Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 91–100 of 176

91

سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا۟ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوٓا۟ إِلَى ٱلْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا۟ فِيهَا ۚ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوٓا۟ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَٰنًۭا مُّبِينًۭا

You will find others who wish to obtain security from you and [to] obtain security from their people. Every time they are returned to [the influence of] disbelief, they fall back into it. So if they do not withdraw from you or offer you peace or restrain their hands, then seize them and kill them wherever you overtake them. And those - We have made for you against them a clear authorization.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهم كُلَّما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا﴾ .

قالَ المُفَسِّرُونَ: هم قَوْمٌ مِن أسَدٍ وغَطَفانَ، كانُوا إذا أتَوُا المَدِينَةَ أسْلَمُوا وعاهَدُوا، وغَرَضُهم أنْ يَأْمَنُوا المُسْلِمِينَ، فَإذا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ كَفَرُوا ونَكَثُوا عُهُودَهم ﴿كُلَّما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ﴾ كُلَّما دَعاهم قَوْمُهم إلى قِتالِ المُسْلِمِينَ ﴿أُرْكِسُوا فِيها﴾ أيْ رُدُّوا مَغْلُوبِينَ مَنكُوسِينَ فِيها، وهَذا اسْتِعارَةٌ لِشِدَّةِ إصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ وعَداوَةِ المُسْلِمِينَ لِأنَّ مَن وقَعَ في شَيْءٍ مَنكُوسًا يَتَعَذَّرُ خُرُوجُهُ مِنهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكم ويُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ ويَكُفُّوا أيْدِيَهم فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ .

والمَعْنى: فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوا قِتالَكم ولَمْ يَطْلُبُوا الصُّلْحَ مِنكم ولَمْ يَكُفُّوا أيْدِيَهم فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم. قالَ الأكْثَرُونَ: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهم إذا اعْتَزَلُوا قِتالَنا وطَلَبُوا الصُّلْحَ مِنّا وكَفُّوا أيْدِيَهم عَنْ إيذائِنا لَمْ يَجُزْ لَنا قِتالُهم ولا قَتْلُهم، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة: ٨] وقَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] فَخَصَّ

صفحة ١٨٠

الأمْرَ بِالقِتالِ لِمَن يُقاتِلُنا دُونَ مَن لَمْ يُقاتِلْنا. واعْلَمْ أنَّ هَذا الكَلامَ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ المُعَلَّقَ بِكَلِمَةِ ”إنْ“ عَلى الشَّرْطِ عَدَمٌ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ، وقَدْ شَرَحْنا الحالَ فِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء: ٣١] .

* * *

ثُمَّ قالَ: ﴿وأُولَئِكم جَعَلْنا لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ .

وفِي السُّلْطانِ المُبِينِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ ظَهَرَ عَلى جَوازِ قَتْلِ هَؤُلاءِ حُجَّةٌ واضِحَةٌ ظاهِرَةٌ، وهي ظُهُورُ عَداوَتِهِمْ وانْكِشافُ حالِهِمْ في الكُفْرِ والغَدْرِ، وإضْرارُهم بِأهْلِ الإسْلامِ.

الثّانِي: أنَّ السُّلْطانَ المُبِينَ هو إذْنُ اللَّهِ تَعالى لِلْمُسْلِمِينَ في قَتْلِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ.

92

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَـًۭٔا ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَـًۭٔا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ وَدِيَةٌۭ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُوا۟ ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّۢ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَٰقٌۭ فَدِيَةٌۭ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

And never is it for a believer to kill a believer except by mistake. And whoever kills a believer by mistake - then the freeing of a believing slave and a compensation payment presented to the deceased's family [is required] unless they give [up their right as] charity. But if the deceased was from a people at war with you and he was a believer - then [only] the freeing of a believing slave; and if he was from a people with whom you have a treaty - then a compensation payment presented to his family and the freeing of a believing slave. And whoever does not find [one or cannot afford to buy one] - then [instead], a fast for two months consecutively, [seeking] acceptance of repentance from Allah. And Allah is ever Knowing and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ إلّا أنْ يَصَّدَّقُوا فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهو مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا رَغَّبَ في مُقاتَلَةِ الكُفّارِ، وحَرَّضَ عَلَيْها، ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ بَعْضَ ما يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ المُحارَبَةِ، فَمِنها أنَّهُ تَعالى لَمّا أذِنَ في قَتْلِ الكُفّارِ فَلا شَكَّ أنَّهُ قَدْ يَتَّفِقُ أنْ يَرى الرَّجُلُ رَجُلًا يَظُنُّهُ كافِرًا حَرْبِيًّا فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ أنَّهُ كانَ مُسْلِمًا، فَذَكَرَ اللَّهُ تَعالى حُكْمَ هَذِهِ الواقِعَةِ في هَذِهِ الآيَةِ وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في سَبَبِ النُّزُولِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: رَوى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ «أنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ كانَ مَعَ الرَّسُولِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ فَأخْطَأ المُسْلِمُونَ وظَنُّوا أنَّ أباهُ اليَمانَ واحِدٌ مِنَ الكُفّارِ، فَأخَذُوهُ وضَرَبُوهُ بِأسْيافِهِمْ وحُذَيْفَةُ يَقُولُ: إنَّهُ أبِي فَلَمْ يَفْهَمُوا قَوْلَهُ إلّا بَعْدَ أنْ قَتَلُوهُ، فَقالَ حُذَيْفَةُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكم وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، فَلَمّا سَمِعَ الرَّسُولُ ﷺ ذَلِكَ ازْدادَ وقْعُ حُذَيْفَةَ عِنْدَهُ»، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ:

الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: أنَّ الآيَةَ «نَزَلَتْ في أبِي الدَّرْداءِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ في سَرِيَّةٍ فَعَدَلَ إلى شِعْبٍ لِحاجَةٍ لَهُ فَوَجَدَ رَجُلًا في غَنَمٍ لَهُ فَحَمَلَ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ، فَقالَ الرَّجُلُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَقَتَلَهُ وساقَ غَنَمَهُ ثُمَّ وجَدَ في نَفْسِهِ شَيْئًا، فَذَكَرَ الواقِعَةَ لِلرَّسُولِ ﷺ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ”هَلّا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ“» ونَدِمَ أبُو الدَّرْداءِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

صفحة ١٨١

.

الرِّوايَةُ الثّالِثَةُ: رُوِيَ أنَّ عَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، وكانَ أخًا لِأبِي جَهْلٍ مِن أُمِّهِ، أسْلَمَ وهاجَرَ خَوْفًا مِن قَوْمِهِ إلى المَدِينَةِ، وذَلِكَ قَبْلَ هِجْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ، فَأقْسَمَتْ أُمُّهُ لا تَأْكُلُ ولا تَشْرَبُ ولا تَجْلِسُ تَحْتَ سَقْفٍ حَتّى يَرْجِعَ، فَخَرَجَ أبُو جَهْلٍ ومَعَهُ الحَرْثُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أبِي أُنَيْسَةَ فَأتَياهُ وطَوَّلا في الأحادِيثِ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: ألَيْسَ أنَّ مُحَمَّدًا يَأْمُرُكَ بِبِرِّ الأُمِّ فانْصَرِفْ وأحْسِنْ إلى أُمِّكَ وأنْتَ عَلى دِينِكَ فَرَجَعَ، فَلَمّا دَنَوْا مِن مَكَّةَ قَيَّدُوا يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ، وجَلَدَهُ أبُو جَهْلٍ مِائَةَ جَلْدَةٍ، وجَلَدَهُ الحَرْثُ مِائَةً أُخْرى، فَقالَ لِلْحَرْثِ: هَذا أخِي فَمَن أنْتَ يا حَرْثُ، لِلَّهِ عَلَيَّ إنْ وجَدْتُكَ خالِيًا أنْ أقْتُلَكَ. ورُوِيَ أنَّ الحَرْثَ قالَ لِعَيّاشٍ حِينَ رَجَعَ: إنْ كانَ دِينُكَ الأوَّلُ هُدًى فَقَدْ تَرَكْتَهُ وإنْ كانَ ضَلالًا فَقَدْ دَخَلْتَ الآنَ فِيهِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى عَيّاشٍ وحَلَفَ أنْ يَقْتُلَهُ، فَلَمّا دَخَلَ عَلى أُمِّهِ حَلَفَتْ أُمُّهُ لا يَزُولُ عَنْهُ القَيْدُ حَتّى يَرْجِعَ إلى دِينِهِ الأوَّلِ فَفَعَلَ، ثُمَّ هاجَرَ بَعْدَ ذَلِكَ وأسْلَمَ الحَرْثُ أيْضًا وهاجَرَ، فَلَقِيَهُ عَيّاشٌ خالِيًا ولَمْ يَشْعُرْ بِإسْلامِهِ فَقَتَلَهُ، فَلَمّا أُخْبِرَ بِأنَّهُ كانَ مُسْلِمًا نَدِمَ عَلى فِعْلِهِ وأتى رَسُولَ …

93

وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًۭا مُّتَعَمِّدًۭا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدًۭا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمًۭا

But whoever kills a believer intentionally - his recompense is Hell, wherein he will abide eternally, and Allah has become angry with him and has cursed him and has prepared for him a great punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ حُكْمَ القَتْلِ الخَطَأِ ذَكَرَ بَعْدَهُ بَيانَ حُكْمِ القَتْلِ العَمْدِ، ولَهُ أحْكامٌ مِثْلُ وُجُوبِ القِصاصِ والدِّيَةِ، وقَدْ ذَكَرَ تَعالى ذَلِكَ في سُورَةِ البَقَرَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ [البقرة: ١٧٨] فَلا جَرَمَ هَهُنا اقْتَصَرَ عَلى بَيانِ ما فِيهِ مِنَ الإثْمِ والوَعِيدِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اسْتَدَلَّتِ الوَعِيدِيَّةُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أمْرَيْنِ:

أحَدُهُما: عَلى القَطْعِ بِوَعِيدِ الفُسّاقِ.

والثّانِي: عَلى خُلُودِهِمْ في النّارِ، ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ أنَّ كَلِمَةَ ”مَن“ في مَعْرِضِ الشَّرْطِ تُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ، وقَدِ اسْتَقْصَيْنا في تَقْرِيرِ كَلامِهِمْ في سُورَةِ البَقَرَةِ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١] وبالَغْنا في الجَوابِ عَنْها، وزَعَمَ الواحِدِيُّ أنَّ الأصْحابَ سَلَكُوا في الجَوابِ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ طُرُقًا كَثِيرَةً. قالَ: وأنا لا أرْتَضِي شَيْئًا مِنها لِأنَّ الَّتِي ذَكَرُوها إمّا تَخْصِيصٌ، وإمّا مُعارَضَةٌ، وإمّا إضْمارٌ، واللَّفْظُ لا يَدُلُّ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ. قالَ: والَّذِي اعْتَمَدَهُ وجْهانِ:

الأوَّلُ: إجْماعُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في كافِرٍ قَتَلَ مُؤْمِنًا ثُمَّ ذَكَرَ تِلْكَ القِصَّةَ.

والثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ مَعْناهُ الِاسْتِقْبالُ أيْ أنَّهُ سَيُجْزى بِجَهَنَّمَ، وهَذا وعِيدٌ، قالَ: وخُلْفُ الوَعِيدِ كَرَمٌ، وعِنْدَنا أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وعِيدَ المُؤْمِنِينَ، فَهَذا حاصِلُ كَلامِهِ الَّذِي زَعَمَ أنَّهُ خَيْرٌ مِمّا قالَهُ غَيْرُهُ.

وأقُولُ: أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ فَضَعِيفٌ، وذَلِكَ لِأنَّهُ ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ العِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، فَإذا ثَبَتَ أنَّ اللَّفْظَ الدّالَّ عَلى الِاسْتِغْراقِ حاصِلٌ، فَنُزُولُهُ في حَقِّ الكُفّارِ لا يَقْدَحُ في ذَلِكَ العُمُومِ، فَيَسْقُطُ هَذا الكَلامُ بِالكُلِّيَّةِ، ثُمَّ نَقُولُ: كَما أنَّ عُمُومَ اللَّفْظِ يَقْتَضِي كَوْنَهُ عامًّا في كُلِّ قاتِلٍ مَوْصُوفٍ بِالصِّفَةِ المَذْكُورَةِ، فَكَذا هَهُنا وجْهٌ آخَرُ يَمْنَعُ مِن تَخْصِيصِ هَذِهِ الآيَةِ بِالكافِرِ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالمُجاهَدَةِ مَعَ الكُفّارِ ثُمَّ عَلَّمَهم ما يَحْتاجُونَ إلَيْهِ عِنْدَ اشْتِغالِهِمْ بِالجِهادِ، فابْتَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢] فَذَكَرَ في هَذِهِ الآيَةِ ثَلاثَ كَفّاراتٍ: كَفّارَةُ قَتْلِ المُسْلِمِ في دارِ الإسْلامِ، وكَفّارَةُ قَتْلِ المُسْلِمِ عِنْدَ سُكُونِهِ مَعَ أهْلِ الحَرْبِ، وكَفّارَةُ قَتْلِ المُسْلِمِ عِنْدَ سُكُونِهِ مَعَ أهْلِ الذِّمَّةِ وأهْلِ العَهْدِ، ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ حُكْمَ قَتْلِ العَمْدِ مَقْرُونًا بِالوَعِيدِ، فَلَمّا كانَ بَيانُ حُكْمِ قَتْلِ الخَطَأِ بَيانًا لِحُكْمٍ اخْتَصَّ بِالمُسْلِمِينَ كانَ بَيانُ حُكْمِ القَتْلِ العَمْدِ الَّذِي هو كالضِّدِّ لِقَتْلِ الخَطَأِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ أيْضًا مُخْتَصًّا بِالمُؤْمِنِينَ، فَإنْ لَمْ

صفحة ١٩٠

يَخْتَصَّ بِهِمْ فَلا أقَلَّ مِن دُخُولِهِمْ فِيهِ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى قالَ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ياأيُّها …

94

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُوا۟ وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَنْ أَلْقَىٰٓ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسْتَ مُؤْمِنًۭا تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌۭ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۭا

O you who have believed, when you go forth [to fight] in the cause of Allah, investigate; and do not say to one who gives you [a greeting of] peace "You are not a believer," aspiring for the goods of worldly life; for with Allah are many acquisitions. You [yourselves] were like that before; then Allah conferred His favor upon you, so investigate. Indeed Allah is ever, with what you do, Acquainted.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ .

اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ المُبالَغَةُ في تَحْرِيمِ قَتْلِ المُؤْمِنِينَ، وأمْرُ المُجاهِدِينَ بِالتَّثَبُّتِ فِيهِ؛ لِئَلّا يَسْفِكُوا دَمًا حَرامًا بِتَأْوِيلٍ ضَعِيفٍ، وهَذِهِ المُبالَغَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ خِطابٌ مَعَ المُؤْمِنِينَ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ هُنا، وكَذَلِكَ في الحُجُراتِ ”فَتَثَبَّتُوا“ مِن ثَبَتَ ثَباتًا، والباقُونَ بِالنُّونِ مِنَ البَيانِ، والمَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ، فَمَن رَجَّحَ التَّثْبِيتَ قالَ: إنَّهُ خِلافُ الإقْدامِ، والمُرادُ في الآيَةِ التَّأنِّي وتَرْكُ العَجَلَةِ، ومَن رَجَّحَ التَّبْيِينَ قالَ: المَقْصُودُ مِنَ التَّثْبِيتِ التَّبْيِينُ، فَكانَ التَّبْيِينُ أبْلَغَ وأكْمَلَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّرْبُ مَعْناهُ السَّيْرُ فِيها بِالسَّفَرِ لِلتِّجارَةِ أوِ الجِهادِ، وأصْلُهُ مِنَ الضَّرْبِ بِاليَدِ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الإسْراعِ في السَّيْرِ فَإنَّ مَن ضَرَبَ إنْسانًا كانَتْ حَرَكَةُ يَدِهِ عِنْدَ ذَلِكَ الضَّرْبِ سَرِيعَةً، فَجُعِلَ الضَّرْبُ كِنايَةً عَنِ الإسْراعِ في السَّيْرِ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى ﴿ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ غَزَوْتُمْ وسِرْتُمْ إلى الجِهادِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ .

أرادَ الِانْقِيادَ والِاسْتِسْلامَ إلى المُسْلِمِينَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ [ النَّحْلِ: ٨٧] أيِ: اسْتَسْلَمُوا لِلْأمْرِ، ومَن قَرَأ ”السَّلامَ“ بِالألِفِ فَلَهُ مَعْنَيانِ:

أحَدُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ السَّلامَ الَّذِي يَكُونُ هو تَحِيَّةَ المُسْلِمِينَ، أيْ لا تَقُولُوا لِمَن حَيّاكم بِهَذِهِ التَّحِيَّةِ: إنَّهُ إنَّما قالَها تَعَوُّذًا، فَتُقْدِمُوا عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ لِتَأْخُذُوا مالَهُ، ولَكِنْ كُفُّوا واقْبَلُوا مِنهُ ما أظْهَرَهُ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا تَقُولُوا لِمَنِ اعْتَزَلَكم ولَمْ يُقاتِلْكم لَسْتَ مُؤْمِنًا، وأصْلُ هَذا مِنَ السَّلامَةِ؛ لِأنَّ المُعْتَزِلَ طالِبٌ لِلسَّلامَةِ.

قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ ”مُؤْمَنًا“ بِفَتْحِ المِيمِ مِن آمَنَهُ أيْ: لا نُؤَمِّنُكَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ رِواياتٌ:

الرِّوايَةُ الأُولى: «أنَّ مِرْداسَ بْنَ نَهِيكٍ رَجُلٌ مِن أهْلِ فَدَكَ، أسْلَمَ ولَمْ يُسْلِمْ مِن قَوْمِهِ غَيْرُهُ، فَذَهَبَتْ سَرِيَّةُ

صفحة ٤

الرَّسُولِ ﷺ إلى قَوْمِهِ وأمِيرُهم غالِبُ بْنُ فَضالَةَ، فَهَرَبَ القَوْمُ وبَقِيَ مِرْداسٌ لِثِقَتِهِ بِإسْلامِهِ، فَلَمّا رَأى الخَيْلَ ألْجَأ غَنَمَهُ إلى عاقُولٍ مِنَ الجَبَلِ، فَلَمّا تَلاحَقُوا وكَبَّرُوا كَبَّرَ ونَزَلَ، وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ السَّلامُ عَلَيْكم، فَقَتَلَهُ أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ وساقَ غَنَمَهُ، فَأخْبَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَجِدَ وجْدًا شَدِيدًا وقالَ: قَتَلْتُمُوهُ إرادَةَ ما مَعَهُ، ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ عَلى أُسامَةَ، فَقالَ أُسامَةُ: يا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ لِي، فَقالَ: فَكَيْفَ وقَدْ تَلا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ! قالَ أُسامَةُ: فَما زالَ يُعِيدُها حَتّى ودِدْتُ أنِّي لَمْ أكُنْ أسْلَمْتُ إلّا يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لِي وقالَ: أعْتِقْ رَقَبَةً» .

الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: «أنَّ القاتِلَ مُحَلِّمُ بْنُ جَثّامَةَ، لَقِيَهُ عامِرُ بْنُ الأضْبَطِ فَحَيّاهُ بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ، وكانَتْ بَيْنَ مُحَلِّمٍ وبَيْنَهُ إحْنَةٌ في الجاهِلِيَّةِ …

95

لَّا يَسْتَوِى ٱلْقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُو۟لِى ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ دَرَجَةًۭ ۚ وَكُلًّۭا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًۭا

Not equal are those believers remaining [at home] - other than the disabled - and the mujahideen, [who strive and fight] in the cause of Allah with their wealth and their lives. Allah has preferred the mujahideen through their wealth and their lives over those who remain [behind], by degrees. And to both Allah has promised the best [reward]. But Allah has preferred the mujahideen over those who remain [behind] with a great reward -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ .

اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ المُبالَغَةُ في تَحْرِيمِ قَتْلِ المُؤْمِنِينَ، وأمْرُ المُجاهِدِينَ بِالتَّثَبُّتِ فِيهِ؛ لِئَلّا يَسْفِكُوا دَمًا حَرامًا بِتَأْوِيلٍ ضَعِيفٍ، وهَذِهِ المُبالَغَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ خِطابٌ مَعَ المُؤْمِنِينَ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ هُنا، وكَذَلِكَ في الحُجُراتِ ”فَتَثَبَّتُوا“ مِن ثَبَتَ ثَباتًا، والباقُونَ بِالنُّونِ مِنَ البَيانِ، والمَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ، فَمَن رَجَّحَ التَّثْبِيتَ قالَ: إنَّهُ خِلافُ الإقْدامِ، والمُرادُ في الآيَةِ التَّأنِّي وتَرْكُ العَجَلَةِ، ومَن رَجَّحَ التَّبْيِينَ قالَ: المَقْصُودُ مِنَ التَّثْبِيتِ التَّبْيِينُ، فَكانَ التَّبْيِينُ أبْلَغَ وأكْمَلَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّرْبُ مَعْناهُ السَّيْرُ فِيها بِالسَّفَرِ لِلتِّجارَةِ أوِ الجِهادِ، وأصْلُهُ مِنَ الضَّرْبِ بِاليَدِ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الإسْراعِ في السَّيْرِ فَإنَّ مَن ضَرَبَ إنْسانًا كانَتْ حَرَكَةُ يَدِهِ عِنْدَ ذَلِكَ الضَّرْبِ سَرِيعَةً، فَجُعِلَ الضَّرْبُ كِنايَةً عَنِ الإسْراعِ في السَّيْرِ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى ﴿ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ غَزَوْتُمْ وسِرْتُمْ إلى الجِهادِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ .

أرادَ الِانْقِيادَ والِاسْتِسْلامَ إلى المُسْلِمِينَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ [ النَّحْلِ: ٨٧] أيِ: اسْتَسْلَمُوا لِلْأمْرِ، ومَن قَرَأ ”السَّلامَ“ بِالألِفِ فَلَهُ مَعْنَيانِ:

أحَدُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ السَّلامَ الَّذِي يَكُونُ هو تَحِيَّةَ المُسْلِمِينَ، أيْ لا تَقُولُوا لِمَن حَيّاكم بِهَذِهِ التَّحِيَّةِ: إنَّهُ إنَّما قالَها تَعَوُّذًا، فَتُقْدِمُوا عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ لِتَأْخُذُوا مالَهُ، ولَكِنْ كُفُّوا واقْبَلُوا مِنهُ ما أظْهَرَهُ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا تَقُولُوا لِمَنِ اعْتَزَلَكم ولَمْ يُقاتِلْكم لَسْتَ مُؤْمِنًا، وأصْلُ هَذا مِنَ السَّلامَةِ؛ لِأنَّ المُعْتَزِلَ طالِبٌ لِلسَّلامَةِ.

قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ ”مُؤْمَنًا“ بِفَتْحِ المِيمِ مِن آمَنَهُ أيْ: لا نُؤَمِّنُكَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ رِواياتٌ:

الرِّوايَةُ الأُولى: «أنَّ مِرْداسَ بْنَ نَهِيكٍ رَجُلٌ مِن أهْلِ فَدَكَ، أسْلَمَ ولَمْ يُسْلِمْ مِن قَوْمِهِ غَيْرُهُ، فَذَهَبَتْ سَرِيَّةُ

صفحة ٤

الرَّسُولِ ﷺ إلى قَوْمِهِ وأمِيرُهم غالِبُ بْنُ فَضالَةَ، فَهَرَبَ القَوْمُ وبَقِيَ مِرْداسٌ لِثِقَتِهِ بِإسْلامِهِ، فَلَمّا رَأى الخَيْلَ ألْجَأ غَنَمَهُ إلى عاقُولٍ مِنَ الجَبَلِ، فَلَمّا تَلاحَقُوا وكَبَّرُوا كَبَّرَ ونَزَلَ، وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ السَّلامُ عَلَيْكم، فَقَتَلَهُ أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ وساقَ غَنَمَهُ، فَأخْبَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَجِدَ وجْدًا شَدِيدًا وقالَ: قَتَلْتُمُوهُ إرادَةَ ما مَعَهُ، ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ عَلى أُسامَةَ، فَقالَ أُسامَةُ: يا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ لِي، فَقالَ: فَكَيْفَ وقَدْ تَلا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ! قالَ أُسامَةُ: فَما زالَ يُعِيدُها حَتّى ودِدْتُ أنِّي لَمْ أكُنْ أسْلَمْتُ إلّا يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لِي وقالَ: أعْتِقْ رَقَبَةً» .

الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: «أنَّ القاتِلَ مُحَلِّمُ بْنُ جَثّامَةَ، لَقِيَهُ عامِرُ بْنُ الأضْبَطِ فَحَيّاهُ بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ، وكانَتْ بَيْنَ مُحَلِّمٍ وبَيْنَهُ إحْنَةٌ في الجاهِلِيَّةِ …

96

دَرَجَٰتٍۢ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةًۭ وَرَحْمَةًۭ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًا

Degrees [of high position] from Him and forgiveness and mercy. And Allah is ever Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ .

اعْلَمْ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ المُبالَغَةُ في تَحْرِيمِ قَتْلِ المُؤْمِنِينَ، وأمْرُ المُجاهِدِينَ بِالتَّثَبُّتِ فِيهِ؛ لِئَلّا يَسْفِكُوا دَمًا حَرامًا بِتَأْوِيلٍ ضَعِيفٍ، وهَذِهِ المُبالَغَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ خِطابٌ مَعَ المُؤْمِنِينَ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ هُنا، وكَذَلِكَ في الحُجُراتِ ”فَتَثَبَّتُوا“ مِن ثَبَتَ ثَباتًا، والباقُونَ بِالنُّونِ مِنَ البَيانِ، والمَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ، فَمَن رَجَّحَ التَّثْبِيتَ قالَ: إنَّهُ خِلافُ الإقْدامِ، والمُرادُ في الآيَةِ التَّأنِّي وتَرْكُ العَجَلَةِ، ومَن رَجَّحَ التَّبْيِينَ قالَ: المَقْصُودُ مِنَ التَّثْبِيتِ التَّبْيِينُ، فَكانَ التَّبْيِينُ أبْلَغَ وأكْمَلَ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الضَّرْبُ مَعْناهُ السَّيْرُ فِيها بِالسَّفَرِ لِلتِّجارَةِ أوِ الجِهادِ، وأصْلُهُ مِنَ الضَّرْبِ بِاليَدِ، وهو كِنايَةٌ عَنِ الإسْراعِ في السَّيْرِ فَإنَّ مَن ضَرَبَ إنْسانًا كانَتْ حَرَكَةُ يَدِهِ عِنْدَ ذَلِكَ الضَّرْبِ سَرِيعَةً، فَجُعِلَ الضَّرْبُ كِنايَةً عَنِ الإسْراعِ في السَّيْرِ.

قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى ﴿ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ غَزَوْتُمْ وسِرْتُمْ إلى الجِهادِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ .

أرادَ الِانْقِيادَ والِاسْتِسْلامَ إلى المُسْلِمِينَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ﴾ [ النَّحْلِ: ٨٧] أيِ: اسْتَسْلَمُوا لِلْأمْرِ، ومَن قَرَأ ”السَّلامَ“ بِالألِفِ فَلَهُ مَعْنَيانِ:

أحَدُها: أنْ يَكُونَ المُرادُ السَّلامَ الَّذِي يَكُونُ هو تَحِيَّةَ المُسْلِمِينَ، أيْ لا تَقُولُوا لِمَن حَيّاكم بِهَذِهِ التَّحِيَّةِ: إنَّهُ إنَّما قالَها تَعَوُّذًا، فَتُقْدِمُوا عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ لِتَأْخُذُوا مالَهُ، ولَكِنْ كُفُّوا واقْبَلُوا مِنهُ ما أظْهَرَهُ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ المَعْنى: لا تَقُولُوا لِمَنِ اعْتَزَلَكم ولَمْ يُقاتِلْكم لَسْتَ مُؤْمِنًا، وأصْلُ هَذا مِنَ السَّلامَةِ؛ لِأنَّ المُعْتَزِلَ طالِبٌ لِلسَّلامَةِ.

قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: قُرِئَ ”مُؤْمَنًا“ بِفَتْحِ المِيمِ مِن آمَنَهُ أيْ: لا نُؤَمِّنُكَ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ رِواياتٌ:

الرِّوايَةُ الأُولى: «أنَّ مِرْداسَ بْنَ نَهِيكٍ رَجُلٌ مِن أهْلِ فَدَكَ، أسْلَمَ ولَمْ يُسْلِمْ مِن قَوْمِهِ غَيْرُهُ، فَذَهَبَتْ سَرِيَّةُ

صفحة ٤

الرَّسُولِ ﷺ إلى قَوْمِهِ وأمِيرُهم غالِبُ بْنُ فَضالَةَ، فَهَرَبَ القَوْمُ وبَقِيَ مِرْداسٌ لِثِقَتِهِ بِإسْلامِهِ، فَلَمّا رَأى الخَيْلَ ألْجَأ غَنَمَهُ إلى عاقُولٍ مِنَ الجَبَلِ، فَلَمّا تَلاحَقُوا وكَبَّرُوا كَبَّرَ ونَزَلَ، وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ السَّلامُ عَلَيْكم، فَقَتَلَهُ أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ وساقَ غَنَمَهُ، فَأخْبَرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَجِدَ وجْدًا شَدِيدًا وقالَ: قَتَلْتُمُوهُ إرادَةَ ما مَعَهُ، ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ عَلى أُسامَةَ، فَقالَ أُسامَةُ: يا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ لِي، فَقالَ: فَكَيْفَ وقَدْ تَلا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ ! قالَ أُسامَةُ: فَما زالَ يُعِيدُها حَتّى ودِدْتُ أنِّي لَمْ أكُنْ أسْلَمْتُ إلّا يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لِي وقالَ: أعْتِقْ رَقَبَةً» .

الرِّوايَةُ الثّانِيَةُ: «أنَّ القاتِلَ مُحَلِّمُ بْنُ جَثّامَةَ، لَقِيَهُ عامِرُ بْنُ الأضْبَطِ فَحَيّاهُ بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ، وكانَتْ بَيْنَ مُحَلِّمٍ وبَيْنَهُ إحْنَةٌ في الجاهِلِيَّةِ …

97

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ قَالُوا۟ فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا۟ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ قَالُوٓا۟ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةًۭ فَتُهَاجِرُوا۟ فِيهَا ۚ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا

Indeed, those whom the angels take [in death] while wronging themselves - [the angels] will say, "In what [condition] were you?" They will say, "We were oppressed in the land." The angels will say, "Was not the earth of Allah spacious [enough] for you to emigrate therein?" For those, their refuge is Hell - and evil it is as a destination.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ ﴿إلّا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهم وكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ثَوابَ مَن أقْدَمَ عَلى الجِهادِ أتْبَعَهُ بِعِقابِ مَن قَعَدَ عَنْهُ ورَضِيَ بِالسُّكُونِ في دارِ الكُفْرِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الفَرّاءُ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ (تَوَفّاهم) ماضِيًا، ولَمْ تَضُمَّ تاءً مَعَ التّاءِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ [البَقَرَةِ: ٧٠] . وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ إخْبارًا عَنْ حالِ أقْوامٍ مُعَيَّنِينَ انْقَرَضُوا ومَضَوْا، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ مُسْتَقْبَلًا، والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ الآيَةُ عامَّةً في حَقِّ كُلِّ مَن كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في هَذا التَّوَفِّي قَوْلانِ:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ مَعْناهُ تَقْبِضُ أرْواحَهم عِنْدَ المَوْتِ.

فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا القَوْلِ كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزُّمَرِ: ٤٢] ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [المُلْكِ: ٢] ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨] وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السَّجْدَةِ: ١١] . قُلْنا: خالِقُ المَوْتِ هو اللَّهُ تَعالى، والرَّئِيسُ المُفَوَّضُ إلَيْهِ هَذا العَمَلُ هو مَلَكُ المَوْتِ، وسائِرُ المَلائِكَةِ أعْوانُهُ.

القَوْلُ الثّانِي: تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ يَعْنِي: يَحْشُرُونَهم إلى النّارِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في خَبَرِ (إنَّ) وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ هو قَوْلُهُ: قالُوا لَهم فِيمَ كُنْتُمْ، فَحَذَفَ ”لَهُمْ“ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.

الثّانِي: أنَّ الخَبَرَ هو قَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ فَيَكُونُ ”قالُوا لَهُمْ“ في مَوْضِعِ ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾؛ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ.

الثّالِثُ: أنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ وهو هَلَكُوا، ثُمَّ فَسَّرَ الهَلاكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ، والمَعْنى تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ في

صفحة ١١

حالِ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم، وهو وإنْ أُضِيفَ إلى المَعْرِفَةِ إلّا أنَّهُ نَكِرَةٌ في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ المَعْنى عَلى الِانْفِصالِ، كَأنَّهُ قِيلَ ظالِمِينَ أنْفُسَهم، إلّا أنَّهم حَذَفُوا النُّونَ؛ طَلَبًا لِلْخِفَّةِ، واسْمُ الفاعِلِ سَواءٌ أُرِيدَ بِهِ الحالُ، أوِ الِاسْتِقْبالُ فَقَدْ يَكُونُ مَفْصُولًا في المَعْنى وإنْ كانَ مَوْصُولًا في اللَّفْظِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ . [الأحْقافِ: ٢٤]، ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ . [المائِدَةِ: ٩٥]، ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ . [الحَجِّ: ٩] فالإضافَةُ في هَذِهِ المَواضِعِ كُلِّها لَفْظِيَّةٌ لا مَعْنَوِيَّةٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الظُّلْمُ قَدْ يُرادُ بِهِ الكُفْرُ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [ لُقْمانَ: ١٣] . …

98

إِلَّا ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةًۭ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًۭا

Except for the oppressed among men, women and children who cannot devise a plan nor are they directed to a way -

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ ﴿إلّا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهم وكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ثَوابَ مَن أقْدَمَ عَلى الجِهادِ أتْبَعَهُ بِعِقابِ مَن قَعَدَ عَنْهُ ورَضِيَ بِالسُّكُونِ في دارِ الكُفْرِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الفَرّاءُ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ (تَوَفّاهم) ماضِيًا، ولَمْ تَضُمَّ تاءً مَعَ التّاءِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ [البَقَرَةِ: ٧٠] . وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ إخْبارًا عَنْ حالِ أقْوامٍ مُعَيَّنِينَ انْقَرَضُوا ومَضَوْا، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ مُسْتَقْبَلًا، والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ الآيَةُ عامَّةً في حَقِّ كُلِّ مَن كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في هَذا التَّوَفِّي قَوْلانِ:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ مَعْناهُ تَقْبِضُ أرْواحَهم عِنْدَ المَوْتِ.

فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا القَوْلِ كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزُّمَرِ: ٤٢] ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [المُلْكِ: ٢] ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨] وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السَّجْدَةِ: ١١] . قُلْنا: خالِقُ المَوْتِ هو اللَّهُ تَعالى، والرَّئِيسُ المُفَوَّضُ إلَيْهِ هَذا العَمَلُ هو مَلَكُ المَوْتِ، وسائِرُ المَلائِكَةِ أعْوانُهُ.

القَوْلُ الثّانِي: تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ يَعْنِي: يَحْشُرُونَهم إلى النّارِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في خَبَرِ (إنَّ) وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ هو قَوْلُهُ: قالُوا لَهم فِيمَ كُنْتُمْ، فَحَذَفَ ”لَهُمْ“ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.

الثّانِي: أنَّ الخَبَرَ هو قَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ فَيَكُونُ ”قالُوا لَهُمْ“ في مَوْضِعِ ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾؛ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ.

الثّالِثُ: أنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ وهو هَلَكُوا، ثُمَّ فَسَّرَ الهَلاكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ، والمَعْنى تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ في

صفحة ١١

حالِ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم، وهو وإنْ أُضِيفَ إلى المَعْرِفَةِ إلّا أنَّهُ نَكِرَةٌ في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ المَعْنى عَلى الِانْفِصالِ، كَأنَّهُ قِيلَ ظالِمِينَ أنْفُسَهم، إلّا أنَّهم حَذَفُوا النُّونَ؛ طَلَبًا لِلْخِفَّةِ، واسْمُ الفاعِلِ سَواءٌ أُرِيدَ بِهِ الحالُ، أوِ الِاسْتِقْبالُ فَقَدْ يَكُونُ مَفْصُولًا في المَعْنى وإنْ كانَ مَوْصُولًا في اللَّفْظِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ . [الأحْقافِ: ٢٤]، ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ . [المائِدَةِ: ٩٥]، ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ . [الحَجِّ: ٩] فالإضافَةُ في هَذِهِ المَواضِعِ كُلِّها لَفْظِيَّةٌ لا مَعْنَوِيَّةٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الظُّلْمُ قَدْ يُرادُ بِهِ الكُفْرُ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [ لُقْمانَ: ١٣] . …

99

فَأُو۟لَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًۭا

For those it is expected that Allah will pardon them, and Allah is ever Pardoning and Forgiving.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ ﴿إلّا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهم وكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ ثَوابَ مَن أقْدَمَ عَلى الجِهادِ أتْبَعَهُ بِعِقابِ مَن قَعَدَ عَنْهُ ورَضِيَ بِالسُّكُونِ في دارِ الكُفْرِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الفَرّاءُ: إنْ شِئْتَ جَعَلْتَ (تَوَفّاهم) ماضِيًا، ولَمْ تَضُمَّ تاءً مَعَ التّاءِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا﴾ [البَقَرَةِ: ٧٠] . وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ إخْبارًا عَنْ حالِ أقْوامٍ مُعَيَّنِينَ انْقَرَضُوا ومَضَوْا، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ مُسْتَقْبَلًا، والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ تَكُونُ الآيَةُ عامَّةً في حَقِّ كُلِّ مَن كانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في هَذا التَّوَفِّي قَوْلانِ:

الأوَّلُ: وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ مَعْناهُ تَقْبِضُ أرْواحَهم عِنْدَ المَوْتِ.

فَإنْ قِيلَ: فَعَلى هَذا القَوْلِ كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَهُ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزُّمَرِ: ٤٢] ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَياةَ﴾ [المُلْكِ: ٢] ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البَقَرَةِ: ٢٨] وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ [السَّجْدَةِ: ١١] . قُلْنا: خالِقُ المَوْتِ هو اللَّهُ تَعالى، والرَّئِيسُ المُفَوَّضُ إلَيْهِ هَذا العَمَلُ هو مَلَكُ المَوْتِ، وسائِرُ المَلائِكَةِ أعْوانُهُ.

القَوْلُ الثّانِي: تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ يَعْنِي: يَحْشُرُونَهم إلى النّارِ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: في خَبَرِ (إنَّ) وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّهُ هو قَوْلُهُ: قالُوا لَهم فِيمَ كُنْتُمْ، فَحَذَفَ ”لَهُمْ“ لِدَلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ.

الثّانِي: أنَّ الخَبَرَ هو قَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ فَيَكُونُ ”قالُوا لَهُمْ“ في مَوْضِعِ ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾؛ لِأنَّهُ نَكِرَةٌ.

الثّالِثُ: أنَّ الخَبَرَ مَحْذُوفٌ وهو هَلَكُوا، ثُمَّ فَسَّرَ الهَلاكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ فَفِيهِ مَسْألَتانِ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ، والمَعْنى تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ في

صفحة ١١

حالِ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم، وهو وإنْ أُضِيفَ إلى المَعْرِفَةِ إلّا أنَّهُ نَكِرَةٌ في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّ المَعْنى عَلى الِانْفِصالِ، كَأنَّهُ قِيلَ ظالِمِينَ أنْفُسَهم، إلّا أنَّهم حَذَفُوا النُّونَ؛ طَلَبًا لِلْخِفَّةِ، واسْمُ الفاعِلِ سَواءٌ أُرِيدَ بِهِ الحالُ، أوِ الِاسْتِقْبالُ فَقَدْ يَكُونُ مَفْصُولًا في المَعْنى وإنْ كانَ مَوْصُولًا في اللَّفْظِ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ . [الأحْقافِ: ٢٤]، ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ . [المائِدَةِ: ٩٥]، ﴿ثانِيَ عِطْفِهِ﴾ . [الحَجِّ: ٩] فالإضافَةُ في هَذِهِ المَواضِعِ كُلِّها لَفْظِيَّةٌ لا مَعْنَوِيَّةٌ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الظُّلْمُ قَدْ يُرادُ بِهِ الكُفْرُ، قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [ لُقْمانَ: ١٣] . …

100

۞ وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدْ فِى ٱلْأَرْضِ مُرَٰغَمًۭا كَثِيرًۭا وَسَعَةًۭ ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِنۢ بَيْتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

And whoever emigrates for the cause of Allah will find on the earth many [alternative] locations and abundance. And whoever leaves his home as an emigrant to Allah and His Messenger and then death overtakes him - his reward has already become incumbent upon Allah. And Allah is ever Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ .

صفحة ١٣

واعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ المانِعَ أمْرانِ:

الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ لَهُ في وطَنِهِ نَوْعُ راحَةٍ ورَفاهِيَةٍ، فَيَقُولُ لَوْ فارَقْتُ الوَطَنَ وقَعْتُ في الشِّدَّةِ والمَشَقَّةِ وضِيقِ العَيْشِ، فَأجابَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً﴾ يُقالُ: راغَمْتُ الرَّجُلَ إذا فَعَلْتَ ما يَكْرَهُهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الرَّغامِ وهو التُّرابُ، فَإنَّهم يَقُولُونَ: رَغْمَ أنْفِهِ، يُرِيدُونَ بِهِ أنَّهُ وصَلَ إلَيْهِ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ الأنْفَ عُضْوٌ في غايَةِ العِزَّةِ، والتُّرابُ في غايَةِ الذِّلَّةِ، فَجَعَلُوا قَوْلَهم: رَغْمَ أنْفِهِ كِنايَةً عَنِ الذُّلِّ.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: المَشْهُورُ أنَّ هَذِهِ المُراغَمَةَ إنَّما حَصَلَتْ بِسَبَبِ أنَّهم فارَقُوا وخَرَجُوا عَنْ دِيارِهِمْ.

وعِنْدِي فِيهِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ يَكُونَ المَعْنى: ومَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ إلى بَلَدٍ آخَرَ يَجِدْ في أرْضِ ذَلِكَ البَلَدِ مِنَ الخَيْرِ والنِّعْمَةِ ما يَكُونُ سَبَبًا لِرَغْمِ أنْفِ أعْدائِهِ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ في بَلْدَتِهِ الأصْلِيَّةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ مَن فارَقَ وذَهَبَ إلى بَلْدَةٍ أجْنَبِيَّةٍ فَإذِ اسْتَقامَ أمْرُهُ في تِلْكَ البَلْدَةِ الأجْنَبِيَّةِ، ووَصَلَ ذَلِكَ الخَبَرُ إلى أهْلِ بَلْدَتِهِ خَجِلُوا مِن سُوءِ مُعامَلَتِهِمْ مَعَهُ، ورَغِمَتْ أُنُوفُهم بِسَبَبِ ذَلِكَ، وحَمْلُ اللَّفْظِ عَلى هَذا أقْرَبُ مِن حَمْلِهِ عَلى ما قالُوهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.

والحاصِلُ كَأنَّهُ قِيلَ: يا أيُّها الإنْسانُ، إنَّكَ كُنْتَ إنَّما تَكْرَهُ الهِجْرَةَ عَنْ وطَنِكَ؛ خَوْفًا مِن أنْ تَقَعَ في المَشَقَّةِ والمِحْنَةِ في السَّفَرِ، فَلا تَخَفْ فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْطِيكَ مِنَ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ والمَراتِبِ العَظِيمَةِ في مُهاجَرَتِكَ ما يَصِيرُ سَبَبًا لِرَغْمِ أُنُوفِ أعْدائِكَ، ويَكُونُ سَبَبًا لِسَعَةِ عَيْشِكَ، وإنَّما قَدَّمَ في الآيَةِ ذِكْرَ رَغْمِ الأعْداءِ عَلى ذِكْرِ سَعَةِ العَيْشِ؛ لِأنَّ ابْتِهاجَ الإنْسانِ الَّذِي يُهاجِرُ عَنْ أهْلِهِ وبَلَدِهِ بِسَبَبِ شِدَّةِ ظُلْمِهِمْ عَلَيْهِ بِدَوْلَتِهِ مِن حَيْثُ إنَّها تَصِيرُ سَبَبًا لِرَغْمِ أُنُوفِ الأعْداءِ، أشَدُّ مِنَ ابْتِهاجِهِ بِتِلْكَ الدَّوْلَةِ مِن حَيْثُ إنَّها صارَتْ سَبَبًا لِسَعَةِ العَيْشِ عَلَيْهِ.

وأمّا المانِعُ الثّانِي مِنَ الإقْدامِ عَلى المُهاجَرَةِ فَهو أنَّ الإنْسانَ يَقُولُ: إنْ خَرَجْتُ عَنْ بَلَدِي في طَلَبِ هَذا الغَرَضِ، فَرُبَّما وصَلْتُ إلَيْهِ، ورُبَّما لَمْ أصِلْ إلَيْهِ، فالأوْلى أنْ لا أُضَيِّعَ الرَّفاهِيَةَ الحاضِرَةَ بِسَبَبِ طَلَبِ شَيْءٍ، ورُبَّما أصِلُ إلَيْهِ ورُبَّما لا أصِلُ إلَيْهِ، فَأجابَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ والمَعْنى ظاهِرٌ.

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُهم: المُرادُ مَن قَصَدَ طاعَةَ اللَّهِ ثُمَّ عَجَزَ عَنْ إتْمامِها، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَوابَ تَمامِ تِلْكَ الطّاعَةِ؛ كالمَرِيضِ يَعْجِزُ عَمّا كانَ يَفْعَلُهُ في حالِ صِحَّتِهِ مِنَ الطّاعَةِ، فَيُكْتَبُ لَهُ ثَوابُ ذَلِكَ العَمَلِ. هَكَذا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . …

An-Nisaa 4:100Listen in Qur'an →

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.