Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi

Ayahs 91–100 of 176

91

سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا۟ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوٓا۟ إِلَى ٱلْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا۟ فِيهَا ۚ فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوٓا۟ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوٓا۟ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ۚ وَأُو۟لَٰٓئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَٰنًۭا مُّبِينًۭا

You will find others who wish to obtain security from you and [to] obtain security from their people. Every time they are returned to [the influence of] disbelief, they fall back into it. So if they do not withdraw from you or offer you peace or restrain their hands, then seize them and kill them wherever you overtake them. And those - We have made for you against them a clear authorization.

والسين في {سَتَجِدُونَ} : للاستقبال على أصلها. قالوا: وليست هنا للاستقبال بل للدلالةِ على الاستمرار، وليس بظاهر. وقرأ عبد الله: «رُكِسوا» فيها ثلاثياً مخففاً، ونقل ابن جني عنه «رُكِّسُوا» بالتشديد.

92

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَـًۭٔا ۚ وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَـًۭٔا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ وَدِيَةٌۭ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُوا۟ ۚ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّۢ لَّكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌۭ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ ۖ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَٰقٌۭ فَدِيَةٌۭ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهْلِهِۦ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍۢ مُّؤْمِنَةٍۢ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةًۭ مِّنَ ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًۭا

And never is it for a believer to kill a believer except by mistake. And whoever kills a believer by mistake - then the freeing of a believing slave and a compensation payment presented to the deceased's family [is required] unless they give [up their right as] charity. But if the deceased was from a people at war with you and he was a believer - then [only] the freeing of a believing slave; and if he was from a people with whom you have a treaty - then a compensation payment presented to his family and the freeing of a believing slave. And whoever does not find [one or cannot afford to buy one] - then [instead], a fast for two months consecutively, [seeking] acceptance of repentance from Allah. And Allah is ever Knowing and Wise.

قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن} : قد تقدَّم نظيرُ هذا التركيب: {مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ} [البقرة: 114] . و «إلا خَطَأً» فيه أربعة أوجه، أحدُها: أنه استثناء منقطع وهو قولُ الجمهور إنْ أُريد بالنفي معناه، ولا يجوزُ أَنْ يكونَ متصلاً إذ يصير المعنى: إلا خطأ فله قتلُه. والثاني: أنه متصلٌ إنْ أريد بالنفي التحريمُ، ويصير المعنى: إلا خطأ بأن عَرَفَه كافراً فقتله ثم كَشَف الغيبُ أنه كان مؤمناً. الثالث: أنه استثناء مفرغ، ثم في نصبهِ ثلاثة احتمالات، الأول: أنه مفعولٌ له أي: ما ينبغي له أن يقتلَه لعلة من العلل إلا لخطأِ وحدَه، الثاني: أنه حال أي: ما ينبغي له أن يقتلَه في حال من الأحوال إلا في حال الخطأ. الثالث: أنه نعتُ مصدرٍ محذوف أي: إلا قَتْلاً خطأ، ذكر هذه الاحتمالاتِ الزمخشري. الرابع من الأوجه: أن تكونَ «إلا» بمعنى «ولا» والتقدير: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً عمداً ولا خطأ، ذَكَره بعضُ أهل العلم، حكى أبو عبيدة عن يونس قال: «سألتُ رؤبة بن العجاج عن هذه الآيةِ فقال:» ليس له أن يقتله عمداً ولا خطأ «فأقام» إلا «مقامَ الواوِ، وهو كقول الشاعر:

1639 - وكلُّ أخٍ مفارِقُه أخوه ... لَعَمْرُ أبيك إلا الفرقدانِ

إلا أن الفراء ردَّ هذا القولَ بأن مثل ذلك لا يجوزُ، إلا إذا تقدَّمه استثناء آخر فيكونُ الثاني عطفاً عليه كقوله:

1640 - ما بالمدينة دارٌ غيرُ واحدةٍ ... دارُ الخليفةِ إلا دارُ مروانا

وهذا رأي الفراء، وأمَّا غيرُه فيزعم أن» إلا «تكون عاطفة بمعنى الواو من غير شرط، وقد تقدَّم تحقيقُ هذا في قوله: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الذين} [البقرة: 150] .

والجمهور قرأ» خَطَأً «مهموزاً بوزن» نبأ «والزهري:» خَطَا «بوزن عصا، وفيها تخريجان، أحدهما: أنه حذف لام الكلمة تخفيفاً، كما حذفوا لام دم ويد وأخ وبابِها. والثاني: أنه خَفَّف الهمزة بإبدالها ألفاً، فالتقت مع التنوينِ فَحُذِفت لالتقاء الساكنين، كما يُفْعَل ذلك بسائر المقصور، والحسن قرأ:» خَطاءً «بوزن» سَماء «.

قوله: {فَتَحْرِيرُ} الفاء جواب الشرط، أو زائدةٌ في الخبر إنْ كانت» مَنْ «بمعنى الذي، وارتفاعُ» تحريرُ «: إمَّا على الفاعلية، أي: فيجبُ عليه تحريرُ وإما على الابتدائية والخبر محذوف أي: فعليه تحريرُ، أو بالعكس أي: فالواجبُ تحريرُ. والدِّيَةُ في الأصل مصدر، ثم أُطْلِقَ على المال المأخوذ في القتل، ولذلك قال:» مُسَلَّمَةٌ إلى أهله «والفعلُ لا يُسَلَّمُ بل الاعيان، تقول: وَدَى يَدِي دِيةً ووَدْياً كوشَى يشي شِيَةً، فحذفت فاء الكلمة، ونظيره في الصحيح اللام» زِنة «و» عِدة «و» إلى أهله «متعلق ب» مُسَلَّمة «تقول: سَلَّمت إليه كذا، ويجوزُ أن يكونَ صفةً ل» مُسَلَّمة «وفيه ضعفٌ.

و «خطأ» في قوله: «من قتل مؤمناً خطأ» منصوبٌ: إمَّا على المصدر أي: قتلاً خطأ، وإمَّا على أنه مصدرٌ في موضع الحال أي: ذا خطأ أو خاطئاً.

قوله: {إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ} فيه قولان، أحدهما: أنه استثناء منقطع. والثاني: أنه متصلٌ، قال الزمخشري: «فإنْ قلت: بمَ تَعَلَّق» أَنْ يصَّدَّقوا «وما محلُّه؟ قلت: تَعَلَّق ب» عليه «أو بِ» مُسَلَّمَةٌ «كأنه قيل: وتَجِبُ عليه الدِّية أو يسلِّمها إلا حين يتصدقون عليه، ومحلُّها النصب على الظرف بتقديرِ حذف الزمان، كقولهم:» اجِلسْ ما دام زيد جالساً «ويجوز أن يكون حالاً من» أهله «بمعنى إلا متصدقين» . وخَطَّأه الشيخ في هذين التخريجين/، أما الأول فلأنَّ النحويين نَصُّوا على منع قيام «أَنْ» وما بعدَها مقامَ الظرف، وأنَّ ذلك ما تختص به «ما» المصدريةُ لو قلت: «آتيك أن يصيحَ الديك» أي: وقت صياحِه لم يجز. وأما الثاني فنصَّ سيبويه على منعه أيضاً قال في قول العرب: «أنت الرجل أن تنازلَ، أو أن تخاصمَ» أي: أنت الرجل نزالاً ومخاصمة: «إنَّ انتصابَ هذا انتصابَ هذا …

93

وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًۭا مُّتَعَمِّدًۭا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدًۭا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمًۭا

But whoever kills a believer intentionally - his recompense is Hell, wherein he will abide eternally, and Allah has become angry with him and has cursed him and has prepared for him a great punishment.

و {مُّتَعَمِّداً} : حالٌ من فاعل «يَقتلْ» وروي عن الكسائي سكون التاء كأنه فَرَّ من توالي الحركات. و «خالداً» نصب على الحال من محذوف، وفيه تقديران، أحدهما: «يُجْزاها خالداً فيها» فإنْ شِئْتَ جَعَلْتَه حالاً من الضمير المنصوب أو المرفوع، والثاني: «جازاه» بدليل «وغضب الله عليه ولعنَه» فعطفَ الماضي عليه، فعلى هذا هي حالٌ من الضمير المنصوب لا غيرُ، ولا يجوز أن تكون حالاً من الهاء في «جزاؤه» لوجهين، أحدهما: أنه مضاف إليه، ومجيء الحال من المضاف إليه ضعيفٌ أو ممتنع. والثاني: أنه يؤدي إلى الفصل بين الحال وصاحبها بأجنبي وهو خبرُ المبتدأ الذي هؤ «جهنم» .

94

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُوا۟ وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَنْ أَلْقَىٰٓ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسْتَ مُؤْمِنًۭا تَبْتَغُونَ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌۭ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًۭا

O you who have believed, when you go forth [to fight] in the cause of Allah, investigate; and do not say to one who gives you [a greeting of] peace "You are not a believer," aspiring for the goods of worldly life; for with Allah are many acquisitions. You [yourselves] were like that before; then Allah conferred His favor upon you, so investigate. Indeed Allah is ever, with what you do, Acquainted.

قوله تعالى: {فَتَبَيَّنُواْ} : قرأ الأخوان من التثبُّت، والباقون من البيان، قيل: هما متقاربان لأن مَنْ تَثَّبت في الشيء تبينه، قاله أبو عبيد، وصَحَّحه ابن عطية وقال الفارسي: «التثبُّت هو خلاف الإِقدام والمراد التَّأنِّي، والتثبت أشد اختصاصاً بهذا الموضع، يدل عليه قوله: {وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً} [النساء: 66] أي: أشدُّ وقعاً لهم عَمَّا وُعِظوا به بأَنْ لا يقدُموا عليه» فاختارَ قراءة الأخوين. وعكس قومٌ فرجَّحوا قراءة الجماعة قالوا: لأن المثبِّت قد لا يتبيَّن، وقال الراغب: «لأنه قلَّ ما يكون إلا بعد تثبُّت، وقد يكون التثبت ولا تبيُّنَ، وقد قوبل العجلة في قوله عليه السلام:» التبيُّن من الله والعجلةُ من الشيطان «قلت: فهذا يقوي قراءة الأخوين أيضاً. وتَفَعَّل في كلتا القراءتين بمعنى استفعل الدال على الطلب أي: اطلبوا التثبيت أو البيان.

وقوله: {لِمَنْ ألقى} اللام للتبليغ هنا، و» مَنْ «موصولة. أو مفصولةٌ، و» ألقى «هنا ماضي اللفظِ، إلا أنه بمعنى المستقبل أي: لمن يُلْقي، لأنَّ النهيَ لا يكونُ عَمَّا وقع وانقضى، والماضي إذا وقع صلة صَلَح للمضيِّ والاستقبال. وقرأ نافع وابن عامر وحمزة:» السَّلَم «بفتح السين واللام من غير ألف، وباقي السبعة:» السلام «بألف، ورُوي عن عاصم:» السِّلْم «بكسر السين وسكون اللام. فأما» السلام «فالظاهر أنه التحية. وقيل: الاستسلام والانقياد، والسَّلَم - بفتحهما - الانقياد فقط، وكذا {السلم} [الآية: 208] بالكسر والسكون. والجحدري بفتحها وسكون اللام، وقد تَقَدَّم القول فيها في البقرة فعليك بالالتفات إليه. والجملة من قوله» لست مؤمناً «في محل نصب بالقول. والجمهور على كسر الميم الثانية من» مؤمناً «اسم فاعل وأبو جعفر بفتحها اسمَ مفعول أي: لانُؤَمِّنك في نفسك، وتُروى هذه القراءة عن علي وابن عباس ويحيى بن يعمر.

قوله {تَبْتَغُونَ} في محل نصب على الحال من فاعل» تقولوا «أي: لا تقولوا ذلك مبتغين. قوله:» كذلك «هذا خبر ل» كان «قُدِّم عليها وعلى اسمها أي: كنتم من قبل الإِسلام مثلَ مَنْ أقدم ولم يَتَثَبَّتْ. وقوله {فَمَنَّ الله} الظاهر أن هذه الجملة من تتمة قوله {كذلك كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ} فهي معطوفة على الجملة قبلها. وقيل: بل هي من تتمة قوله» تبتغون «والأولُ أظهر: وقوله:» فتبيِّنوا «قرئت كالتي قبلها فقيل: هي تأكيد لفظي للأولى، وقيل: ليست للتأكيد لاختلاف متعلقهما، فإنَّ تقدير الأول:» فتبيَّنوا في أمر مَنْ تقتلونه «، وتقدير الثاني: فتبينوا نعمةَ الله، أو تثبَّتوا فيها، والسياقُ يدل على ذلك، ولأنَّ الأصل عدم التأكيد. والجمهور على كسر همزة» إنَّ الله «، وقرئ بفتحها على أنها معمولة ل» تبينَّوا «أو على حذف لام العلةِ، وإن كان قد قرئ بالفتح مع التثبيت فيكونُ على لام العلة لا غير. والمغانم: جمع» مَغْنَم «وهو يصلح للمصدر والزمان والمكان، ثم يُطلق على [كل] ما يؤخذ من مال العدو في الغزو، إطلاقاً للمصدر على اسم المفعول نحو:» ضَرْب الأمير «.

95

لَّا يَسْتَوِى ٱلْقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُو۟لِى ٱلضَّرَرِ وَٱلْمُجَٰهِدُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ دَرَجَةًۭ ۚ وَكُلًّۭا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلْمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلْقَٰعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًۭا

Not equal are those believers remaining [at home] - other than the disabled - and the mujahideen, [who strive and fight] in the cause of Allah with their wealth and their lives. Allah has preferred the mujahideen through their wealth and their lives over those who remain [behind], by degrees. And to both Allah has promised the best [reward]. But Allah has preferred the mujahideen over those who remain [behind] with a great reward -

قوله تعالى: {مِنَ المؤمنين} : متعلق بمحذوف لأنه حال، وفي صاحبها وجهان، أحدهما: أنه القاعدون، فالعامل في الحال في الحقيقة يستوي، والثاني: أنه الضمير المستكنُّ في «القاعدون» لأن «أل» بمعنى الذي، أي: الذين قعدوا في هذه الحال، ويجوز أن تكون «مِنْ» للبيان.

قوله {غَيْرُ أُوْلِي الضرر} قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعاصم «غير» بالرفع، والباقون بالنصب، والأعمش بالجر. والرفع من وجهين، أظهرهما: أنه على البدل من «القاعدون» وإنما كان هذا أظهرَ لأن الكلام نفي، والبدلُ معه أرجحُ لِما قُرِّر في عمل النحو. والثاني: أنه رفع على الصفة ل «القاعدون» ، ولا بد من تأويل ذلك لأن «غير» لا تتعَرَّفُ بالإِضافة، ولا يجوز اختلافُ النعت والمنعوت تعريفاً وتنكيراً، وتأويله: إمَّا بأن القاعدين لَمَّا لم يكونوا ناساً بأعيانهم بل أُريد بهم الجنسُ أَشْبَهوا النكرة فَوُصِفوا كما توصف، وإمَّا بأن «غير» قد تتعر‍َّف إذا وقعت بين ضدَّين، وهذا كله كما تقدم في إعراب {غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم} [الفاتحة: 7] في أحد الأوجه، وهذا كلُّه خروج عن الأصول المقررة فلذلك اخترت الأول، ومثله:

164 - 1- وإذا اُقْرِضْتَ قَرْضاً فاجْزِهِ ... إنما يَجْزي الفتى غيرُ الجَمَلْ

برفع «غير» كذا ذكره أبو علي، والراوية «ليس الجمل» عند غيره. والنصبُ على أحد ثلاثة أوجه، الأول: النصبُ على الاستثناء من «القاعدون» وهو الأظهرُ لأنه المحدَّثُ عنه. والثاني: من «المؤمنين» وليس بواضحِ، والثالث: على الحال من «القاعدون» والجر‍ُّ على الصفة للمؤمنين، وتأويلُه كما تقدم في وجه الرفع على الصفة.

وقوله: {فِي سَبِيلِ الله بِأَمْوَالِهِمْ} كِلا الجارَّيْن متعلقٌ ب «المجاهدون» و «المجاهدون» عطف على «القاعدون» قوله: {دَرَجَةً} فيها أربعة أوجه، أحدها: أنها منصوبة على المصدر لوقوع «درجة» موقعَ المَرَّة من التفضيل كأنه قيل: فَضَّلهم تفضيلةً نحو: «ضربته سوطاً» الثاني: أنها حال من «المجاهدين» أي: ذوي درجة. الثالث: أنها منصوبة انتصابَ الظرف أي: في درجة ومنزلة. الرابع: انتصابها على إسقاط الخافض أي: بدرجة.

قوله: {وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى} «كلاً» مفعول أول ل «وعد» مقدماً عليه، و «الحسنى» مفعول ثان. وقرئ: «وكلُّ» على الرفع بالابتداء، والجملة بعده خبره، والعائد محذوف أي: وعده، وهذه كقراءة ابن عامر في سورة الحديد {وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى} [الآية: 10] . قوله «أجراً» في نصب أربعة أوجه، أحدهما: النصب على المصدر من معنى الفعل الذي قبله لا من لفظه؛ لأن معنى «فَضَّل الله» آجرَ.

الثاني: النصب على إسقاطِ الخافض أي: فضَّلهم بأجر. الثالث: النصب على أنه مفعولٌ ثانٍ؛ لأنه ضَمَّن «فضَّل» أعطى، أي: أعطاهم أجراً تَفَضُّلاً منه. الرابع: أنه حال من «درجات» قال الزمخشري: «وانتصب» أجراً «على الحال من النكرة التي هي» درجات «مقدَّمةً عليها» وهو غير ظاهر؛ لأنه لو تَأَخَّر عن «درجات» لم يجز أن يكون نعتاً ل «درجات» لعدم المطابقة، لأنَّ «درجات» جمع، و «أجر» مفرد. كذا ردَّه بعضهم، وهي غفلة، فإنَّ «أجراً» مصدرٌ، والأفصحُ فيه أن يُوَحَّدَ ويُذَكَّر مطلقاً.

96

دَرَجَٰتٍۢ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةًۭ وَرَحْمَةًۭ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًا

Degrees [of high position] from Him and forgiveness and mercy. And Allah is ever Forgiving and Merciful.

قوله تعالى: {دَرَجَاتٍ} : فيه ستة أوجه: الأربعة المذكورة في «درجة» ، والخامس: أنه بدلٌ من «أجراً» السادس: - ذكره ابن عطية - أنه منصوبٌ بإضمار فعل على أن يكون تأكيداً للأجر كما تقول: «لك عليَّ ألفُ درهمٍ عُرْفاً» كأنك قلت: أعرفها عُرْفاً، وفهي نظر. و «مغفرة ورحمة» عطف على درجات، ويجوز فيهما النصب بفعلهما أي: وغفر لهم مغفرةً ورحمهم رحمةً.

97

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِىٓ أَنفُسِهِمْ قَالُوا۟ فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا۟ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ قَالُوٓا۟ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةًۭ فَتُهَاجِرُوا۟ فِيهَا ۚ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَأْوَىٰهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَآءَتْ مَصِيرًا

Indeed, those whom the angels take [in death] while wronging themselves - [the angels] will say, "In what [condition] were you?" They will say, "We were oppressed in the land." The angels will say, "Was not the earth of Allah spacious [enough] for you to emigrate therein?" For those, their refuge is Hell - and evil it is as a destination.

قوله تعالى: {إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ} : «توفَّاهم» يجوز أن يكون ماضياً، وإنما لم تلحق علامة التأنيث للفعل لأن التأنيث مجازي، ويدل على كونِه فعلاً ماضياً قراءةُ «توفَّتْهم» بتاء التأنيث، ويجوز أن يكون مضارعاً حُذِفت إحدى التاءين منه، والأصلُ: تتوفاهم.

و «ظالمي» حالٌ من ضمير «توفَّاهم» والإِضافةُ غير محضة، إذ الأصل: ظالمين أنفسَهم. وفي خبر «إنَّ» هذه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه محذوفٌ تقديرُه: إنَّ الذين توفَّاهم الملائكةُ هَلَكوا، ويكون قوله: {قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ} مبيِّناً لتلك الجملةِ المحذوفةِ. الثاني: أنه {فأولئك مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} ودخلت الفاءُ زائدةً في الخبر تشبيهاً للموصول باسمِ الشرط، ولم تمنع «إنَّ» من ذلك، والأخفش يمنعه، وعلى هذا فيكون قولُه: {قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ} إمَّا صفةً ل «ظالمي» أو حالاً للملائكة، و «قد» معه مقدرةٌ عند مَنْ يشترط ذلك، وعلى القول بالصفة فالعائد محذوف أي: ظالمين أنفسَهم قائلاً لهم الملائكة. والثالث: أنه «قالوا فيم كنتم» ، ولا بد من تقدير العائد أيضاً أي: قالوا لهم كذا، و «فيم» خبر «كنتم» وهي «ما» الاستفهامية حُذِفت ألفها حين جُرَّتْ، وقد تقدَّم تحقيق ذلك عند قوله: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ الله} [البقرة: 91] والجملة من قوله: «فيمَ كنتم» في محل نصب بالقول. «وفي الأرض» متعلقٌ ب «مستضعفين» ، ولا يجوز أن يكون «في الأرض» هو الخبرَ، و «مستضعفين» حالاً، كما يجوز ذلك في نحو: «ان زيدٌ قائماً في الدار» لعدمِ الفائدةِ في هذا الخبر.

قوله: {فَتُهَاجِرُواْ} منصوبٌ في جوابِ الاستفهام، وقد تقدَّم تحقيق ذلك. وقال أبو البقاء: «ألم تكن» استفهام بمعنى التوبيخ، «فتهاجروا» منصوبٌ على جواب الاستفهام، لأنَّ النفيَ صار إثباتاً بالاستفهام «انتهى قولُه:» لأنَّ النفي «إلى آخره لا يَظْهر تعليلاً لقوله» منصوبٌ على جواب الاستفهام «لأن ذلك لا يَصِحُّ، وكذا لا يَصِحُّ جَعْلُه علةً لقوله» بمعنى التوبيخ «. و» ساءت «: قد تقدم القول في {ساء} ، وأنها تجري مَجْرى» بِئْس «فيُشْترط في فاعلها ما يُشترط في فاعل تيك. و» مصيراً «تمييز.

98

إِلَّا ٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةًۭ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًۭا

Except for the oppressed among men, women and children who cannot devise a plan nor are they directed to a way -

قوله تعالى: {إِلاَّ المستضعفين} : في هذا الاستثناءِ قولان، أحدهما: أنه متصلٌ، والمستثنى منه قولُه: {فأولئك مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ} . والضمير يعودُ على المتوفَّيْن ظالمي أنفسِهم، قال هذا القائل: كأنه قيل: فأولئك في جهنم إلا المستضعفين، فعلى هذا يكون استثناء متصلاً. والثاني - وهو الصحيح - أنه منقطعٌ؛ لأن الضمير في «مَأواهم» عائد على قوله: {إِنَّ الذين تَوَفَّاهُمُ} وهؤلاء المتوفَّوْن: إمَّا كفارٌ أو عصاة بالتخلف، على ما قال المفسرون، وهم قادرون على الهجرة فلم يندرجْ فيهم المستضعفون فكان منقطعاً. و «من الرجال» حالٌ من المستضعفين، أو من الضمير المستتر فيهم، فيتعلَّقُ بمحذوف.

قوله: {لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً} في هذه الجملة أربعة أوجه، أحدها: أنها مستأنفةٌ جوابٌ لسؤالٍ مقدر، كأنه قيل: ما وجهُ استضعافِهم؟ فقيل: كذا.

والثاني: أنها حالٌ. قال أبو البقاء: «حالٌ مبيِّنة عن معنى الاستضعاف» قلت: كأنه يشير إلى المعنى الذي قَدَّمتْهُ في كونها جواباً لسؤال مقدر. والثالث: أنها مفسرةٌ لنفسِ المستضعفين؛ لأنَّ وجوه الاستضعاف كثيرة فبيَّن بأحد محتملاتِه كأنه قيل: إلا الذين استُضْعِفوا بسبب عجزهم عن كذا وكذا. والرابع: أنها صفة للمستضعفين أو للرجال ومَنْ بعدَهم، ذكره الزمخشري، واعتذر عن وَصْف ما عُرِّف بالألف واللام بالجمل التي في حكم النكرات بأن المُعَرَّف بهما لما لم يكن مُعَيَّناً جاز ذلك فيه كقوله:

164 - 2- ولقد أَمُرُّ على اللئيم يَسُبُّني ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

وقد قَدَّمْتُ تقرير المسألة مراراً.

99

فَأُو۟لَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًۭا

For those it is expected that Allah will pardon them, and Allah is ever Pardoning and Forgiving.

Explained together with ayah 98

100

۞ وَمَن يُهَاجِرْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدْ فِى ٱلْأَرْضِ مُرَٰغَمًۭا كَثِيرًۭا وَسَعَةًۭ ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِنۢ بَيْتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدْرِكْهُ ٱلْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِ ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورًۭا رَّحِيمًۭا

And whoever emigrates for the cause of Allah will find on the earth many [alternative] locations and abundance. And whoever leaves his home as an emigrant to Allah and His Messenger and then death overtakes him - his reward has already become incumbent upon Allah. And Allah is ever Forgiving and Merciful.

و {مُهَاجِراً} : نصبٌ على الحال من فاعل «يَخْرج» قوله: {ثُمَّ يُدْرِكْهُ} الجمهورُ على جزم «يدركْه» عطفاً على الشرط قبله، وجوابه «فقد وقع» ، وقرأ الحسن البصري بالنصب. قال ابن جني: «وهذا ليس بالسهل وإنما بابُه الشعر لا القرآنُ وأنشد:

164 - 3- وسأترُكُ منزلي لبني تميم ... وألحقُ بالحجازِ فاستريحا والآيةُ أقوى من هذا لتقدُّم الشرط قبل المعطوف» ، يعني أن النصب بإضمار «أن» إنما يقع بعد الواو والفاء في جواب الأشياء الثمانية أو عاطفٍ، على تفصيلٍ موضوعه كتب النحو، والنصبُ بإضمار «أن» في غير تلك المواضع ضرروةٌ كالبيتِ المتقدم، وكقول الآخر:

164 - 4-. . . . . . . . . . . . . . . ... ويَأْوي إليها المستجيرُ فيُعْصَما

وتبع الزمخشري أبا الفتح في ذلك، وأنشد البيت الأول. وهذه المسألة جَوَّزها الكوفيون لمدركٍ آخرَ وهو أن الفعلَ الواقع بين الشرط والجزاء يجوز فيه الرفع والنصب والجزم إذا وقع بعد الواو والفاء، واستدلُّوا بقول الشاعر:

164 - 5- ومَنْ لا يُقَدِّمْ رِجْلَه مطمئنةً ... فَيُثْبِتَها في مستوى القاعِ يَزْلَقِ

وقول الآخر:

164 - 6- ومَنْ يَقْتَرِبْ منا ويخضع نُؤْوِه ... ولا يَخْشَ ظلماً ما أقامَ ولا هَضْما

وإذا ثبت ذلك في الواو والفاء فليَجُزْ في «ثم» لأنها حرف عطف. وقرأ النخعي وطلحة بن مصرف برفع الكاف، وخَرَّجها ابن جني على إضمار مبتدأ أي: «ثم هو يدركُه الموت» ، فعطفَ جملةً اسمية على فعلية، وهي جملة الشرط: الفعلُ المجزومُ وفاعلُه، وعلى ذلك حَمَل يونس قولَ الأعشى:

164 - 7- إنْ تركَبوا فركوبُ الخيل عادتُنا ... أو تَنْزِلون فإنَّا معشرٌ نُزُلُ

أي: وأنتم تنزلون، ومثله:

164 - 8- إنْ تُذْنِبوا ثم تأتيني بَقِيَّتُكُمْ ... فما عليَّ بذنبٍ عندكم حُوبُ

أي: ثم أنتم تأتيني. قلتُ: يريدُ أنه لايُحْملُ على إهمالِ الجازمِ فيُرْفَعُ الفعلُ بعدَه، كما رُفِعَ في «أليم يأتيك» فلم يَحْذِفِ الياء، وهذا البيت أنشده النحويون على أنَّ علامَةَ الجزمِ حَذْفُ الحركةِ المقدرة في حرفِ العلة، وضَمُّوا إليه أبياتاً أُخَرَ، أمَّا أنهم يزعمون أنَّ حرف الجزم يُهمل ويَسْتدلون بهذا البيت فلا. ومنهم مَنْ خَرَّجها على وجه آخر، وهو أنه أراد الوقفَ على الكلمة فنقلَ حركةَ هاءِ الضمير إلى الكافِ الساكنةِ للجزم، كقولِ الآخر:

164 - 9- عَجِبْتُ والدهرُ كثيرٌ عَجَبُهْ ... مِنْ عَنَزِيٍّ سَبَّني لم أَضْرِبُهْ يريد «لم أَضْرِبْه» بسكون الباء للجازم، ثم نَقَلَ إليها حركة الهاء فصار اللفظُ «ثُم يُدْرِكُهْ» ثم أَجْرى الوصلَ مُجْرى الوقفِ فالتقى ساكنان فاحتاج إلى تحريك الأولِ وهو الهاءُ، فَحَرَّكها بالضمِّ؛ لأنه الأصلُ وللإِتباعِ أيضاً، وهذه الأوجهُ تَشْحَذُ الذِّهنَ وتنقِّحُه.

An-Nisaa 4:100Listen in Qur'an →

Commentary: Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.