Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah

Ayahs 91–100 of 176

91

سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا۟ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوٓا۟ إِلَى ٱلْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا۟ فِيهَا ۚ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوٓا۟ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَٰنًۭا مُّبِينًۭا

You will find others who wish to obtain security from you and [to] obtain security from their people. Every time they are returned to [the influence of] disbelief, they fall back into it. So if they do not withdraw from you or offer you peace or restrain their hands, then seize them and kill them wherever you overtake them. And those - We have made for you against them a clear authorization.

Explained together with ayah 90

92

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَـًۭٔا ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَـًۭٔا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ وَدِيَةٌۭ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُوا۟ ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّۢ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَٰقٌۭ فَدِيَةٌۭ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

And never is it for a believer to kill a believer except by mistake. And whoever kills a believer by mistake - then the freeing of a believing slave and a compensation payment presented to the deceased's family [is required] unless they give [up their right as] charity. But if the deceased was from a people at war with you and he was a believer - then [only] the freeing of a believing slave; and if he was from a people with whom you have a treaty - then a compensation payment presented to his family and the freeing of a believing slave. And whoever does not find [one or cannot afford to buy one] - then [instead], a fast for two months consecutively, [seeking] acceptance of repentance from Allah. And Allah is ever Knowing and Wise.

Explained together with ayah 90

93

وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًۭا مُّتَعَمِّدًۭا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدًۭا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمًۭا

But whoever kills a believer intentionally - his recompense is Hell, wherein he will abide eternally, and Allah has become angry with him and has cursed him and has prepared for him a great punishment.

[فَصْلٌ: هَلْ مِنَ الذُّنُوبِ ذَنْبٌ لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ أمْ لا؟]

اخْتَلَفَ النّاسُ هَلْ مِنَ الذُّنُوبِ ذَنْبٌ لا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ أمْ لا؟

فَقالَ الجُمْهُورُ: التَّوْبَةُ تَأْتِي عَلى كُلِّ ذَنْبٍ، فَكُلُّ ذَنْبٍ يُمْكِنُ التَّوْبَةُ مِنهُ وتُقْبَلُ.

وَقالَتْ طائِفَةٌ: لا تَوْبَةَ لِلْقاتِلِ، وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ المَعْرُوفُ عَنْهُ وإحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحْمَدَ، وقَدْ ناظَرَ ابْنَ عَبّاسٍ في ذَلِكَ أصْحابُهُ فَقالُوا: ألَيْسَ قَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ الفُرْقانِ ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨]

إلى أنْ قالَ ﴿إلّا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠] فَقالَ: كانَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الجاهِلِيَّةِ، وذَلِكَ أنَّ ناسًا مِن أهْلِ الشِّرْكِ كانُوا قَدْ قَتَلُوا وزَنَوْا فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: إنَّ الَّذِي تَدْعُو إلَيْهِ لَحَسَنٌ لَوْ تُخْبِرُنا أنَّ لِما عَمِلْناهُ كَفّارَةً، فَنَزَلَ ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] الآيَةَ، فَهَذِهِ في أُولَئِكَ، وأمّا الَّتِي في سُورَةِ النِّساءِ وهي قَوْلُهُ تَعالى ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]

فالرَّجُلُ إذا عَرَفَ الإسْلامَ وشَرائِعَهُ ثُمَّ قَتَلَ فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ.

وَقالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: لَمّا نَزَلَتِ الَّتِي في الفُرْقانِ ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨]

عَجِبْنا مِن لِينِها فَلَبِثْنا سَبْعَةَ أشْهُرٍ ثُمَّ نَزَلَتِ الغَلِيظَةُ بَعْدَ اللَّيِّنَةِ فَنَسَخَتِ اللَّيِّنَةَ، وأرادَ بِالغَلِيظَةِ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي في سُورَةِ النِّساءِ، وبِاللَّيِّنَةِ آيَةَ الفُرْقانِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: آيَةُ الفُرْقانِ مَكِّيَّةٌ، وآيَةُ النِّساءِ مَدَنِيَّةٌ، نَزَلَتْ ولَمْ يَنْسَخْها شَيْءٌ.

قالَ هَؤُلاءِ: ولِأنَّ التَّوْبَةَ مِن قَتْلِ المُؤْمِنِ عَمْدًا مُتَعَذَّرَةٌ إذْ لا سَبِيلَ إلَيْها إلّا بِاسْتِحْلالِهِ أوْ إعادَةِ نَفْسِهِ الَّتِي فَوَّتَها عَلَيْهِ إلى جَسَدِهِ إذِ التَّوْبَةُ مِن حَقِّ الآدَمِيِّ لا تَصِحُّ إلّا بِأحَدِهِما، وكِلاهُما مُتَعَذَّرٌ عَلى القاتِلِ، فَكَيْفَ تَصِحُّ تَوْبَتُهُ مِن حَقِّ آدَمِيٍّ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ ولَمْ يَسْتَحِلَّهُ مِنهُ؟

وَلا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ هَذا في المالِ إذا ماتَ رَبُّهُ ولَمْ يُوَفِّهِ إيّاهُ لِأنَّهُ يَتَمَكَّنُ مِن إيصالِ نَظِيرِهِ إلَيْهِ بِالصَّدَقَةِ.

قالُوا: ولا يُرَدُّ عَلَيْنا أنَّ الشِّرْكِ أعْظَمُ مِنَ القَتْلِ وتَصِحُّ التَّوْبَةُ مِنهُ فَإنَّ ذَلِكَ مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ فالتَّوْبَةُ مِنهُ مُمْكِنَةٌ، وأمّا حَقُّ الآدَمِيِّ فالتَّوْبَةُ مَوْقُوفَةٌ عَلى أدائِهِ إلَيْهِ واسْتِحْلالِهِ، وقَدْ تَعَذَّرَ.

واحْتَجَّ الجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] فَهَذِهِ في حَقِّ التّائِبِ وبِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فَهَذِهِ في حَقِّ غَيْرِ التّائِبِ؛ لِأنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الشِّرْكِ وما دُونَهُ، وعَلَّقَ المَغْفِرَةَ بِالمَشِيئَةِ فَخَصَّصَ وعَلَّقَ

وَفِي الَّتِي قَبْلَها عَمَّمَ وأطْلَقَ.

واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى …

94

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُوا۟ وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَنْ أَلْقَىٰٓ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسْتَ مُؤْمِنًۭا تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌۭ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۭا

O you who have believed, when you go forth [to fight] in the cause of Allah, investigate; and do not say to one who gives you [a greeting of] peace "You are not a believer," aspiring for the goods of worldly life; for with Allah are many acquisitions. You [yourselves] were like that before; then Allah conferred His favor upon you, so investigate. Indeed Allah is ever, with what you do, Acquainted.

Explained together with ayah 93

95

لَّا يَسْتَوِى ٱلْقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُو۟لِى ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ دَرَجَةًۭ ۚ وَكُلًّۭا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًۭا

Not equal are those believers remaining [at home] - other than the disabled - and the mujahideen, [who strive and fight] in the cause of Allah with their wealth and their lives. Allah has preferred the mujahideen through their wealth and their lives over those who remain [behind], by degrees. And to both Allah has promised the best [reward]. But Allah has preferred the mujahideen over those who remain [behind] with a great reward -

نفى سبحانه التسوية بين المؤمنين القاعدين عن الجهاد وبين المجاهدين، ثم أخبر سبحانه عن تفضيل المجاهدين على القاعدين درجة، ثم أخبر أنه فضلهم عليهم درجات.

وقد أشكل فهم هذه الآية على طائفة من الناس، من جهة أن القاعدين الذين فضّل عليهم المجاهدون بدرجات، إن كانوا هم والقاعدون الذين فضّل عليهم أولو الضرر المجاهدون بدرجات: هم غير أولي الضرر. فيكون المجاهدون أفضل من القاعدين مطلقا. وعلى هذا فما وجه استثناء أولي الضرر من القاعدين، وهم لا يستوون والمجاهدون أصلا؟ فيكون حكم المستثنى والمستثنى منه واحدا.

فهذا وجه الإشكال.

ونحن نذكر ما يزيل الإشكال بحمد الله. فنقول:

اختلف القراء في إعراب «غير» فقرئ رفعا ونصبا وهما في السبعة، وقرئ بالجر في غير السبعة. وهي قراءة أبي حبوة.

فأما قراءة النصب فعلى الاستثناء، لأن «غير» يعرب في الاستثناء إعراب الاسم الواقع بعد «إلا» وهو النصب. هذا هو الصحيح.

وقالت طائفة: إعرابها نصب على الحال، أي لا يستوي القاعدون غير مضرورين، أي لا يستوون في حال صحتهم هم والمجاهدون، والاستثناء أصح، فإن «غير» لا تكاد تقع حالا في كلامهم إلا مضافة إلى نكرة، كقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وقوله عز وجل أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ، غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ

وقوله ﷺ «مرحبا بالوفد غير خزايا ولا ندامى».

فإن أضيفت إلى معرفة كانت تابعة لما قبلها.

كقوله تعالى: ﴿صِراطَ الَّذِينَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾

ولو قلت: مرحبا بالوفد غير الخزايا ولا الندامى لجررت «غير» هذا هو المعروف من كلامهم.

والكلام في عدم تعريف «غير» بالإضافة، وحسن وقوعها إذ ذاك حالا له مقام آخر.

وأما بالرفع: فعلى النعت للقاعدين. هذا هو الصحيح.

وقال أبو إسحاق وغيره: هو خبر مبتدأ محذوف تقديره: الذين هم غير أولي الضرر.

والذي حمله على هذا: ظنه أن «غير» لا يقبل التعريف بالإضافة.

فلا تجزى صفة للمعرفة. وليس مع من ادعى ذلك حجة يعتمد عليها، سوى أن «غير» توغلت في الإبهام. فلا تتعرف بما يضاف إليه.

وجواب هذا: أنها إذا دخلت بين متقابلين لم يكن فيها إبهام لتعيينها ما تضاف إليه.

وأما قراءة الجر: ففيها وجهان أيضا.

أحدهما - وهو الصحيح - أنه نعت للمؤمنين.

والثاني - وهو قول المبرد - أنه بدل منه. بناء على أنه نكرة. فلا ينعت به المعرفة.

وعلى الأقوال كلها: فهو مفهم معنى الاستثناء، وأن نفي التسوية غير مسلط على ما أضيف إليه «غير».

وقوله وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً هو مبين لمعنى نفي المساواة.

قالوا: والمعنى: فضل الله المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر درجة واحدة لامتيازهم عنهم بالجهاد بنفسهم ومالهم. ثم أخبر سبحانه أن الفريقين كليهما موعود بالحسنى، فقال وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى أي المجاهد والقاعد المضرور لاشتراكهم في الإيمان.

قالوا: وفي هذا دليل على تفضيل الغني المنفق على الفقير. لأن الله أخبر أن المجاهد بماله ونفسه أفضل من القاعد، وقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس. وأما الفقير فنفى عنه الحرج بقوله ٩: ٩٢ ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ.

فأين مقام من حكم له بالتفضيل إلى مقام من نفى عنه الحرج؟

قالوا: فهذا حكم القاعد من أولي الضرر والمجاهد.

وأما القاعد من غير أولي الضرر:

96

دَرَجَٰتٍۢ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةًۭ وَرَحْمَةًۭ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًا

Degrees [of high position] from Him and forgiveness and mercy. And Allah is ever Forgiving and Merciful.

وقوله «درجات» قيل: هو نصب على البدل من قوله «أجرا عظيما» وقيل: تأكيد له، وإن كان بغير لفظه. لأنه هو هو في المعنى.

قال قتادة: كان يقال: الإسلام درجة، والهجرة في الإسلام درجة، والجهاد في الهجرة درجة، والقتل في الجهاد درجة.

وقال ابن زيد: الدرجات التي فضل الله بها المجاهد على القاعد سبع. وهي التي ذكرها الله تعالى في براءة، إذ يقول تعالى: ﴿ذلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلًا إلّا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ فهذه خمس.

ثم قال ﴿وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا إلّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ فهاتان اثنتان.

وقيل: الدرجات سبعون درجة ما بين الدرجتين حضر الفرس الجواد المضمر سبعين سنة.

والصحيح: أن الدرجات هي المذكورة في حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري في صحيحه عن النبي ﷺ أنه قال

«من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان. فإن حقا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها.

قالوا: يا رسول الله، أفلا نخبر الناس بذلك؟

قال: إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله. كل درجتين كما بين السماء والأرض. فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس. فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن. ومنه تفجر أنهار الجنة»

قالوا: وجعل سبحانه تعالى: التفضيل الأول بدرجة فقط، وجعله هاهنا بدرجات، ومغفرة ورحمة. وهذا يدل على أنه يفضل على غير أولي الضرر.

فهذا تقرير هذا القول وإيضاحه.

ولكن بقي أن يقال: إذا كان المجاهدون أفضل من القاعدين مطلقا لزم أن لا يستوي مجاهد وقاعد مطلقا، فلا يبقى في تقييد القاعدين بكونهم من غير أولي الضرر فائدة. فإنه لا يستوي المجاهدون والقاعدون من أولي الضرر أيضا.

وأيضا فإن القاعدين المذكورين في الآية الذين وقع التفضيل عليهم هم غير أولي الضرر، لا القاعدون الذين هم أولو الضرر. فإنهم لم يذكر حكمهم في الآية، بل استثناهم، وبين أن التفضيل على غيرهم. فاللام في القاعدين للعهد. والمعهود: هم غير أولي الضرر، لا المضرورون.

وأيضا فالقاعد من المجاهدين لضرورة تمنعه من الجهاد له مثل أجر المجاهد، كما

ثبت عن النبي ﷺ أنه قال «إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمل صحيحا مقيما»

وقال ﷺ «إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا وهم معكم. قالوا: وهم بالمدينة؟ قال:

وهم بالمدينة، حبسهم العذر».

وعلى هذا فالصواب أن يقال: الآية دلت على أن القاعدين من غير أولي الضرر عن الجهاد لا يستوون هم والمجاهدون، وسكت عن حكمهم بطريق منطوقها ولا يدل مفهومها على مساواتهم للمجاهدين، بل هذا النوع منقسم إلى معذورين من أهل الجهاد، غلبه عذره، وأقعده عنه، ونيته جازمة لم يتخلف عنها مقدورها وإنما أقعده العجز.

فهذا الذي تقتضيه أدلة الشرع أن له مثل أجر المجاهد. وهذا القسم لا يتناوله الحكم بنفي التسوية.

97

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ قَالُوا۟ فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا۟ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ قَالُوٓا۟ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةًۭ فَتُهَاجِرُوا۟ فِيهَا ۚ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا

Indeed, those whom the angels take [in death] while wronging themselves - [the angels] will say, "In what [condition] were you?" They will say, "We were oppressed in the land." The angels will say, "Was not the earth of Allah spacious [enough] for you to emigrate therein?" For those, their refuge is Hell - and evil it is as a destination.

Explained together with ayah 96

98

إِلَّا ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةًۭ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًۭا

Except for the oppressed among men, women and children who cannot devise a plan nor are they directed to a way -

Explained together with ayah 96

99

فَأُو۟لَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًۭا

For those it is expected that Allah will pardon them, and Allah is ever Pardoning and Forgiving.

Explained together with ayah 96

100

۞ وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدْ فِى ٱلْأَرْضِ مُرَٰغَمًۭا كَثِيرًۭا وَسَعَةًۭ ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِنۢ بَيْتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

And whoever emigrates for the cause of Allah will find on the earth many [alternative] locations and abundance. And whoever leaves his home as an emigrant to Allah and His Messenger and then death overtakes him - his reward has already become incumbent upon Allah. And Allah is ever Forgiving and Merciful.

كُلَّما جَدَّ العارِفُ في الِاسْتِقامَةِ والدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ، والقِيامِ لَهُ بِأمْرِهِ، جِدَّ العَدُوُّ في إغْراءِ السُّفَهاءِ بِهِ، فَهو في هَذِهِ العُقْبَةِ قَدْ لَبِسَ لَأْمَةَ الحَرْبِ، وأخَذَ في مُحارَبَةِ العَدُوِّ لِلَّهِ وبِاللَّهِ، فَعُبُودِيَّتُهُ فِيها عُبُودِيَّةُ خَواصِّ العارِفِينَ، وهي تُسَمّى عُبُودِيَّةَ المُراغَمَةِ، ولا يَنْتَبِهُ لَها إلّا أُولُو البَصائِرِ التّامَّةِ، ولا شَيْءَ أحَبُّ إلى اللَّهِ مِن مُراغَمَةِ ولِيِّهِ لِعَدُوِّهِ، وإغاظَتِهِ لَهُ، وقَدْ أشارَ سُبْحانَهُ إلى هَذِهِ العُبُودِيَّةِ في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ:

أحَدُها: قَوْلُهُ ﴿وَمَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً﴾ سَمّى المُهاجِرَ الَّذِي يُهاجِرُ إلى عِبادَةِ اللَّهِ مُراغِمًا يُراغِمُ بِهِ عَدُوُّ اللَّهِ وعَدُوُّهُ، واللَّهُ يُحِبُّ مِن ولِيِّهِ مُراغَمَةَ عَدُوِّهِ، وإغاظَتَهُ، كَما قالَ تَعالى

﴿ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلًا إلّا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠] وقالَ تَعالى في مِثْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأتْباعِهِ ﴿وَمَثَلُهم في الإنْجِيلِ كَزَرْعٍ أخْرَجَ شَطْأهُ فَآزَرَهُ فاسْتَغْلَظَ فاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفّارَ﴾ [الفتح: ٢٩]

فَمُغايَظَةُ الكُفّارِ غايَةٌ مَحْبُوبَةٌ لِلرَّبِّ مَطْلُوبَةٌ لَهُ، فَمُوافَقَتُهُ فِيها مِن كَمالِ العُبُودِيَّةِ، وشَرَعَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْمُصَلِّي إذا سَها في صِلاتِهِ سَجْدَتَيْنِ، وقالَ «إنْ كانَتْ صَلاتُهُ تامَّةً كانَتا تُرْغِمانِ أنْفَ الشَّيْطانِ» وفي رِوايَةٍ " «تَرْغِيمًا لِلشَّيْطانِ» " وسَمّاها المُرْغِمَتَيْنِ.

فَمَن تَعَبَّدَ اللَّهَ بِمُراغَمَةِ عَدُوِّهِ، فَقَدْ أخَذَ مِنَ الصِّدِّيقِيَّةِ بِسَهْمٍ وافِرٍ، وعَلى قَدْرِ مَحَبَّةِ العَبْدِ لِرَبِّهِ ومُوالاتِهِ ومُعاداتِهِ لِعَدُوِّهِ يَكُونُ نَصِيبُهُ مِن هَذِهِ المُراغَمَةِ، ولِأجْلِ هَذِهِ المُراغَمَةِ حُمِدَ التَّبَخْتُرُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، والخُيَلاءُ والتَّبَخْتُرُ عِنْدَ صَدَقَةِ السِّرِّ، حَيْثُ لا يَراهُ إلّا اللَّهُ، لِما في ذَلِكَ مِن إرْغامِ العَدُوِّ، وبَذْلِ مَحْبُوبِهِ مِن نَفْسِهِ ومالِهِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وَهَذا بابٌ مِنَ العُبُودِيَّةِ لا يَعْرِفُهُ إلّا القَلِيلُ مِنَ النّاسِ، ومَن ذاقَ طَعْمَهُ ولَذَّتَهُ بَكى عَلى أيّامِهِ الأُوَلِ.

وَبِاللَّهِ المُسْتَعانُ، وعَلَيْهِ التُّكْلانُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ.

وَصاحِبُ هَذا المَقامِ إذا نَظَرَ إلى الشَّيْطانِ، ولاحَظَهُ في الذَّنْبِ، راغَمَهُ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ، فَأحْدَثَتْ لَهُ هَذِهِ المُراغَمَةُ عُبُودِيَّةً أُخْرى.

فَهَذِهِ نُبْذَةٌ مِن بَعْضِ لَطائِفِ أسْرارِ التَّوْبَةِ لا تَسْتَهْزِئْ بِها، فَلَعَلَّكَ لا تَظْفَرُ بِها في مُصَنَّفٍ آخَرَ ألْبَتَّةَ، ولِلَّهِ الحَمْدُ والمِنَّةُ، وبِهِ التَّوْفِيقُ.

An-Nisaa 4:100Listen in Qur'an →

Commentary: Tafsir Ibn al-Qayyim by Ibn Qayyim al-Jawziyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.