Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi

Ayahs 91–100 of 176

91

سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا۟ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوٓا۟ إِلَى ٱلْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا۟ فِيهَا ۚ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوٓا۟ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَٰنًۭا مُّبِينًۭا

You will find others who wish to obtain security from you and [to] obtain security from their people. Every time they are returned to [the influence of] disbelief, they fall back into it. So if they do not withdraw from you or offer you peace or restrain their hands, then seize them and kill them wherever you overtake them. And those - We have made for you against them a clear authorization.

﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ هم أسَدُ وغَطَفانُ، وقِيلَ بَنُو عَبْدِ الدّارِ أتَوُا المَدِينَةَ وأظْهَرُوا الإسْلامَ لِيَأْمَنُوا المُسْلِمِينَ فَلَمّا رَجَعُوا كَفَرُوا. ﴿كُلَّ ما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ﴾ دَعَوْا إلى الكُفْرِ وإلى قِتالِ المُسْلِمِينَ. ﴿أُرْكِسُوا فِيها﴾ عادُوا إلَيْها وقَلَّبُوا فِيها أقْبَحَ قَلْبٍ. ﴿فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكم ويُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ ويَنْبِذُوا إلَيْكُمُ العَهْدَ. ﴿وَيَكُفُّوا أيْدِيَهُمْ﴾ عَنْ قِتالِكم. ﴿فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ حَيْثُ تَمَكَّنْتُمْ مِنهم فَإنَّ مُجَرَّدَ الكَفِّ لا يُوجِبُ نَفْيَ التَّعَرُّضِ. ﴿وَأُولَئِكم جَعَلْنا لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ حُجَّةً واضِحَةً في التَّعَرُّضِ لَهم بِالقَتْلِ والسَّبْيِ لِظُهُورِ عَداوَتِهِمْ ووُضُوحِ كُفْرِهِمْ وغَدْرِهِمْ، أوْ تَسَلُّطًا ظاهِرًا حَيْثُ أذِنّا لَكم في قَتْلِهِمْ.

92

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَـًۭٔا ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَـًۭٔا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ وَدِيَةٌۭ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُوا۟ ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّۢ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَٰقٌۭ فَدِيَةٌۭ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

And never is it for a believer to kill a believer except by mistake. And whoever kills a believer by mistake - then the freeing of a believing slave and a compensation payment presented to the deceased's family [is required] unless they give [up their right as] charity. But if the deceased was from a people at war with you and he was a believer - then [only] the freeing of a believing slave; and if he was from a people with whom you have a treaty - then a compensation payment presented to his family and the freeing of a believing slave. And whoever does not find [one or cannot afford to buy one] - then [instead], a fast for two months consecutively, [seeking] acceptance of repentance from Allah. And Allah is ever Knowing and Wise.

﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ وما صَحَّ لَهُ ولَيْسَ مِن شَأْنِهِ. ﴿أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا﴾ بِغَيْرِ حَقٍّ. ﴿إلا خَطَأً﴾ فَإنَّهُ عَلى عُرْضَتِهِ، ونَصْبُهُ عَلى الحالِ أوِ المَفْعُولِ لَهُ أيْ: لا يَقْتُلُهُ في شَيْءٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ الخَطَأِ، أوْ لا يَقْتُلُهُ لِعِلَّةٍ إلّا لِلْخَطَأِ أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ إلّا قَتْلًا خَطَأً. وقِيلَ ما كانَ نَفْيٌ في مَعْنى النَّهْيِ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ أيْ لَكِنْ إنْ قَتَلَهُ خَطَأً فَجَزاؤُهُ ما يَذْكُرُ، والخَطَأُ ما لا يُضامُّهُ القَصْدُ إلى الفِعْلِ أوِ الشَّخْصِ أوْ لا يُقْصَدُ بِهِ زُهُوقُ الرُّوحِ غالِبًا، أوْ لا يُقْصَدُ بِهِ مَحْظُورٌ كَرَمْيِ مُسْلِمٍ في صَفِّ الكُفّارِ مَعَ الجَهْلِ بِإسْلامِهِ، أوْ يَكُونُ فِعْلُ غَيْرِ المُكَلَّفِ. وقُرِئَ «خَطاءً» بِالمَدِّ و «خَطا» كَعَصا بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ، والآيَةُ نَزَلَتْ في عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ أخِي أبِي جَهْلٍ مِنَ الأُمِّ، لَقِيَ حارِثَ بْنَ زَيْدٍ في طَرِيقٍ وكانَ قَدْ أسْلَمَ ولَمْ يَشْعُرْ بِهِ عَيّاشٌ فَقَتَلَهُ.

﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أيْ فَعَلَيْهِ أوْ فَواجِبُهُ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ، والتَّحْرِيرُ الإعْتاقُ، والحُرُّ كالعَتِيقِ لِلْكَرِيمِ مِنَ الشَّيْءِ ومِنهُ حُرُّ الوَجْهِ لِأكْرَمِ مَوْضِعٍ مِنهُ، سُمِّيَ بِهِ لِأنَّ الكَرَمَ في الأحْرارِ واللُّؤْمَ في العَبِيدِ، والرَّقَبَةُ عَبَّرَ بِها عَنِ النَّسَمَةِ كَما عَبَّرَ عَنْها بِالرَّأْسِ. ﴿مُؤْمِنَةٍ﴾ مَحْكُومٌ بِإسْلامِها وإنْ كانَتْ صَغِيرَةً. ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ مُؤَدّاةٌ إلى ورَثَتِهِ يَقْتَسِمُونَها كَسائِرِ المَوارِيثِ، لِقَوْلِ ضَحّاكِ بْنِ سُفْيانَ الكِلابِيِّ: « (كَتَبَ إلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنِي أنْ أُوَرِّثَ امْرَأةَ أشْيَمَ الضَّبابِيِّ مِن عَقْلِ زَوْجِها)» .

وَهِيَ عَلى العاقِلَةِ فَإنْ لَمْ تَكُنْ فَعَلى بَيْتِ المالِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَفي مالِهِ. ﴿إلا أنْ يَصَّدَّقُوا﴾ إلّا أنْ يَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِ بِالدِّيَةِ. سُمِّيَ العَفْوُ عَنْها صَدَقَةً حَثًّا عَلَيْهِ وتَنْبِيهًا عَلى فَضْلِهِ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ».»

وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِعَلَيْهِ، أوْ بِمُسَلَّمَةٍ أيْ تَجِبُ الدِّيَةُ عَلَيْهِ أوْ يُسَلِّمُها إلى أهْلِهِ إلّا حالَ تَصَدُّقِهِمْ عَلَيْهِ. أوْ زَمانَهُ فَهو في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الحالِ مِنَ القاتِلِ أوِ الأهْلِ أوِ الظَّرْفِ. ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهو مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أيْ فَإنْ كانَ المُؤْمِنُ المَقْتُولُ مِن قَوْمٍ كُفّارٍ مُحارِبِينَ، أوْ في تَضاعِيفِهِمْ ولَمْ يُعْلَمْ إيمانُهُ فَعَلى قاتِلِهِ الكَفّارَةُ دُونَ الدِّيَةِ لِأهْلِهِ إذْ لا وِراثَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَهم ولِأنَّهم مُحارِبُونَ. ﴿وَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أيْ وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ كَفَرَةٍ مُعاهِدِينَ، أوْ أهْلِ الذِّمَّةِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ المُسْلِمِينَ في وُجُوبِ الكَفّارَةِ والدِّيَةِ ولَعَلَّهُ فِيما إذا كانَ المَقْتُولُ مُعاهِدًا، أوْ كانَ لَهُ وارِثٌ مُسْلِمٌ. ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾ رَقَبَةً بِأنْ لَمْ يَمْلِكْها ولا ما يَتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْها.

﴿فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾ فَعَلَيْهِ أوْ فالواجِبُ عَلَيْهِ صِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ. ﴿تَوْبَةً﴾ نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ لَهُ أيْ شُرِعَ ذَلِكَ تَوْبَةً، مِن تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ إذا قَبِلَ تَوْبَتَهُ. أوْ عَلى المَصْدَرِ أيْ وتابَ اللَّهُ عَلَيْكم تَوْبَةً أوِ الحالِ بِحَذْفِ مُضافٍ …

93

وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًۭا مُّتَعَمِّدًۭا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدًۭا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمًۭا

But whoever kills a believer intentionally - his recompense is Hell, wherein he will abide eternally, and Allah has become angry with him and has cursed him and has prepared for him a great punishment.

﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ لِما فِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ العَظِيمِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما. «لا تُقْبَلُ تَوْبَةُ قاتِلِ المُؤْمِنِ عَمْدًا» . ولَعَلَّهُ أرادَ بِهِ التَّشْدِيدَ إذْ رُوِيَ عَنْهُ خِلافُهُ. والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ مَخْصُوصٌ بِمَن لَمْ يَتُبْ لِقَوْلِهِ تَعالى: وإنِّي لَغَفّارٌ لِمَن تابَ ونَحْوَهُ وهو عِنْدَنا إمّا مَخْصُوصٌ بِالمُسْتَحِلِّ لَهُ كَما ذَكَرَهُ عِكْرِمَةُ وغَيْرُهُ، ويُؤَيِّدُهُ أنَّهُ نَزَلَ في مَقِيسُ بْنُ ضَبابَةَ وجَدَ أخاهُ هِشامًا قَتِيلًا في بَنِي النَّجّارِ ولَمْ يَظْهَرْ قاتِلُهُ، فَأمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَدْفَعُوا إلَيْهِ دِيَتَهُ فَدَفَعُوا إلَيْهِ ثُمَّ حَمَلَ عَلى مُسْلِمٍ فَقَتَلَهُ ورَجَعَ إلى مَكَّةَ مُرْتَدًّا، أوِ المُرادُ بِالخُلُودِ المُكْثُ الطَّوِيلُ فَإنَّ الدَّلائِلَ مُتَظاهِرَةٌ عَلى أنَّ عُصاةَ المُسْلِمِينَ لا يَدُومُ عَذابُهم.

94

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُوا۟ وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَنْ أَلْقَىٰٓ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسْتَ مُؤْمِنًۭا تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌۭ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۭا

O you who have believed, when you go forth [to fight] in the cause of Allah, investigate; and do not say to one who gives you [a greeting of] peace "You are not a believer," aspiring for the goods of worldly life; for with Allah are many acquisitions. You [yourselves] were like that before; then Allah conferred His favor upon you, so investigate. Indeed Allah is ever, with what you do, Acquainted.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ سافَرْتُمْ وذَهَبْتُمْ لِلْغَزْوِ. ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ فاطْلُبُوا بَيانَ الأمْرِ وثَباتَهُ ولا تَعْجَلُوا فِيهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ فَتَثْبُتُوا في المَوْضِعَيْنِ هُنا، وفي «الحُجُراتِ» مِنَ التَّثَبُّتِ. ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ﴾ لِمَن حَيّاكم بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ السَّلَمَ بِغَيْرِ الألْفِ أيِ الِاسْتِسْلامَ والِانْقِيادَ وفُسِّرَ بِهِ السَّلامُ أيْضًا. ﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ وإنَّما فَعَلْتُ ذَلِكَ مُتَعَوِّذًا. وقُرِئَ «مُؤَمَّنًا» بِالفَتْحِ أيْ مَبْذُولًا لَهُ الأمانُ. ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ تَطْلُبُونَ مالَهُ الَّذِي هو حُطامٌ سَرِيعُ النَّفاذِ، وهو حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في تَقُولُوا مُشْعِرٌ بِما هو الحامِلُ لَهم عَلى العَجَلَةِ وتَرْكِ التَّثَبُّتِ. ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ﴾ لَكم ﴿كَثِيرَةٌ﴾ تُغْنِيكم عَنْ قَتْلِ أمْثالِهِ لِمالِهِ. ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ أيْ أوَّلَ ما دَخَلْتُمْ في الإسْلامِ تَفَوَّهْتُمْ بِكَلِمَتَيِ الشَّهادَةِ فَحُصِنَتْ بِها دِماؤُكم وأمْوالُكم مِن غَيْرِ أنْ يَعْلَمَ مُواطَأةَ قُلُوبِكم ألْسِنَتَكم. ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بِالِاشْتِهارِ بِالإيمانِ والِاسْتِقامَةِ في الدِّينِ. ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ وافْعَلُوا بِالدّاخِلِينَ في الإسْلامِ كَما فَعَلَ اللَّهُ بِكُمْ، ولا تُبادِرُوا إلى قَتْلِهِمْ ظَنًّا بِأنَّهم دَخَلُوا فِيهِ اتِّقاءً وخَوْفًا، فَإنَّ إبْقاءَ ألْفِ كافِرٍ أهْوَنُ عِنْدَ اللَّهِ مِن قَتْلِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ. وتَكْرِيرُهُ تَأْكِيدٌ لِتَعْظِيمِ الأمْرِ وتَرْتِيبِ الحُكْمِ عَلى ما ذُكِرَ مِن حالِهِمْ. ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ عالِمًا بِهِ وبِالغَرَضِ مِنهُ فَلا تَتَهافَتُوا في القَتْلِ واحْتاطُوا فِيهِ.

رُوِيَ « (أنَّ سَرِيَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَزَتْ أهْلَ فَدَكَ فَهَرَبُوا وبَقِيَ مِرْداسُ ثِقَةً بِإسْلامِهِ، فَلَمّا رَأى الخَيْلَ ألْجَأ غَنَمَهُ إلى عاقُولٍ مِنَ الجَبَلِ وصَعِدَ، فَلَمّا تَلاحَقُوا بِهِ وكَبَّرُوا كَبَّرَ ونَزَلَ وقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ السَّلامُ عَلَيْكم فَقَتَلَهُ أُسامَةُ واسْتاقَ غَنَمَهُ.» وقِيلَ نَزَلَتْ في المِقْدادِ مَرَّ بِرَجُلٍ في غُنَيْمَةٍ فَأرادَ قَتْلَهُ فَقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. فَقَتَلَهُ وقالَ: ودَّ لَوْ فَرَّ بِأهْلِهِ ومالِهِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى صِحَّةِ إيمانِ المُكْرَهِ وأنَّ المُجْتَهِدَ قَدْ يُخْطِئُ وأنَّ خَطَأهُ مُغْتَفَرٌ.

95

لَّا يَسْتَوِى ٱلْقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُو۟لِى ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ دَرَجَةًۭ ۚ وَكُلًّۭا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًۭا

Not equal are those believers remaining [at home] - other than the disabled - and the mujahideen, [who strive and fight] in the cause of Allah with their wealth and their lives. Allah has preferred the mujahideen through their wealth and their lives over those who remain [behind], by degrees. And to both Allah has promised the best [reward]. But Allah has preferred the mujahideen over those who remain [behind] with a great reward -

﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ﴾ عَنِ الحَرْبِ. ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ القاعِدِينَ أوْ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي فِيهِ. ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ بِالرَّفْعِ صِفَةً لِلْقاعِدُونَ لِأنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ بِهِ قَوْمٌ بِأعْيانِهِمْ أوْ بَدَلٌ مِنهُ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ والكِسائِيُّ بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ أوِ الِاسْتِثْناءِ. وقُرِئَ بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أوْ بَدَلٌ مِنهُ.

«وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّها نَزَلَتْ ولَمْ يَكُنْ فِيها غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ فَقالَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ: وكَيْفَ وأنا أعْمى فَغَشِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في مَجْلِسِهِ الوَحْيُ، فَوَقَعَتْ فَخِذُهُ عَلى فَخِذِي حَتّى خَشِيتُ أنْ تَرُضَّها ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقالَ اكْتُبْ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾» أيْ لا مُساواةَ بَيْنَهم وبَيْنَ مَن قَعَدَ عَنِ الجِهادِ مِن غَيْرِ عِلَّةٍ. وفائِدَتُهُ تَذْكِيرُ ما بَيْنَهُما مِنَ التَّفاوُتِ لِيَرْغَبَ القاعِدُ في الجِهادِ رَفْعًا لِرُتْبَتِهِ وأنَفَةً عَنِ انْحِطاطِ مَنزِلَتِهِ. ﴿فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ جُمْلَةٌ مُوَضِّحَةٌ لِما نُفِيَ الِاسْتِواءُ فِيهِ والقاعِدُونَ عَلى التَّقْيِيدِ السّابِقِ، ودَرَجَةً نُصِبَ بِنَزْعِ الخافِضِ أيْ بِدَرَجَةٍ أوْ عَلى المَصْدَرِ لِأنَّهُ تَضَمَّنَ مَعْنى التَّفْضِيلِ ووَقَعَ مَوْقِعَ المَرَّةِ مِنهُ، أوِ الحالِ بِمَعْنى ذَوِي دَرَجَةٍ. ﴿وَكُلا﴾ مِنَ القاعِدِينَ والمُجاهِدِينَ. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ المَثُوبَةَ الحُسْنى وهي الجَنَّةُ لِحُسْنِ عَقِيدَتِهِمْ وخُلُوصُ نِيَّتِهِمْ، وإنَّما التَّفاوُتُ في زِيادَةِ العَمَلِ المُقْتَضِي لِمَزِيدِ الثَّوابِ. ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا﴾ نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ لِأنَّ فَضْلًا بِمَعْنى أجْرٍ، أوِ المَفْعُولُ الثّانِي لَهُ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإعْطاءِ كَأنَّهُ قِيلَ: وأعْطاهم زِيادَةً عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا.

96

دَرَجَٰتٍۢ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةًۭ وَرَحْمَةًۭ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًا

Degrees [of high position] from Him and forgiveness and mercy. And Allah is ever Forgiving and Merciful.

﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً﴾ كُلُّ واحِدٍ مِنها بَدَلٌ مِن أجْرًا، ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبَ دَرَجاتٍ عَلى المَصْدَرِ كَقَوْلِكِ: ضَرَبْتُهُ أسْواطًا، وأجْرًا عَلى الحالِ عَنْها تَقَدَّمَتْ عَلَيْها لِأنَّها نَكِرَةٌ، ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً عَلى المَصْدَرِ بِإضْمارِ فَعَلَيْهِما كَرَّرَ تَفْضِيلَ المُجاهِدِينَ، وبالَغَ فِيهِ إجْمالًا وتَفْصِيلًا تَعْظِيمًا لِلْجِهادِ وتَرْغِيبًا فِيهِ. وقِيلَ: الأوَّلُ ما خَوَّلَهم في الدُّنْيا مِنَ الغَنِيمَةِ والظَّفَرِ وجَمِيلِ الذِّكْرِ، والثّانِي ما جَعَلَ لَهم في الآخِرَةِ. وقِيلَ المُرادُ بِالدَّرَجَةِ الأُولى ارْتِفاعُ مَنزِلَتِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وبِالدَّرَجاتِ مَنازِلُهم في الجَنَّةِ. وقِيلَ القاعِدُونَ الأوَّلُ هُمُ الأضِرّاءُ والقاعِدُونَ الثّانِي هُمُ الَّذِينَ أذِنَ لَهم في التَّخَلُّفِ اكْتِفاءً بِغَيْرِهِمْ. وقِيلَ المُجاهِدُونَ الأوَّلُونَ مِن جاهَدَ الكُفّارَ والآخَرُونَ مِن جاهَدَ نَفْسَهُ وعَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «رَجَعْنا مِنَ الجِهادِ الأصْغَرِ إلى الجِهادِ الأكْبَرِ» .

﴿وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لِما عَسى أنْ يَفْرُطَ مِنهم. ﴿رَحِيمًا﴾ بِما وعَدَ لَهم.

97

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ قَالُوا۟ فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا۟ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ قَالُوٓا۟ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةًۭ فَتُهَاجِرُوا۟ فِيهَا ۚ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا

Indeed, those whom the angels take [in death] while wronging themselves - [the angels] will say, "In what [condition] were you?" They will say, "We were oppressed in the land." The angels will say, "Was not the earth of Allah spacious [enough] for you to emigrate therein?" For those, their refuge is Hell - and evil it is as a destination.

﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ يَحْتَمِلُ الماضِيَ والمُضارِعَ، وقُرِئَ «تَوَفَّتْهُمُ» و «تَوَفّاهُمُ» عَلى مُضارِعِ وفَيْتُ بِمَعْنى أنَّ اللَّهَ يُوَفِّي المَلائِكَةَ أنْفُسَهم فَيَتَوَفَّوْنَها أيْ يُمَكِّنُهم مِنِ اسْتِيفائِها فَيَسْتَوْفُونَها. ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ في حالِ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم بِتَرْكِ الهِجْرَةِ ومُوافَقَةِ الكَفَرَةِ فَإنَّها نَزَلَتْ في أُناسٍ مِن مَكَّةَ أسْلَمُوا ولَمْ يُهاجِرُوا حِينَ كانَتِ الهِجْرَةُ واجِبَةً. ﴿قالُوا﴾ أيِ المَلائِكَةُ تَوْبِيخًا لَهم. ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ في أيِّ شَيْءٍ كُنْتُمْ مِن أمْرِ دِينِكم.

﴿قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾ اعْتَذَرُوا مِمّا وُبِّخُوا بِهِ بِضَعْفِهِمْ وعَجْزِهِمْ عَنِ الهِجْرَةِ، أوْ عَنْ إظْهارِ الدِّينِ وإعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ. ﴿قالُوا﴾ أيِ المَلائِكَةُ تَكْذِيبًا لَهم أوْ تَبْكِيتًا. ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ إلى قُطْرٍ آخَرَ كَما فَعَلَ المُهاجِرُونَ إلى المَدِينَةِ والحَبَشَةِ. ﴿فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ لِتَرْكِهِمُ الواجِبَ ومُساعَدَتِهِمُ الكُفّارَ. وهو خَبَرُ إنَّ والفاءُ فِيهِ لِتُضَمِّنَ الِاسْمَ مَعْنى الشَّرْطِ، وقالُوا فِيمَ كُنْتُمْ حالٌ مِنَ المَلائِكَةِ بِإضْمارِ قَدْ أوِ الخَبَرُ قالُوا والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ قالُوا لَهُمْ، وهو جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها مُسْتَنْتَجَةٌ مِنها.

﴿وَساءَتْ مَصِيرًا﴾ مَصِيرُهم أوْ جَهَنَّمُ، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى وُجُوبِ الهِجْرَةِ مِن مَوْضِعٍ لا يَتَمَكَّنُ الرَّجُلُ فِيهِ مِن إقامَةِ دِينِهِ، وعَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن فَرَّ بِدِينِهِ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ وإنْ كانَ شِبْرًا مِنَ الأرْضِ اسْتَوْجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وكانَ رَفِيقَ أبِيهِ إبْراهِيمَ ونَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ» .

98

إِلَّا ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةًۭ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًۭا

Except for the oppressed among men, women and children who cannot devise a plan nor are they directed to a way -

﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لِعَدَمِ دُخُولِهِمْ في المَوْصُولِ وضَمِيرِهِ والإشارَةِ إلَيْهِ، وذِكْرُ الوَلَدِ إنْ أُرِيدَ بِهِ المَمالِيكُ فَظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ الصِّبْيانُ فَلِلْمُبالَغَةِ في الأمْرِ والإشْعارِ بِأنَّهم عَلى صَدَدِ وُجُوبِ الهِجْرَةِ، فَإنَّهم إذا بَلَغُوا وقَدَرُوا عَلى الهِجْرَةِ فَلا مَحِيصَ لَهم عَنْها وأنَّ قَوامَهم يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُهاجِرُوا بِهِمْ مَتى أمْكَنَتْ. لا ﴿يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ صِفَةٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ إذْ لا تَوْقِيتَ فِيهِ، أوْ حالٌ مِنهُ أوْ مِنَ المُسْتَكِنِّ فِيهِ. واسْتِطاعَةُ الحِيلَةِ وِجْدانُ أسْبابِ الهِجْرَةِ وما تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، واهْتِداءُ السَّبِيلِ مَعْرِفَةُ الطَّرِيقِ بِنَفْسِهِ أوْ بِدَلِيلٍ.

﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ ذُكِرَ بِكَلِمَةِ الإطْماعِ ولَفْظِ العَفْوِ إيذانًا بِأنَّ تَرْكَ الهِجْرَةِ أمْرٌ خَطِيرٌ حَتّى إنَّ المُضْطَرَّ مِن حَقِّهِ أنْ لا يَأْمَنَ ويَتَرَصَّدَ الفُرْصَةَ ويُعَلِّقُ بِها قَلْبَهُ. ﴿وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾

99

فَأُو۟لَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًۭا

For those it is expected that Allah will pardon them, and Allah is ever Pardoning and Forgiving.

﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لِعَدَمِ دُخُولِهِمْ في المَوْصُولِ وضَمِيرِهِ والإشارَةِ إلَيْهِ، وذِكْرُ الوَلَدِ إنْ أُرِيدَ بِهِ المَمالِيكُ فَظاهِرٌ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ الصِّبْيانُ فَلِلْمُبالَغَةِ في الأمْرِ والإشْعارِ بِأنَّهم عَلى صَدَدِ وُجُوبِ الهِجْرَةِ، فَإنَّهم إذا بَلَغُوا وقَدَرُوا عَلى الهِجْرَةِ فَلا مَحِيصَ لَهم عَنْها وأنَّ قَوامَهم يَجِبُ عَلَيْهِمْ أنْ يُهاجِرُوا بِهِمْ مَتى أمْكَنَتْ. لا ﴿يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ صِفَةٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ إذْ لا تَوْقِيتَ فِيهِ، أوْ حالٌ مِنهُ أوْ مِنَ المُسْتَكِنِّ فِيهِ. واسْتِطاعَةُ الحِيلَةِ وِجْدانُ أسْبابِ الهِجْرَةِ وما تَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ، واهْتِداءُ السَّبِيلِ مَعْرِفَةُ الطَّرِيقِ بِنَفْسِهِ أوْ بِدَلِيلٍ.

﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ ذُكِرَ بِكَلِمَةِ الإطْماعِ ولَفْظِ العَفْوِ إيذانًا بِأنَّ تَرْكَ الهِجْرَةِ أمْرٌ خَطِيرٌ حَتّى إنَّ المُضْطَرَّ مِن حَقِّهِ أنْ لا يَأْمَنَ ويَتَرَصَّدَ الفُرْصَةَ ويُعَلِّقُ بِها قَلْبَهُ. ﴿وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾

100

۞ وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدْ فِى ٱلْأَرْضِ مُرَٰغَمًۭا كَثِيرًۭا وَسَعَةًۭ ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِنۢ بَيْتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

And whoever emigrates for the cause of Allah will find on the earth many [alternative] locations and abundance. And whoever leaves his home as an emigrant to Allah and His Messenger and then death overtakes him - his reward has already become incumbent upon Allah. And Allah is ever Forgiving and Merciful.

﴿وَمَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا﴾ مُتَحَوِّلًا مِنَ الرِّغامِ وهو التُّرابُ. وقِيلَ طَرِيقٌ يُراغِمُ قَوْمَهُ بِسُلُوكِهِ أيْ يُفارِقُهم عَلى رَغْمِ أُنُوفِهِمْ وهو أيْضًا مِنَ الرِّغامِ. ﴿وَسَعَةً﴾ في الرِّزْقِ وإظْهارَ الدِّينِ.

﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ﴾ وقُرِئَ «يُدْرِكُهُ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ ثُمَّ هو يُدْرِكُهُ وبِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ أنْ كَقَوْلِهِ:

؎ سَأتْرُكُ مَنزِلِي بِبَنِي تَمِيمٍ ∗∗∗ وألْحَقُ بِالحِجازِ فَأسْتَرِيحا

﴿فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ الوُقُوعُ والوُجُوبُ مُتَقارِبانِ والمَعْنى: ثَبَتَ أجْرُهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى ثُبُوتَ الأمْرِ الواجِبِ. والآيَةُ الكَرِيمَةُ نَزَلَتْ فِيجُنْدُبِ بْنِ ضَمْرَةَ حَمَلَهُ بَنُوهُ عَلى سَرِيرٍ مُتَوَجِّهًا إلى المَدِينَةِ، فَلَمّا بَلَغَ التَّنْعِيمَ أشْرَفَ عَلى المَوْتِ فَصَفَّقَ بِيَمِينِهِ عَلى شَمالِهِ فَقالَ: اللَّهُمَّ هَذِهِ لَكَ وهَذِهِ لِرَسُولِكَ أُبايِعُكَ عَلى ما بايَعَ عَلَيْهِ رَسُولُكَ ﷺ فَماتَ.

An-Nisaa 4:100Listen in Qur'an →

Commentary: Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.