Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 1–10 of 176

بِسْمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحْمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

1

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍۢ وَٰحِدَةٍۢ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًۭا كَثِيرًۭا وَنِسَآءًۭ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًۭا

O mankind, fear your Lord, who created you from one soul and created from it its mate and dispersed from both of them many men and women. And fear Allah, through whom you ask one another, and the wombs. Indeed Allah is ever, over you, an Observer.

﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها وبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً﴾ .

جاءَ الخِطابُ بِ يا أيُّها النّاسُ: لِيَشْمَلَ جَمِيعَ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ القُرْآنَ يَوْمَئِذٍ وفِيما يَأْتِي مِنَ الزَّمانِ. فَضَمِيرُ الخِطابِ في قَوْلِهِ خَلَقَكم عائِدٌ إلى النّاسِ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ، أيْ لِئَلّا يَخْتَصَّ بِالمُؤْمِنِينَ - إذْ غَيْرُ المُؤْمِنِينَ حِينَئِذٍ هم كُفّارُ العَرَبِ - وهُمُ الَّذِينَ تَلَقَّوْا دَعْوَةَ الإسْلامِ قَبْلَ جَمِيعِ البَشَرِ لِأنَّ الخِطابَ جاءَ بِلُغَتِهِمْ، وهُمُ المَأْمُورُونَ بِالتَّبْلِيغِ لِبَقِيَّةِ الأُمَمِ، وقَدْ كَتَبَ النَّبِيءُ ﷺ كُتُبَهُ لِلرُّومِ وفارِسَ ومِصْرَ بِالعَرَبِيَّةِ لِتُتَرْجَمَ لَهم بِلُغاتِهِمْ. فَلَمّا كانَ ما بَعْدُ هَذا النِّداءِ جامِعًا لِما يُؤْمَرُ بِهِ النّاسُ بَيْنَ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، نُودِيَ جَمِيعُ النّاسِ، فَدَعاهُمُ اللَّهُ إلى التَّذَكُّرِ بِأنَّ أصْلَهم واحِدٌ، إذْ قالَ ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ دَعْوَةً تَظْهَرُ فِيها المُناسَبَةُ بَيْنَ وحْدَةِ النَّوْعِ ووَحْدَةِ الِاعْتِقادِ، فالمَقْصُودُ مِنَ التَّقْوى في ”اتَّقُوا رَبَّكم“ اتِّقاءُ غَضَبِهِ، ومُراعاةُ حُقُوقِهِ، وذَلِكَ حَقُّ تَوْحِيدِهِ والِاعْتِرافِ لَهُ بِصِفاتِ الكَمالِ، وتَنْزِيهِهِ عَنِ الشُّرَكاءِ في الوُجُودِ والأفْعالِ والصِّفاتِ.

وفِي هَذِهِ الصِّلَةِ بَراعَةُ اسْتِهْلالٍ مُناسِبَةٌ لِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ مِنَ الأغْراضِ الأصْلِيَّةِ، فَكانَتْ بِمَنزِلَةِ الدِّيباجَةِ.

وعَبَّرَ بِ ”رَبَّكم“، دُونَ الِاسْمِ العَلَمِ، لِأنَّ في مَعْنى الرَّبِّ ما يَبْعَثُ العِبادَ عَلى

صفحة ٢١٥

الحِرْصِ في الإيمانِ بِوَحْدانِيَّتِهِ، إذِ الرَّبُّ هو المالِكُ الَّذِي يَرُبُّ مَمْلُوكَهُ أيْ، يُدَبِّرُ شُئُونَهُ، ولِيَتَأتّى بِذِكْرِ لَفْظِ الرَّبِّ طَرِيقُ الإضافَةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهم مَحْقُوقُونَ بِتَقْواهُ حَقَّ التَّقْوى، والدّالَّةِ عَلى أنَّ بَيْنَ الرَّبِّ والمُخاطَبِينَ صِلَةً تُعَدُّ إضاعَتُها حَماقَةً وضَلالًا. وأمّا التَّقْوى في قَوْلِهِ ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسّاءَلُونَ بِهِ والأرْحامَ﴾ فالمَقْصِدُ الأهَمُّ مِنها: تَقْوى المُؤْمِنِ بِالحَذَرِ مِنَ التَّساهُلِ في حُقُوقِ الأرْحامِ واليَتامى مِنَ النِّساءِ والرِّجالِ. ثُمَّ جاءَ بِاسْمِ المَوْصُولِ ”الَّذِي خَلَقَكم“ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ بِناءِ الخَبَرِ لِأنَّ الَّذِي خَلَقَ الإنْسانَ حَقِيقٌ بِأنْ يُتَّقى.

ووَصْلُ ”خَلَقَكم“ بِصِلَةِ ﴿مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ إدْماجٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى عَجِيبِ هَذا الخَلْقِ وحَقِّهِ بِالِاعْتِبارِ. وفي الآيَةِ تَلْوِيحٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأحَقِّيَّةِ اتِّباعِهِمْ دَعْوَةَ الإسْلامِ، لِأنَّ النّاسَ أبْناءُ أبٍ واحِدٍ، وهَذا الدِّينُ يَدْعُو النّاسَ كُلَّهم إلى مُتابَعَتِهِ ولَمْ يَخُصَّ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ أوْ نَسَبًا مِنَ الأنْسابِ، فَهو جَدِيرٌ بِأنْ يَكُونَ دِينُ جَمِيعِ البَشَرِ، بِخِلافِ بَقِيَّةِ الشَّرائِعِ فَهي مُصَرِّحَةٌ بِاخْتِصاصِها بِأُمَمٍ مُعَيَّنَةٍ. وفي الآيَةِ تَعْرِيضٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّ أوْلى النّاسِ بِأنْ يَتَّبِعُوهُ هو مُحَمَّدٌ ﷺ لِأنَّهُ مِن ذَوِي رَحِمِهِمْ. وفي الآيَةِ تَمْهِيدٌ لِما سَيُبَيَّنُ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الأحْكامِ المُرَتَّبَةِ عَلى النَّسَبِ والقَرابَةِ.

والنَّفْسُ الواحِدَةُ: هي آدَمُ. والزَّوْجُ: حَوّاءُ، فَإنَّ حَوّاءَ أُخْرِجَتْ مِن آدَمَ مِن ضِلْعِهِ، كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ قَوْلِهِ مِنها.

و”مِن“ تَبْعِيضِيَّةٌ. ومَعْنى التَّبْعِيضِ أنَّ …

2

وَءَاتُوا۟ ٱلْيَتَٰمَىٰٓ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا۟ ٱلْخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوٓا۟ أَمْوَٰلَهُمْ إِلَىٰٓ أَمْوَٰلِكُمْ ۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبًۭا كَبِيرًۭا

And give to the orphans their properties and do not substitute the defective [of your own] for the good [of theirs]. And do not consume their properties into your own. Indeed, that is ever a great sin.

﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهم ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكم إنَّهُ كانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ .

مُناسَبَةُ عَطْفِ الأمْرِ عَلى ما قَبْلَهُ أنَّهُ مِن فُرُوعِ تَقْوى اللَّهِ في حُقُوقِ الأرْحامِ، لِأنَّ المُتَصَرِّفِينَ في أمْوالِ اليَتامى في غالِبِ الأحْوالِ هم أهْلُ قَرابَتِهِمْ، أوْ مِن فُرُوعِ تَقْوى اللَّهِ الَّذِي يَتَساءَلُونَ بِهِ وبِالأرْحامِ فَيَجْعَلُونَ لِلْأرْحامِ مِنَ الحَظِّ ما جَعَلَهم يُقْسِمُونَ بِها كَما يُقْسِمُونَ بِاللَّهِ. وشَيْءٌ هَذا شَأْنُهُ حَقِيقٌ بِأنْ تُراعى أواصِرُهُ ووَشائِجُهُ وهم لَمْ يَرْقُبُوا ذَلِكَ. وهَذا مِمّا أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً﴾ [النساء: ١] .

صفحة ٢١٩

والإيتاءُ حَقِيقَتُهُ الدَّفْعُ والإعْطاءُ الحِسِّيُّ، ويُطْلَقُ عَلى تَخْصِيصِ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ وجَعْلِهِ حَقًّا لَهُ، مِثْلُ إطْلاقِ الإعْطاءِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا أعْطَيْناكَ الكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] وفي الحَدِيثِ «رَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ مالًا فَسَلَّطَهُ عَلى هَلَكَتِهِ في الحَقِّ ورَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ فَهو يَقْضِي بِها» .

واليَتامى جَمْعُ يَتِيمٍ وجَمْعُ يَتِيمَةٍ، فَإذا جُمِعَتْ بِهِ يَتِيمَةٌ فَهو فَعائِلُ أصْلُهُ يَتائِمُ، فَوَقَعَ فِيهِ قَلْبٌ مَكانِيٌّ فَقالُوا يَتامِئُ ثُمَّ خَفَّفُوا الهَمْزَةَ فَصارَتْ ألِفًا وحُرِّكَتِ المِيمُ بِالفَتْحِ، وإذا جُمِعَ بِهِ يَتِيمٌ فَهو إمّا جَمْعُ الجَمْعِ بِأنْ جُمِعَ أوَّلًا عَلى يَتْمى، كَما قالُوا: أسِيرٌ وأسْرى، ثُمَّ جُمِعَ عَلى يَتامى مِثْلُ أسارى بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، أوْ جَمْعُ فَعِيلٍ عَلى فَعائِلَ لِكَوْنِهِ صارَ اسْمًا مِثْلَ أفِيلٍ وأفائِلَ، ثُمَّ صُنِعَ بِهِ مِنَ القَلْبِ ما ذَكَرْناهُ آنِفًا. وقَدْ نَطَقَتِ العَرَبُ بِجَمْعِ يَتِيمَةٍ عَلى يَتائِمَ، وبِجَمْعِ فَعِيلٍ عَلى فَعائِلَ في قَوْلِ بِشْرٍ النَّجْدِيِّ:

أأطْلالَ حُسْنٍ في البِراقِ اليَتائِمِ سَلامٌ عَلى أطْلالِكُنَّ القَدائِمِ

واشْتِقاقُ اليَتِيمِ مِنَ الِانْفِرادِ، ومِنهُ الدُّرَّةُ اليَتِيمَةُ أيِ المُنْفَرِدَةُ بِالحُسْنِ، وفِعْلُهُ مِن بابِ ضَرَبَ وهو قاصِرٌ، وأطْلَقَهُ العَرَبُ عَلى مَن فُقِدَ أبُوهُ في حالِ صِغَرِهِ كَأنَّهُ بَقِيَ مُنْفَرِدًا لا يَجِدُ مَن يَدْفَعُ عَنْهُ، ولَمْ يَعْتَدَّ العَرَبُ بِفَقْدِ الأُمِّ في إطْلاقِ وصْفِ اليَتِيمِ إذْ لا يَعْدَمُ الوَلَدُ كافِلَةً، ولَكِنَّهُ يُعْدَمُ بِفَقْدِ أبِيهِ مَن يُدافِعُ عَنْهُ ويُنْفِقُهُ. وقَدْ ظَهَرَ مِمّا راعَوْهُ في الِاشْتِقاقِ أنَّ الَّذِي يَبْلُغُ مَبْلَغَ الرِّجالِ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يُسَمّى يَتِيمًا إذْ قَدْ بَلَغَ مَبْلَغَ الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ، وذَلِكَ هو إطْلاقُ الشَّرِيعَةِ لِاسْمِ اليَتِيمِ، والأصْلُ عَدَمُ النَّقْلِ.

وقِيلَ: هو في اللُّغَةِ مَن فُقِدَ أبُوهُ، ولَوْ كانَ كَبِيرًا، أوْ كانَ صَغِيرًا وكَبِرَ، ولا أحْسَبُ هَذا الإطْلاقَ صَحِيحًا. وقَدْ أُرِيدَ بِاليَتامى هُنا ما يَشْمَلُ الذُّكُورَ والإناثَ وغَلَبَ في ضَمِيرِ التَّذْكِيرِ في قَوْلِهِ ”أمْوالَهم“ .

وظاهِرُ الآيَةِ الأمْرُ بِدَفْعِ المالِ لِلْيَتِيمِ، ولا يَجُوزُ في حُكْمِ الشَّرْعِ أنْ يَدْفَعَ المالَ لَهُ ما دامَ مُطْلَقًا عَلَيْهِ اسْمُ اليَتِيمِ، إذِ اليَتِيمُ خاصٌّ بِمَن لَمْ يَبْلُغْ، وهو حِينَئِذٍ غَيْرُ صالِحٍ لِلتَّصَرُّفِ في مالِهِ، فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُ الآيَةِ إمّا بِتَأْوِيلِ لَفْظِ الإيتاءِ أوْ بِتَأْوِيلِ اليَتِيمِ، فَلَنا أنْ نُؤَوِّلَ ”آتُوا“ بِغَيْرِ مَعْنى ادْفَعُوا. وذَلِكَ بِما نُقِلَ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الَّذِينَ لا …

3

وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا۟ فِى ٱلْيَتَٰمَىٰ فَٱنكِحُوا۟ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ فَوَٰحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَٰنُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُوا۟

And if you fear that you will not deal justly with the orphan girls, then marry those that please you of [other] women, two or three or four. But if you fear that you will not be just, then [marry only] one or those your right hand possesses. That is more suitable that you may not incline [to injustice].

﴿وإنْ خِفْتُمْ ألّا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ فَإنْ خِفْتُمْ ألّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكم ذَلِكَ أدْنى ألّا تَعُولُوا﴾ .

اشْتِمالُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى كَلِمَةِ اليَتامى يُؤْذِنُ بِمُناسَبَتِها لِلْآيَةِ السّابِقَةِ، بَيْدَ أنَّ الأمْرَ بِنِكاحِ النِّساءِ وعَدَدِهِنَّ في جَوابِ شَرْطِ الخَوْفِ مِن عَدَمِ العَدْلِ في اليَتامى مِمّا خُفِيَ وجْهُهُ عَلى كَثِيرٍ مِن عُلَماءِ سَلَفِ الأُمَّةِ، إذْ لا تَظْهَرُ مُناسَبَةٌ أيْ مُلازَمَةٌ بَيْنَ الشَّرْطِ وجَوابِهِ. واعْلَمْ أنَّ في الآيَةِ إيجازًا بَدِيعًا إذْ أطْلَقَ فِيها لَفْظَ اليَتامى في الشَّرْطِ وقُوبِلَ بِلَفْظِ النِّساءِ في الجَزاءِ فَعَلِمَ السّامِعُ أنَّ اليَتامى هُنا جَمْعُ يَتِيمَةٍ وهي صِنْفٌ مِنَ اليَتامى في قَوْلِهِ السّابِقِ ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] . واعْلَمْ أنَّ بَيْنَ عَدَمِ القِسْطِ في يَتامى النِّساءِ، وبَيْنَ الأمْرِ بِنِكاحِ النِّساءِ، ارْتِباطًا لا مَحالَةَ وإلّا لَكانَ الشَّرْطُ عَبَثًا. وبَيانُهُ ما في صَحِيحِ البُخارِيِّ: «أنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ سَألَ عائِشَةَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَتْ: ”يا بْنَ أُخْتِي هَذِهِ اليَتِيمَةُ تَكُونُ في حِجْرِ ولِيِّها تُشْرِكُهُ في مالِهِ ويُعْجِبُهُ مالُها وجَمالُها، فَيُرِيدُ ولِيُّها أنْ يَتَزَوَّجَها بِغَيْرِ أنْ يُقْسِطَ في صَداقِها فَلا يُعْطِيها مِثْلَ ما يُعْطِيها غَيْرُهُ، فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوهُنَّ إلّا أنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ ويَبْلُغُوا بِهِنَّ أعْلى سُنَّتِهِنَّ في الصَّداقِ فَأُمِرُوا أنْ يَنْكِحُوا ما طابَ لَهم مِنَ النِّساءِ غَيْرِهِنَّ. ثُمَّ إنَّ النّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ اللّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء»: ١٢٧] .

فَقَوْلُ اللَّهِ تَعالى ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] رَغْبَةَ أحَدِكم عَنْ يَتِيمَتِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ المالِ والجَمالِ، فَنُهُوا عَنْ أنْ يَنْكِحُوا مَن رَغِبُوا في مالِها وجَمالِها مِن يَتامى النِّساءِ إلّا بِالقِسْطِ مِن أجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ إذا كُنَّ قَلِيلاتِ المالِ والجَمالِ. وعائِشَةُ لَمْ تُسْنِدْ هَذا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ولَكِنْ سِياقَ كَلامِها يُؤْذِنُ بِأنَّهُ عَنْ تَوْقِيفٍ،

صفحة ٢٢٣

ولِذَلِكَ أخْرَجَهُ البُخارِيُّ في بابِ تَفْسِيرِ سُورَةِ النِّساءِ بِسِياقِ الأحادِيثِ المَرْفُوعَةِ اعْتِدادًا بِأنَّها ما قالَتْ ذَلِكَ إلّا عَنْ مُعايَنَةِ حالِ النُّزُولِ، وأفْهامِ المُسْلِمِينَ الَّتِي أقَرَّها الرَّسُولُ عَلَيْهِ السَّلامُ، لا سِيَّما وقَدْ قالَتْ: ثُمَّ إنَّ النّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ، وعَلَيْهِ فَيَكُونُ إيجازُ لَفْظِ الآيَةِ اعْتِدادًا بِما فَهِمَهُ النّاسُ مِمّا يَعْلَمُونَ مِن أحْوالِهِمْ، وتَكُونُ قَدْ جَمَعَتْ إلى حُكْمِ حِفْظِ حُقُوقِ اليَتامى في أمْوالِهِمُ المَوْرُوثَةِ حِفْظَ حُقُوقِهِمْ في الأمْوالِ الَّتِي يَسْتَحِقُّها البَناتُ اليَتامى مِن مُهُورِ أمْثالِهِنَّ، ومَوْعِظَةُ الرِّجالِ بِأنَّهم لَمّا لَمْ يَجْعَلُوا أواصِرَ القَرابَةِ شافِعَةَ النِّساءِ اللّاتِي لا مُرَغِّبَ فِيهِنَّ لَهم فَيَرْغَبُونَ عَنْ نِكاحِهِنَّ، فَكَذَلِكَ لا يَجْعَلُونَ القَرابَةَ سَبَبًا لِلْإجْحافِ بِهِنَّ في مُهُورِهِنَّ. وقَوْلُها: ثُمَّ إنَّ النّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ، مَعْناهُ اسْتَفْتَوْهُ طَلَبًا لِإيضاحِ هَذِهِ الآيَةِ …

4

وَءَاتُوا۟ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحْلَةًۭ ۚ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَىْءٍۢ مِّنْهُ نَفْسًۭا فَكُلُوهُ هَنِيٓـًۭٔا مَّرِيٓـًۭٔا

And give the women [upon marriage] their [bridal] gifts graciously. But if they give up willingly to you anything of it, then take it in satisfaction and ease.

﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإنْ طِبْنَ لَكم عَنْ شَيْءٍ مِنهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ .

جانِبانِ مُسْتَضْعَفانِ في الجاهِلِيَّةِ: اليَتِيمُ، والمَرْأةُ. وحَقّانِ مَغْبُونٌ فِيهِما أصْحابُهُما: مالُ الأيْتامِ، ومالُ النِّساءِ، فَلِذَلِكَ حَرَسَهُما القُرْآنُ أشَدَّ الحِراسَةِ فابْتَدَأ بِالوِصايَةِ بِحَقِّ مالِ اليَتِيمِ وثَنّى بِالوِصايَةِ بِحَقِّ المَرْأةِ في مالٍ يَنْجَرُّ إلَيْها لا مَحالَةَ، وكانَ تَوَسُّطُ حُكْمِ النِّكاحِ بَيْنَ الوِصايَتَيْنِ أحْسَنَ مُناسَبَةٍ تُهَيِّئُ لِعَطْفِ هَذا الكَلامِ.

فَقَوْلُهُ ﴿وآتُوا النِّساءَ﴾ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] والقَوْلُ في مَعْنى الإيتاءِ فِيهِ سَواءٌ. وزادَهُ اتِّصالًا بِالكَلامِ السّابِقِ أنَّ ما قَبْلَهُ جَرى عَلى وُجُوبِ القِسْطِ في يَتامى النِّساءِ، فَكانَ ذَلِكَ مُناسَبَةَ الِانْتِقالِ. والمُخاطَبُ بِالأمْرِ في أمْثالِ هَذا كُلُّ مَن لَهُ نَصِيبٌ في العَمَلِ بِذَلِكَ، فَهو خِطابٌ لِعُمُومِ الأُمَّةِ عَلى مَعْنى تَناوُلِهِ لِكُلِّ مَن لَهُ فِيهِ يَدٌ مِنَ الأزْواجِ والأوْلِياءِ ثُمَّ وُلاةِ الأُمُورِ الَّذِينَ إلَيْهِمُ المَرْجِعُ في الضَّرْبِ عَلى أيْدِي ظَلَمَةِ الحُقُوقِ أرْبابَها. والمَقْصُودُ بِالخِطابِ ابْتِداءً هُمُ الأزْواجُ،

صفحة ٢٣٠

لِكَيْلا يَتَذَرَّعُوا بِحَياءِ النِّساءِ وضَعْفِهِنَّ وطَلَبِهِنَّ مَرْضاتَهم إلى غَمَصِ حُقُوقِهِنَّ في أكْلِ مُهُورِهِنَّ، أوْ يَجْعَلُوا حاجَتَهُنَّ لِلتَّزَوُّجِ لِأجْلِ إيجادِ كافِلٍ لَهُنَّ ذَرِيعَةً لِإسْقاطِ المَهْرِ في النِّكاحِ، فَهَذا ما يُمْكِنُ في أكْلِ مُهُورِهِنَّ، وإلّا فَلَهُنَّ أوْلِياءُ يُطالِبُونَ الأزْواجَ بِتَعْيِينِ المُهُورِ، ولَكِنْ دُونَ الوُصُولِ إلى وُلاةِ الأُمُورِ مَتاعِبُ وكُلَفٌ قَدْ يَمَلُّها صاحِبُ الحَقِّ فَيَتْرُكَ طَلَبَهُ، وخاصَّةً النِّساءُ ذَواتُ الأزْواجِ. وإلى كَوْنِ الخِطابِ لِلْأزْواجِ ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ، فالآيَةُ عَلى هَذا قَرَّرَتْ دَفْعَ المُهُورِ وجَعَلَتْهُ شَرْعًا، فَصارَ المَهْرُ رُكْنًا مِن أرْكانِ النِّكاحِ في الإسْلامِ، وقَدْ تَقَرَّرَ في عِدَّةِ آياتٍ كَقَوْلِهِ ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: ٢٤] وغَيْرِ ذَلِكَ.

والمَهْرُ عَلامَةٌ مَعْرُوفَةٌ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ النِّكاحِ وبَيْنَ المُخادَنَةِ، لَكِنَّهم في الجاهِلِيَّةِ كانَ الزَّوْجُ يُعْطِي مالًا لِوَلِيِّ المَرْأةِ ويُسَمُّونَهُ حُلْوانًا - بِضَمِّ الحاءِ - ولا تَأْخُذُ المَرْأةُ شَيْئًا، فَأبْطَلَ اللَّهُ ذَلِكَ في الإسْلامِ بِأنْ جَعَلَ المالَ لِلْمَرْأةِ بِقَوْلِهِ ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ﴾ .

وقالَ جَماعَةٌ: الخِطابُ لِلْأوْلِياءِ، ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: لِأنَّ عادَةَ بَعْضِ العَرَبِ أنْ يَأْكُلَ ولِيُّ المَرْأةِ مَهْرَها فَرَفَعَ اللَّهُ ذَلِكَ بِالإسْلامِ. وعَنِ الحَضْرَمِيِّ: خاطَبَتِ الآيَةُ المُتَشاغِرِينَ الَّذِينَ كانُوا يَتَزَوَّجُونَ امْرَأةً بِأُخْرى، ولَعَلَّ هَذا أخَذَ بِدَلالَةِ الإشارَةِ ولَيْسَ صَرِيحَ اللَّفْظِ، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يَحْتَمِلُهُ عُمُومُ النِّساءِ وعُمُومُ الصَّدُقاتِ.

والصَّدُقاتُ جَمْعُ صَدُقَةٍ - بِضَمِّ الدّالِ - والصَّدُقَةُ: مَهْرُ المَرْأةِ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ الصِّدْقِ لِأنَّها عَطِيَّةٌ يَسْبِقُها الوَعْدُ بِها فَيَصْدُقُهُ المُعْطِي.

والنِّحْلَةُ - بِكَسْرِ النُّونِ - العَطِيَّةُ بِلا قَصْدِ عِوَضٍ، ويُقالُ نُحْلٌ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ.

وانْتَصَبَ ”نِحْلَةً“ عَلى الحالِ مِن صَدُقاتِهِنَّ، وإنَّما صَحَّ مَجِيءُ الحالِ مُفْرِدَةً وصاحِبُها جَمْعٌ لِأنَّ …

5

وَلَا تُؤْتُوا۟ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَٰلَكُمُ ٱلَّتِى جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ قِيَٰمًۭا وَٱرْزُقُوهُمْ فِيهَا وَٱكْسُوهُمْ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا

And do not give the weak-minded your property, which Allah has made a means of sustenance for you, but provide for them with it and clothe them and speak to them words of appropriate kindness.

﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكم قِيَمًا وارْزُقُوهم فِيها واكْسُوهم وقُولُوا لَهم قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ .

عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ﴾ [النساء: ٤] لِدَفْعِ تَوَهُّمِ إيجابِ أنْ يُؤْتى كُلُّ مالٍ لِمالِكِهِ مِن أجْلِ تَقَدُّمِ الأمْرِ بِإتْيانِ الأمْوالِ مالِكِيها مَرَّتَيْنِ في قَوْلِهِ ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ﴾ [النساء: ٤] . أوْ عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿وآتُوا اليَتامى﴾ [النساء: ٢] وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ.

صفحة ٢٣٤

والمَقْصُودُ بَيانُ الحالِ الَّتِي يُمْنَعُ فِيها السَّفِيهُ مِن مالِهِ، والحالِ الَّتِي يُؤْتى فِيها مالَهُ، وقَدْ يُقالُ كانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يُقَدَّمَ هُنالِكَ حُكْمُ مَنعِ تَسْلِيمِ مالِ اليَتامى لِأنَّهُ أسْبَقُ في الحُصُولِ، فَيَتَّجِهُ لِمُخالَفَةِ هَذا المُقْتَضى أنْ نَقُولَ قَدَّمَ حُكْمَ التَّسْلِيمِ، لِأنَّ النّاسَ أحْرَصُ عَلى ضِدِّهِ، فَلَوِ ابْتَدَأ بِالنَّهْيِ عَنْ تَسْلِيمِ الأمْوالِ لِلسُّفَهاءِ لاتَّخَذَهُ الظّالِمُونَ حُجَّةً لَهم، وتَظاهَرُوا بِأنَّهم إنَّما يَمْنَعُونَ الأيْتامَ أمْوالَهم خَشْيَةً مِنَ اسْتِمْرارِ السَّفَهِ فِيهِمْ، كَما يَفْعَلُهُ الآنَ كَثِيرٌ مِنَ الأوْصِياءِ والمُقَدَّمِينَ غَيْرُ الأتْقِياءِ، إذْ يَتَصَدَّوْنَ لِلْمُعارَضَةِ في بَيِّناتِ ثُبُوتِ الرُّشْدِ لِمُجَرَّدِ الشَّغَبِ وإمْلالِ المَحاجِيرِ مِن طَلَبِ حُقُوقِهِمْ.

والخِطابُ في قَوْلِهِ ﴿ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ﴾ كَمِثْلِ الخِطابِ في وآتُوا اليَتامى وآتُوا النِّساءَ هو لِعُمُومِ النّاسِ المُخاطَبِينَ بِقَوْلِهِ ﴿يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء: ١] لِيَأْخُذَ كُلُّ مَن يَصْلُحُ لِهَذا الحُكْمِ حَظَّهُ مِنَ الِامْتِثالِ.

و(السُّفَهاءُ) يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ اليَتامى، لِأنَّ الصِّغَرَ هو حالَةُ السَّفَهِ الغالِبَةِ، فَيَكُونُ مُقابِلًا لِقَوْلِهِ ﴿وآتُوا اليَتامى﴾ [النساء: ٢] لِبَيانِ الفَرْقِ بَيْنَ الإيتاءِ بِمَعْنى الحِفْظِ والإيتاءِ بِمَعْنى التَّمْكِينِ، ويَكُونُ العُدُولُ عَنِ التَّعْبِيرِ عَنْهم بِاليَتامى إلى التَّعْبِيرِ هُنا بِالسُّفَهاءِ لِبَيانِ عِلَّةِ المَنعِ. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ مُطْلَقُ مَن ثَبَتَ لَهُ السَّفَهُ، سَواءً كانَ عَنْ صِغَرٍ أمْ عَنِ اخْتِلالِ تَصَرُّفٍ، فَتَكُونُ الآيَةُ قَدْ تَعَرَّضَتْ لِلْحَجْرِ عَلى السَّفِيهِ الكَبِيرِ اسْتِطْرادًا لِلْمُناسَبَةِ، وهَذا هو الأظْهَرُ لِأنَّهُ أوْفَرُ مَعْنًى وأوْسَعُ تَشْرِيعًا. وتَقَدَّمَ بَيانُ مَعانِي السَّفَهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى إلّا مِن سَفِهَ نَفْسَهُ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمُرادُ بِالأمْوالِ أمْوالُ المَحاجِيرِ المَمْلُوكَةُ لَهم، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ وارْزُقُوهم فِيها وأُضِيفَتِ الأمْوالُ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ بِ (يا أيُّها النّاسُ) إشارَةً بَدِيعَةً إلى أنَّ المالَ الرّائِجَ بَيْنَ النّاسِ هو حَقٌّ لِمالِكِيهِ المُخْتَصِّينَ بِهِ في ظاهِرِ الأمْرِ، ولَكِنَّهُ عِنْدَ التَّأمُّلِ تَلُوحُ فِيهِ حُقُوقُ المِلَّةِ جَمْعاءَ لِأنَّ في حُصُولِهِ مَنفَعَةً لِلْأُمَّةِ كُلِّها، لِأنَّ ما في أيْدِي بَعْضِ أفْرادِها مِنَ الثَّرْوَةِ يَعُودُ إلى الجَمِيعِ بِالصّالِحَةِ، فَمِن تِلْكَ الأمْوالِ يُنْفِقُ أرْبابُها ويَسْتَأْجِرُونَ ويَشْتَرُونَ ويَتَصَدَّقُونَ ثُمَّ تُورَثُ عَنْهم إذا ماتُوا فَيَنْتَقِلُ المالُ بِذَلِكَ مِن يَدٍ إلى غَيْرِها فَيَنْتَفِعُ العاجِزُ والعامِلُ والتّاجِرُ والفَقِيرُ وذُو الكَفافِ، ومَتى قَلَّتِ الأمْوالُ

صفحة ٢٣٥

مِن أيْدِي النّاسِ تَقارَبُوا في الحاجَةِ، والخَصاصَةِ، فَأصْبَحُوا في …

6

وَٱبْتَلُوا۟ ٱلْيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُوا۟ ٱلنِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًۭا فَٱدْفَعُوٓا۟ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَآ إِسْرَافًۭا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا۟ ۚ وَمَن كَانَ غَنِيًّۭا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًۭا فَلْيَأْكُلْ بِٱلْمَعْرُوفِ ۚ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَٰلَهُمْ فَأَشْهِدُوا۟ عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبًۭا

And test the orphans [in their abilities] until they reach marriageable age. Then if you perceive in them sound judgement, release their property to them. And do not consume it excessively and quickly, [anticipating] that they will grow up. And whoever, [when acting as guardian], is self-sufficient should refrain [from taking a fee]; and whoever is poor - let him take according to what is acceptable. Then when you release their property to them, bring witnesses upon them. And sufficient is Allah as Accountant.

﴿وابْتَلُوا اليَتامى حَتّى إذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإنْ آنَسْتُمْ مِنهم رُشْدًا فادْفَعُوا إلَيْهِمُ أمْوالَهم ولا تَأْكُلُوها إسْرافًا وبِدارًا أنْ يَكْبَرُوا﴾ .

يَجُوزُ أنْ يَكُونَ جُمْلَةُ ”وابْتَلُوا“ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ولا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أمْوالَكم لِتَنْزِيلِها مِنها مَنزِلَةَ الغايَةِ لِلنَّهْيِ. فَإنْ كانَ المُرادُ مِنَ السُّفَهاءِ هُنالِكَ خُصُوصَ اليَتامى فَيَتَّجِهُ أنْ يُقالَ: لِماذا عُدِلَ عَنِ الضَّمِيرِ إلى الِاسْمِ الظّاهِرِ وعَنِ الِاسْمِ الظّاهِرِ المُساوِي لِلْأوَّلِ إلى التَّعْبِيرِ بِآخَرَ أخَصَّ وهو اليَتامى، ويُجابُ بِأنَّ العُدُولَ عَنِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ الإيضاحِ والِاهْتِمامِ بِالحُكْمِ، وأنَّ العُدُولَ عَنْ إعادَةِ لَفْظِ السُّفَهاءِ إيذانٌ بِأنَّهم في حالَةِ الِابْتِلاءِ مَرْجُوٌّ كَمالُ عُقُولِهِمْ، ومُتَفاءَلٌ بِزَوالِ السَّفاهَةِ عَنْهم، لِئَلّا يَلُوحَ شِبْهُ تَناقُضٍ بَيْنَ وصْفِهِمْ بِالسَّفَهِ وإيناسِ الرُّشْدِ مِنهم، وإنْ كانَ المُرادُ مِنَ السُّفَهاءِ هُنالِكَ أعَمَّ مِنَ اليَتامى، وهو الأظْهَرُ، فَيُتَّجَهُ أنْ يُقالَ: ما وجْهُ تَخْصِيصِ حُكْمِ الِابْتِلاءِ والِاسْتِيناسِ بِاليَتامى دُونَ السُّفَهاءِ ؟ ويُجابُ بِأنَّ الإخْبارَ لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ الوَقْتِ الَّذِي يُرْجى

صفحة ٢٣٨

فِيهِ تَغْيِيرُ الحالِ، وهو مُراهَقَةُ البُلُوغِ، حِينَ يُرْجى كَمالُ العَقْلِ والتَّنَقُّلُ مِن حالِ الضَّعْفِ إلى حالِ الرُّشْدِ، أمّا مَن كانَ سَفَهُهُ في حِينِ الكِبَرِ فَلا يُعْرَفُ وقْتٌ هو مَظِنَّةٌ لِانْتِقالِ حالِهِ وابْتِلائِهِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ وابْتَلُوا مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ وآتُوا اليَتامى أمْوالَهم لِبَيانِ كَيْفِيَّةِ الإيتاءِ ومُقَدِّماتِهِ، وعَلَيْهِ فالإظْهارُ في قَوْلِهِ اليَتامى لِبُعْدِ ما بَيْنَ المَعادِ والضَّمِيرِ، لَوْ عَبَّرَ بِالضَّمِيرِ.

والِابْتِلاءُ: الِاخْتِبارُ، وحَتّى ابْتِدائِيَّةٌ، وهي مُفِيدَةٌ لِلْغايَةِ، لِأنَّ إفادَتَها الغايَةَ بِالوَضْعِ، وكَوْنَها ابْتِدائِيَّةً أوْ جارَّةً اسْتِعْمالاتٌ بِحَسَبِ مَدْخُولِها، كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى حَتّى إذا فَشِلْتُمْ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. و”إذا“ ظَرْفٌ مُضَمَّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ، وجُمْهُورُ النُّحاةِ عَلى أنَّ حَتّى الدّاخِلَةِ عَلى إذا ابْتِدائِيَّةٌ لا جارَّةٌ.

والمَعْنى: ابْتَلُوا اليَتامى حَتّى وقَتِ إنْ بَلَغُوا النِّكاحَ فادْفَعُوا إلَيْهِمْ أمْوالَهم وما بَعْدَ ذَلِكَ يَنْتَهِي عِنْدَهُ الِابْتِلاءُ، وحَيْثُ عُلِمَ أنَّ الِابْتِلاءَ لِأجْلِ تَسْلِيمِ المالِ فَقَدْ تَقَرَّرَ أنَّ مَفْهُومَ الغايَةِ مُرادٌ مِنهُ لازِمُهُ وأثَرُهُ، وهو تَسْلِيمُ الأمْوالِ. وسَيُصَرَّحُ بِذَلِكَ في جَوابِ الشَّرْطِ الثّانِي.

والِابْتِلاءُ هُنا: هو اخْتِبارُ تَصَرُّفِ اليَتِيمِ في المالِ بِاتِّفاقِ العُلَماءِ، قالَ المالِكِيَّةُ: يُدْفَعُ لِلْيَتِيمِ شَيْءٌ مِنَ المالِ يُمْكِنُهُ التَّصَرُّفَ فِيهِ مِن غَيْرِ إجْحافٍ، ويَرُدُّ النَّظَرَ إلَيْهِ في نَفَقَةِ الدّارِ شَهْرًا كامِلًا، وإنْ كانَتْ بِنْتًا يُفَوَّضُ إلَيْها ما يُفَوَّضُ لِرَبَّةِ المَنزِلِ، وضَبْطِ أُمُورِهِ، ومَعْرِفَةِ الجَيِّدِ مِنَ الرَّدِيءِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، بِحَسَبِ أحْوالِ الأزْمانِ والبُيُوتِ. وزادَ بَعْضُ العُلَماءِ الِاخْتِبارَ في الدِّينِ. قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والشّافِعِيُّ. ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ غَيْرَ شَرْطٍ إذْ مَقْصِدُ الشَّرِيعَةِ هُنا حِفْظُ المالِ، ولَيْسَ هَذا الحُكْمُ مِن آثارِ كُلِّيَّةِ حِفْظِ الدِّينِ.

وبُلُوغُ النِّكاحِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ بُلُوغُ وقْتِ النِّكاحِ أيِ التَّزَوُّجِ، وهو كِنايَةٌ عَنِ …

7

لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌۭ مِّمَّا تَرَكَ ٱلْوَٰلِدَانِ وَٱلْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًۭا مَّفْرُوضًۭا

For men is a share of what the parents and close relatives leave, and for women is a share of what the parents and close relatives leave, be it little or much - an obligatory share.

﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، وهو جارٍ مَجْرى النَّتِيجَةِ لِحُكْمِ إيتاءِ أمْوالِ اليَتامى، ومَجْرى المُقَدِّمَةِ لِأحْكامِ المَوارِيثِ الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ في أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] .

ومُناسَبَةُ تَعْقِيبِ الآيِ السّابِقَةِ بِها: أنَّهم كانُوا قَدِ اعْتادُوا إيثارَ الأقْوِياءِ والأشِدّاءِ بِالأمْوالِ، وحِرْمانَ الضُّعَفاءِ، وإبْقاءَهم عالَةً عَلى أشِدّائِهِمْ حَتّى يَكُونُوا في مَقادَتِهِمْ، فَكانَ الأوْلِياءُ يَمْنَعُونَ عَنْ مَحاجِيرِهِمْ أمْوالَهم، وكانَ أكْبَرُ العائِلَةِ يَحْرِمُ إخْوَتَهُ مِنَ المِيراثِ مَعَهُ فَكانَ أُولَئِكَ لِضَعْفِهِمْ يَصْبِرُونَ عَلى الحِرْمانِ، ويَقْنَعُونَ العائِلَةَ بِالعَيْشِ في ظِلالِ أقارِبِهِمْ، لِأنَّهم إنْ نازَعُوهم أطْرَدُوهم وحَرَمُوهم، فَصارُوا عالَةً عَلى النّاسِ.

وأخَصُّ النّاسِ بِذَلِكَ النِّساءُ فَإنَّهُنَّ يَجِدْنَ ضَعْفًا مِن أنْفُسِهِنَّ، ويَخْشَيْنَ عارَ الضَّيْعَةِ،

صفحة ٢٤٨

ويَتَّقِينَ انْحِرافَ الأزْواجِ، فَيَتَّخِذْنَ رِضا أوْلِيائِهِنَّ عُدَّةً لَهُنَّ مِن حَوادِثِ الدَّهْرِ، فَلَمّا أمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ يُؤْتُوا اليَتامى أمْوالَهم، أمَرَ عَقِبَهُ بِأمْرِهِمْ بِأنْ يَجْعَلُوا لِلرِّجالِ والنِّساءِ نَصِيبًا مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ.

فَإيتاءُ مالِ اليَتِيمِ تَحْقِيقٌ لِإيصالِ نَصِيبِهِ مِمّا تَرَكَ لَهُ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ، وتَوْرِيثُ القَرابَةِ إثْباتٌ لِنَصِيبِهِمْ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ، وذُكِرَ النِّساءُ هُناكَ تَمْهِيدًا لِشَرْعِ المِيراثِ، وقَدْ تَأيَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُوا القُرْبى واليَتامى﴾ [النساء: ٨] فَإنَّ ذَلِكَ يُناسِبُ المِيراثَ، ولا يُناسِبُ إيتاءَ أمْوالِ اليَتامى.

ولا جَرَمَ أنَّ مِن أهَمِّ شَرائِعِ الإسْلامِ المِيراثَ، فَقَدْ كانَتِ العَرَبُ في الجاهِلِيَّةِ يَجْعَلُونَ أمْوالَهم بِالوَصِيَّةِ لِعُظَماءِ القَبائِلِ ومَن تَلْحَقُهم بِالِانْتِسابِ إلَيْهِمْ حُسْنُ الأُحْدُوثَةِ، وتَجْمَعُهم بِهِمْ صِلاتُ الحِلْفِ أوِ الِاعْتِزازِ والوِدِّ، وكانُوا إذا لَمْ يُوصُوا أوْ تَرَكُوا بَعْضَ مالِهِمْ بِلا وصِيَّةٍ يُصْرَفُ لِأبْناءِ المَيِّتِ الذُّكُورِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذُكُورٌ فَقَدْ حُكِيَ أنَّهم يَصْرِفُونَهُ إلى عُصْبَةٍ مِن أُخْوَةٍ وأبْناءِ عَمٍّ، ولا تُعْطى بَناتُهُ شَيْئًا، أمّا الزَّوْجاتُ فَكُنَّ مَوْرُوثاتٍ لا وارِثاتٍ.

وكانُوا في الجاهِلِيَّةِ لا يُوَرِّثُونَ بِالبُنُوَّةِ إلّا إذا كانَ الأبْناءُ ذُكُورًا، فَلا مِيراثَ لِلنِّساءِ لِأنَّهم كانُوا يَقُولُونَ إنَّما يَرِثُ أمْوالَنا مَن طاعَنَ بِالرُّمْحِ، وضَرَبَ بِالسَّيْفِ. فَإنْ لَمْ تَكُنِ الأبْناءُ الذُّكُورُ ورِثَ أقْرَبُ العُصْبَةِ: الأبُ ثُمَّ الأخُ ثُمَّ العَمُّ وهَكَذا، وكانُوا يُوَرِّثُونَ بِالتَّبَنِّي وهو أنْ يَتَّخِذَ الرَّجُلُ ابْنَ غَيْرِهِ ابْنًا لَهُ فَتَنْعَقِدُ بَيْنَ المُتَبَنِّي والمُتَبَنّى جَمِيعُ أحْكامِ الأُبُوَّةِ.

ويُوَرِّثُونَ أيْضًا بِالحِلْفِ وهو أنْ يَرْغَبَ رَجُلانِ في الخُلَّةِ بَيْنَهُما فَيَتَعاقَدا عَلى أنَّ دَمَهُما واحِدٌ ويَتَوارَثا، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ لَمْ يَقَعْ في مَكَّةَ تَغْيِيرٌ لِأحْكامِ المِيراثِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ لِتَعَذُّرِ تَنْفِيذِ ما يُخالِفُ أحْكامَ سُكّانِها، ثُمَّ لَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وبَقِيَ مُعْظَمُ أقارِبِ المُهاجِرِينَ المُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ صارَ التَّوْرِيثُ بِالهِجْرَةِ، …

8

وَإِذَا حَضَرَ ٱلْقِسْمَةَ أُو۟لُوا۟ ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينُ فَٱرْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا۟ لَهُمْ قَوْلًۭا مَّعْرُوفًۭا

And when [other] relatives and orphans and the needy are present at the [time of] division, then provide for them [something] out of the estate and speak to them words of appropriate kindness.

﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ أُولُو القُرْبى واليَتامى والمَساكِينُ فارْزُقُوهم مِنهُ وقُولُوا لَهم قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ .

جُمْلَةٌ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾ [النساء: ٧] إلى آخِرِها. وهَذا أمْرٌ بِعَطِيَّةٍ تُعْطى مِنَ الأمْوالِ المَوْرُوثَةِ: أمَرَ الوَرَثَةَ أنْ يُسْهِمُوا لِمَن يَحْضُرُ القِسْمَةَ مِن ذَوِي قَرابَتِهِمْ غَيْرِ الَّذِينَ لَهم حَقٌّ في الإرْثِ، مِمَّنْ شَأْنُهم أنْ يَحْضُرُوا مَجالِسَ الفَصْلِ بَيْنَ الأقْرِباءِ.

وقَوْلُهُ ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾ [النساء: ٧] وقَوْلُهُ ﴿ولِلنِّساءِ نَصِيبٌ﴾ [النساء: ٧] يَقْتَضِيانِ مَقْسُومًا، فالتَّعْرِيفُ في قَوْلِهِ ﴿القِسْمَةَ﴾ تَعْرِيفُ العَهْدِ الذِّكْرِيِّ.

صفحة ٢٥١

والأمْرُ في قَوْلِهِ ﴿فارْزُقُوهم مِنهُ﴾ مَحْمُولٌ عِنْدَ جُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ عَلى النَّدْبِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، إذْ لَيْسَ في الصَّدَقاتِ الواجِبَةِ غَيْرُ الزَّكاةِ، لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ لِلْأعْرابِيِّ لَمّا قالَ لَهُ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُها ؟ «لا إلّا أنْ تَطَّوَّعَ» وبِهَذا قالَ مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ وفُقَهاءُ الأمْصارِ، وجَعَلُوا المُخاطَبَ بِقَوْلِهِ ﴿فارْزُقُوهُمْ﴾ الوَرَثَةَ المالِكِينَ أمْرَ أنْفُسِهِمْ، والآيَةُ عِنْدَ هَؤُلاءِ مَحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ، وذَهَبَ فَرِيقٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى حَمْلِ الأمْرِ بِقَوْلِهِ ﴿فارْزُقُوهُمْ﴾ عَلى الوُجُوبِ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةَ، ومُجاهِدٍ، والزُّهْرِيِّ، وعَطاءٍ، والحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ: أنَّ ذَلِكَ حَقٌّ واجِبٌ عَلى الوَرَثَةِ المالِكِينَ أمَرَ أنْفُسِهِمُ فَهُمُ المُخاطَبُونَ بِقَوْلِهِ ﴿فارْزُقُوهُمْ﴾ .

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: وأبِي صالِحٍ: أنَّ ذَلِكَ كانَ فَرْضًا قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ المَوارِيثِ، ثُمَّ نُسِخَ بِآيَةِ المَوارِيثِ، ومَآلُ هَذا القَوْلِ إلى مُوافَقَةِ قَوْلِ جُمْهُورِ أهْلِ العِلْمِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: أنَّ الأمْرَ مُوَجَّهٌ إلى صاحِبِ المالِ في الوَصِيَّةِ الَّتِي كانَتْ مَفْرُوضَةً قَبْلَ شَرْعِ المِيراثِ واجِبٌ عَلَيْهِ أنْ يَجْعَلَ في وصِيَّتِهِ شَيْئًا لِمَن يَحْضُرُ وصِيَّتَهُ مِن أُولِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينِ غَيْرِ الَّذِينَ أوْصى لَهم، وأنَّ ذَلِكَ نَسْخٌ تَبَعًا لِنَسْخِ وُجُوبِ الوَصِيَّةِ، وهَذا يَقْتَضِي تَأْوِيلَ قَوْلِهِ ﴿القِسْمَةَ﴾ بِمَعْنى تَعْيِينِ ما لِكُلِّ مُوصًى لَهُ مِن مِقْدارٍ.

وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أنَّ الآيَةَ في نَفْسِ المِيراثِ وأنَّ المَقْصُودَ مِنها هو قَوْلُهُ ﴿وقُولُوا لَهم قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ قالَ: فَقَوْلُهُ ﴿فارْزُقُوهم مِنهُ﴾ هو المِيراثُ نَفْسُهُ.

وقَوْلُهُ ﴿وقُولُوا لَهم قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ أيْ قُولُوا لِغَيْرِ الوَرَثَةِ بِأنْ يُقالَ لَهم إنَّ اللَّهَ قَسَمَ المَوارِيثَ.

وقَدْ عَلِمْتَ أنَّ مَوْقِعَ الآيَةِ تَمْهِيدٌ لِتَفْصِيلِ الفَرائِضِ، وأنَّ ما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ هو التَّأْوِيلُ الصَّحِيحُ لِلْآيَةِ، وكَفاكَ بِاضْطِرابِ الرِّوايَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في تَأْوِيلِها تَوْهِينًا لِتَأْوِيلاتِهِمْ.

صفحة ٢٥٢

والأمْرُ بِأنْ يَقُولُوا لَهم قَوْلًا مَعْرُوفًا أيْ قَوْلًا حَسَنًا وهو ضِدُّ المُنْكَرِ تَسْلِيَةً لِبَعْضِهِمْ عَلى ما حُرِمُوا مِنهُ مِن مالِ المَيِّتِ كَما كانُوا في الجاهِلِيَّةِ.

9

وَلْيَخْشَ ٱلَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا۟ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةًۭ ضِعَٰفًا خَافُوا۟ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْيَقُولُوا۟ قَوْلًۭا سَدِيدًا

And let those [executors and guardians] fear [injustice] as if they [themselves] had left weak offspring behind and feared for them. So let them fear Allah and speak words of appropriate justice.

﴿ولْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِن خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ ولْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ .

مَوْعِظَةٌ لِكُلِّ مَن أُمِرَ أوْ نُهِيَ أوْ حُذِّرَ أوْ رُغِّبَ في الآيِ السّابِقَةِ، في شَأْنِ أمْوالِ اليَتامى وأمْوالِ الضِّعافِ مِنَ النِّساءِ والصِّبْيانِ، فابْتُدِئَتِ المَوْعِظَةُ بِالأمْرِ بِخَشْيَةِ اللَّهِ تَعالى أيْ خَشْيَةِ عَذابِهِ، ثُمَّ أُعْقِبَ بِإثارَةِ شَفَقَةِ الآباءِ عَلى ذُرِّيَّتِهِمْ بِأنْ يُنَزِّلُوا أنْفُسَهم مَنزِلَةَ المَوْرُوثِينَ، الَّذِينَ اعْتَدَوْا هم عَلى أمْوالِهِمْ، ويُنَزِّلُوا ذُرِّيّاتِهِمْ مَنزِلَةَ الذُّرِّيَّةِ الَّذِينَ أكَلُوا هم حُقُوقَهم، وهَذِهِ المَوْعِظَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلى قِياسِ قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «لا يُؤْمِنُ أحَدُكم حَتّى يُحِبَّ لِأخِيهِ ما يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» وزادَ إثارَةَ الشَّفَقَةِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ المُعْتَدى عَلَيْهِمْ خَلْقٌ ضِعافٌ بِقَوْلِهِ ﴿ضِعافًا﴾، ثُمَّ أعْقَبَ بِالرُّجُوعِ إلى الغَرَضِ المُنْتَقِلِ مِنهُ وهو حِفْظُ أمْوالِ اليَتامى، بِالتَّهْدِيدِ عَلى أكْلِهِ بِعَذابِ الآخِرَةِ بَعْدَ التَّهْدِيدِ بِسُوءِ الحالِ في الدُّنْيا. فَيُفْهَمُ مِنَ الكَلامِ تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ بِأنَّ نَصِيبَ أبْنائِهِمْ مِثْلُ ما فَعَلُوهُ بِأبْناءِ غَيْرِهِمْ والأظْهَرُ أنَّ مَفْعُولَ ﴿يَخْشَ﴾ [التوبة: ١٨] حُذِفَ لِتَذْهَبَ نَفْسُ السّامِعِ في تَقْدِيرِهِ كُلَّ مَذْهَبٍ مُحْتَمَلٍ، فَيَنْظُرُ كُلَّ سامِعٍ بِحَسَبِ الأهَمِّ عِنْدَهُ مِمّا يَخْشاهُ أنْ يُصِيبَ ذُرِّيَّتَهُ.

وجُمْلَةُ ﴿لَوْ تَرَكُوا﴾ إلى ﴿خافُوا عَلَيْهِمْ﴾ صِلَةُ المَوْصُولِ، وجُمْلَةُ ﴿خافُوا عَلَيْهِمْ﴾ جَوابُ لَوْ.

وجِيءَ بِالمَوْصُولِ لِأنَّ الصِّلَةَ لَمّا كانَتْ وصْفًا مَفْرُوضًا حَسُنَ التَّعْرِيفُ بِها إذِ المَقْصُودُ تَعْرِيفُ مَن هَذِهِ حالُهُ، وذَلِكَ كافٍ في التَّعْرِيفِ لِلْمُخاطَبِينَ بِالخَشْيَةِ إذْ كُلُّ سامِعٍ يَعْرِفُ مَضْمُونَ هَذِهِ الصِّلَةِ لَوْ فَرْضَ حُصُولِها لَهُ، إذْ هي أمْرٌ يَتَصَوَّرُهُ كُلُّ النّاسِ.

ووَجْهُ اخْتِيارِ لَوْ هُنا مِن بَيْنِ أدَواتِ الشَّرْطِ أنَّها هي الأداةُ الصّالِحَةُ لِفَرْضِ الشَّرْطِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِإمْكانِهِ، فَيَصْدُقُ مَعَها الشَّرْطُ المُتَعَذِّرُ الوُقُوعِ والمُسْتَبْعَدُهُ

صفحة ٢٥٣

والمُمْكِنُهُ: فالَّذِينَ بَلَغُوا اليَأْسَ مِنَ الوِلادَةِ، ولَهم أوْلادٌ كِبارٌ أوْ لا أوْلادَ لَهم، يَدْخُلُونَ في فَرْضِ هَذا الشَّرْطِ لِأنَّهم لَوْ كانَ لَهم أوْلادٌ صِغارٌ لَخافُوا عَلَيْهِمْ، والَّذِينَ لَهم أوْلادٌ صِغارٌ أمْرُهم أظْهَرُ.

وفِعْلُ تَرَكُوا ماضٍ مُسْتَعْمَلٍ في مُقارَبَةِ حُصُولِ الحَدَثِ مَجازًا بِعَلاقَةِ الأوَّلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿والَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكم ويَذَرُونَ أزْواجًا وصِيَّةً لِأزْواجِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتّى يَرَوْا العَذابَ الألِيمَ﴾ [الشعراء: ٢٠١] وقَوْلِ الشّاعِرِ:

إلى مَلِكٍ كادَ الجِبالُ لِفَقْدِهِ تَزُولُ زَوالَ الرّاسِياتِ مِنَ الصَّخْرِ

أيْ وقارَبَتِ الرّاسِياتُ الزَّوالَ إذِ الخَوْفُ إنَّما يَكُونُ عِنْدَ مُقارَبَةِ المَوْتِ لا بَعْدَ المَوْتِ. فالمَعْنى: لَوْ شارَفُوا أنْ يَتْرُكُوا ذُرِّيَّةً ضِعافًا لَخافُوا عَلَيْهِمْ مِن أوْلِياءِ السُّوءِ.

والمُخاطَبُ بِالأمْرِ مَن يَصْلُحُ لَهُ مِنَ الأصْنافِ المُتَقَدِّمَةِ: مِنَ الأوْصِياءِ، ومِنَ الرِّجالِ الَّذِينَ يَحْرِمُونَ النِّساءَ مِيراثَهم، ويَحْرِمُونَ صِغارَ إخْوَتِهِمْ أوْ أبْناءِ إخْوَتِهِمْ وأبْناءِ أعْمامِهِمْ مِن مِيراثِ آبائِهِمْ، كُلُّ أُولَئِكَ داخِلٌ في الأمْرِ بِالخَشْيَةِ، …

10

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَٰلَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًۭا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًۭا

Indeed, those who devour the property of orphans unjustly are only consuming into their bellies fire. And they will be burned in a Blaze.

صفحة ٢٥٤

﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ .

جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ تُفِيدُ تَكْرِيرَ التَّحْذِيرِ مِن أكْلِ مالِ اليَتامى، جَرَّتْهُ مُناسَبَةُ التَّعَرُّضِ لِقِسْمَةِ أمْوالِ الأمْواتِ، لِأنَّ الوَرَثَةَ يَكْثُرُ أنْ يَكُونَ فِيهِمْ يَتامى لِكَثْرَةِ تَزَوُّجِ الرِّجالِ في مُدَّةِ أعْمارِهِمْ، فَقَلَّما يَخْلُو مَيِّتٌ عَنْ ورَثَةٍ صِغارٍ، وهو مُؤْذِنٌ بِشِدَّةِ عِنايَةِ الشّارِعِ بِهَذا الغَرَضِ، فَذَلِكَ عادَ إلَيْهِ بِهَذِهِ المُناسَبَةِ.

وقَوْلُهُ ظُلْمًا حالٌ مِن يَأْكُلُونَ مُقَيِّدَةٌ لِيَخْرُجَ الأكْلُ المَأْذُونُ فِيهِ بِمِثْلِ قَوْلِهِ ﴿ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] .

ثُمَّ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ نارًا مِن قَوْلِهِ ﴿إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ مُرادًا بِها نارُ جَهَنَّمَ، كَما هو الغالِبُ في القُرْآنِ، وعَلَيْهِ فَفِعْلُ يَأْكُلُونَ ناصِبٌ نارًا المَذْكُورَ عَلى تَأْوِيلِ يَأْكُلُونَ ما يُفْضِي بِهِمْ إلى النّارِ، فَأطْلَقَ النّارَ مَجازًا مُرْسَلًا بِعَلاقَةِ الأوَّلِ أوِ السَّبَبِيَّةِ أيْ ما يُفْضِي بِهِمْ إلى عَذابِ جَهَنَّمَ، فالمَعْنى أنَّهم حِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى قَدْ أكَلُوا ما يُفْضِي بِهِمْ إلى جَهَنَّمَ.

وعَلى هَذا فَعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ عَطْفُ مُرادِفٍ لِمَعْنى جُمْلَةِ ﴿يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ .

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْمُ النّارِ مُسْتَعارًا لِلْألَمِ بِمَعْنى أسْبابِ الألَمِ فَيَكُونُ تَهْدِيدًا بِعَذابٍ دُنْيَوِيٍّ أوْ مُسْتَعارًا لِلتَّلَفِ لِأنَّ شَأْنَ النّارِ أنْ تَلْتَهِمَ ما تُصِيبُهُ، والمَعْنى إنَّما يَأْخُذُونَ أمْوالًا هي سَبَبٌ في مَصائِبَ تَعْتَرِيهِمْ في ذَواتِهِمْ وأمْوالِهِمْ كالنّارِ إذا تَدْنُو مِن أحَدٍ فَتُؤْلِمُهُ وتُتْلِفُ مَتاعَهُ، فَيَكُونُ هَذا تَهْدِيدًا بِمَصائِبَ في الدُّنْيا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٦] ويَكُونُ عَطْفُ جُمْلَةِ ﴿وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ جارِيًا عَلى ظاهِرِ العَطْفِ مِنَ اقْتِضاءِ المُغايَرَةِ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ، فالجُمْلَةُ الأُولى تَهْدِيدٌ بِعَذابٍ في الدُّنْيا، والجُمْلَةُ الثّانِيَةُ وعِيدٌ بِعَذابِ الآخِرَةِ.

صفحة ٢٥٥

وذِكْرُ في بُطُونِهِمْ عَلى كِلا المَعْنَيَيْنِ مُجَرَّدُ تَخْيِيلٍ وتَرْشِيحٍ لِاسْتِعارَةِ يَأْكُلُونَ لِمَعْنى يَأْخُذُونَ ويَسْتَحْوِذُونَ.

والسِّينُ في سَيَصْلَوْنَ حَرْفُ تَنْفِيسٍ أيِ اسْتِقْبالٍ، أيْ أنَّها تَدْخُلُ عَلى المُضارِعِ فَتَمْحَضَهُ لِلِاسْتِقْبالِ، سَواءً كانَ اسْتِقْبالًا قَرِيبًا أوْ بَعِيدًا، وهي مُرادِفَةُ سَوْفَ، وقِيلَ: إنَّ سَوْفَ أوْسَعُ زَمانًا. وتُفِيدانِ في مَقامِ الوَعْدِ تَحْقِيقَ الوَعْدِ وكَذَلِكَ التَّوَعُّدِ.

ويَصْلَوْنَ مُضارِعُ صَلِيَ كَرَضِيَ إذا قاسى حَرَّ النّارِ بِشِدَّةٍ، كَما هُنا، يُقالُ: صَلِيَ بِالنّارِ، ويَكْثُرُ حَذْفُ حَرْفِ الجَرِّ مَعَ فِعْلِ صَلِيَ ونُصِبَ الِاسْمُ بَعْدَهُ عَلى نَزْعِ الخافِضِ، قالَ حُمَيْدُ بْنُ ثَوْرٍ:

لا تَصْطَلِي النّارَ إلّا مُجْمِرًا أرِجًا قَدْ كَسَّرَتْ مِن يَلَنْجُوجٍ لَهُ وقَصا

وهُوَ الوارِدُ في اسْتِعْمالِ القُرْآنِ بِاطِّرادٍ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: وسَيَصْلَوْنَ بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ مُضارِعُ صَلِيَ، وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ مُضارِعُ أصْلاهُ إذا أحْرَقَهُ ومَبْنِيًّا لِلنّائِبِ.

والسَّعِيرُ النّارُ …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.