجاهِدَ في فَضِيلَةِ نُصْرَةِ الدِّينِ، ولا في ثَوابِهِ عَلى ذَلِكَ، فَتَعَيَّنَ التَّعْرِيضُ بِالقاعِدِينَ وتَشْنِيعُ حالِهِمْ.

وبِهَذا يَظْهَرُ مَوْقِعُ الِاسْتِثْناءِ بِقَوْلِهِ ﴿غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ﴾ كَيْلا يَحْسَبَ أصْحابُ الضَّرَرِ أنَّهم مَقْصُودُونَ بِالتَّحْرِيضِ فَيَخْرُجُوا مَعَ المُسْلِمِينَ، فَيُكَلِّفُوهم مَؤُونَةَ نَقْلِهِمْ وحِفْظِهِمْ بِلا جَدْوى، أوْ يَظُنُّوا أنَّهم مَقْصُودُونَ بِالتَّعْرِيضِ فَتَنْكَسِرُ لِذَلِكَ نُفُوسُهم، زِيادَةً عَلى انْكِسارِها بِعَجْزِهِمْ، ولِأنَّ في اسْتِثْنائِهِمْ إنْصافًا لَهم وعُذْرًا بِأنَّهم لَوْ كانُوا قادِرِينَ لَما قَعَدُوا، فَذَلِكَ الظَّنُّ بِالمُؤْمِنِ، ولَوْ كانَ المَقْصُودُ صَرِيحَ المَعْنى لَما كانَ لِلِاسْتِثْناءِ مَوْقِعٌ. فاحْفَظُوا هَذا فالِاسْتِثْناءُ مَقْصُودٌ، ولَهُ مَوْقِعٌ مِنَ البَلاغَةِ لا يُضاعُ، ولَوْ لَمْ يُذْكَرُ الِاسْتِثْناءُ لَكانَ تَجاوُزُ التَّعْرِيضِ أصْحابَ الضَّرَرِ مَعْلُومًا مِن سِياقِ الكَلامِ، فالِاسْتِثْناءُ عُدُولٌ عَنِ الِاعْتِمادِ عَلى القَرِينَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِاللَّفْظِ.

ويَدُلُّ لِهَذا ما في الصَّحِيحَيْنِ، «عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، أنَّهُ قالَ: نَزَلَ الوَحْيُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وأنا إلى جَنْبِهِ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقالَ: اكْتُبْ: فَكَتَبْتُ في كَتِفٍ (لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ) - وخَلْفَ النَّبِيءِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ - فَقالَ: يا رَسُولَ …

96

دَرَجَٰتٍۢ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةًۭ وَرَحْمَةًۭ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًا

Degrees [of high position] from Him and forgiveness and mercy. And Allah is ever Forgiving and Merciful.

﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .

ولَمّا لامَ اللَّهُ بَعْضَ المُجاهِدِينَ عَلى ما صَدَرَ مِنهم مَنِ التَّعَمُّقِ في الغايَةِ مِنَ الجِهادِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ فَضْلِ المُجاهِدِينَ كَيْلا يَكُونَ ذَلِكَ اللَّوْمُ مُوهِمًا انْحِطاطَ فَضِيلَتِهِمْ في بَعْضِ أحْوالِهِمْ، عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ النِّذارَةِ بِالبِشارَةِ دَفْعًا لِلْيَأْسِ مِنَ الرَّحْمَةِ عَنْ أنْفُسِ المُسْلِمِينَ.

يَقُولُ العَرَبُ: ”لا يَسْتَوِي“ ”ولَيْسَ سَواءً“ بِمَعْنى أنَّ أحَدَ المَذْكُورِينَ أفْضَلُ مِنَ الآخَرِ. ويَعْتَمِدُونَ في ذَلِكَ عَلى القَرِينَةِ الدّالَّةِ عَلى تَعْيِينِ المُفَضَّلِ لِأنَّ مِن شَأْنِهِ أنْ يَكُونَ أفْضَلَ. قالَ السَّمَوْألُ أوْ غَيْرُهُ:

فَلَيْسَ سَواءً عالِمٌ وجَهُولُ

وقالَ تَعالى ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ [آل عمران: ١١٣]، وقَدْ يُتْبِعُونَهُ بِما يُصَرِّحُ بِوَجْهِ نَفْيِ السَّوائِيَّةِ: إمّا لِخَفائِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يَسْتَوِي مِنكم مَن أنْفَقَ مِن قَبْلِ الفَتْحِ وقاتَلَ أُولَئِكَ أعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أنْفَقُوا مِن بَعْدُ وقاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠] .

وقَدْ يَكُونُ التَّصْرِيحُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ

صفحة ١٧٠

﴿لا يَسْتَوِي أصْحابُ النّارِ وأصْحابُ الجَنَّةِ أصْحابُ الجَنَّةِ هُمُ الفائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠] . وإذْ قَدْ كانَ وجْهُ التَّفاضُلِ مَعْلُومًا في أكْثَرِ مَواقِعِ أمْثالِ هَذا التَّرْكِيبِ، صارَ في الغالِبِ أمْثالُ هَذا التَّرْكِيبِ مُسْتَعْمَلَةً في مَعْنى الكِنايَةِ، وهو التَّعْرِيضُ بِالمَفْضُولِ في تَفْرِيطِهِ وزُهْدِهِ فِيما هو خَيْرٌ مَعَ المُكْنَةِ مِنهُ، وكَذَلِكَ هو هُنا لِظُهُورِ أنَّ القاعِدَ عَنِ الجِهادِ لا يُساوِي المُجاهِدَ في فَضِيلَةِ نُصْرَةِ الدِّينِ، ولا في ثَوابِهِ عَلى ذَلِكَ، فَتَعَيَّنَ التَّعْرِيضُ بِالقاعِدِينَ وتَشْنِيعُ حالِهِمْ.

وبِهَذا يَظْهَرُ مَوْقِعُ الِاسْتِثْناءِ بِقَوْلِهِ ﴿غَيْرَ أُولِي الضَّرَرِ﴾ كَيْلا يَحْسَبَ أصْحابُ الضَّرَرِ أنَّهم مَقْصُودُونَ بِالتَّحْرِيضِ فَيَخْرُجُوا مَعَ المُسْلِمِينَ، فَيُكَلِّفُوهم مَؤُونَةَ نَقْلِهِمْ وحِفْظِهِمْ بِلا جَدْوى، أوْ يَظُنُّوا أنَّهم مَقْصُودُونَ بِالتَّعْرِيضِ فَتَنْكَسِرُ لِذَلِكَ نُفُوسُهم، زِيادَةً عَلى انْكِسارِها بِعَجْزِهِمْ، ولِأنَّ في اسْتِثْنائِهِمْ إنْصافًا لَهم وعُذْرًا بِأنَّهم لَوْ كانُوا قادِرِينَ لَما قَعَدُوا، فَذَلِكَ الظَّنُّ بِالمُؤْمِنِ، ولَوْ كانَ المَقْصُودُ صَرِيحَ المَعْنى لَما كانَ لِلِاسْتِثْناءِ مَوْقِعٌ. فاحْفَظُوا هَذا فالِاسْتِثْناءُ مَقْصُودٌ، ولَهُ مَوْقِعٌ مِنَ البَلاغَةِ لا يُضاعُ، ولَوْ لَمْ يُذْكَرُ الِاسْتِثْناءُ لَكانَ تَجاوُزُ التَّعْرِيضِ أصْحابَ الضَّرَرِ مَعْلُومًا مِن سِياقِ الكَلامِ، فالِاسْتِثْناءُ عُدُولٌ عَنِ الِاعْتِمادِ عَلى القَرِينَةِ إلى التَّصْرِيحِ بِاللَّفْظِ.

ويَدُلُّ لِهَذا ما في الصَّحِيحَيْنِ، «عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، أنَّهُ قالَ: نَزَلَ الوَحْيُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وأنا إلى جَنْبِهِ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقالَ: اكْتُبْ: فَكَتَبْتُ في كَتِفٍ (لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ) - وخَلْفَ النَّبِيءِ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ - فَقالَ: يا رَسُولَ …

97

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ قَالُوا۟ فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا۟ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ قَالُوٓا۟ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةًۭ فَتُهَاجِرُوا۟ فِيهَا ۚ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا

Indeed, those whom the angels take [in death] while wronging themselves - [the angels] will say, "In what [condition] were you?" They will say, "We were oppressed in the land." The angels will say, "Was not the earth of Allah spacious [enough] for you to emigrate therein?" For those, their refuge is Hell - and evil it is as a destination.

صفحة ١٧٣

﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ ﴿إلّا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهم وكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ .

فَلَمّا جاءَ ذِكْرُ القاعِدِينَ عَنِ الجِهادِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِعُذْرٍ وبِدُونِهِ، في الآيَةِ السّالِفَةِ، كانَ حالُ القاعِدِينَ عَنْ إظْهارِ إسْلامِهِمْ مِنَ الَّذِينَ عَزَمُوا عَلَيْهِ بِمَكَّةَ، أوِ اتَّبَعُوهُ ثُمَّ صَدَّهم أهْلُ مَكَّةَ عَنْهُ وفَتَنُوهم حَتّى أرْجَعُوهم إلى عِبادَةِ الأصْنامِ بِعُذْرٍ وبِدُونِهِ، بِحَيْثُ يَخْطُرُ بِبالِ السّامِعِ أنْ يَتَساءَلَ عَنْ مَصِيرِهِمْ إنْ هُمُ اسْتَمَرُّوا عَلى ذَلِكَ حَتّى ماتُوا.

فَجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُجِيبَةً عَمّا يَجِيشُ بِنُفُوسِ السّامِعِينَ مِنَ التَّساؤُلِ عَنْ مَصِيرِ أُولَئِكَ، فَكانَ مَوْقِعُها اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِسائِلٍ مُتَرَدِّدٍ، ولِذَلِكَ فُصِّلَتْ، ولِذَلِكَ صُدِّرَتْ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ، فَإنَّ حالَهم يُوجِبُ شَكًّا في أنْ يَكُونُوا مُلْحَقِينَ بِالكُفّارِ، كَيْفَ وهم قَدْ ظَهَرَ مَيْلُهم إلى الإسْلامِ، ومِنهم مَن دَخَلَ فِيهِ بِالفِعْلِ ثُمَّ صُدَّ عَنْهُ أوْ فُتِنَ لِأجْلِهِ.

والمَوْصُولُ هُنا في قُوَّةِ المُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ، ولَيْسَ المُرادُ شَخْصًا أوْ طائِفَةً بَلْ جِنْسَ مَن ماتَ ظالِمًا نَفْسَهُ، ولِما في الصِّلَةِ مِنَ الإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ وهو قَوْلُهُ فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ، أيْ لِأنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم.

ومَعْنى تَوَفّاهُمُ تُمِيتُهم وتَقْبِضُ أرْواحَهم، فالمَعْنى: أنَّ الَّذِينَ يَمُوتُونَ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ، فَعَدَلَ عَنْ يَمُوتُونَ أوْ يُتَوَفَّوْنَ إلى تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ لِيَكُونَ وسِيلَةً لِبَيانِ شَناعَةِ فِتْنَتِهِمْ عِنْدَ المَوْتِ.

والمَلائِكَةُ جَمْعٌ أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ، فاسْتَوى في إفادَةِ مَعْنى الجِنْسِ جَمْعُهُ - كَما هُنا - ومُفْرَدُهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١] فَيَجُوزُ

صفحة ١٧٤

أنْ يَكُونَ مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي يَقْبِضُ أرْواحَ النّاسِ واحِدًا، بِقُوَّةٍ مِنهُ تَصِلُ إلى كُلِّ هالِكٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ هالِكٍ مَلَكٌ يَقْبِضُ رُوحَهُ، وهَذا أوْضَحُ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ إلى قَوْلِهِ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ.

وتَوَفّاهُمُ فِعْلُ مُضِيٍّ يُقالُ: تَوَفّاهُ اللَّهُ، وتَوَفّاهُ مَلَكُ المَوْتِ، وإنَّما لَمْ يُقْرَنْ بِعَلامَةِ تَأْنِيثِ فاعِلِ الفِعْلِ، لِأنَّ تَأْنِيثَ صِيَغِ جُمُوعِ التَّكْسِيرِ تَأْنِيثٌ لَفْظِيٌّ لا حَقِيقِيٌّ فَيَجُوزُ لَحاقَ تاءِ التَّأْنِيثِ لِفِعْلِها، تَقُولُ: غَزَتِ العَرَبُ، وغَزا العَرَبُ.

وظُلْمُ النَّفْسِ: أنْ يَفْعَلَ أحَدٌ فِعْلًا يَؤُولُ إلى مَضَرَّتِهِ، فَهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، لِأنَّهُ فَعَلَ بِنَفْسِهِ ما لَيْسَ مِن شَأْنِ العُقَلاءِ أنْ يَفْعَلُوهُ لِوَخامَةِ عُقْباهُ. والظُّلْمُ هو الشَّيْءُ الَّذِي لا يَحِقُّ فِعْلُهُ ولا تَرْضى بِهِ النُّفُوسُ السَّلِيمَةُ والشَّرائِعُ، واشْتُهِرَ إطْلاقُ ظُلْمِ النَّفْسِ في القُرْآنِ عَلى الكُفْرِ وعَلى المَعْصِيَةِ.

وقَدِ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِهِ الكُفْرُ، وأنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ كانُوا …

98

إِلَّا ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةًۭ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًۭا

Except for the oppressed among men, women and children who cannot devise a plan nor are they directed to a way -

صفحة ١٧٣

﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ ﴿إلّا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهم وكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ .

فَلَمّا جاءَ ذِكْرُ القاعِدِينَ عَنِ الجِهادِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِعُذْرٍ وبِدُونِهِ، في الآيَةِ السّالِفَةِ، كانَ حالُ القاعِدِينَ عَنْ إظْهارِ إسْلامِهِمْ مِنَ الَّذِينَ عَزَمُوا عَلَيْهِ بِمَكَّةَ، أوِ اتَّبَعُوهُ ثُمَّ صَدَّهم أهْلُ مَكَّةَ عَنْهُ وفَتَنُوهم حَتّى أرْجَعُوهم إلى عِبادَةِ الأصْنامِ بِعُذْرٍ وبِدُونِهِ، بِحَيْثُ يَخْطُرُ بِبالِ السّامِعِ أنْ يَتَساءَلَ عَنْ مَصِيرِهِمْ إنْ هُمُ اسْتَمَرُّوا عَلى ذَلِكَ حَتّى ماتُوا.

فَجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُجِيبَةً عَمّا يَجِيشُ بِنُفُوسِ السّامِعِينَ مِنَ التَّساؤُلِ عَنْ مَصِيرِ أُولَئِكَ، فَكانَ مَوْقِعُها اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِسائِلٍ مُتَرَدِّدٍ، ولِذَلِكَ فُصِّلَتْ، ولِذَلِكَ صُدِّرَتْ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ، فَإنَّ حالَهم يُوجِبُ شَكًّا في أنْ يَكُونُوا مُلْحَقِينَ بِالكُفّارِ، كَيْفَ وهم قَدْ ظَهَرَ مَيْلُهم إلى الإسْلامِ، ومِنهم مَن دَخَلَ فِيهِ بِالفِعْلِ ثُمَّ صُدَّ عَنْهُ أوْ فُتِنَ لِأجْلِهِ.

والمَوْصُولُ هُنا في قُوَّةِ المُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ، ولَيْسَ المُرادُ شَخْصًا أوْ طائِفَةً بَلْ جِنْسَ مَن ماتَ ظالِمًا نَفْسَهُ، ولِما في الصِّلَةِ مِنَ الإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ وهو قَوْلُهُ فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ، أيْ لِأنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم.

ومَعْنى تَوَفّاهُمُ تُمِيتُهم وتَقْبِضُ أرْواحَهم، فالمَعْنى: أنَّ الَّذِينَ يَمُوتُونَ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ، فَعَدَلَ عَنْ يَمُوتُونَ أوْ يُتَوَفَّوْنَ إلى تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ لِيَكُونَ وسِيلَةً لِبَيانِ شَناعَةِ فِتْنَتِهِمْ عِنْدَ المَوْتِ.

والمَلائِكَةُ جَمْعٌ أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ، فاسْتَوى في إفادَةِ مَعْنى الجِنْسِ جَمْعُهُ - كَما هُنا - ومُفْرَدُهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١] فَيَجُوزُ

صفحة ١٧٤

أنْ يَكُونَ مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي يَقْبِضُ أرْواحَ النّاسِ واحِدًا، بِقُوَّةٍ مِنهُ تَصِلُ إلى كُلِّ هالِكٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ هالِكٍ مَلَكٌ يَقْبِضُ رُوحَهُ، وهَذا أوْضَحُ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ إلى قَوْلِهِ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ.

وتَوَفّاهُمُ فِعْلُ مُضِيٍّ يُقالُ: تَوَفّاهُ اللَّهُ، وتَوَفّاهُ مَلَكُ المَوْتِ، وإنَّما لَمْ يُقْرَنْ بِعَلامَةِ تَأْنِيثِ فاعِلِ الفِعْلِ، لِأنَّ تَأْنِيثَ صِيَغِ جُمُوعِ التَّكْسِيرِ تَأْنِيثٌ لَفْظِيٌّ لا حَقِيقِيٌّ فَيَجُوزُ لَحاقَ تاءِ التَّأْنِيثِ لِفِعْلِها، تَقُولُ: غَزَتِ العَرَبُ، وغَزا العَرَبُ.

وظُلْمُ النَّفْسِ: أنْ يَفْعَلَ أحَدٌ فِعْلًا يَؤُولُ إلى مَضَرَّتِهِ، فَهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، لِأنَّهُ فَعَلَ بِنَفْسِهِ ما لَيْسَ مِن شَأْنِ العُقَلاءِ أنْ يَفْعَلُوهُ لِوَخامَةِ عُقْباهُ. والظُّلْمُ هو الشَّيْءُ الَّذِي لا يَحِقُّ فِعْلُهُ ولا تَرْضى بِهِ النُّفُوسُ السَّلِيمَةُ والشَّرائِعُ، واشْتُهِرَ إطْلاقُ ظُلْمِ النَّفْسِ في القُرْآنِ عَلى الكُفْرِ وعَلى المَعْصِيَةِ.

وقَدِ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِهِ الكُفْرُ، وأنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ كانُوا …

99

فَأُو۟لَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًۭا

For those it is expected that Allah will pardon them, and Allah is ever Pardoning and Forgiving.

صفحة ١٧٣

﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ ﴿إلّا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهم وكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ .

فَلَمّا جاءَ ذِكْرُ القاعِدِينَ عَنِ الجِهادِ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِعُذْرٍ وبِدُونِهِ، في الآيَةِ السّالِفَةِ، كانَ حالُ القاعِدِينَ عَنْ إظْهارِ إسْلامِهِمْ مِنَ الَّذِينَ عَزَمُوا عَلَيْهِ بِمَكَّةَ، أوِ اتَّبَعُوهُ ثُمَّ صَدَّهم أهْلُ مَكَّةَ عَنْهُ وفَتَنُوهم حَتّى أرْجَعُوهم إلى عِبادَةِ الأصْنامِ بِعُذْرٍ وبِدُونِهِ، بِحَيْثُ يَخْطُرُ بِبالِ السّامِعِ أنْ يَتَساءَلَ عَنْ مَصِيرِهِمْ إنْ هُمُ اسْتَمَرُّوا عَلى ذَلِكَ حَتّى ماتُوا.

فَجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُجِيبَةً عَمّا يَجِيشُ بِنُفُوسِ السّامِعِينَ مِنَ التَّساؤُلِ عَنْ مَصِيرِ أُولَئِكَ، فَكانَ مَوْقِعُها اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِسائِلٍ مُتَرَدِّدٍ، ولِذَلِكَ فُصِّلَتْ، ولِذَلِكَ صُدِّرَتْ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ، فَإنَّ حالَهم يُوجِبُ شَكًّا في أنْ يَكُونُوا مُلْحَقِينَ بِالكُفّارِ، كَيْفَ وهم قَدْ ظَهَرَ مَيْلُهم إلى الإسْلامِ، ومِنهم مَن دَخَلَ فِيهِ بِالفِعْلِ ثُمَّ صُدَّ عَنْهُ أوْ فُتِنَ لِأجْلِهِ.

والمَوْصُولُ هُنا في قُوَّةِ المُعَرَّفِ بِلامِ الجِنْسِ، ولَيْسَ المُرادُ شَخْصًا أوْ طائِفَةً بَلْ جِنْسَ مَن ماتَ ظالِمًا نَفْسَهُ، ولِما في الصِّلَةِ مِنَ الإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ وهو قَوْلُهُ فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ، أيْ لِأنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم.

ومَعْنى تَوَفّاهُمُ تُمِيتُهم وتَقْبِضُ أرْواحَهم، فالمَعْنى: أنَّ الَّذِينَ يَمُوتُونَ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ، فَعَدَلَ عَنْ يَمُوتُونَ أوْ يُتَوَفَّوْنَ إلى تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ لِيَكُونَ وسِيلَةً لِبَيانِ شَناعَةِ فِتْنَتِهِمْ عِنْدَ المَوْتِ.

والمَلائِكَةُ جَمْعٌ أُرِيدَ بِهِ الجِنْسُ، فاسْتَوى في إفادَةِ مَعْنى الجِنْسِ جَمْعُهُ - كَما هُنا - ومُفْرَدُهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السجدة: ١١] فَيَجُوزُ

صفحة ١٧٤

أنْ يَكُونَ مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي يَقْبِضُ أرْواحَ النّاسِ واحِدًا، بِقُوَّةٍ مِنهُ تَصِلُ إلى كُلِّ هالِكٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ هالِكٍ مَلَكٌ يَقْبِضُ رُوحَهُ، وهَذا أوْضَحُ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ إلى قَوْلِهِ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ.

وتَوَفّاهُمُ فِعْلُ مُضِيٍّ يُقالُ: تَوَفّاهُ اللَّهُ، وتَوَفّاهُ مَلَكُ المَوْتِ، وإنَّما لَمْ يُقْرَنْ بِعَلامَةِ تَأْنِيثِ فاعِلِ الفِعْلِ، لِأنَّ تَأْنِيثَ صِيَغِ جُمُوعِ التَّكْسِيرِ تَأْنِيثٌ لَفْظِيٌّ لا حَقِيقِيٌّ فَيَجُوزُ لَحاقَ تاءِ التَّأْنِيثِ لِفِعْلِها، تَقُولُ: غَزَتِ العَرَبُ، وغَزا العَرَبُ.

وظُلْمُ النَّفْسِ: أنْ يَفْعَلَ أحَدٌ فِعْلًا يَؤُولُ إلى مَضَرَّتِهِ، فَهو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ، لِأنَّهُ فَعَلَ بِنَفْسِهِ ما لَيْسَ مِن شَأْنِ العُقَلاءِ أنْ يَفْعَلُوهُ لِوَخامَةِ عُقْباهُ. والظُّلْمُ هو الشَّيْءُ الَّذِي لا يَحِقُّ فِعْلُهُ ولا تَرْضى بِهِ النُّفُوسُ السَّلِيمَةُ والشَّرائِعُ، واشْتُهِرَ إطْلاقُ ظُلْمِ النَّفْسِ في القُرْآنِ عَلى الكُفْرِ وعَلى المَعْصِيَةِ.

وقَدِ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِهِ الكُفْرُ، وأنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ كانُوا …

100

۞ وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدْ فِى ٱلْأَرْضِ مُرَٰغَمًۭا كَثِيرًۭا وَسَعَةًۭ ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِنۢ بَيْتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

And whoever emigrates for the cause of Allah will find on the earth many [alternative] locations and abundance. And whoever leaves his home as an emigrant to Allah and His Messenger and then death overtakes him - his reward has already become incumbent upon Allah. And Allah is ever Forgiving and Merciful.

﴿ومَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .

جُمْلَةُ ﴿ومَن يُهاجِرْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [النساء: ٩٧] . ومَن شَرْطِيَّةٌ. والمُهاجَرَةُ في سَبِيلِ اللَّهِ هي المُهاجَرَةُ لِأجْلِ دِينِ اللَّهِ.

والسَّبِيلُ اسْتِعارَةٌ مَعْرُوفَةٌ، وزادَها قَبُولًا أنَّ المُهاجَرَةَ نَوْعٌ مِنَ السَّيْرِ، فَكانَ لِذِكْرِ السَّبِيلِ مَعَها ضَرْبٌ مِنَ التَّوْرِيَةِ.

والمُراغَمُ اسْمُ مَكانٍ مِن راغَمَ إذا ذَهَبَ في الأرْضِ، وفِعْلُ راغَمَ مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّغامِ بِفَتْحِ الرّاءِ وهو التُّرابُ. أوْ هو مِن راغَمَ غَيْرَهُ إذا غَلَبَهُ وقَهَرَهُ، ولَعَلَّ أصْلَهُ أنَّهُ أبْقاهُ عَلى الرَّغامِ، أيِ التُّرابِ، أيْ يَجِدُ مَكانًا يُرْغِمُ فِيهِ مَن أرْغَمَهُ، أيْ يَغْلِبُ فِيهِ قَوْمَهُ بِاسْتِقْلالِهِ عَنْهم كَما أرْغَمُوهُ بِإكْراهِهِ عَلى الكُفْرِ، قالَ الحارِثُ بْنُ وعْلَةَ الذُّهْلِيُّ:

لا تَأْمَنَنَّ قَوْمًا ظَلَمْتَهم وبَدَأْتَهم بِالشَّتْمِ والرَّغَمِ

إنْ يَأْبِرُوا نَخْلًا لِغَيْرِهِمْ ∗∗∗ والشَّيْءُ تَحْقِرُهُ وقَدْ يَنْمِي

أيْ أنْ يَكُونُوا عَوْنًا لِلْعَدُوِّ عَلى قَوْمِهِمْ. ووَصْفُ المُراغَمِ بِالكَثِيرِ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ جِنْسُ الأمْكِنَةِ. والسَّعَةُ ضِدُّ الضِّيقِ، وهي حَقِيقَةُ اتِّساعِ الأمْكِنَةِ، وتُطْلَقُ عَلى رَفاهِيَةِ العَيْشِ، فَهي سَعَةٌ مَجازِيَّةٌ. فَإنْ كانَ المُراغَمُ هو الذَّهابُ في الأرْضِ فَعَطْفُ السَّعَةِ عَلَيْهِ عَطْفَ

صفحة ١٨١

تَفْسِيرٍ، وإنْ كانَ هو مَكانُ الإغاضَةِ فَعَطْفُ السَّعَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ يَجِدُهُ مُلائِمًا مِن جِهَةِ إرْضاءِ النَّفْسِ، ومِن جِهَةِ راحَةِ الإقامَةِ. ثُمَّ نَوَّهَ اللَّهُ بِشَأْنِ الهِجْرَةِ بِأنْ جَعَلَ ثَوابَها حاصِلًا بِمُجَرَّدِ الخُرُوجِ مِن بَلَدِ الكُفْرِ، ولَوْ لَمْ يَبْلُغْ إلى البَلَدِ المُهاجَرِ إلَيْهِ، بِقَوْلِهِ ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ إلَخْ.

ومَعْنى المُهاجَرَةِ إلى اللَّهِ المُهاجَرَةُ إلى المَوْضِعِ الَّذِي يَرْضاهُ اللَّهُ. وعُطِفَ الرَّسُولُ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ لِلْإشارَةِ إلى خُصُوصِ الهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ لِلِالتِحاقِ بِالرَّسُولِ وتَعْزِيزِ جانِبِهِ، لِأنَّ الَّذِي يُهاجِرُ إلى غَيْرِ المَدِينَةِ قَدْ سَلِمَ مِن إرْهاقِ الكُفْرِ ولَمْ يَحْصُلْ عَلى نُصْرَةِ الرَّسُولِ، ولِذَلِكَ بادَرَ أهْلُ هِجْرَةِ الحَبَشَةِ إلى اللَّحاقِ بِالرَّسُولِ حِينَ بَلَغَهم مُهاجَرُهُ إلى المَدِينَةِ.

ومَعْنى يُدْرِكْهُ المَوْتُ. أيْ في الطَّرِيقِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ مُهاجِرًا، أيْ لا يَرْجِعُ بَعْدَ هِجْرَتِهِ إلى بِلادِ الكُفْرِ وهو الأصَحُّ.

وقَدِ اخْتُلِفَ في الهِجْرَةِ المُرادَةِ مِن هَذِهِ الآيَةِ: فَقِيلَ: الهِجْرَةُ إلى المَدِينَةِ، وقِيلَ: الهِجْرَةُ إلى الحَبَشَةِ. واخْتُلِفَ في المَعْنِيِّ بِالمَوْصُولِ مِن قَوْلِهِ ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ. فَعِنْدَ مَن قالُوا: إنَّ المُرادَ الهِجْرَةُ إلى المَدِينَةِ قالُوا المُرادُ بِمَن يَخْرُجْ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ كانَ بَقِيَ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيءِ ﷺ إلى المَدِينَةِ، فَلَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ [النساء: ٩٧] إلى قَوْلِهِ ﴿وكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [النساء: ٩٩] كَتَبَ بِها النَّبِيءُ ﷺ …

An-Nisaa 4:100Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.