Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 91–100 of 176

91

سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا۟ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوٓا۟ إِلَى ٱلْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا۟ فِيهَا ۚ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوٓا۟ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَٰنًۭا مُّبِينًۭا

You will find others who wish to obtain security from you and [to] obtain security from their people. Every time they are returned to [the influence of] disbelief, they fall back into it. So if they do not withdraw from you or offer you peace or restrain their hands, then seize them and kill them wherever you overtake them. And those - We have made for you against them a clear authorization.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهم كُلَّ ما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكم ويُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ ويَكُفُّوا أيْدِيَهم فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم وأُولَئِكم جَعَلْنا لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ [٩١]

﴿سَتَجِدُونَ﴾ أقْوامًا ﴿آخَرِينَ يُرِيدُونَ﴾ بِإظْهارِ الإسْلامِ لَكم ﴿أنْ يَأْمَنُوكُمْ﴾ أيْ: عَلى أنْفُسِهِمْ ﴿ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ بِإظْهارِ الكُفْرِ ﴿كُلَّ ما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ﴾ أيْ: دُعُوا إلى الِارْتِدادِ والشِّرْكِ ﴿أُرْكِسُوا فِيها﴾ أيْ: رَجَعُوا إلَيْها مَنكُوسِينَ عَلى رُؤُوسِهِمْ.

﴿فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ أيْ: يَتَنَحُّوا عَنْكم جانِبًا بِأنْ لَمْ يَكُونُوا مَعَكم ولا عَلَيْكم ﴿ويُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أيْ: ولَمْ يُلْقُوا الِانْقِيادَ ﴿ويَكُفُّوا أيْدِيَهُمْ﴾ أيْ: عَنْ قِتالِكم ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ أيِ: اتَّسِرُوهم ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: وجَدْتُمُوهم في دارِكم أوْ دارِهِمْ ﴿وأُولَئِكم جَعَلْنا لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ أيْ: حُجَّةٌ واضِحَةٌ في الإيقاعِ بِهِمْ قَتْلًا وسَبْيًا؛ لِظُهُورِ عَداوَتِهِمْ وانْكِشافِ حالِهِمْ في الكُفْرِ والغَدْرِ، وإضْرارِهِمْ بِأهْلِ الإسْلامِ، أوْ تَسَلُّطًا ظاهِرًا، حَيْثُ أذِنّا لَكم في أخْذِهِمْ وقَتْلِهِمْ.

تَنْبِيهانِ:

الأوَّلُ: قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هَؤُلاءِ الآخَرُونَ - في الصُّورَةِ الظّاهِرَةِ - كَمَن تَقَدَّمَهم ولَكِنَّ نِيَّةَ هَؤُلاءِ غَيْرُ نِيَّةِ أُولَئِكَ، فَإنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُنافِقُونَ يُظْهِرُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ولِأصْحابِهِ الإسْلامَ؛ لِيَأْمَنُوا بِذَلِكَ عِنْدَهم عَلى دِمائِهِمْ وأمْوالِهِمْ وذَرارِيِّهِمْ، ويُصانِعُونَ الكُفّارَ في الباطِنِ، فَيَعْبُدُونَ مَعَهم ما يَعْبُدُونَ؛ لِيَأْمَنُوا بِذَلِكَ عِنْدَهُمْ، وهم في الباطِنِ مَعَ أُولَئِكَ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ١٤] الآيَةَ.

وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ، كانُوا يَأْتُونَ النَّبِيَّ ﷺ فَيُسْلِمُونَ رِياءً، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى قُرَيْشٍ فَيَرْتَكِسُونَ في الأوْثانِ، يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ أنْ يَأْمَنُوا هَهُنا وهَهُنا، فَأُمِرَ بِقَتْلِهِمْ إنْ لَمْ يَعْتَزِلُوا ويُصْلِحُوا.

الثّانِي: قالَ الرّازِيُّ: قالَ الأكْثَرُونَ: في الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهم إذا اعْتَزَلُوا قِتالَنا وطَلَبُوا الصُّلْحَ مِنّا وكَفُّوا أيْدِيَهم عَنْ إيذائِنا - لَمْ يَجُزْ لَنا قِتالُهم ولا قَتْلُهُمْ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكم في الدِّينِ ولَمْ يُخْرِجُوكم مِن دِيارِكم أنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة: ٨] [المُمْتَحَنَةِ: مِنَ الآيَةِ ٨] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٠] [البَقَرَةِ: مِنَ الآيَةِ ١٩٠] فَخُصَّ الأمْرُ بِالقِتالِ لِمَن يُقاتِلُنا دُونَ مَن لَمْ يُقاتِلْنا.

92

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَـًۭٔا ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَـًۭٔا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ وَدِيَةٌۭ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُوا۟ ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّۢ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَٰقٌۭ فَدِيَةٌۭ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

And never is it for a believer to kill a believer except by mistake. And whoever kills a believer by mistake - then the freeing of a believing slave and a compensation payment presented to the deceased's family [is required] unless they give [up their right as] charity. But if the deceased was from a people at war with you and he was a believer - then [only] the freeing of a believing slave; and if he was from a people with whom you have a treaty - then a compensation payment presented to his family and the freeing of a believing slave. And whoever does not find [one or cannot afford to buy one] - then [instead], a fast for two months consecutively, [seeking] acceptance of repentance from Allah. And Allah is ever Knowing and Wise.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلا خَطَأً ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ إلا أنْ يَصَّدَّقُوا فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهو مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [٩٢]

﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلا خَطَأً﴾ أيْ: ما جازَ ولا صَحَّ ولا لاقَ لِمُؤْمِنٍ قَتْلَ أخِيهِ المُؤْمِنِ، فَإنَّ الإيمانَ زاجِرٌ عَنْ ذَلِكَ، إلّا عَلى وجْهِ الخَطَأِ، فَإنَّهُ رُبَّما يَقَعُ لِعَدَمِ دُخُولِ الِاحْتِرازِ عَنْهُ بِالكُلِّيَّةِ تَحْتَ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: بِمَ انْتَصَبَ خَطَأً؟ قُلْتُ: بِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ، أيْ: ما يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَقْتُلَهُ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِلْخَطَأِ وحْدَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا، بِمَعْنى لا يَقْتُلُهُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ الخَطَأِ، وأنْ يَكُونَ صِفَةً لِلْمَصْدَرِ: إلّا قَتْلًا خَطَأً.

والمَعْنى: إنَّ مِن شَأْنِ المُؤْمِنِ أنْ يَنْتَفِيَ عَنْهُ وُجُودُ قَتْلِ المُؤْمِنِ ابْتِداءً البَتَّةَ، إلّا إذا وُجِدَ مِنهُ خَطَأً مِن غَيْرِ قَصْدٍ، بِأنْ يَرْمِيَ كافِرًا فَيُصِيبُ مُسْلِمًا، أوْ يَرْمِيَ شَخْصًا عَلى أنَّهُ كافِرٌ فَإذا هْوِ مُسْلِمٌ. انْتَهى.

﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً﴾ أيْ: بِما ذَكَرْنا، فَهو - وإنْ عُفِيَ عَنْهُ - لَكِنَّهُ لا يَخْلُو عَنْ تَقْصِيرٍ في حَقِّ اللَّهِ، ولا يُهْدَرُ دَمُ المُؤْمِنِ بِالكُلِّيَّةِ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أيْ: فالواجِبُ عَلَيْهِ - لِحَقِّ اللَّهِ - إعْتاقُ نَفْسٍ مَحْكُومٍ عَلَيْها بِالإيمانِ، ولَوْ صَغِيرَةً؛ لِيُعْتِقَ اللَّهُ عَنْهُ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنها جُزْءًا مِنَ النّارِ.

وقَدْ رَوى الإمامُ أحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ «أنَّهُ جاءَ بِأمَةٍ سَوْداءَ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ عَلَيَّ عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَإنْ كُنْتَ تَرى هَذِهِ مُؤْمِنَةً أعْتَقْتُها، فَقالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أتَشْهَدِينَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. قالَتْ: نَعَمْ. قالَ: أتَشْهَدِينَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ قالَتْ: نَعَمْ. قالَ: أتُؤْمِنِينَ بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ؟ قالَتْ: نَعَمْ. قالَ أعْتِقْها» وهَذا إسْنادٌ صَحِيحٌ وجَهالَةُ الصَّحابِيِّ لا تَضُرُّهُ.

وفِي مُوَطَّأِ مالِكٍ ومُسْنَدِ الشّافِعِيِّ وأحْمَدَ وصَحِيحِ مُسْلِمٍ وسُنَنِ أبِي داوُدَ والنَّسائِيِّ، عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ «أنَّهُ لَمّا جاءَ بِتِلْكَ الجارِيَةِ السَّوْداءِ، قالَ لَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أيْنَ اللَّهُ؟ قالَتْ: في السَّماءِ. قالَ: مَن أنا؟ قالَتْ: أنْتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ: أعْتِقْها فَإنَّها مُؤْمِنَةٌ» أفادَهُ ابْنُ كَثِيرٍ.

لَطِيفَتانِ:

الأُولى: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: التَّحْرِيرُ: الإعْتاقُ، والحُرُّ والعَتِيقُ: الكَرِيمُ؛ لِأنَّ الكَرَمَ في الأحْرارِ، كَما أنَّ اللُّؤْمَ في العَبِيدِ، ومِنهُ عِتاقُ الخَيْلِ وعِتاقُ الطَّيْرِ لِكِرامِها، وحُرُّ الوَجْهِ أكْرَمُ مَوْضِعٍ مِنهُ، وقَوْلُهم لِلَّئِيمِ: عَبْدٌ، وفُلانٌ عَبْدُ الفِعْلِ أيْ: لَئِيمُ الفِعْلِ، والرَّقَبَةُ عِبارَةٌ عَنِ النَّسَمَةِ، كَما عُبِّرَ عَنْها بِالرَّأْسِ في قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يَمْلِكُ كَذا …

93

وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًۭا مُّتَعَمِّدًۭا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدًۭا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمًۭا

But whoever kills a believer intentionally - his recompense is Hell, wherein he will abide eternally, and Allah has become angry with him and has cursed him and has prepared for him a great punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ [٩٣]

﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ لِقَتْلِهِ ﴿فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ إذْ قَتَلَ ولِيَّهُ عَمْدًا ﴿ولَعَنَهُ﴾ أيْ: أبْعَدَهُ عَنِ الرَّحْمَةِ ﴿وأعَدَّ لَهُ﴾ وراءَ ذَلِكَ ﴿عَذابًا عَظِيمًا﴾ أيْ: فَوْقَ عَذابِ سائِرِ الكَبائِرِ، سِوى الشِّرْكِ.

قالَ الإمامُ ابْنُ كَثِيرٍ: هَذا تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ ووَعْدٌ أكِيدٌ لِمَن تَعاطى هَذا الذَّنْبَ العَظِيمَ، الَّذِي هو مَقْرُونٌ بِالشِّرْكِ بِاللَّهِ في غَيْرِ ما آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ، حَيْثُ يَقُولُ سُبْحانَهُ في سُورَةِ (الفُرْقانِ): ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] [الفُرْقانِ: مِنَ الآيَةِ ٦٨] الآيَةَ، وقالَ تَعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكم عَلَيْكم ألا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١] [الأنْعامِ: مِنَ الآيَةِ ١٥١] الآيَةَ، والآياتُ والأحادِيثُ في تَحْرِيمِ القَتْلِ كَثِيرَةٌ جِدًّا.

فَمِن ذَلِكَ ما ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أوَّلُ ما يُقْضى بَيْنَ النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ في الدِّماءِ» .

وفِي الحَدِيثِ الآخَرِ الَّذِي رَواهُ أبُو داوُدَ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَزالُ المُؤْمِنُ مُعْنِقًا صالِحًا ما لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرامًا، فَإذا أصابَ دَمًا حَرامًا بَلَّحَ» .

وفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «لَزَوالُ الدُّنْيا أهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ مِن قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ» قُلْتُ: رَواهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو

وفِي الحَدِيثِ الآخَرِ: «لَوِ اجْتَمَعَ أهْلُ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ لكَبَّهُمُ اللَّهُ في النّارِ» .

قُلْتُ: رَواهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: «لَوْ أنَّ أهْلَ السَّماءِ والأرْضِ اشْتَرَكُوا في دَمِ مُؤْمِنٍ لَأكَبَّهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في النّارِ» .

وفِي الحَدِيثِ الآخَرِ: «مَن أعانَ عَلى قَتْلِ المُسْلِمِ ولَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مَكْتُوبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ: آيِسٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ» .

قُلْتُ: رَواهُ ابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ.

وقَدْ كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَرى أنَّهُ لا تَوْبَةَ لِقاتِلِ المُؤْمِنِ عَمْدًا.

وقالَ البُخارِيُّ: حَدَّثَنا آدَمُ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، حَدَّثَنا المُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمانِ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ جُبَيْرٍ، قالَ: اخْتَلَفَ فِيها أهْلُ الكُوفَةِ، فَرَحَلْتُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَسَألْتُهُ عَنْها، فَقالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ هي آخِرُ ما نَزَلَ وما نَسَخَها شَيْءٌ.

وكَذا رَواهُ هو أيْضًا ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ مِن طُرُقٍ عَنْ شُعْبَةَ بِهِ.

ورَواهُ أبُو داوُدَ، عَنْ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ النُّعْمانِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ فَقالَ: ما نَسَخَها شَيْءٌ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنا ابْنُ بَشّارٍ قالَ حَدَّثَنا ابْنُ أبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قالَ لِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبْزى: سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا …

94

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُوا۟ وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَنْ أَلْقَىٰٓ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسْتَ مُؤْمِنًۭا تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌۭ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۭا

O you who have believed, when you go forth [to fight] in the cause of Allah, investigate; and do not say to one who gives you [a greeting of] peace "You are not a believer," aspiring for the goods of worldly life; for with Allah are many acquisitions. You [yourselves] were like that before; then Allah conferred His favor upon you, so investigate. Indeed Allah is ever, with what you do, Acquainted.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم فَتَبَيَّنُوا إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [٩٤]

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ﴾ أيْ: ذَهَبْتُمْ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى أرْضِ العَدُوِّ لِلْغَزْوِ ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ أيِ: اطْلُبُوا بَيانَ كُلِّ ما تَأْتُونَ وما تَذَرُوَنَ، ولا تَعَجَّلُوا فِيهِ بِغَيْرِ تَدَبُّرٍ ورَوِيَّةٍ.

﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ نَهْيٌ عَمّا هو نَتِيجَةٌ لِتَرْكِ المَأْمُورِ بِهِ، وتَعْيِينٌ لِمادَّةٍ مُهِمَّةٍ مِنَ المَوادِّ الَّتِي يَجِبُ فِيها التَّبْيِينُ، أيْ: لا تَقُولُوا (لِمَن أظْهَرَ الِانْقِيادَ لِدَعْوَتِكم فَقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أوْ سَلَّمَ عَلَيْكم فَحَيّاكم بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ): لَسْتَ مُؤْمِنًا في الباطِنِ، وإنَّما قُلْتَهُ بِاللِّسانِ لِطَلَبِ الأمانِ، بَلِ اقْبَلُوا مِنهُ ما أظْهَرَهُ وعامِلُوهُ بِمُوجَبِهِ.

﴿تَبْتَغُونَ﴾ أيْ: تَطْلُبُونَ بِقَتْلِهِ ﴿عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ: مالَهُ الَّذِي هو سَرِيعُ النَّفادِ، والجُمْلَةُ حالٌ مِن فاعِلِ (لا تَقُولُوا) مُنْبِئَةٌ عَمّا يَحْمِلُهم عَلى العَجَلَةِ وتَرْكِ التَّأنِّي.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ ابْتِغاءِ مالِهِ بِما فِيهِ مِنَ الوَعْدِ الضِّمْنِيِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: لا تَبْتَغُوا مالَهُ، فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ يُغَنِّمُكُمُوها، فَيُغْنِيكم عَنِ ارْتِكابِ ما ارْتَكَبْتُمُوهُ، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

ثُمَّ قالَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ عَنِ القَوْلِ المَذْكُورِ، أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الَّذِي ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ كُنْتُمْ أنْتُمْ أيْضًا في مَبادِئِ إسْلامِكُمْ، لا يَظْهَرُ مِنكم لِلنّاسِ غَيْرُ ما ظَهَرَ مِنهُ لَكُمْ، مِن تَحِيَّةِ الإسْلامِ ونَحْوِها، فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم بِأنْ قَبِلَ مِنكم تِلْكَ المَرْتَبَةَ، وعَصَمَ بِها دِماءَكم وأمْوالَكُمْ، ولَمْ يَأْمُرْ بِالتَّفَحُّصِ عَنْ سَرائِرِكم.

والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ فَصِيحَةٌ، أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فاطْلُبُوا بَيانَ هَذا الأمْرِ البَيِّنِ وقِيسُوا حالَهُ بِحالِكُمْ، وافْعَلُوا بِهِ ما فُعِلَ بِكم في أوائِلِ أُمُورِكُمْ، مِن قَبُولِ ظاهِرِ الحالِ، مِن غَيْرِ وُقُوفٍ عَلى تَواطُؤِ الظّاهِرِ والباطِنِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فَلا تَتَهافَتُوا في القَتْلِ، وكُونُوا مُحْتَرِزِينَ مُحْتاطِينَ في ذَلِكَ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ (فِي سَبَبِ نُزُولِها):

أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «مَرَّ رَجُلٌ مِن بَنِي سُلَيْمٍ بِنَفَرٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ يَرْعى غَنَمًا لَهُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، فَقالُوا: ما يُسَلِّمُ عَلَيْنا إلّا لِيَتَعَوَّذَ مِنّا، فَعَمَدُوا إلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، وأتَوْا بِغَنَمِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخِرِها،» ورَواهُ التِّرْمِذِيُّ ثُمَّ قالَ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وفي البابِ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ.

ورَواهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، ورَوى البُخارِيُّ عَنْ عَطاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: كانَ رَجُلٌ في غُنَيْمَةٍ لَهُ، فَلَحِقَهُ المُسْلِمُونَ فَقالَ: …

95

لَّا يَسْتَوِى ٱلْقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُو۟لِى ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ دَرَجَةًۭ ۚ وَكُلًّۭا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًۭا

Not equal are those believers remaining [at home] - other than the disabled - and the mujahideen, [who strive and fight] in the cause of Allah with their wealth and their lives. Allah has preferred the mujahideen through their wealth and their lives over those who remain [behind], by degrees. And to both Allah has promised the best [reward]. But Allah has preferred the mujahideen over those who remain [behind] with a great reward -

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً وكُلا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [٩٥]

﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بَيانٌ لِتَفاوُتِ طَبَقاتِ المُؤْمِنِينَ بِحَسَبِ تَفاوُتِ دَرَجاتِ مَساعِيهِمْ في الجِهادِ، بَعْدَ ما مَرَّ مِنَ الأمْرِ بِهِ وتَحْرِيضِ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ؛ لِيَأْنَفَ القاعِدُ عَنْهُ ويَتَرَفَّعَ بِنَفْسِهِ عَنِ انْحِطاطِ رُتْبَتِهِ، فَيَهْتَزَّ لَهُ رَغْبَةً في ارْتِفاعِ طَبَقَتِهِ، قالَهُ أبُو السُّعُودِ.

وأصْلُهُ لِلزَّمَخْشَرِيِّ حَيْثُ قالَ: فَإنْ قُلْتَ: مَعْلُومٌ أنَّ القاعِدَ بِغَيْرِ عُذْرٍ والمُجاهِدَ لا يَسْتَوِيانِ، فَما فائِدَةُ نَفْيِ الِاسْتِواءِ؟ قُلْتُ: مَعْناهُ الإذْكارُ بِما بَيْنَهُما مِنَ التَّفاوُتِ العَظِيمِ والبَوْنِ البَعِيدِ؛ لِيَأْنَفَ القاعِدُ ويَتَرَفَّعَ بِنَفْسِهِ عَنِ انْحِطاطِ مَنزِلَتِهِ، فَيَهْتَزَّ لِلْجِهادِ ويَرْغَبَ فِيهِ، وفي ارْتِفاعِ طَبَقَتِهِ، ونَحْوُهُ: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] [الزُّمَرِ: مِنَ الآيَةِ ٩] أُرِيدَ بِهِ التَّحْرِيكُ مِن حَمِيَّةِ الجاهِلِ وأنَفَتِهِ لِيُهابَ بِهِ إلى التَّعَلُّمِ ولِيَنْهَضَ بِنَفْسِهِ عَنْ صِفَةِ الجَهْلِ إلى شَرَفِ العِلْمِ. انْتَهى.

والمُرادُ بِهِمْ - وقْتَ النُّزُولِ - القاعِدُونَ عَنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ والخارِجُونَ إلَيْها، كَما رَواهُ البُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ مُخْرِجٌ لِذَوِي الأعْذارِ المُبِيحَةِ لِتَرْكِ الجِهادِ: مِنَ العَمى والعَرَجِ والمَرَضِ، عَنْ مُساواتِهِمْ لِلْقاعِدِينَ، فَإنَّهم مُساوُونَ المُجاهِدِينَ بِالنِّيَّةِ، ولا يُعْتَدُّ بِزِيادَةِ أجْرِ العَمَلِ لَهم لِعِظَمِ أمْرِ النِّيَّةِ.

كَما رَوى الإمامُ أحْمَدُ والبُخارِيُّ وأبُو داوُدَ، عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: إنَّ بِالمَدِينَةِ أقْوامًا ما سِرْتُمْ مِن مَسِيرٍ ولا قَطَعْتُمْ مِن وادٍ إلّا وهم مَعَكم فِيهِ قالُوا: وهم بِالمَدِينَةِ يا رَسُولَ اللَّهِ! قالَ: نَعَمْ، حَبَسَهُمُ العُذْرُ» وفي هَذا المَعْنى قالَ الشّاعِرُ:

؎يا راحِلِينَ إلى البَيْتِ العَتِيقِ لَقَدْ سِرْتُمْ جُسُومًا وسِرْنا نَحْنُ أرْواحا

؎إنّا أقَمْنا عَلى عُذْرٍ وعَنْ قَدَرٍ ∗∗∗ ومَن أقامَ عَلى عُذْرٍ كَمَن راحا

ورَوى البُخارِيُّ عَنِ البَراءِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدًا فَكَتَبَها، فَجاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَشَكا ضَرارَتَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾»

وفِي رِوايَةٍ لِلْبُخارِيِّ عَنْ زَيْدٍ: «فَجاءَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وهو يُمْلِيها عَلَيَّ، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! واللَّهِ! لَوْ أسْتَطِيعُ الجِهادَ لَجاهَدْتُ، وكانَ أعْمى، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكانَ فَخِذَهُ عَلى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حَتّى خِفْتُ أنْ تَرُضَّ فَخِذِي، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾»

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِأمْوالِهِمْ﴾ أيِ: الَّتِي يُنْفِقُونَها عَلى أنْفُسِهِمْ في الجِهادِ أوْ عَلى مُجاهِدٍ آخَرَ ﴿وأنْفُسِهِمْ﴾ أيِ: الَّتِي هي أعَزُّ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ شَيْءٍ، وإنْ أنْفَقَ عَلَيْهِمْ غَيْرُهم إذا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم …

96

دَرَجَٰتٍۢ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةًۭ وَرَحْمَةًۭ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًا

Degrees [of high position] from Him and forgiveness and mercy. And Allah is ever Forgiving and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [٩٦]

﴿دَرَجاتٍ مِنهُ﴾ بَدَلٌ مِن (أجْرًا) بَدَلُ الكُلِّ، مُبَيِّنٌ لِكَمِّيَّةِ التَّفْضِيلِ و(مِنهُ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِـ(دَرَجاتٍ) دالَّةً عَلى فَخامَتِها وجَلالَةِ قَدْرِها، قالَهُ أبُو السُّعُودِ.

وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: إنَّ في الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أعَدَّها اللَّهُ لِلْمُجاهِدِينَ في سَبِيلِهِ، ما بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ» .

وقالَ الأعْمَشُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن رَمى بِسَهْمٍ فَلَهُ أجْرُهُ دَرَجَةٌ فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ! وما الدَّرَجَةُ؟ فَقالَ: أما إنَّها لَيْسَتْ بِعَتَبَةِ أُمِّكَ، ما بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ مِائَةُ عامٍ» ﴿ومَغْفِرَةً﴾ أيْ: لِذُنُوبِهِمْ ﴿ورَحْمَةً﴾ فَوْقَ الأجْرِ ودَرَجاتِهِ.

﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما وعَدَ مِنَ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ، وهَهُنا فَوائِدُ:

الأُولى: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ الجِهادَ لَيْسَ بِفَرْضِ عَيْنٍ، إذْ لَوْ كانَ فَرْضًا مِن فُرُوضِ الأعْيانِ لَمْ يَكُنْ لِلْقاعِدِ فَضْلٌ، ولَكِنْ تَفاوَتَ الفَضْلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُجاهِدِ، وقالَ: (وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى).

الثّانِيَةُ: دَلَّتْ أيْضًا عَلى أنَّ الجِهادَ أفْضَلُ مِنَ القُرَبِ الَّتِي يَفْعَلُها القاعِدُ؛ لِأنَّهُ فَضَّلَهُ عَلى القاعِدِ مُطْلَقًا، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ ﷺ: «الجِهادُ سَنامُ الدِّينِ» .

وقَدْ فَرَّعَ العُلَماءُ عَلى هَذا أنَّ رَجُلًا لَوْ وقَفَ مالَهُ عَلى أحْسَنِ وُجُوهِ البِرِّ، أوْ أوْصى أنْ يُصْرَفَ في أحْسَنِ وُجُوهِ البِّرِ، فَإنَّهُ يُصْرَفُ في الجِهادِ، خِلافَ ما ذَكَرَ أبُو عَلِيٍّ أنَّهُ يُصْرَفُ في طَلَبِ العِلْمِ، كَذا في بَعْضِ التَّفاسِيرِ.

الثّالِثَةُ: قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": في الآيَةِ تَفْضِيلُ المُجاهِدِينَ عَلى غَيْرِهِمْ، وأنَّ المَعْذُورِينَ في دَرَجَةِ المُجاهِدِينَ، واسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ (بِأمْوالِهِمْ) عَلى تَفْضِيلِ المُجاهِدِ بِمالِ نَفْسِهِ عَلى المُجاهِدِ بِمالٍ يُعْطاهُ مِنَ الدُّيُونِ أوْ نَحْوِهِ.

الرّابِعَةُ: قالَ الرّازِيُّ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] فَقَدَّمَ ذِكْرَ النَّفْسِ عَلى المالِ، وفي الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيها وهي قَوْلُهُ: ﴿المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٥] قَدَّمَ ذِكْرَ المالِ عَلى النَّفْسِ، فَما السَّبَبُ؟ وجَوابُهُ: أنَّ النَّفْسَ أشْرَفُ مِنَ المالِ، فالمُشْتَرِي قَدَّمَ ذِكْرَ النَّفْسِ؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ الرَّغْبَةَ فِيها أشَدُّ، والبائِعُ أخَّرَ ذِكْرَها؛ تَنْبِيهًا عَلى أنَّ المُضايَقَةَ فِيها أشَدُّ، فَلا يَرْضى بِبَذْلِها إلّا في آخِرِ المَراتِبِ.

الخامِسَةُ: قالَ أبُو السُّعُودِ: لَعَلَّ تَكْرِيرَ التَّفْضِيلِ بِطَرِيقِ العَطْفِ المُنْبِئِ عَنِ المُغايَرَةِ، وتَقْيِيدَهُ تارَةً بِدَرَجَةٍ وأُخْرى بِدَرَجاتٍ، مَعَ اتِّحادِ المُفَضَّلِ والمُفَضَّلِ عَلَيْهِ، حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الكَلامُ ويَسْتَدْعِيهِ حُسْنُ النِّظامِ - إمّا لِتَنْزِيلِ الِاخْتِلافِ العُنْوانِيِّ بَيْنَ التَّفْضِيلَيْنِ وبَيْنَ الدَّرَجَةِ والدَّرَجاتِ مَنزِلَةَ الِاخْتِلافِ الذّاتِيِّ؛ تَمْهِيدًا لِسُلُوكِ طَرِيقِ الإبْهامِ ثُمَّ التَّفْسِيرِ؛ رَوْمًا لِمَزِيدِ التَّحْقِيقِ …

97

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ قَالُوا۟ فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا۟ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ قَالُوٓا۟ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةًۭ فَتُهَاجِرُوا۟ فِيهَا ۚ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا

Indeed, those whom the angels take [in death] while wronging themselves - [the angels] will say, "In what [condition] were you?" They will say, "We were oppressed in the land." The angels will say, "Was not the earth of Allah spacious [enough] for you to emigrate therein?" For those, their refuge is Hell - and evil it is as a destination.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ قالُوا ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ [٩٧]

﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ رَوى البُخارِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنْ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوادَ المُشْرِكِينَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَأْتِي السَّهْمُ فَيُرْمى بِهِ فَيُصِيبُ أحَدَهم فَيَقْتُلُهُ، أوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ﴾ الآيَةَ.

وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُويَهْ، وسَمّى مِنهم (فِي رِوايَتِهِ) قَيْسَ بْنَ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبا قَيْسِ بْنَ الفاكِهِ بْنِ المُغِيرَةِ، والوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وعَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ بْنِ سُفْيانَ، وعَلِيَّ بْنَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وذَكَرَ في شَأْنِهِمْ أنَّهم خَرَجُوا إلى بَدْرٍ، فَلَمّا رَأوْا قِلَّةَ المُسْلِمِينَ دَخَلَهم شَكٌّ وقالُوا: غَرَّ هَؤُلاءِ دِينُهُمْ، فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ.

وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وزادَ: مِنهُمُ الحارِثُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الأسْوَدِ، والعاصُ بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ.

وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ قَوْمٌ بِمَكَّةَ قَدْ أسْلَمُوا، فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَرِهُوا أنْ يُهاجِرُوا وخافُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ﴾ [النساء: ٩٨]» .

وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ قَدْ أسْلَمُوا، وكانُوا يُخْفُونَ الإسْلامَ، فَأخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ مَعَهم يَوْمَ بَدْرٍ، فَأُصِيبَ بَعْضُهُمْ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: هَؤُلاءِ كانُوا مُسْلِمِينَ، فَأُكْرِهُوا فاسْتَغْفِرُوا لَهُمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ الآيَةَ، فَكَتَبُوا بِها إلى مَن بَقِيَ مِنهُمْ، وإنَّهُ لا عُذْرَ لَهم فَخَرَجُوا، فَلَحِقَ بِهِمُ المُشْرِكُونَ فَفَتَنُوهم فَرَجَعُوا، فَنَزَلَتْ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] [العَنْكَبُوتِ: مِنَ الآيَةِ ١٠] فَكَتَبَ إلَيْهِمُ المُسْلِمُونَ بِذَلِكَ فَتَحَزَّنُوا، فَنَزَلَتْ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ [النحل: ١١٠] [النَّحْلِ: مِنَ الآيَةِ ١١٠] الآيَةَ، فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ بِذَلِكَ فَخَرَجُوا، فَلَحِقُوهُمْ، فَنَجا مَن نَجا، وقُتِلَ مِن قُتِلَ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ نَحْوَهُ، كَذا في "لُبابِ النُّقُولِ".

قالَ المَهايِمِيُّ: ولَمّا أوْهَمَ ما فُهِمَ مِمّا تَقَدَّمَ مِن تَساوِي القاعِدِينَ أُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدِينَ أنَّ مَن قَعَدَ عَنِ الجِهادِ لِكَوْنِهِ في دارِ الكُفْرِ مَحْسُوبٌ مِنهُمْ، وإنَّ عَجَزَ عَنْ إظْهارِ دِينِهِ، فَإنْ لَمْ يُحْسَبْ فَلا أقَلَّ مِن أنْ يُحْسَبَ مِنَ القاعِدِينَ غَيْرِ أُولِي الضَّرَرِ، المَوْعُودِ لَهُمُ الحُسْنى - أُزِيلَ ذَلِكَ الوَهْمُ بِأنَّهم بِتَرْكِ الهِجْرَةِ مِن مَكانٍ لا يُمْكِنُهم فِيهِ إظْهارُ دِينِهِمْ، مَعَ إمْكانِ الخُرُوجِ عَنْهُ، صارُوا ظالِمِينَ مُسْتَحِقِّينَ لِتَوْبِيخِ المَلائِكَةِ، بَلْ لِعَذابِ جَهَنَّمَ، فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: في حالِ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم بِتَرْكِ الهِجْرَةِ عَنْ …

98

إِلَّا ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةًۭ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًۭا

Except for the oppressed among men, women and children who cannot devise a plan nor are they directed to a way -

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ [٩٨]

﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ﴾ لِعَمًى أوْ عَرَجٍ أوْ مَرَضٍ أوْ هَرَمٍ أوْ فَقْرٍ ﴿والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ أيِ: الصِّبْيانُ فَإنَّهم مَعْذُورُونَ في تَرْكِ الهِجْرَةِ؛ لِأنَّهُمْ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ في الخُرُوجِ، إذْ لا قُوَّةَ لَهم عَلى الخُرُوجِ ولا نَفَقَةَ.

﴿ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ أيْ: لا يَعْرِفُونَ طَرِيقًا إلى دارِ الهِجْرَةِ.

99

فَأُو۟لَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًۭا

For those it is expected that Allah will pardon them, and Allah is ever Pardoning and Forgiving.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهم وكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [٩٩]

﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ أيْ: يَتَجاوَزَ عَنْهم بِتَرْكِ الهِجْرَةِ.

قالَ الرّازِيُّ: هَهُنا سُؤالٌ، وهو أنَّ القَوْمَ لَمّا كانُوا عاجِزِينَ عَنِ الهِجْرَةِ، والعاجِزُ عَنِ الشَّيْءِ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِهِ، وإذا لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا بِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ في تَرْكِهِ عُقُوبَةٌ - فَلِمَ قالَ: عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ؟ والعَفْوُ لا يُتَصَوَّرُ إلّا مَعَ الذَّنْبِ، وأيْضًا (عَسى) كَلِمَةُ الإطْماعِ، وهَذا يَقْتَضِي عَدَمَ القَطْعِ بِحُصُولِ العَفْوِ في حَقِّهِمْ، والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ المُسْتَضْعَفَ قَدْ يَكُونُ قادِرًا عَلى ذَلِكَ الشَّيْءِ مَعَ ضَرْبٍ مِنَ المَشَقَّةِ، وتَمْيِيزُ الضَّعْفِ الَّذِي يَحْصُلُ عِنْدَهُ الرُّخْصَةِ عَنِ الحَدِّ الَّذِي لا يَحْصُلُ عِنْدَهُ الرُّخْصَةُ - شاقٌّ ومُشْتَبَهٌ، فَرُبَّما ظَنَّ الإنْسانُ بِنَفْسِهِ أنَّهُ عاجِزٌ عَنِ المُهاجَرَةِ ولا يَكُونُ كَذَلِكَ، ولا سِيَّما في الهِجْرَةِ عَنِ الوَطَنِ، فَإنَّها شاقَّةٌ في النَّفْسِ، وبِسَبَبِ شِدَّةِ النَّفْرَةِ قَدْ يَظُنُّ الإنْسانُ كَوْنَهُ عاجِزًا، مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، فَلِهَذا المَعْنى كانَتِ الحاجَةُ إلى العَفْوِ شَدِيدَةً في هَذا المَقامِ، والجَوابُ عَنِ الثّانِي: بِأنَّ الفائِدَةَ في (عَسى) الدَّلالَةُ عَلى أنَّ تَرْكَ الهِجْرَةِ أمْرٌ مُضَيَّقٌ لا تَوْسِعَةَ فِيهِ، حَتّى إنَّ المُضْطَرَّ البَيِّنَ الِاضْطِرارِ مِن حَقِّهِ أنْ يَقُولَ: عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنِّي، فَكَيْفَ الحالُ في غَيْرِهِ؟ هَذا ما ذَكَرَهُ صاحِبُ: "الكَشّافِ".

والأوْلى في الجَوابِ ما قَدَّمْناهُ، وهو أنَّ الإنْسانَ لِشِدَّةِ نَفْرَتِهِ عَنْ مُفارَقَةِ الوَطَنِ رُبَّما ظَنَّ نَفْسَهُ عاجِزًا عَنْها، مَعَ أنَّهُ لا يَكُونُ كَذَلِكَ في الحَقِيقَةِ، فَلِهَذا المَعْنى ذُكِرَ العَفْوُ بِكَلِمَةِ (عَسى) لا بِالكَلِمَةِ الدّالَّةِ عَلى القَطْعِ. انْتَهى.

وقالَ أبُو السُّعُودِ: جِيءَ بِكَلِمَةِ (الإطْماعِ) ولَفْظِ (العَفْوِ) إيذانًا بِأنَّ الهِجْرَةَ مِن تَأْكِيدِ الوُجُوبِ بِحَيْثُ يَنْبَغِي أنْ يُعَدَّ تَرْكُها مِمَّنْ تَحَقَّقَ عَدَمُ وُجُوبِها عَلَيْهِ - ذَنْبًا يَجِبُ طَلَبُ العَفْوِ عَنْهُ، رَجاءً وطَمَعًا، لا جَزْمًا وقَطْعًا.

وقالَ المَهايِمِيُّ: فِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ تَرْكَ الهِجْرَةِ أمْرٌ خَطِيرٌ، حَتّى إنَّ المُضْطَرَّ حَقُّهُ أنْ يَتَرَصَّدَ الفُرْصَةَ ويُعَلِّقَ قَلْبَهُ بِها، وإنَّ الصَّبِيَّ إذا قَدَرَ فَلا مَحِيصَ لَهُ عَنْهُ، وإنَّ قُوّامَهم يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُهاجِرُوا بِهِمْ، ثُمَّ أكَّدَ الإطْماعَ؛ لِئَلّا يَيْأسُوا فَقالَ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾

وفِي إقْحامِ (كانَ) إشارَةٌ إلى اتِّصافِهِ تَعالى بِهَذِهِ الصِّفَةِ قَبْلَ خَلْقِ الخَلْقِ، أوْ أنَّ هَذِهِ عادَتُهُ تَعالى، أجْراها في حَقِّ خَلْقِهِ، ووَعْدُهُ بِالعَفْوِ والمَغْفِرَةِ مُطْلَقًا مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى قَدْ يَعْفُو عَنِ الذَّنْبِ قَبْلَ التَّوْبَةِ.

* *

تَنْبِيهٌ:

قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": اسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى وُجُوبِ الهِجْرَةِ مِن دارِ الكُفْرِ، إلّا عَلى مَن لَمْ يُطِقْها، وعَنْ مالِكٍ: الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ كُلَّ مَن كانَ في بَلَدٍ تُغَيَّرُ فِيهِ السُّنَنُ فَيَنْبَغِي أنْ يَخْرُجَ مِنهُ. انْتَهى.

وقالَ بَعْضُ مُفَسِّرِي الزَّيْدِيَّةِ: ثَمَرَةُ الآيَةِ وُجُوبُ الهِجْرَةِ مِن دارِ الكُفْرِ، ولا خِلافَ أنَّها كانَتْ واجِبَةً قَبْلَ الفَتْحِ، ولِذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى في …

100

۞ وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدْ فِى ٱلْأَرْضِ مُرَٰغَمًۭا كَثِيرًۭا وَسَعَةًۭ ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِنۢ بَيْتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

And whoever emigrates for the cause of Allah will find on the earth many [alternative] locations and abundance. And whoever leaves his home as an emigrant to Allah and His Messenger and then death overtakes him - his reward has already become incumbent upon Allah. And Allah is ever Forgiving and Merciful.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ومَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [١٠٠]

﴿ومَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في طاعَتِهِ ﴿يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا﴾ أيْ: طَرِيقًا يُراغِمُ فِيهِ أُنُوفَ أعْدائِهِ القاصِدِينَ إدْراكَهُ ﴿كَثِيرًا وسَعَةً﴾ أيْ: في الرِّزْقِ، أوْ في إظْهارِ الدِّينِ، أوْ في الصَّدْرِ؛ لِتَبَدُّلِ الخَوْفِ بِالأمْنِ.

﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ﴾ بِمَكَّةَ ﴿مُهاجِرًا إلى اللَّهِ﴾ إلى طاعَتِهِ، أوْ إلى مَكانِ أمْرِ اللَّهِ " و" إلى: " رَسُولِهِ " بِالمَدِينَةِ ﴿ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ﴾ أيْ: في الطَّرِيقِ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى المَقْصِدِ ﴿فَقَدْ وقَعَ﴾ أيْ: ثَبَتَ ﴿أجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: فَلا يَخافُ فَواتَ أجْرِهِ الكامِلِ؛ لِأنَّهُ نَوى مَعَ الشُّرُوعِ في العَمَلِ، ولا تَقْصِيرَ مِنهُ في عَدَمِ إتْمامِهِ.

﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فَيَغْفِرُ لَهُ ما فَرَطَ مِنهُ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي جُمْلَتُها القُعُودُ عَنِ الهِجْرَةِ إلى وقْتِ الخُرُوجِ، ويَرْحَمُهُ بِإكْمالِ ثَوابِ هِجْرَتِهِ.

* *

تَنْبِيهاتٌ:

الأوَّلُ: فِيما رُوِيَ في نُزُولِ الآيَةِ:

أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو يَعْلى بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَ ضَمْرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا، فَقالَ لِأهْلِهِ: احْمِلُونِي فَأخْرِجُونِي مِن أرْضِ المُشْرِكِينَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَماتَ في الطَّرِيقِ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَ الوَحْيُ: ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ﴾ الآيَةَ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أبِي ضَمْرَةَ الزُّرَقِيِّ، الَّذِي كانَ مُصابَ البَصَرِ، وكانَ بِمَكَّةَ، فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ [النساء: ٩٨] فَقالَ: إنِّي لَغَنِيٌّ وإنِّي لَذُو حِيلَةٍ، فَتَجَهَّزَ يُرِيدُ النَّبِيَّ ﷺ فَأدْرَكَهُ المَوْتُ بِالتَّنْعِيمِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ﴾ إلى آخِرِها.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ نَحْوَ ذَلِكَ مِن طُرُقٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ والسُّدِّيِّ والضَّحّاكِ وغَيْرِهِمْ، وسُمِّيَ في بَعْضِها ضَمْرَةُ بْنُ العِيصِ، أوِ العِيصُ بْنُ ضَمْرَةَ، وفي بَعْضِها جُنْدُبُ بْنُ ضَمْرَةَ الجُنْدَعِيُّ، وفي بَعْضِها الضَّمْرِيُّ، وفي بَعْضِها رَجُلٌ مِن بَنِي ضَمْرَةَ، وفي بَعْضِها رَجُلٌ مِن خُزاعَةَ، وفي بَعْضِها رَجُلٌ مِن بَنِي لَيْثٍ، وفي بَعْضِها مِن بَنِي كِنانَةَ، وفي بَعْضِها مِن بَنِي بَكْرٍ.

وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ في الطَّبَقاتِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ أنَّ جُنْدُعَ بْنَ ضَمْرَةَ الضَّمْرِيَّ كانَ بِمَكَّةَ، فَمَرِضَ فَقالَ لِبَنِيهِ: أخْرِجُونِي مِن مَكَّةَ فَقَدْ قَتَلَنِي غَمُّها، فَقالُوا: إلى أيْنَ؟ فَأوْمَأ بِيَدِهِ نَحْوَ المَدِينَةِ، يُرِيدُ الهِجْرَةَ، فَخَرَجُوا بِهِ، فَلَمّا بَلَغُوا أضاةَ بَنِي غِفارٍ ماتَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿ومَن يَخْرُجْ﴾ الآيَةَ.

وأخْرَجَ الأُمَوِيُّ في "مَغازِيهِ" عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: «لَمّا بَلَغَ أكْثَمَ بْنَ صَيْفِيٍّ مَخْرَجُ النَّبِيِّ ﷺ أرادَ أنْ يَأْتِيَهُ، فَأبى قَوْمُهُ أنْ يَدَعُوهُ، قالَ: فَلْيَأْتِ مَن يُبَلِّغُهُ عَنِّي ويُبَلِّغُنِي عَنْهُ، فانْتُدِبَ لَهُ رَجُلانِ، فَأتَيا النَّبِيَّ ﷺ فَقالا: نَحْنُ رُسُلُ أكْثَمَ بْنِ صَيْفِيٍّ وهو …

An-Nisaa 4:100Listen in Qur'an →

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.