Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 91–100 of 176

91

سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا۟ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوٓا۟ إِلَى ٱلْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا۟ فِيهَا ۚ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوٓا۟ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَٰنًۭا مُّبِينًۭا

You will find others who wish to obtain security from you and [to] obtain security from their people. Every time they are returned to [the influence of] disbelief, they fall back into it. So if they do not withdraw from you or offer you peace or restrain their hands, then seize them and kill them wherever you overtake them. And those - We have made for you against them a clear authorization.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهم كُلَّ ما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكم ويُلْقُوا إلَيْكُمُ السَلَمَ ويَكُفُّوا أيْدِيَهم فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم وأُولَئِكم جَعَلْنا لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾

لَمّا وصَفَ اللهُ تَعالى فِيما تَقَدَّمَ صِفَةَ المُحِقِّينَ في المُتارَكَةِ، المُجِدِّينَ في إلْقاءِ السَلَمِ، نَبَّهَ عَلى طائِفَةٍ مُخادِعَةٍ مُبْطِلَةٍ مُبَطَّنَةٍ كانُوا يُرِيدُونَ الإقامَةَ في مَواضِعِهِمْ مَعَ أهْلِيهِمْ، يَقُولُونَ لَهُمْ: نَحْنُ مَعَكم وعَلى دِينِكُمْ، ويَقُولُونَ أيْضًا لِلْمُسْلِمِينَ إذا وفَدُوا وأُرْسِلُوا: نَحْنُ مَعَكم وعَلى دِينِكم خُبْثَةً مِنهم وخَدِيعَةً، قِيلَ: كانَتْ أسَدٌ وغَطَفانُ بِهَذِهِ الصِفَةِ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيِّ، كانَ يَنْقُلُ بَيْنَ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ والكُفّارِ الأخْبارَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ يَجِيئُونَ مِن مَكَّةَ إلى النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ رِياءً، يُظْهِرُونَ الإسْلامَ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى قُرَيْشٍ فَيَكْفُرُونَ، فَفَضَحَ اللهُ تَعالى هَؤُلاءِ، وأعْلَمَ أنَّهم عَلى غَيْرِ صِفَةِ مَن تَقَدَّمَ.

وقَوْلُهُ: "إلى الفِتْنَةِ" مَعْناهُ: إلى الِاخْتِبارِ، حُكِيَ أنَّهم كانُوا يَرْجِعُونَ إلى قَوْمِهِمْ فَيُقالُ لِأحَدِهِمْ: رَبِّيَ الخُنْفُساءُ، ورَبِّيَ العُودُ، ورَبِّيَ العَقْرَبُ، ونَحْوُهُ، فَيَقُولُها، وَمَعْنى "أُرْكِسُوا" رَجَعُوا رَجْعَ ضَلالَةٍ، أيْ: أُهْلِكُوا في الِاخْتِيارِ بِما واقَعُوهُ مِنَ الكُفْرِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، "رُكِسُوا" بِضَمِّ الراءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، وحَكاهُ عنهُ أبُو الفَتْحِ بِشَدِّ الكافِ عَلى التَضْعِيفِ، والخِلافُ في "السَلَمَ" حَسْبَما تَقَدَّمَ. هَذِهِ الآيَةُ حَضٌّ عَلى قَتْلِ هَؤُلاءِ المُخادِعِينَ إذا لَمْ يَرْجِعُوا عن حالِهِمْ إلى حالِ الآخَرِينَ المُعْتَزِلِينَ المُلْقِينَ لِلسَّلَمِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الحَقِّ رَحِمَهُ اللهُ:

وتَأمَّلْ فَصاحَةَ الكَلامِ في أنَّ سِياقَهُ في الصِيغَةِ المُتَقَدِّمَةِ قَبْلَ هَذِهِ سِياقُ إيجابِ الِاعْتِزالِ، وإيجابِ إلْقاءِ السَلَمِ، ونَفْيِ المُقاتَلَةِ إذْ كانُوا مُحِقِّينَ في ذَلِكَ مُعْتَقِدِينَ لَهُ، وسِياقَهُ في هَذِهِ الصِيغَةِ المُتَأخِّرَةِ سِياقُ نَفْيِ الِاعْتِزالِ، ونَفْيِ إلْقاءِ السَلَمِ إذْ كانُوا مُبْطِلِينَ فِيهِ مُخادِعِينَ، والحُكْمُ سَواءٌ عَلى السِياقَيْنِ، لِأنَّ الَّذِينَ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا لَوْ لَمْ يَعْتَزِلُوا لَكانَ حُكْمُهم حُكْمَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ جُعِلَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ، وكَذَلِكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ عَلَيْهِمُ السُلْطانُ إذْ لَمْ يَعْتَزِلُوا، لَوِ اعْتَزَلُوا لَكانَ حُكْمُهم حُكْمَ الَّذِينَ لا سَبِيلَ عَلَيْهِمْ، ولَكِنَّهم بِهَذِهِ العِبارَةِ تَحْتَ القَتْلِ إنْ لَمْ يَعْتَزِلُوا.

و"ثَقِفْتُمُوهُمْ" مَأْخُوذٌ مِنَ الثِقافِ، أيْ: ظَفِرْتُمْ بِهِمْ مَغْلُوبِينَ مُتَمَكَّنًا مِنهُمْ، والسُلْطانُ: الحُجَّةُ. قالَ عِكْرِمَةُ: حَيْثُما وقَعَ السُلْطانُ في كِتابِ اللهِ تَعالى فَهو الحُجَّةُ.

92

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَـًۭٔا ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَـًۭٔا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ وَدِيَةٌۭ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُوا۟ ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّۢ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَٰقٌۭ فَدِيَةٌۭ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

And never is it for a believer to kill a believer except by mistake. And whoever kills a believer by mistake - then the freeing of a believing slave and a compensation payment presented to the deceased's family [is required] unless they give [up their right as] charity. But if the deceased was from a people at war with you and he was a believer - then [only] the freeing of a believing slave; and if he was from a people with whom you have a treaty - then a compensation payment presented to his family and the freeing of a believing slave. And whoever does not find [one or cannot afford to buy one] - then [instead], a fast for two months consecutively, [seeking] acceptance of repentance from Allah. And Allah is ever Knowing and Wise.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلا خَطَأً ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ إلا أنْ يَصَّدَّقُوا فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهو مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِن اللهِ وكانَ اللهِ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾

قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: وما كانَ في إذْنِ اللهِ، وفي أمْرِهِ لِلْمُؤْمِنِ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا بِوَجْهٍ، ثُمَّ اسْتَثْنى اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وهو الَّذِي تَكُونُ فِيهِ "إلّا" بِمَعْنى "لَكِنَّ"، والتَقْدِيرُ: لَكِنَّ الخَطَأ قَدْ يَقَعُ، وهَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ:

؎ أمْسى سُقامُ خَلاءً لا أنِيسَ بِهِ إلّا السِباعَ ومَرَّ الرِيحِ بِالغَرَفِ

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

سُقامُ: اسْمُ وادٍ، والغَرَفُ شَجَرٌ يُدْبَغُ بِلُحائِهِ. وكَما قالَ جَرِيرٌ:

؎ مِنَ البِيضِ لَمْ تَظْعن بَعِيدًا ولَمْ تَطَأْ ∗∗∗ عَلى الأرْضِ إلّا ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ

وفِي هَذا الشاهِدِ نَظَرٌ.

ويَتَّجِهُ في مَعْنى الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنْ تُقَدَّرَ "كانَ" بِمَعْنى: اسْتَقَرَّ ووُجِدَ، كَأنَّهُ قالَ: وما وُجِدَ ولا تَقَرَّرَ ولا ساغَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً، إذْ هو مَغْلُوبٌ فِيهِ أحْيانًا، فَيَجِيءُ الِاسْتِثْناءُ -عَلى هَذا- غَيْرَ مُنْقَطِعٍ، وتَتَضَمَّنُ الآيَةُ -عَلى هَذا- إعْظامَ العَمْدِ وبَشاعَةَ شَأْنِهِ، كَما تَقُولُ: ما كانَ لَكَ يا فُلانُ أنْ تَتَكَلَّمَ بِهَذا إلّا ناسِيًا، إعْظامًا لِلْعَمْدِ والقَصْدِ مَعَ خَطَرِ الكَلامِ بِهِ البَتَّةَ.

وقَرَأ الزُهْرِيُّ "خَطًا" مَقْصُورًا غَيْرَ مَهْمُوزٍ، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ مَهْمُوزًا مَمْدُودًا. وقالَ مُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ المَخْزُومِيِّ حِينَ قَتَلَ الحارِثَ بْنَ يَزِيدِ بْنِ نَبِيشَةَ، وذَلِكَ، أنَّهُ كانَ يُعَذِّبُهُ بِمَكَّةَ، ثُمَّ أسْلَمَ الحارِثُ وجاءَ مُهاجِرًا فَلَقِيَهُ عَيّاشٌ بِالحَرَّةِ، فَظَنَّهُ عَلى كُفْرِهِ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ جاءَ فَأخْبَرَ النَبِيَّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ ونَزَلَتِ الآيَةُ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: "قُمْ فَحَرِّرْ".»

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ:

نَزَلَتْ في رَجُلٍ قَتَلَهُ أبُو الدَرْداءِ، كانَ يَرْعى غَنَمًا وهو يَتَشَهَّدُ فَقَتَلَهُ وساقَ غَنَمَهُ إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ: ونَزَلَتِ الآيَةُ.

وقِيلَ: نَزَلَتْ في أبِي حُذَيْفَةَ اليَمانِيِّ حِينَ قُتِلَ خَطَأً يَوْمَ أُحُدٍ، وقِيلَ غَيْرُ هَذا، واللهُ أعْلَمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا﴾ الآيَةُ. بَيَّنَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ حُكْمَ المُؤْمِنِ إذا قَتَلَ المُؤْمِنَ خَطَأً، وحَقِيقَةُ الخَطَإ ألّا يَقْصِدَهُ بِالقَتْلِ، ووُجُوهُ الخَطَإ كَثِيرَةٌ لا تُحْصى، يَرْبُطُها عَدَمُ القَصْدِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، والشَعْبِيُّ، والنَخْعِيُّ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُمُ: الرَقَبَةُ المُؤْمِنَةُ هي الكَبِيرَةُ الَّتِي قَدْ صَلَّتْ وعَلِقَتِ الإيمانَ، ولا يُجْزِئُ في ذَلِكَ الصَغِيرُ، وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: يُجْزِئُ كُلُّ مَن يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الإسْلامِ في الصَلاةِ عَلَيْهِ إنْ ماتَ ودَفْنِهِ، قالَ مالِكٌ: ومَن صَلّى وصامَ أحَبُّ إلَيَّ، وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ الناقِصَ النُقْصانَ الكَثِيرَ كَقَطْعِ اليَدَيْنِ، أوِ الرِجْلَيْنِ، أوِ …

93

وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًۭا مُّتَعَمِّدًۭا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدًۭا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمًۭا

But whoever kills a believer intentionally - his recompense is Hell, wherein he will abide eternally, and Allah has become angry with him and has cursed him and has prepared for him a great punishment.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾

المُتَعَمِّدُ في لُغَةِ العَرَبِ: القاصِدُ إلى الشَيْءِ، واخْتَلَفَ العُلَماءُ في صِفَةِ المُتَعَمِّدِ في القَتْلِ، فَقالَ عَطاءٌ وإبْراهِيمُ النَخْعِيُّ، وغَيْرُهُما: هو مَن قَتَلَ بِحَدِيدَةٍ كالسَيْفِ أوِ الخِنْجَرِ وسِنانِ الرُمْحِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ المَشْحُوذِ المُعَدِّ لِلْقَطْعِ، أو بِما يَعْلَمُ أنَّ فِيهِ المَوْتَ مِن ثَقِيلِ الحِجارَةِ ونَحْوِهِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُتَعَمِّدُ: كُلُّ مَن قَتَلَ، بِحَدِيدَةٍ كانَ القَتْلُ أو بِحَجَرٍ أو بِعَصا أو بِغَيْرِ ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو الأصَحُّ. ورَأْيُ الشافِعِيِّ وغَيْرِهِ أنَّ القَتْلَ بِغَيْرِ الحَدِيدِ المَشْحُوذِ هو شِبْهُ العَمْدِ، ورَأوا فِيهِ تَغْلِيظَ الدِيَةِ، ومالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ لا يَرى شِبْهَ العَمْدِ، ولا يَقُولُ بِهِ في شَيْءٍ، وإنَّما القَتْلُ عِنْدَهُ ما ذَكَرَهُ اللهُ تَعالى عَمْدًا وخَطَأً لا غَيْرُ، والقَتْلُ بِالسُمِّ عِنْدَهُ عَمْدٌ وإنْ قالَ: ما أرَدْتُ إلّا سُكْرَهُ.

وقَوْلُهُ: "فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ" تَقْدِيرُهُ عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ: فَجَزاؤُهُ إنْ جازاهُ بِذَلِكَ، أيْ: هو أهْلُ ذَلِكَ ومُسْتَحِقُّهُ لِعِظَمِ ذَنْبِهِ، ونَصَّ عَلى هَذا أبُو مِجْلَزٍ، وأبُو صالِحٍ، وغَيْرُهُما، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى القَوْلِ بِالمَشِيئَةِ في جَمِيعِ العُصاةِ، قاتِلٍ وغَيْرِهِ، وذَهَبَتِ المُعْتَزِلَةُ إلى عُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ، وأنَّها مُخَصَّصَةٌ بِعُمُومِها لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. وتَوَرَّكُوا في ذَلِكَ عَلى ما رُوِيَ عن زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتِ الشَدِيدَةُ بَعْدَ الهَيِّنَةِ، يُرِيدُ نَزَلَتْ ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ بَعْدَ ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فَهم يَرَوْنَ أنَّ هَذا الوَعِيدَ نافِذٌ حَتْمًا عَلى كُلِّ قاتِلٍ يَقْتُلُ مُؤْمِنًا، ويَرَوْنَهُ عُمُومًا ماضِيًا لِوَجْهِهِ، مُخَصِّصًا لِلْعُمُومِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] كَأنَّهُ قالَ: إلّا مَن قَتَلَ عَمْدًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وأهْلُ الحَقِّ يَقُولُونَ لَهُمْ: هَذا العُمُومُ مُنْكَرٌ غَيْرُ ماضٍ لِوَجْهِهِ مِن جِهَتَيْنِ: إحْداهُما ما أنْتُمْ مَعَنا مُجْمِعُونَ عَلَيْهِ مِنَ الرَجُلِ الَّذِي يُشْهَدُ عَلَيْهِ، أو يُقِرُّ بِالقَتْلِ عَمْدًا ويَأْتِي السُلْطانُ أوِ الأولِياءُ فَيُقامُ عَلَيْهِ الحَدُّ، ويُقْتَلُ قَوَدًا، فَهَذا غَيْرُ مُتَّبَعٍ في الآخِرَةِ، والوَعِيدُ غَيْرُ نافِذٍ عَلَيْهِ إجْماعًا مُتَرَكِّبًا عَلى الحَدِيثِ الصَحِيحِ مِن طَرِيقِ عُبادَةَ بْنِ الصامِتِ: « "أنَّهُ مَن عُوقِبَ في الدُنْيا فَهو كَفّارَةٌ لَهُ".» وهَذا نَقْضٌ لِلْعُمُومِ، والجِهَةُ الأُخْرى أنَّ لَفْظَ هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ بِلَفْظِ عُمُومٍ، بَلْ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يَقَعُ كَثِيرًا لِلْخُصُوصِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ولَيْسَ حُكّامُ المُؤْمِنِينَ إذا حَكَمُوا بِغَيْرِ الحَقِّ في أمْرٍ بِكَفَرَةٍ بِوَجْهٍ، وكَقَوْلِ الشاعِرِ:

؎ ومَن لا يَذُدْ عن حَوْضِهِ بِسِلاحِهِ يُهَدَّمْ، ومَن لا يَظْلِمِ الناسَ يُظْلَمِ

وَهَذا إنَّما مَعْناهُ الخُصُوصُ، لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَن لا يَظْلِمُ يُظْلَمُ، فَهَذِهِ جِهَةٌ أُخْرى تَدُلُّ عَلى أنَّ العُمُومَ غَيْرُ مُتَرَتِّبٍ، وما احْتَجُّوا بِهِ مِن قَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ …

94

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُوا۟ وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَنْ أَلْقَىٰٓ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسْتَ مُؤْمِنًۭا تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌۭ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۭا

O you who have believed, when you go forth [to fight] in the cause of Allah, investigate; and do not say to one who gives you [a greeting of] peace "You are not a believer," aspiring for the goods of worldly life; for with Allah are many acquisitions. You [yourselves] were like that before; then Allah conferred His favor upon you, so investigate. Indeed Allah is ever, with what you do, Acquainted.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُنْيا فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ فَمَنَّ اللهِ عَلَيْكم فَتَبَيَّنُوا إنَّ اللهِ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾

تَقُولُ العَرَبُ: "ضَرَبْتُ في الأرْضِ" إذا سِرْتَ لِتِجارَةٍ أو غَزْوٍ أو غَيْرِهِ مُقْتَرِنَةً بِـ "فِي"، وتَقُولُ: "ضَرَبْتُ الأرْضَ" دُونَ "فِي" إذا قَصَدْتَ قَضاءَ حاجَةِ الإنْسانِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "لا يَخْرُجِ الرَجُلانِ يَضْرِبانِ الغائِطَ يَتَحَدَّثانِ كاشِفَيْنِ عن فَرْجَيْهِما فَإنَّ اللهَ يَمْقُتُ عَلى ذَلِكَ".»

وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ سَرِيَّةً مِن سَرايا رَسُولِ اللهِ لَقِيَتْ رَجُلًا لَهُ جَمَلٌ ومَتِيعٌ، وقِيلَ: غَنِيمَةٌ، فَسَلَّمَ عَلى القَوْمِ وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ أحَدُهم فَقَتَلَهُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللهِ ونَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِ.»

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَعْيِينِ القاتِلِ والمَقْتُولِ في هَذِهِ النازِلَةِ -فالَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُ- وهو في سِيرَةِ ابْنِ إسْحاقَ، وفي مُصَنَّفِ أبِي داوُدَ، وغَيْرِهِما: أنَّ القاتِلَ: مُحَلِّمُ بْنُ جَثّامَةَ، والمَقْتُولَ: عامِرُ بْنُ الأضْبَطِ. والحَدِيثُ بِكَمالِهِ في "المُصَنَّفِ" لِأبِي داوُدَ، وفي السِيَرِ، وفي الِاسْتِيعابِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: القاتِلُ: أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ، والمَقْتُولُ: مِرْداسُ بْنُ نَهْيِكٍ الغَطَفانِيُّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: القاتِلُ: أبُو قَتادَةَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: القاتِلُ: غالِبٌ اللَيْثِيُّ، والمَقْتُولُ مِرْداسٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: القاتِلُ هو أبُو الدَرْداءِ، ولا خِلافَ أنَّ الَّذِي لَفِظَتْهُ الأرْضُ حِينَ ماتَ هو مُحَلِّمُ بْنُ جَثّامَةَ.

وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ "فَتَبَيَّنُوا" وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: "فَتَثَبَّتُوا" بِالثاءِ مُثَلَّثَةً في المَوْضِعَيْنِ وفي [الحُجُراتِ]. وقالَ قَوْمٌ: "تَبَيَّنُوا" أبْلَغُ وأشَدُّ مِن "تَثَبَّتُوا"، لِأنَّ المُتَثَبِّتَ قَدْ لا يَتَبَيَّنُ، وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: هُما مُتَقارِبانِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والصَحِيحُ ما قالَ أبُو عُبَيْدٍ، لِأنَّ تَبَيُّنَ الرَجُلِ لا يَقْتَضِي أنَّ الشَيْءَ بانَ لَهُ، بَلْ يَقْتَضِي مُحاوَلَةَ اليَقِينِ، كَما أنَّ تَثَبَّتَ تَقْتَضِي مُحاوَلَةَ اليَقِينِ، فَهُما سَواءٌ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وابْنُ كَثِيرٍ في بَعْضِ طُرُقِهِ: "السَلَمَ" بِتَشْدِيدِ السِينِ وفَتْحِهِ وفَتْحِ اللامِ، ومَعْناهُ: الِاسْتِسْلامُ، أيْ: ألْقى بِيَدِهِ واسْتَسْلَمَ لَكُمْ، وأظْهَرَ دَعْوَتَكُمْ، وقَرَأ بَقِيَّةُ السَبْعَةِ: "السَلامَ"، يَقُولُ: سَلَّمَ ذَلِكَ المَقْتُولُ عَلى السَرِيَّةِ، لِأنَّ سَلامَهُ بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ مُؤْذِنٌ بِطاعَتِهِ وانْقِيادِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الِانْحِيازُ والتَرْكُ، قالَ الأخْفَشُ، يُقالُ: "فُلانٌ سَلامٌ" إذا كانَ لا يُخالِطُ أحَدًا، ورُوِيَ في بَعْضِ طُرُقِ عاصِمٍ: "السِلْمَ" بِكَسْرِ السِينِ وشَدِّهِ وسُكُونِ اللامِ، وهو الصُلْحُ، والمَعْنى المُرادُ بِهَذِهِ الثَلاثَةِ يَتَقارَبُ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "السَلْمَ" بِفَتْحِ السِينِ وسُكُونِ اللامِ.

والعَرَضُ: هو المَتِيعُ والجَمَلُ، أوِ الغَنِيمَةُ الَّتِي كانَتْ لِلرَّجُلِ المَقْتُولِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ، وأبُو حَمْزَةَ، واليَمانِيُّ: "لَسْتَ مُؤْمَنًا" بِفَتْحِ المِيمِ، أيْ: لَسْنا نُؤَمِّنُكَ في نَفْسِكَ، …

95

لَّا يَسْتَوِى ٱلْقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُو۟لِى ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ دَرَجَةًۭ ۚ وَكُلًّۭا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًۭا

Not equal are those believers remaining [at home] - other than the disabled - and the mujahideen, [who strive and fight] in the cause of Allah with their wealth and their lives. Allah has preferred the mujahideen through their wealth and their lives over those who remain [behind], by degrees. And to both Allah has promised the best [reward]. But Allah has preferred the mujahideen over those who remain [behind] with a great reward -

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهِ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً وكُلا وعَدَ اللهِ الحُسْنى وفَضَّلَ اللهِ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً وكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾

فِي قَوْلِهِ: "لا يَسْتَوِي" إبْهامٌ عَلى السامِعِ هو أبْلَغُ مِن تَحْدِيدِ المَنزِلَةِ الَّتِي بَيْنَ المُجاهِدِ والقاعِدِ، فالمُتَأمِّلُ يَمْشِي مَعَ فِكْرَتِهِ، ولا يَزالُ يَتَخَيَّلُ الدَرَجاتِ بَيْنَهُما.

و"القاعِدُونَ" عِبارَةٌ عَنِ المُتَخَلِّفِينَ، إذِ القُعُودُ هَيْئَةُ مَن لا يَتَحَرَّكُ إلى الأمْرِ المَقْعُودِ عنهُ في الأغْلَبِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: "غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ" بِرَفْعِ الراءِ مِن "غَيْرُ"، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ "غَيْرَ" بِالنَصْبِ، واخْتَلَفَ عن عاصِمٍ، فَرُوِيَ عنهُ الرَفْعُ والنَصْبُ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ: "غَيْرِ" بِكَسْرِ الراءِ، فَمَن رَفَعَ جَعَلَ "غَيْرُ" صِفَةً لِلْقاعِدِينَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، كَما هي عِنْدَهُ صِفَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "غَيْرِ المَغْضُوبِ"﴾ [الفاتحة: ٧] بِجَرِّ "غَيْرِ" صِفَةٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:

؎ وإذا جُوزِيتَ قَرْضًا فاجْزِهِ إنَّما يَجْزِي الفَتى غَيْرُ الجَمَلْ

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

كَذا ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ، ويُرْوى: "لَيْسَ الجَمَلْ". ومَن قَرَأ بِنَصْبِ الراءِ جَعَلَهُ اسْتِثْناءً مِنَ "القاعِدِينَ"، قالَ أبُو الحَسَنِ: ويُقَوِّي ذَلِكَ أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَها عَلى طَرِيقِ الِاسْتِثْناءِ والِاسْتِدْراكِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وقَدْ يَتَحَصَّلُ الِاسْتِدْراكُ بِتَخْصِيصِ القاعِدِينَ بِالصِفَةِ، قالَ الزَجّاجُ: يَجُوزُ أيْضًا في قِراءَةِ الرَفْعِ أنْ يَكُونَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِثْناءِ، كَأنَّهُ قالَ: لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ والمُجاهِدُونَ إلّا أُولُو الضَرَرِ فَإنَّهم يُساوُونَ المُجاهِدِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا مَرْدُودٌ، لِأنَّ أُولِي الضَرَرِ لا يُساوُونَ المُجاهِدِينَ، وغايَتُهم أنْ خَرَجُوا مِنَ التَوْبِيخِ والمَذَمَّةِ الَّتِي لَزِمَتِ القاعِدِينَ مِن غَيْرِ عُذْرٍ، قالَ: ويَجُوزُ في قِراءَةِ نَصْبِ الراءِ أنْ يَكُونَ عَلى الحالِ، وأمّا كَسْرُ الراءِ فَعَلى الصِفَةِ مِنَ "المُؤْمِنِينَ".

ورُوِيَ مِن غَيْرِ طَرِيقٍ «أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ والمُجاهِدُونَ﴾، فَجاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ حِينَ سَمِعَها فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ هَلْ مِن رُخْصَةٍ فَإنِّي ضَرِيرُ البَصَرِ؟ فَنَزَلَتْ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ﴾، قالَ الفِلَّقانُ بْنُ عاصِمٍ: كُنّا قُعُودًا عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ، وكانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ دامَ بَصَرُهُ مَفْتُوحَةً عَيْناهُ، وفَرَغَ سَمْعُهُ وبَصَرُهُ لِما يَأْتِيهِ مِنَ اللهِ، وكُنّا نَعْرِفُ ذَلِكَ في وجْهِهِ، فَلَمّا فَرَغَ قالَ لِلْكاتِبِ: اكْتُبْ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ والمُجاهِدُونَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، قالَ: فَقامَ الأعْمى فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، ما ذَنْبُنا؟ قالَ: فَأنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ، فَقُلْنا لِلْأعْمى: إنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، قالَ: فَخافَ أنْ يَنْزِلَ فِيهِ شَيْءٌ فَبَقِيَ قائِمًا مَكانَهُ يَقُولُ: "أتُوبُ إلى رَسُولِ اللهِ" حَتّى فَرَغَ رَسُولُ اللهِ، فَقالَ لِلْكاتِبِ: …

96

دَرَجَٰتٍۢ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةًۭ وَرَحْمَةًۭ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًا

Degrees [of high position] from Him and forgiveness and mercy. And Allah is ever Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهِ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً وكُلا وعَدَ اللهِ الحُسْنى وفَضَّلَ اللهِ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً وكانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾

فِي قَوْلِهِ: "لا يَسْتَوِي" إبْهامٌ عَلى السامِعِ هو أبْلَغُ مِن تَحْدِيدِ المَنزِلَةِ الَّتِي بَيْنَ المُجاهِدِ والقاعِدِ، فالمُتَأمِّلُ يَمْشِي مَعَ فِكْرَتِهِ، ولا يَزالُ يَتَخَيَّلُ الدَرَجاتِ بَيْنَهُما.

و"القاعِدُونَ" عِبارَةٌ عَنِ المُتَخَلِّفِينَ، إذِ القُعُودُ هَيْئَةُ مَن لا يَتَحَرَّكُ إلى الأمْرِ المَقْعُودِ عنهُ في الأغْلَبِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: "غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ" بِرَفْعِ الراءِ مِن "غَيْرُ"، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ "غَيْرَ" بِالنَصْبِ، واخْتَلَفَ عن عاصِمٍ، فَرُوِيَ عنهُ الرَفْعُ والنَصْبُ، وقَرَأ الأعْمَشُ، وأبُو حَيْوَةَ: "غَيْرِ" بِكَسْرِ الراءِ، فَمَن رَفَعَ جَعَلَ "غَيْرُ" صِفَةً لِلْقاعِدِينَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، كَما هي عِنْدَهُ صِفَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ "غَيْرِ المَغْضُوبِ"﴾ [الفاتحة: ٧] بِجَرِّ "غَيْرِ" صِفَةٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُ لَبِيدٍ:

؎ وإذا جُوزِيتَ قَرْضًا فاجْزِهِ إنَّما يَجْزِي الفَتى غَيْرُ الجَمَلْ

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

كَذا ذَكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ، ويُرْوى: "لَيْسَ الجَمَلْ". ومَن قَرَأ بِنَصْبِ الراءِ جَعَلَهُ اسْتِثْناءً مِنَ "القاعِدِينَ"، قالَ أبُو الحَسَنِ: ويُقَوِّي ذَلِكَ أنَّها نَزَلَتْ بَعْدَها عَلى طَرِيقِ الِاسْتِثْناءِ والِاسْتِدْراكِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وقَدْ يَتَحَصَّلُ الِاسْتِدْراكُ بِتَخْصِيصِ القاعِدِينَ بِالصِفَةِ، قالَ الزَجّاجُ: يَجُوزُ أيْضًا في قِراءَةِ الرَفْعِ أنْ يَكُونَ عَلى جِهَةِ الِاسْتِثْناءِ، كَأنَّهُ قالَ: لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ والمُجاهِدُونَ إلّا أُولُو الضَرَرِ فَإنَّهم يُساوُونَ المُجاهِدِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا مَرْدُودٌ، لِأنَّ أُولِي الضَرَرِ لا يُساوُونَ المُجاهِدِينَ، وغايَتُهم أنْ خَرَجُوا مِنَ التَوْبِيخِ والمَذَمَّةِ الَّتِي لَزِمَتِ القاعِدِينَ مِن غَيْرِ عُذْرٍ، قالَ: ويَجُوزُ في قِراءَةِ نَصْبِ الراءِ أنْ يَكُونَ عَلى الحالِ، وأمّا كَسْرُ الراءِ فَعَلى الصِفَةِ مِنَ "المُؤْمِنِينَ".

ورُوِيَ مِن غَيْرِ طَرِيقٍ «أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ والمُجاهِدُونَ﴾، فَجاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ حِينَ سَمِعَها فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ هَلْ مِن رُخْصَةٍ فَإنِّي ضَرِيرُ البَصَرِ؟ فَنَزَلَتْ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ﴾، قالَ الفِلَّقانُ بْنُ عاصِمٍ: كُنّا قُعُودًا عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ فَأُنْزِلَ عَلَيْهِ، وكانَ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ دامَ بَصَرُهُ مَفْتُوحَةً عَيْناهُ، وفَرَغَ سَمْعُهُ وبَصَرُهُ لِما يَأْتِيهِ مِنَ اللهِ، وكُنّا نَعْرِفُ ذَلِكَ في وجْهِهِ، فَلَمّا فَرَغَ قالَ لِلْكاتِبِ: اكْتُبْ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَرَرِ والمُجاهِدُونَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، قالَ: فَقامَ الأعْمى فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، ما ذَنْبُنا؟ قالَ: فَأنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ، فَقُلْنا لِلْأعْمى: إنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ، قالَ: فَخافَ أنْ يَنْزِلَ فِيهِ شَيْءٌ فَبَقِيَ قائِمًا مَكانَهُ يَقُولُ: "أتُوبُ إلى رَسُولِ اللهِ" حَتّى فَرَغَ رَسُولُ اللهِ، فَقالَ لِلْكاتِبِ: …

97

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ قَالُوا۟ فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا۟ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ قَالُوٓا۟ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةًۭ فَتُهَاجِرُوا۟ فِيهَا ۚ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا

Indeed, those whom the angels take [in death] while wronging themselves - [the angels] will say, "In what [condition] were you?" They will say, "We were oppressed in the land." The angels will say, "Was not the earth of Allah spacious [enough] for you to emigrate therein?" For those, their refuge is Hell - and evil it is as a destination.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ ﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِجالِ والنِساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللهُ أنْ يَعْفُوَ عنهم وكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ ﴿وَمَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللهِ وكانَ اللهِ غَفُورًا رَحِيمًا﴾

المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى قَوْلِهِ: "مَصِيرًا" جَماعَةٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ، كانُوا قَدْ أسْلَمُوا، وأظْهَرُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ الإيمانَ بِهِ، فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أقامُوا مَعَ قَوْمِهِمْ، وفُتِنَ مِنهم جَماعَةٌ فافْتَتَنُوا، فَلَمّا كانَ أمْرُ بَدْرٍ خَرَجَ مِنهم قَوْمٌ مَعَ الكُفّارِ فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ قَدْ أسْلَمُوا، وكانُوا يَسْتَخْفُونَ بِإسْلامِهِمْ، فَأخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَأُصِيبَ بَعْضُهُمْ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: كانَ أصْحابُنا هَؤُلاءِ مُسْلِمِينَ وأُكْرِهُوا فاسْتَغْفَرُوا لَهُمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ الآيَةُ، قالَ: فَكُتِبَ إلى مَن بَقِيَ بِمَكَّةَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ ألّا عُذْرَ لَهُمْ، فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَأعْطَوْهُمُ الفِتْنَةَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ الأُخْرى: ﴿وَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ فَإذا أُوذِيَ في اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ الناسِ كَعَذابِ اللهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] الآيَةُ، فَكَتَبَ إلَيْهِمُ المُسْلِمُونَ بِذَلِكَ، فَخَرَجُوا ويَئِسُوا مِن كُلِّ خَيْرٍ، ثُمَّ نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]، فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ بِذَلِكَ أنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا، فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم حَتّى نَجا مَن نَجا وقُتِلَ مَن قُتِلَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في خَمْسَةٍ قُتِلُوا بِبَدْرٍ، وهُمْ: قَيْسُ بْنُ الفاكِهِ بْنِ المُغِيرَةِ، والحارِثُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الأسْوَدِ، وقَيْسُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبُو العاصِي بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، وعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ. قالَ النَقّاشُ: في أُناسٍ سِواهم أسْلَمُوا ثُمَّ خَرَجُوا إلى بَدْرٍ، فَلَمّا رَأوا قِلَّةَ المُسْلِمِينَ قالُوا: غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وكانَ العَبّاسُ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَ الكُفّارِ لَكِنَّهُ نَجا وأُسِرَ، وكانَ مِنَ المُطْعِمِينَ في نَفِيرِ بَدْرٍ، قالَ السُدِّيُّ: «لَمّا أُسِرَ العَبّاسُ، وعَقِيلٌ، ونُفَيْلٌ، قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْعَبّاسِ: "افْدِ نَفْسَكَ وابْنَ أخِيكَ"، فَقالَ لَهُ العَبّاسُ: يا رَسُولَ اللهِ، ألَمْ نُصَلِّ قِبْلَتَكَ ونَشْهَدْ شَهادَتَكَ؟ قالَ "يا عَبّاسُ، إنَّكم خاصَمْتُمْ فَخُصِمْتُمْ، ثُمَّ تَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾،» قالَ السُدِّيُّ: فَيَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كانَ مَن أسْلَمَ ولَمْ يُهاجِرْ فَهو كافِرٌ حَتّى يُهاجِرَ، إلّا مَن لا يَسْتَطِيعُ حِيلَةً ولا يَهْتَدِي سَبِيلًا. …

98

إِلَّا ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةًۭ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًۭا

Except for the oppressed among men, women and children who cannot devise a plan nor are they directed to a way -

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ ﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِجالِ والنِساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللهُ أنْ يَعْفُوَ عنهم وكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ ﴿وَمَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللهِ وكانَ اللهِ غَفُورًا رَحِيمًا﴾

المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى قَوْلِهِ: "مَصِيرًا" جَماعَةٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ، كانُوا قَدْ أسْلَمُوا، وأظْهَرُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ الإيمانَ بِهِ، فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أقامُوا مَعَ قَوْمِهِمْ، وفُتِنَ مِنهم جَماعَةٌ فافْتَتَنُوا، فَلَمّا كانَ أمْرُ بَدْرٍ خَرَجَ مِنهم قَوْمٌ مَعَ الكُفّارِ فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ قَدْ أسْلَمُوا، وكانُوا يَسْتَخْفُونَ بِإسْلامِهِمْ، فَأخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَأُصِيبَ بَعْضُهُمْ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: كانَ أصْحابُنا هَؤُلاءِ مُسْلِمِينَ وأُكْرِهُوا فاسْتَغْفَرُوا لَهُمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ الآيَةُ، قالَ: فَكُتِبَ إلى مَن بَقِيَ بِمَكَّةَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ ألّا عُذْرَ لَهُمْ، فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَأعْطَوْهُمُ الفِتْنَةَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ الأُخْرى: ﴿وَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ فَإذا أُوذِيَ في اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ الناسِ كَعَذابِ اللهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] الآيَةُ، فَكَتَبَ إلَيْهِمُ المُسْلِمُونَ بِذَلِكَ، فَخَرَجُوا ويَئِسُوا مِن كُلِّ خَيْرٍ، ثُمَّ نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]، فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ بِذَلِكَ أنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا، فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم حَتّى نَجا مَن نَجا وقُتِلَ مَن قُتِلَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في خَمْسَةٍ قُتِلُوا بِبَدْرٍ، وهُمْ: قَيْسُ بْنُ الفاكِهِ بْنِ المُغِيرَةِ، والحارِثُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الأسْوَدِ، وقَيْسُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبُو العاصِي بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، وعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ. قالَ النَقّاشُ: في أُناسٍ سِواهم أسْلَمُوا ثُمَّ خَرَجُوا إلى بَدْرٍ، فَلَمّا رَأوا قِلَّةَ المُسْلِمِينَ قالُوا: غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وكانَ العَبّاسُ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَ الكُفّارِ لَكِنَّهُ نَجا وأُسِرَ، وكانَ مِنَ المُطْعِمِينَ في نَفِيرِ بَدْرٍ، قالَ السُدِّيُّ: «لَمّا أُسِرَ العَبّاسُ، وعَقِيلٌ، ونُفَيْلٌ، قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْعَبّاسِ: "افْدِ نَفْسَكَ وابْنَ أخِيكَ"، فَقالَ لَهُ العَبّاسُ: يا رَسُولَ اللهِ، ألَمْ نُصَلِّ قِبْلَتَكَ ونَشْهَدْ شَهادَتَكَ؟ قالَ "يا عَبّاسُ، إنَّكم خاصَمْتُمْ فَخُصِمْتُمْ، ثُمَّ تَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾،» قالَ السُدِّيُّ: فَيَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كانَ مَن أسْلَمَ ولَمْ يُهاجِرْ فَهو كافِرٌ حَتّى يُهاجِرَ، إلّا مَن لا يَسْتَطِيعُ حِيلَةً ولا يَهْتَدِي سَبِيلًا. …

99

فَأُو۟لَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًۭا

For those it is expected that Allah will pardon them, and Allah is ever Pardoning and Forgiving.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ ﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِجالِ والنِساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللهُ أنْ يَعْفُوَ عنهم وكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ ﴿وَمَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللهِ وكانَ اللهِ غَفُورًا رَحِيمًا﴾

المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى قَوْلِهِ: "مَصِيرًا" جَماعَةٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ، كانُوا قَدْ أسْلَمُوا، وأظْهَرُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ الإيمانَ بِهِ، فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أقامُوا مَعَ قَوْمِهِمْ، وفُتِنَ مِنهم جَماعَةٌ فافْتَتَنُوا، فَلَمّا كانَ أمْرُ بَدْرٍ خَرَجَ مِنهم قَوْمٌ مَعَ الكُفّارِ فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ قَدْ أسْلَمُوا، وكانُوا يَسْتَخْفُونَ بِإسْلامِهِمْ، فَأخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَأُصِيبَ بَعْضُهُمْ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: كانَ أصْحابُنا هَؤُلاءِ مُسْلِمِينَ وأُكْرِهُوا فاسْتَغْفَرُوا لَهُمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ الآيَةُ، قالَ: فَكُتِبَ إلى مَن بَقِيَ بِمَكَّةَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ ألّا عُذْرَ لَهُمْ، فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَأعْطَوْهُمُ الفِتْنَةَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ الأُخْرى: ﴿وَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ فَإذا أُوذِيَ في اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ الناسِ كَعَذابِ اللهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] الآيَةُ، فَكَتَبَ إلَيْهِمُ المُسْلِمُونَ بِذَلِكَ، فَخَرَجُوا ويَئِسُوا مِن كُلِّ خَيْرٍ، ثُمَّ نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]، فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ بِذَلِكَ أنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا، فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم حَتّى نَجا مَن نَجا وقُتِلَ مَن قُتِلَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في خَمْسَةٍ قُتِلُوا بِبَدْرٍ، وهُمْ: قَيْسُ بْنُ الفاكِهِ بْنِ المُغِيرَةِ، والحارِثُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الأسْوَدِ، وقَيْسُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبُو العاصِي بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، وعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ. قالَ النَقّاشُ: في أُناسٍ سِواهم أسْلَمُوا ثُمَّ خَرَجُوا إلى بَدْرٍ، فَلَمّا رَأوا قِلَّةَ المُسْلِمِينَ قالُوا: غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وكانَ العَبّاسُ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَ الكُفّارِ لَكِنَّهُ نَجا وأُسِرَ، وكانَ مِنَ المُطْعِمِينَ في نَفِيرِ بَدْرٍ، قالَ السُدِّيُّ: «لَمّا أُسِرَ العَبّاسُ، وعَقِيلٌ، ونُفَيْلٌ، قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْعَبّاسِ: "افْدِ نَفْسَكَ وابْنَ أخِيكَ"، فَقالَ لَهُ العَبّاسُ: يا رَسُولَ اللهِ، ألَمْ نُصَلِّ قِبْلَتَكَ ونَشْهَدْ شَهادَتَكَ؟ قالَ "يا عَبّاسُ، إنَّكم خاصَمْتُمْ فَخُصِمْتُمْ، ثُمَّ تَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾،» قالَ السُدِّيُّ: فَيَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كانَ مَن أسْلَمَ ولَمْ يُهاجِرْ فَهو كافِرٌ حَتّى يُهاجِرَ، إلّا مَن لا يَسْتَطِيعُ حِيلَةً ولا يَهْتَدِي سَبِيلًا. …

100

۞ وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدْ فِى ٱلْأَرْضِ مُرَٰغَمًۭا كَثِيرًۭا وَسَعَةًۭ ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِنۢ بَيْتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

And whoever emigrates for the cause of Allah will find on the earth many [alternative] locations and abundance. And whoever leaves his home as an emigrant to Allah and His Messenger and then death overtakes him - his reward has already become incumbent upon Allah. And Allah is ever Forgiving and Merciful.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ ﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِجالِ والنِساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللهُ أنْ يَعْفُوَ عنهم وكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ ﴿وَمَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللهِ وكانَ اللهِ غَفُورًا رَحِيمًا﴾

المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ إلى قَوْلِهِ: "مَصِيرًا" جَماعَةٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ، كانُوا قَدْ أسْلَمُوا، وأظْهَرُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ الإيمانَ بِهِ، فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أقامُوا مَعَ قَوْمِهِمْ، وفُتِنَ مِنهم جَماعَةٌ فافْتَتَنُوا، فَلَمّا كانَ أمْرُ بَدْرٍ خَرَجَ مِنهم قَوْمٌ مَعَ الكُفّارِ فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ قَدْ أسْلَمُوا، وكانُوا يَسْتَخْفُونَ بِإسْلامِهِمْ، فَأخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَأُصِيبَ بَعْضُهُمْ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: كانَ أصْحابُنا هَؤُلاءِ مُسْلِمِينَ وأُكْرِهُوا فاسْتَغْفَرُوا لَهُمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ الآيَةُ، قالَ: فَكُتِبَ إلى مَن بَقِيَ بِمَكَّةَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ ألّا عُذْرَ لَهُمْ، فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَأعْطَوْهُمُ الفِتْنَةَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ الأُخْرى: ﴿وَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ فَإذا أُوذِيَ في اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ الناسِ كَعَذابِ اللهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] الآيَةُ، فَكَتَبَ إلَيْهِمُ المُسْلِمُونَ بِذَلِكَ، فَخَرَجُوا ويَئِسُوا مِن كُلِّ خَيْرٍ، ثُمَّ نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠]، فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ بِذَلِكَ أنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا، فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم حَتّى نَجا مَن نَجا وقُتِلَ مَن قُتِلَ. وقالَ عِكْرِمَةُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في خَمْسَةٍ قُتِلُوا بِبَدْرٍ، وهُمْ: قَيْسُ بْنُ الفاكِهِ بْنِ المُغِيرَةِ، والحارِثُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الأسْوَدِ، وقَيْسُ بْنُ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبُو العاصِي بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، وعَلِيُّ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ. قالَ النَقّاشُ: في أُناسٍ سِواهم أسْلَمُوا ثُمَّ خَرَجُوا إلى بَدْرٍ، فَلَمّا رَأوا قِلَّةَ المُسْلِمِينَ قالُوا: غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهم.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وكانَ العَبّاسُ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَ الكُفّارِ لَكِنَّهُ نَجا وأُسِرَ، وكانَ مِنَ المُطْعِمِينَ في نَفِيرِ بَدْرٍ، قالَ السُدِّيُّ: «لَمّا أُسِرَ العَبّاسُ، وعَقِيلٌ، ونُفَيْلٌ، قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلْعَبّاسِ: "افْدِ نَفْسَكَ وابْنَ أخِيكَ"، فَقالَ لَهُ العَبّاسُ: يا رَسُولَ اللهِ، ألَمْ نُصَلِّ قِبْلَتَكَ ونَشْهَدْ شَهادَتَكَ؟ قالَ "يا عَبّاسُ، إنَّكم خاصَمْتُمْ فَخُصِمْتُمْ، ثُمَّ تَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾،» قالَ السُدِّيُّ: فَيَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كانَ مَن أسْلَمَ ولَمْ يُهاجِرْ فَهو كافِرٌ حَتّى يُهاجِرَ، إلّا مَن لا يَسْتَطِيعُ حِيلَةً ولا يَهْتَدِي سَبِيلًا. …

An-Nisaa 4:100Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.