Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 81–90 of 176

81

وَيَقُولُونَ طَاعَةٌۭ فَإِذَا بَرَزُوا۟ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌۭ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ ۖ وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ۖ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا

And they say, "[We pledge] obedience." But when they leave you, a group of them spend the night determining to do other than what you say. But Allah records what they plan by night. So leave them alone and rely upon Allah. And sufficient is Allah as Disposer of affairs.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طاعَةٌ﴾ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، كانُوا يُؤْمِنُونَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيَأْمَنُوا، فَإذا خَرَجُوا، خالَفُوا، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ الفَرّاءُ: والرَّفْعُ في "طاعَةٌ" عَلى مَعْنى: أمْرُكَ طاعَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: بَيَّتْ، بِسُكُونِ "التّاءِ"، وإدْغامِها في "الطّاءِ" ونَصَبَ الباقُونَ "التّاءَ" قالَ أبُو عَلِيٍّ: التّاءُ والطّاءُ والدّالُ مِن حَيِّزٍ واحِدٍ، فَحَسُنَ الإدْغامُ، ومِن بَيْنِ، فَلِانْفِصالِ الحَرْفَيْنِ، واخْتِلافِ المَخْرَجَيْنِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمَعْنى: ﴿ [فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ ﴾، أيْ: خَرَجُوا، ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ﴾، أيْ] قالُوا: وقَدَّرُوا لَيْلًا غَيْرَ ما أعْطَوْكَ نَهارًا. قالَ الشّاعِرُ:

؎ أتَوْنِي فَلَمْ أرْضَ ما بَيَّنُوا وكانُوا أتَوْنِي بِشَيْءٍ نُكُرٍ

والعَرَبُ تَقُولُ: هَذا أمْرٌ قَدْ قُدِّرَ بِلَيْلٍ [وَفُرِغَ مِنهُ بِلَيْلٍ، ومِنهُ قَوْلُ الحارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ:

؎ أجْمِعُوا أمْرَهم عِشاءً فَلَمّا ∗∗∗ أصْبَحُوا أصْبَحَتْ لَهم ضَوْضاءُ]

وَقالَ بَعْضُهُمْ: بَيَّتَ، بِمَعْنى: بَدَّلَ، وأنْشَدَ:

؎ وبَيَّتَ قَوْلِي عِنْدَ المَلِيكِ ∗∗∗ قاتَلَكَ اللَّهُ عَبْدًا كَفُورًا

وَفِي قَوْلِهِ ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: غَيْرُ الَّذِي تَقُولُ الطّائِفَةُ عِنْدَكَ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ قُتَيْبَةَ. والثّانِي: غَيْرُ الَّذِي تَقُولُ أنْتَ يا مُحَمَّدُ، وهو قَوْلُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: يَكْتُبُهُ في الأعْمالِ الَّتِي تُثْبِتُها المَلائِكَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ في آَخَرِينَ. والثّانِي: يُنْزِلُهُ إلَيْكَ في كِتابِهِ. والثّالِثُ: يَحْفَظُهُ عَلَيْهِمْ لِيُجازَوْا بِهِ، ذَكَرَ القَوْلَيْنِ الزَّجّاجُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَأعْرِضْ عَنْهُمْ: فَلا تُعاقِبْهم، وثِقْ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وكَفى بِاللَّهِ ثِقَةً لَكَ. قالَ: ثُمَّ نُسِخَ هَذا الإعْراضُ، وأُمِرَ بِقِتالِهِمْ.

فَإنْ قِيلَ: ما الحِكْمَةُ في أنَّهُ ابْتَدَأ بِذِكْرِهِمْ جُمْلَةً، ثُمَّ قالَ: ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ﴾ والكُلُّ مُنافِقُونَ؟ فالجَوابُ: مِن وجْهَيْنِ، ذَكَرَهُما أهْلُ التَّفْسِيرِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ أخْبَرَ عَمَّنْ سَهِرَ لَيْلَهُ، ودَبَّرَ أمْرَهُ مِنهم دُونَ غَيْرِهِ مِنهم. والثّانِي: أنَّهُ ذَكَرَ مَن عَلِمَ أنَّهُ يَبْقى عَلى نِفاقِهِ دُونَ مَن عَلِمَ أنَّهُ يَرْجِعُ.

82

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَٰفًۭا كَثِيرًۭا

Then do they not reflect upon the Qur'an? If it had been from [any] other than Allah, they would have found within it much contradiction.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: "التَّدَبُّرُ": النَّظَرُ في عاقِبَةِ الشَّيْءِ. و "الدَّبْرُ": النَّحْلُ، سُمِّيَ "دَبْرًا"، لِأنَّهُ يُعَقِّبُ ما يَنْتَفِعُ بِهِ، و"الدُّبْرُ": المالُ الكَثِيرُ، سُمِّيَ دُبْرًا لِكَثْرَتِهِ، لِأنَّهُ يَبْقى لِلْأعْقابِ، والأدْبارِ.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآَنَ، فَيَتَفَكَّرُونَ فِيهِ، فَيَرَوْنَ تَصْدِيقَ بَعْضِهِ لِبَعْضٍ، وأنَّ أحَدًا مِنَ الخَلائِقِ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والقُرْآَنُ مِن قَوْلِكَ: ما قَرَأتِ النّاقَةَ سَلًّا قَطُّ، أيْ: ما ضَمَّتْ في رَحِمِها ولَدًا، وأنْشَدَ أبُو عُبَيْدَةَ:

؎ هِجانُ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينًا. . . . . . . . . . . . .

وَإنَّما سُمِّيَ قُرْآَنًا، لِأنَّهُ جَمَعَ السُّوَرَ، وضَمَّها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ التَّناقُضُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ زَيْدٍ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: الكَذِبُ، قالَهُ مُقاتِلٌ، والزَّجّاجُ. والثّالِثُ: أنَّهُ اخْتِلافٌ تَفاوَتَ مِن جِهَةِ بَلِيغٍ مِنَ الكَلامِ، ومَرْذُولٍ، إذْ لا بُدَّ لِلْكَلامِ إذا طالَ مِن مَرْذُولٍ، ولَيْسَ في القُرْآَنِ إلّا بَلِيغٌ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. في جَماعَةٍ.

83

وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌۭ مِّنَ ٱلْأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُوا۟ بِهِۦ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَٱتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَٰنَ إِلَّا قَلِيلًۭا

And when there comes to them information about [public] security or fear, they spread it around. But if they had referred it back to the Messenger or to those of authority among them, then the ones who [can] draw correct conclusions from it would have known about it. And if not for the favor of Allah upon you and His mercy, you would have followed Satan, except for a few.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا اعْتَزَلَ نِساءَهُ، دَخَلَ عُمَرُ المَسْجِدَ، فَسَمِعَ النّاسَ يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِساءَهُ، فَدَخَلَ عَلى النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ فَسَألَهُ أطْلَّقْتَ نِساءَكَ؟ قالَ: "لا" . فَخَرَجَ فَنادى: ألّا إنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يُطْلِّقْ نِساءَهُ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. فَكانَ هو الَّذِي اسْتَنْبَطَ الأمْرَ.» انْفَرَدَ بِإخْراجِهِ مُسْلِمٌ، مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ عُمْرَ.

والثّانِي: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا بَعَثَ سَرِيَّةً مِنَ السَّرايا فَغَلَبَتْ أوْ غَلَبَتْ، تَحَدَّثُوا بِذَلِكَ، وأفْشَوْهُ، ولَمْ يَصْبِرُوا حَتّى يَكُونَ النَّبِيُّ هو المُتَحَدِّثُ بِهِ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وَفِي المُشارِ إلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآَيَةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: أهْلُ النِّفاقِ، وضَعَفَةُ المُسْلِمِينَ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

وَفِي المُرادِ بِالأمْنِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: فَوْزُ السَّرِيَّةِ بِالظَّفْرِ والغَنِيمَةِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. والثّانِي: أنَّهُ الخَبَرُ يَأْتِي إلى النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ ظاهِرٌ عَلى قَوْمٍ، فَيَأْمَنُ مِنهم، قالَهُ الزَّجّاجُ. والثّالِثُ: أنَّهُ ما يَعْزِمُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ المُوادَعَةِ والأمانِ لِقَوْمٍ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الأمْنُ يَأْتِي مِنَ المَأْمَنِ وهو المَدِينَةُ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ مُخْرَّجًا مِن حَدِيثِ عُمَرَ.

وَفِي "الخَوْفِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ النَّكْبَةُ الَّتِي تُصِيبُ السَّرِيَّةَ، ذَكَرَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ. والثّانِي: أنَّهُ الخَبَرُ يَأْتِي أنَّ قَوْمًا يَجْمَعُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَيَخافُ مِنهم، قالَهُ الزَّجّاجُ. والثّالِثُ: ما يَعْزِمُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ مِنَ الحَرْبِ والقِتالِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أذاعُوا بِهِ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أشاعُوهُ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: والهاءُ عائِدَةٌ عَلى الأمْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾ يَعْنِي: الأمْرُ ﴿إلى الرَّسُولِ﴾ حَتّى يَكُونَ هو المُخْبِرُ بِهِ ﴿وَإلى أُولِي الأمْرِ مِنهُمْ﴾ وفِيهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم مِثْلُ أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ، وعُثْمانَ، وعَلِيٍّ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم أبُو بَكْرٍ، وعُمَرَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: العُلَماءُ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ. والرّابِعُ: أُمَراءُ السَّرايا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، ومُقاتِلٌ.

وَفِي ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ الَّذِينَ يَتَتَبَّعُونَهُ مِنَ المُذِيعِينَ لَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّانِي: أنَّهم أُولُو الأمْرِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. و"الِاسْتِنْباطُ" في اللُّغَةِ: الِاسْتِخْراجُ. قالَ الزَّجّاجُ: أصْلُهُ مِنَ النَّبَطِ، وهو الماءُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ البِئْرِ أوَّلَ ما تُحْفَرُ، يُقالُ مِن ذَلِكَ: قَدْ أنْبَطَ فَلانٌ في غَضْراءَ، أيْ: اسْتَنْبَطَ الماءَ مِن طِينٍ حُرٍّ. والنَّبَطُ: سُمُّوا نَبَطًا، لِاسْتِنْباطِهِمْ ما يُخْرِجُ مِنَ الأرْضِ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: ومَعْنى الآَيَةِ: وإذا جاءَهم خَبَرٌ عَنْ سَرِيَّةٍ لِلْمُسْلِمِينَ بِخَيْرٍ أوْ بَشَرٍّ أفْشَوْهُ، ولَوْ سَكَتُوا حَتّى يَكُونَ الرَّسُولُ وذَوُوُ الأمْرِ يَتَوَلَّوْنَ الخَبَرَ عَنْ ذَلِكَ، فَيُصَحِّحُوهُ إنْ كانَ صَحِيحًا، أوْ يُبْطِلُوهُ إنْ كانَ باطِلًا، …

84

فَقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ۚ وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًۭا وَأَشَدُّ تَنكِيلًۭا

So fight, [O Muhammad], in the cause of Allah; you are not held responsible except for yourself. And encourage the believers [to join you] that perhaps Allah will restrain the [military] might of those who disbelieve. And Allah is greater in might and stronger in [exemplary] punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا نَدَبَ النّاسَ لِمَوْعِدِ أبِي سُفْيانَ بِبَدْرٍ الصُّغْرى بَعْدَ أُحُدٍ، كَرِهَ بَعْضُهم ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفي "فاءِ" فَقاتَلَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ جَوابُ قَوْلِهِ ﴿وَمَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ﴾ .

والثّانِي: أنَّها مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ذَكَرَهُما ابْنُ السُّرِّيِّ. والمُرادُ بِسَبِيلِ اللَّهِ: الجِهادُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ﴾ أيْ: إلّا المُجاهَدَةَ بِنَفْسِكَ. و"حَرِّضْ" بِمَعْنى: حَضَّضَ. قالَ الزَّجّاجُ: ومَعْنى "عَسى" في اللُّغَةِ: مَعْنى الطَّمَعِ والإشْفاقِ. والإطْماعُ مِنَ اللَّهِ واجِبٌ. و"البَأْسُ": الشِّدَّةُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واللَّهُ أشَدُّ عَذابًا. قالَ قَتادَةُ: و"التَّنْكِيلُ": العُقُوبَةُ.

85

مَّن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً حَسَنَةًۭ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٌۭ مِّنْهَا ۖ وَمَن يَشْفَعْ شَفَٰعَةًۭ سَيِّئَةًۭ يَكُن لَّهُۥ كِفْلٌۭ مِّنْهَا ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ مُّقِيتًۭا

Whoever intercedes for a good cause will have a reward therefrom; and whoever intercedes for an evil cause will have a burden therefrom. And ever is Allah, over all things, a Keeper.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً﴾ في المُرادِ بِالشَّفاعَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها شَفاعَةُ الإنْسانِ لِلْإنْسانِ، لِيَجْتَلِبَ لَهُ نَفْعًا، أوْ يُخَلِّصُهُ مِن بَلاءٍ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ. والثّانِي: أنَّها الإصْلاحُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّالِثُ: أنَّهُ الدُّعاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: مَن يَصِرْ شَفَعا لِوِتْرِ أصْحابِكَ يا مُحَمَّدُ، فَيُشَفِّعُهم في جِهادِ عَدْوِّهِمْ وقِتالِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

وَفِي الشَّفاعَةِ السَّيِّئَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها السَّعْيُ بِالنَّمِيمَةِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّها الدُّعاءُ عَلى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ، وكانَتِ اليَهُودُ تَفْعَلُهُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى مَن يَشْفَعُ وِتْرَ أهْلِ الكُفْرِ، فَيُقاتِلُ المُؤْمِنِينَ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. قالَ الزَّجّاجُ: و"الكِفْلُ" في اللُّغَةِ: النَّصِيبُ، وأُخِذَ مِن قَوْلِهِمْ: اكْتَفَلَتِ البَعِيرُ: إذْ أدَرْتَ عَلى سَنامِهِ، أوْ عَلى مَوْضِعِ مَن ظَهْرُهُ كِساءٌ، ورَكِبَتْ عَلَيْهِ. وإنَّما قِيلَ لَهُ: كَفَلَ، لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلِ الظَّهْرَ كُلَّهُ، وإنَّما اسْتَعْمَلَ نَصِيبًا مِنهُ. وفي "المُقِيتِ" سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ المُقْتَدِرُ، قالَ أُحَيْحَةُ بْنُ الجِلاحِ:

؎ وذِي ضَغَنٍ كَفَفْتُ النَّفْسَ عَنْهُ وكُنْتُ عَلى مَساءَتِهِ مَقِيتًا

وَإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، والفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والخَطابِيُّ.

والثّانِي: أنَّهُ الحَفِيظُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، والزَّجّاجُ. وقالَ: هو بِالحَفِيظِ أشْبَهُ، لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ القُوتِ، يُقالُ: قَتَّ الرَّجُلُ أقْوَتُّهُ قُوتًا: إذا حَفِظَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ بِما يَقُوتُهُ. والقُوتُ: اسْمُ الشَّيْءِ الَّذِي يَحْفَظُ نَفْسَهُ [وَلا فَضْلَ فِيهِ عَلى قَدْرِ الحِفْظِ]، فَمَعْنى المَقِيتِ: الحافِظُ الَّذِي يُعْطِي الشَّيْءَ عَلى قَدْرِ الحاجَةِ مِنَ الحِفْظِ. قالَ الشّاعِرُ:

؎ ألِي الفَضْلُ أمْ عَلَيَّ إذا حُو ∗∗∗ سِبْتُ أنِّي عَلى الحِسابِ مَقِيتُ

والثّالِثُ: أنَّهُ الشَّهِيدُ، رَواهُ ابْنُ أبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، واخْتارَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. والرّابِعُ: أنَّهُ الحَسِيبُ، رَواهُ خَصِيفٌ عَنْ مُجاهِدٍ. والخامِسُ: الرَّقِيبُ، رَواهُ أبُو شَيْبَةَ عَنْ عَطاءٍ. والسّادِسُ: الدّائِمُ، رَواهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ. والسّابِعُ: أنَّهُ مُعْطِي القُوتَ، قالَهُ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ. وقالَ الخَطابِيُّ: المَقِيتُ يَكُونُ بِمَعْنى: مُعْطِي القُوتَ، قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ قاتَهُ وأقاتَهُ.

86

وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍۢ فَحَيُّوا۟ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا

And when you are greeted with a greeting, greet [in return] with one better than it or [at least] return it [in a like manner]. Indeed, Allah is ever, over all things, an Accountant.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ في التَّحِيَّةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها السَّلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والجُمْهُورُ. والثّانِي: الدُّعاءُ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، والماوَرْدِيُّ. فَأمّا "أحْسَنُ مِنها" فَهو الزِّيادَةُ عَلَيْها، ورَدُّها: قَوْلُ مِثْلِها. قالَ الحَسَنُ: إذا قالَ أخُوكَ المُسْلِمُ: السَّلامُ عَلَيْكم، فَرَدَّ السَّلامَ، وزِدْ: ورَحْمَةُ اللَّهِ، أوْ رَدَّ ما قالَ ولا تَزِدْ. وقالَ الضَّحّاكُ: إذا قالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ، قُلْتَ: وعَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ. وإذا قالَ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ، قُلْتَ: وعَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، وهَذا مُنْتَهى السَّلامِ. وقالَ قَتادَةُ: بِأحْسَنَ مِنها لِلْمُسْلِمِ، أوْ رَدُّوها عَلى أهْلِ الكِتابِ.

87

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۗ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثًۭا

Allah - there is no deity except Him. He will surely assemble you for [account on] the Day of Resurrection, about which there is no doubt. And who is more truthful than Allah in statement.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: نَزَلَتْ في الَّذِينَ شَكُّوا في البَعْثِ. قالَ الزَّجّاجُ: ولِلامٍ في "لَيَجْمَعْنَّكُمْ" لامُ القَسَمِ، كَقَوْلِكَ: واللَّهُ لَيَجْمَعْنَّكم، قالَ: وجائِزٌ أنْ تَكُونَ سُمِّيَتِ القِيامَةُ، لِقِيامِ النّاسِ مِن قُبُورِهِمْ، وجائِزٌ أنْ تَكُونَ، لِقِيامِهِمْ لِلْحِسابِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ إنَّما وصْفَ نَفْسَهُ بِهَذا، لِأنَّ جَمِيعَ الخَلْقِ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الكَذِبُ، ويَسْتَحِيلُ في حَقِّهِ.

88

۞ فَمَا لَكُمْ فِى ٱلْمُنَٰفِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓا۟ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا۟ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ ۖ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلًۭا

What is [the matter] with you [that you are] two groups concerning the hypocrites, while Allah has made them fall back [into error and disbelief] for what they earned. Do you wish to guide those whom Allah has sent astray? And he whom Allah sends astray - never will you find for him a way [of guidance].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها سَبْعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: «أنَّ قَوْمًا أسْلَمُوا، فَأصابَهم وباءٌ بِالمَدِينَةِ وحِماها، فَخَرَجُوا فاسْتَقْبَلَتْهم نَفَرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقالُوا: ما لَكم خَرَجْتُمْ؟ قالُوا: أصابَنا وباءٌ بِالمَدِينَةِ، واجْتَوَيْناها، فَقالُوا: أما لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: نافَقُوا، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يُنافِقُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ أبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبِيهِ.

والثّانِي: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا خَرَجَ إلى أُحُدٍ، رَجَعَ ناسٌ مِمَّنْ خَرَجَ مَعَهُ، فافْتَرَقَ فِيهِمْ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ، فَفِرْقَةٌ تَقُولُ: نَقْتُلُهم، وفِرْقَةٌ تَقُولُ: لا نَقْتُلُهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. هَذا في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن قَوْلِ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ.

والثّالِثُ: أنَّ قَوْمًا كانُوا بِمَكَّةَ تَكَلَّمُوا بِالإسْلامِ وكانُوا يُعاوِنُونَ المُشْرِكِينَ، فَخَرَجُوا مِن مَكَّةَ لِحاجَةٍ لَهم، فَقالَ قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: اخْرُجُوا إلَيْهِمْ، فاقْتُلُوهم، فَإنَّهم يُظاهِرُونَ عَدْوَّكم. وقالَ قَوْمٌ: كَيْفَ نَقْتُلُهم وقَدْ تَكَلَّمُوا بِمِثْلِ ما تَكَلَّمْنا بِهِ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّ قَوْمًا قَدِمُوا المَدِينَةَ، فَأظْهَرُوا الإسْلامَ، ثُمَّ رَجَعُوا إلى مَكَّةَ، فَأظْهَرُوا الشِّرْكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ.

والخامِسُ: أنَّ قَوْمًا أعْلَنُوا الإيمانَ بِمَكَّةَ وامْتَنَعُوا مِنَ الهِجْرَةِ، فاخْتَلَفَ المُؤْمِنُونَ فِيهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ.

والسّادِسُ: أنَّ قَوْمًا مِنَ المُنافِقِينَ أرادُوا الخُرُوجَ مِنَ المَدِينَةِ، فَقالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: إنَّهُ قَدْ أصابَتْنا أوْجاعٌ في المَدِينَةِ، فَلَعَلَّنا نَخْرُجُ فَنَتَماثَلُ، فَإنّا كُنّا أصْحابَ بادِيَةٍ، فانْطَلَقُوا واخْتَلَفَ فِيهِمْ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. هَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والسّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في شَأْنِ ابْنِ أُبَيٍّ حِينَ تَكَلَّمَ في عائِشَةَ بِما تَكَلَّمَ، وهَذا قَوْلُ ابْنُ زَيْدٍ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَكُمْ﴾ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ لَكم في الِاخْتِلافِ في أمْرِهِمْ؟ و" الفِئَةُ": الفِرْقَةُ. وفي مَعْنى "أرْكَسَهُمْ" أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: رَدَّهم، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: رَكَسْتُ الشَّيْءَ، وأرْكَسْتُهُ: لُغَتانِ، أيْ: نَكَسَهم ورَدَّهم في كُفْرِهِمْ، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ، والزَّجّاجِ.

والثّانِي: أوْقَعَهم، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أهْلَكَهم، قالَهُ قَتادَةُ. والرّابِعُ: أضَلَّهم، قالَهُ السُّدِّيُّ.

فَأمّا الَّذِي كَسَبُوا، فَهو كُفْرُهم، وارْتِدادُهم. قالَ أبُو سُلَيْمانَ: إنَّما قالَ: أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ، لِأنَّ قَوْمًا مِنَ المُؤْمِنِينَ قالُوا: إخْوانُنا، وتَكَلَّمُوا بِكَلِمَتِنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: إلى الحُجَّةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والثّانِي: إلى الهُدى، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

89

وَدُّوا۟ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا۟ فَتَكُونُونَ سَوَآءًۭ ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنْهُمْ وَلِيًّۭا وَلَا نَصِيرًا

They wish you would disbelieve as they disbelieved so you would be alike. So do not take from among them allies until they emigrate for the cause of Allah. But if they turn away, then seize them and kill them wherever you find them and take not from among them any ally or helper.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا﴾ أخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ المُؤْمِنِينَ بِما في ضَمائِرِ تِلْكَ الطّائِفَةِ، لِئَلّا يُحْسِنُوا الظَّنَّ بِهِمْ، ويُجادِلُوا عَنْهم، ولِيَعْتَقِدُوا عَداوَتَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ﴾ أيْ: لا تُوالُوهم فَإنَّهم أعْداءٌ لَكم ( ﴿حَتّى يُهاجِرُوا)﴾ أيْ: يَرْجِعُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ . قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَإنْ تَوَلَّوْا عَنِ الهِجْرَةِ والتَّوْحِيدِ، ﴿فَخُذُوهُمْ﴾ أيْ: ائْسِرُوهم، واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهم في الحِلِّ والحَرَمِ.

فَصْلٌ قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: كانَتِ الهِجْرَةُ فَرْضًا إلى أنْ فُتِحَتْ مَكَّةُ. وقالَ الحَسَنُ: فَرْضُ الهِجْرَةِ باقٍ، واعْلَمْ أنَّ النّاسَ في الهِجْرَةِ عَلى ثَلاثَةِ أضْرُبٍ: مَن تَجِبُ عَلَيْهِ، وهو الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى إظْهارِ الإسْلامِ في دارِ الحَرْبِ، خَوْفًا عَلى نَفْسِهِ، وهو قادِرٌ عَلى الهِجْرَةِ، فَتَجِبُ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ والثّانِي: مَن لا تَجِبُ عَلَيْهِ بَلْ تُسْتَحَبُّ لَهُ، وهو مَن كانَ قادِرًا عَلى إظْهارِ دِينِهِ في دارِ الحَرْبِ. والثّالِثُ: مَن لا تُسْتَحَبُّ لَهُ وهو الضَّعِيفُ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى إظْهارِ دِينِهِ، ولا عَلى الحَرَكَةِ كالشَّيْخِ الفانِي والزَّمِنِ فَلَمْ تُسْتَحَبَّ لَهُ لِلُحُوقِ المَشَقَّةِ.

90

إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَٰقٌ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَٰتِلُوكُمْ أَوْ يُقَٰتِلُوا۟ قَوْمَهُمْ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَٰتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا۟ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًۭا

Except for those who take refuge with a people between yourselves and whom is a treaty or those who come to you, their hearts strained at [the prospect of] fighting you or fighting their own people. And if Allah had willed, He could have given them power over you, and they would have fought you. So if they remove themselves from you and do not fight you and offer you peace, then Allah has not made for you a cause [for fighting] against them.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ هَذا الِاسْتِثْناءُ راجِعٌ إلى القَتْلِ، لا إلى المُوالاةِ.

وَفِي (يَصِلُونَ) قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى: يَتَّصِلُونَ ويَلْجَؤُونَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «كانَ هِلالُ بْنُ عُوَيْمِرٍ الأسْلَمِيُّ وادَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى أنْ لا يُعِينَهُ ولا يُعِينُ عَلَيْهِ، فَكانَ مَن وصَلَ إلى هِلالٍ مَن قَوْمِهِ وغَيْرِهِمْ، فَلَهم مِنَ الجِوارِ مِثْلَ ما لِهِلالٍ.»

والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى: يَنْتَسِبُونَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وأنْشَدَ:

؎ إذا اتَّصَلَتْ قالَتْ أبَكْرُ بْنُ وائِلٍ وبَكْرٌ سَبَتْها والأُنُوفُ رَواغِمُ

يُرِيدُ: إذا انْتُسِبَتْ، قالَتْ: أبَكْرًا، أيْ: يا آَلَ بَكْرٍ.

وَفِي القَوْمِ المَذْكُورِينَ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم بَنُو بَكْرِ بْنِ زَيْدِ مَناةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهم هِلالُ بْنُ عُوَيْمِرٍ الأسْلَمِيُّ، وسُراقَةُ بْنُ مالِكٍ، وخُزَيْمَةُ بْنُ عامِرِ بْنُ عَبْدِ مُنافٍ، قالَهُ عِكْرِمَةُ. والثّالِثُ: أنَّهم بَنُو مُدْلِجِ، قالَهُ الحَسَنُ. والرّابِعُ: خُزاعَةُ، وبَنُو مُدْلِجٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "والمِيثاقُ": العَهْدُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ جاءُوكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: أوْ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ جاؤُوكم، قالَهُ الزَّجّاجُ في جَماعَةٍ.

والثّانِي: أنَّهُ يَعُودُ إلى المَطْلُوبِينَ لِلْقَتْلِ، فَتَقْدِيرُهُ: أوْ رَجَعُوا فَدَخَلُوا فِيكم، وهو بِمَعْنى: قَوْلِ السُّدِّيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ فِيهِ إضْمارُ "قَدْ" .

والثّانِي: أنَّهُ خَبَّرَ بَعْدَ خَبَرٍ، فَقَوْلُهُ (جاءوكُمْ): خَبَرٌ قَدْ تَمَّ، وحَصَرَتْ: خَبَرٌ مُسْتَأْنَفٌ، حَكاهُما الزَّجّاجُ. وقَرَأ الحَسَنُ، ويَعْقُوبُ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ: ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ عَلى الحالِ. و "حَصِرَتْ" ضاقَتْ، ومَعْنى الكَلامِ: ضاقَتْ صُدُورُهم عَنْ قِتالِكم لِلْعَهْدِ الَّذِي بَيْنَكم وبَيْنَهم، أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهم، يَعْنِي: قُرَيْشًا

قالَ مُجاهِدٌ: هِلالُ بْنُ عُوَيْمِرٍ هو الَّذِي حُصِرَ صَدْرُهُ أنْ يُقاتِلَكم، أوْ يُقاتِلَ قَوْمَهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أخْبَرَ أنَّهُ إنَّما كَفَّهم بِالرُّعْبِ الَّذِي قُذِفَ في قُلُوبِهِمْ. وفي "السَّلَمَ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ الإسْلامُ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: الصُّلْحُ، قالَهُ الرَّبِيعُ، ومُقاتِلٌ.

فَصْلٌ

قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: مُعاهَدَةُ المُشْرِكِينَ ومُوادَعَتِهِمُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآَيَةِ مَنسُوخَةٌ بِآَيَةِ السَّيْفِ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: لَمّا أعَزَّ اللَّهُ الإسْلامَ أمَرُوا أنْ لا يَقْبَلُوا مِن مُشْرِكِي العَرَبِ إلّا الإسْلامَ أوْ السَّيْفَ.

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.