Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 81–90 of 176

81

وَيَقُولُونَ طَاعَةٌۭ فَإِذَا بَرَزُوا۟ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌۭ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ ۖ وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ۖ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا

And they say, "[We pledge] obedience." But when they leave you, a group of them spend the night determining to do other than what you say. But Allah records what they plan by night. So leave them alone and rely upon Allah. And sufficient is Allah as Disposer of affairs.

قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ طاعَةٌ فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأعْرِضْ عَنْهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ .

أيْ ويَقُولُونَ إذا أمَرْتَهم بِشَيْءٍ (طاعَةٌ) بِالرَّفْعِ، أيْ أمْرُنا وشَأْنُنا طاعَةٌ، ويَجُوزُ النَّصْبُ بِمَعْنى أطَعْناكَ طاعَةً، وهَذا كَما إذا قالَ الرَّجُلُ المُطِيعُ المُنْقادُ: سَمْعًا وطاعَةً، وسَمْعٌ وطاعَةٌ. قالَ سِيبَوَيْهِ: سَمِعْنا بَعْضَ العَرَبِ المَوْثُوقِ بِهِمْ يُقالُ لَهم كَيْفَ أصْبَحْتَ ؟ فَيَقُولُ: حَمْدُ اللَّهِ وثَناءٌ عَلَيْهِ، كَأنَّهُ قالَ: أمْرِي وشَأْنِي حَمْدُ اللَّهِ.

واعْلَمْ أنَّ النَّصْبَ يَدُلُّ عَلى مُجَرَّدِ الفِعْلِ. وأمّا الرَّفْعُ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى ثَباتِ الطّاعَةِ واسْتِقْرارِها ﴿فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ﴾ أيْ خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ أمْرٍ تَفَكَّرُوا فِيهِ كَثِيرًا وتَأمَّلُوا في مَصالِحِهِ ومَفاسِدِهِ كَثِيرًا قِيلَ هَذا أمْرٌ مُبَيَّتٌ، قالَ تَعالى: ﴿إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨] وفي اشْتِقاقِهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: اشْتِقاقُهُ مِنَ البَيْتُوتَةِ، لِأنَّ أصْلَحَ الأوْقاتِ لِلْفِكْرِ أنْ يَجْلِسَ الإنْسانُ في بَيْتِهِ بِاللَّيْلِ، فَهُناكَ تَكُونُ الخَواطِرُ أخْلى والشَّواغِلُ أقَلَّ، فَلَمّا كانَ الغالِبُ أنَّ الإنْسانَ وقْتَ اللَّيْلِ يَكُونُ في البَيْتِ، والغالِبُ لَهُ أنَّهُ إنَّما يَسْتَقْصِي في الأفْكارِ في اللَّيْلِ، لا جَرَمَ سُمِّيَ الفِكْرُ المُسْتَقْصى مُبَيَّتًا.

الثّانِي: اشْتِقاقُهُ مِن بَيْتِ الشِّعْرِ. قالَ الأخْفَشُ: العَرَبُ إذا أرادُوا قَرْضَ الشِّعْرِ بالَغُوا في التَّفَكُّرِ فِيهِ فَسَمَّوُا المُتَفَكَّرَ فِيهِ المُسْتَقْصى مُبَيَّتًا، تَشْبِيهًا لَهُ بِبَيْتِ الشِّعْرِ مِن حَيْثُ إنَّهُ يُسَوّى ويُدَبَّرُ.

صفحة ١٥٦

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: أنَّهُ تَعالى خَصَّ طائِفَةً مِن جُمْلَةِ المُنافِقِينَ بِالتَّبْيِيتِ، وفي هَذا التَّخْصِيصِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ مَن عَلِمَ أنَّهُ يَبْقى عَلى كُفْرِهِ ونِفاقِهِ، فَأمّا مَن عَلِمَ أنَّهُ يَرْجِعُ عَنْ ذَلِكَ فَإنَّهُ لَمْ يَذْكُرْهم.

والثّانِي: أنَّ هَذِهِ الطّائِفَةَ كانُوا قَدْ أسْهَرُوا لَيْلَهم في التَّبْيِيتِ، وغَيْرَهم سَمِعُوا وسَكَتُوا ولَمْ يُبَيِّتُوا، فَلا جَرَمَ لَمْ يُذْكَرُوا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ (بَيَّت طّائِفَةٌ) بِإدْغامِ التّاءِ في الطّاءِ، والباقُونَ بِالإظْهارِ أمّا مَن أدْغَمَ فَلَهُ فِيهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: قالَ الفَرّاءُ: جَزَمُوا لِكَثْرَةِ الحَرَكاتِ، فَلَمّا سَكَنَتِ التّاءُ أُدْغِمَتْ في الطّاءِ.

والثّانِي: أنَّ الطّاءَ والدّالَ والتّاءَ مِن حَيِّزٍ واحِدٍ، فالتَّقارُبُ الَّذِي بَيْنَها يُجْرِيها مَجْرى الأمْثالِ في الإدْغامِ، ومِمّا يُحَسِّنُ هَذا الإدْغامَ أنَّ الطّاءَ تَزِيدُ عَلى التّاءِ بِالإطْباقِ، فَحَسُنَ إدْغامُ الأنْقَصِ صَوْتًا في الأزْيَدِ صَوْتًا. أمّا مَن لَمْ يُدْغِمْ فَعِلَّتُهُ أنَّهُما حَرْفانِ مِن مَخْرَجَيْنِ في كَلِمَتَيْنِ مُتَفاصِلَتَيْنِ، فَوَجَبَ إبْقاءُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِحالِهِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ: (بَيَّتَ) بِالتَّذْكِيرِ ولَمْ يَقُلْ: بَيَّتَتْ بِالتَّأْنِيثِ، لِأنَّ تَأْنِيثَ الطّائِفَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ولِأنَّها في مَعْنى الفَرِيقِ والفَوْجِ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ﴾ أيْ زَوَّرَتْ وزَيَّنَتْ خِلافَ ما قالَتْ وما أُمِرَتْ بِهِ، …

82

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَٰفًۭا كَثِيرًۭا

Then do they not reflect upon the Qur'an? If it had been from [any] other than Allah, they would have found within it much contradiction.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ المُنافِقِينَ أنْواعَ مَكْرِهِمْ وكَيْدِهِمْ، وكانَ كُلُّ ذَلِكَ لِأجْلِ أنَّهم ما كانُوا يَعْتَقِدُونَ كَوْنَهُ مُحِقًّا في ادِّعاءِ الرِّسالَةِ صادِقًا فِيهِ، بَلْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ مُفْتَرٍ مُتَخَرِّصٌ، فَلا جَرَمَ أمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِأنْ يَنْظُرُوا ويَتَفَكَّرُوا في الدَّلائِلَ الدّالَّةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ. فَقالَ: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ فاحْتَجَّ تَعالى بِالقُرْآنِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: التَّدْبِيرُ والتَّدَبُّرُ عِبارَةٌ عَنِ النَّظَرِ في عَواقِبِ الأُمُورِ وأدْبارِها، ومِنهُ قَوْلُهُ: إلامَ تَدَبَّرُوا أعْجازَ أُمُورٍ قَدْ ولَّتْ صُدُورُها، ويُقالُ في فَصِيحِ الكَلامِ: لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِن أمْرِي ما اسْتَدْبَرْتُ، أيْ لَوْ عَرَفْتُ في صَدْرِ أمْرِي ما عَرَفْتُ مِن عاقِبَتِهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى احْتَجَّ بِالقُرْآنِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، إذْ لَوْ

صفحة ١٥٧

لَمْ تُحْمَلِ الآيَةُ عَلى ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ لَها تَعَلُّقٌ بِما قَبْلَها البَتَّةَ، والعُلَماءُ قالُوا: دَلالَةُ القُرْآنِ عَلى صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن ثَلاثَةِ أوْجُهٍ:

أوَّلُها: فَصاحَتُهُ.

وثانِيها: اشْتِمالُهُ عَلى الإخْبارِ عَنِ الغُيُوبِ.

والثّالِثُ: سَلامَتُهُ عَنِ الِاخْتِلافِ، وهَذا هو المَذْكُورُ في هَذِهِ الآيَةِ.

ثُمَّ القائِلُونَ بِهَذا القَوْلِ ذَكَرُوا في تَفْسِيرِ سَلامَتِهِ عَنِ الِاخْتِلافِ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ:

الأوَّلُ: قالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: مَعْناهُ أنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ كانُوا يَتَواطَئُونَ في السِّرِّ عَلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ المَكْرِ والكَيْدِ، واللَّهُ تَعالى كانَ يُطْلِعُ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى تِلْكَ الأحْوالِ حالًا فَحالًا، ويُخْبِرُهُ عَنْها عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ، وما كانُوا يَجِدُونَ في كُلِّ ذَلِكَ إلّا الصِّدْقَ، فَقِيلَ لَهم: إنَّ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ بِإخْبارِ اللَّهِ تَعالى وإلّا لَما اطَّرَدَ الصِّدْقُ فِيهِ، ولَظَهَرَ في قَوْلِ مُحَمَّدٍ أنْواعُ الِاخْتِلافِ والتَّفاوُتِ، فَلَمّا لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إلّا بِإعْلامِ اللَّهِ تَعالى.

والثّانِي: وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أكْثَرُ المُتَكَلِّمِينَ أنَّ المُرادَ مِنهُ أنَّ القُرْآنَ كِتابٌ كَبِيرٌ، وهو مُشْتَمِلٌ عَلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ العُلُومِ، فَلَوْ كانَ ذَلِكَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَقَعَ فِيهِ أنْواعٌ مِنَ الكَلِماتِ المُتَناقِضَةِ، لِأنَّ الكِتابَ الكَبِيرَ الطَّوِيلَ لا يَنْفَكُّ عَنْ ذَلِكَ، ولَمّا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ.

فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ﴾ ﴿إلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢- ٢٣] كالمُناقِضِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وآياتُ الجَبْرِ كالمُناقِضَةِ لِآياتِ القَدَرِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْألَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٩٢] كالمُناقِضِ لِقَوْلِهِ: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْألُ عَنْ ذَنْبِهِ إنْسٌ ولا جانٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] .

قُلْنا: قَدْ شَرَحْنا في هَذا التَّفْسِيرِ أنَّهُ لا مُنافاةَ ولا مُناقَضَةَ بَيْنَ شَيْءٍ مِنها البَتَّةَ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: في تَفْسِيرِ قَوْلِنا: القُرْآنُ سَلِيمٌ …

83

وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌۭ مِّنَ ٱلْأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُوا۟ بِهِۦ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَٱتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَٰنَ إِلَّا قَلِيلًۭا

And when there comes to them information about [public] security or fear, they spread it around. But if they had referred it back to the Messenger or to those of authority among them, then the ones who [can] draw correct conclusions from it would have known about it. And if not for the favor of Allah upon you and His mercy, you would have followed Satan, except for a few.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلّا قَلِيلًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى حَكى عَنِ المُنافِقِينَ في هَذِهِ الآيَةِ نَوْعًا آخَرَ مِنَ الأعْمالِ الفاسِدَةِ، وهو أنَّهُ إذا جاءَهُمُ الخَبَرُ بِأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ الأمْرُ مِن بابِ الأمْنِ أوْ مِن بابِ الخَوْفِ أذاعُوهُ وأفْشُوهُ، وكانَ ذَلِكَ سَبَبَ الضَّرَرِ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الإرْجافاتِ لا تَنْفَكُّ عَنِ الكَذِبِ الكَثِيرِ.

والثّانِي: أنَّهُ إنْ كانَ ذَلِكَ الخَبَرُ في جانِبِ الأمْنِ زادُوا فِيهِ زِياداتٍ كَثِيرَةً، فَإذا لَمْ تُوجَدْ تِلْكَ الزِّياداتُ أوْرَثَ ذَلِكَ شُبْهَةً لِلضُّعَفاءِ في صِدْقِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَرْوُونَ تِلْكَ الإرْجافاتِ عَنِ الرَّسُولِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ في جانِبِ الخَوْفِ تُشُوِّشَ الأمْرُ بِسَبَبِهِ عَلى ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ، ووَقَعُوا عِنْدَهُ في الحَيْرَةِ والِاضْطِرابِ، فَكانَتْ تِلْكَ الإرْجافاتُ سَبَبًا لِلْفِتْنَةِ مِن هَذا الوَجْهِ.

الوَجْهُ الثّالِثُ: وهو أنَّ الإرْجافَ سَبَبٌ لِتَوْفِيرِ الدَّواعِي عَلى البَحْثِ الشَّدِيدِ والِاسْتِقْصاءِ التّامِّ، وذَلِكَ سَبَبٌ لِظُهُورِ الأسْرارِ، وذَلِكَ مِمّا لا يُوافِقُ مَصْلَحَةَ المَدِينَةِ.

الرّابِعُ: أنَّ العَداوَةَ الشَّدِيدَةَ كانَتْ قائِمَةً بَيْنَ المُسْلِمِينَ وبَيْنَ الكُفّارِ، وكانَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في إعْدادِ آلاتِ الحَرْبِ وفي انْتِهازِ الفُرْصَةِ فِيهِ، فَكُلُّ ما كانَ أمْنًا لِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ كانَ خَوْفًا لِلْفَرِيقِ الثّانِي، فَإنْ وقَعَ خَبَرُ الأمْنِ لِلْمُسْلِمِينَ وحُصُولُ العَسْكَرِ وآلاتِ الحَرْبِ لَهم أرْجَفَ المُنافِقُونَ بِذَلِكَ فَوَصَلَ الخَبَرُ في أسْرَعِ مُدَّةٍ إلى الكُفّارِ، فَأخَذُوا في التَّحَصُّنِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وفي الِاحْتِرازِ عَنِ اسْتِيلائِهِمْ عَلَيْهِمْ، وإنْ وقَعَ خَبَرُ الخَوْفِ لِلْمُسْلِمِينَ بالَغُوا في ذَلِكَ، وزادُوا فِيهِ وألْقَوُا الرُّعْبَ في قُلُوبِ الضَّعَفَةِ والمَساكِينِ، فَظَهَرَ مِن هَذا أنَّ ذَلِكَ الإرْجافَ كانَ مَنشَأً لِلْفِتَنِ والآفاتِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، ولَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ذَمَّ اللَّهُ تِلْكَ الإذاعَةَ وذَلِكَ التَّشْهِيرَ، ومَنَعَهم مِنهُ.

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: أذاعَهُ وأذاعَ بِهِ لُغَتانِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ .

صفحة ١٥٩

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في ﴿أُولِي الأمْرِ﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: إلى ذَوِي العِلْمِ والرَّأْيِ مِنهم.

والثّانِي: إلى أُمَراءِ السَّرايا، وهَؤُلاءِ رَجَّحُوا هَذا القَوْلَ عَلى الأوَّلِ، قالُوا لِأنَّ أُولِي الأمْرِ الَّذِينَ لَهم أمْرٌ عَلى النّاسِ، وأهْلُ العِلْمِ لَيْسُوا كَذَلِكَ، وإنَّما الأُمَراءُ هُمُ المَوْصُوفُونَ بِأنَّ لَهم أمْرًا عَلى النّاسِ.

وأُجِيبَ عَنْهُ: بِأنَّ العُلَماءَ إذا كانُوا عالِمِينَ بِأوامِرِ اللَّهِ ونَواهِيهِ، وكانَ يَجِبُ عَلى غَيْرِهِمْ قَبُولُ قَوْلِهِمْ لَمْ يَبْعُدْ أنْ يُسَمَّوْا أُولِي الأمْرِ مِن هَذا الوَجْهِ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢] فَأوْجَبَ الحَذَرَ بِإنْذارِهِمْ وألْزَمَ المُنْذَرِينَ قَبُولَ قَوْلِهِمْ، …

84

فَقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ۚ وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًۭا وَأَشَدُّ تَنكِيلًۭا

So fight, [O Muhammad], in the cause of Allah; you are not held responsible except for yourself. And encourage the believers [to join you] that perhaps Allah will restrain the [military] might of those who disbelieve. And Allah is greater in might and stronger in [exemplary] punishment.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا وأشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِالجِهادِ ورَغَّبَ فِيهِ أشَدَّ التَّرْغِيبِ في الآياتِ المُتَقَدِّمَةِ، وذَكَرَ في المُنافِقِينَ قِلَّةَ رَغْبَتِهِمْ في الجِهادِ، بَلْ ذَكَرَ عَنْهم شِدَّةَ سَعْيِهِمْ في تَثْبِيطِ المُسْلِمِينَ عَنِ الجِهادِ، عادَ في هَذِهِ الآيَةِ إلى الأمْرِ بِالجِهادِ فَقالَ: ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلْ﴾ بِماذا تَتَعَلَّقُ ؟ فِيهِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّها جَوابٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ﴾ [النساء: ٧٤] مِن طَرِيقِ المَعْنى لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى مَعْنى إنْ أرَدْتَ الفَوْزَ فَقاتِلْ.

الثّانِي: أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ: ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .

والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِمَعْنى ما ذَكَرَ مِن قَصَصِ المُنافِقِينَ، والمَعْنى أنَّ مِن أخْلاقِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ كَذا وكَذا، فَلا تَعْتَدَّ بِهِمْ ولا تَلْتَفِتْ إلى أفْعالِهِمْ، بَلْ قاتِلْ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَهُ بِالجِهادِ ولَوْ وحْدَهُ قَبْلَ دُعاءِ النّاسِ في بَدْرٍ الصُّغْرى إلى الخُرُوجِ، وكانَ أبُو سُفْيانَ واعَدَ الرَّسُولَ ﷺ اللِّقاءَ فِيها، فَكَرِهَ بَعْضُ النّاسِ أنْ يَخْرُجُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَخَرَجَ وما مَعَهُ إلّا سَبْعُونَ رَجُلًا ولَمْ يَلْتَفِتْ إلى أحَدٍ، ولَوْ لَمْ يَتَّبِعُوهُ لَخَرَجَ وحْدَهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ ﷺ كانَ أشْجَعَ الخَلْقِ وأعْرَفَهم بِكَيْفِيَّةِ القِتالِ لِأنَّهُ تَعالى ما كانَ يَأْمُرُهُ بِذَلِكَ إلّا وهو ﷺ مَوْصُوفٌ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، ولَقَدِ اقْتَدى بِهِ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَيْثُ حاوَلَ الخُرُوجَ وحْدَهُ إلى قِتالِ مانِعِي الزَّكاةِ، ومَن عَلِمَ أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ بِيَدِ اللَّهِ وأنَّهُ لا يَحْصُلُ أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ إلّا بِقَضاءِ اللَّهِ سَهُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

صفحة ١٦٣

المَسْألَةُ الأُولى: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قُرِئَ (لا تُكَلَّفْ) بِالجَزْمِ عَلى النَّهْيِ. و(لا نُكَلِّفُ) بِالنُّونِ وكَسْرِ اللّامِ، أيْ لا نُكَلِّفُ نَحْنُ إلّا نَفْسَكَ وحْدَها.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: انْتِصابُ قَوْلِهِ: ﴿نَفْسَكَ﴾ عَلى مَفْعُولِ ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لَوْ لَمْ يُساعِدْهُ عَلى القِتالِ غَيْرُهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ التَّخَلُّفُ عَنِ الجِهادِ البَتَّةَ، والمَعْنى لا تُؤاخَذُ إلّا بِفِعْلِكَ دُونَ فِعْلِ غَيْرِكَ، فَإذا أدَّيْتَ فِعْلَكَ لا تُكَلَّفُ بِفَرْضِ غَيْرِكَ.

واعْلَمْ أنَّ الجِهادَ في حَقِّ غَيْرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن فُرُوضِ الكِفاياتِ، فَما لَمْ يَغْلِبْ عَلى الظَّنِّ أنَّهُ يُفِيدُ لَمْ يَجِبْ، بِخِلافِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَإنَّهُ عَلى ثِقَةٍ مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] وبِدَلِيلِ قَوْلِهِ هَهُنا: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ و”عَسى“ مِنَ اللَّهِ جَزْمٌ، فَلَزِمَهُ الجِهادُ وإنْ كانَ وحْدَهُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ والمَعْنى …

85

مَّن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً حَسَنَةًۭ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٌۭ مِّنْهَا ۖ وَمَن يَشْفَعْ شَفَٰعَةًۭ سَيِّئَةًۭ يَكُن لَّهُۥ كِفْلٌۭ مِّنْهَا ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ مُّقِيتًۭا

Whoever intercedes for a good cause will have a reward therefrom; and whoever intercedes for an evil cause will have a burden therefrom. And ever is Allah, over all things, a Keeper.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾

وفِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ في تَعَلُّقِ هَذِهِ الآيَةِ بِما قَبْلَها وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنْ يُحَرِّضِ الأُمَّةَ عَلى الجِهادِ، والجِهادُ مِنَ الأعْمالِ الحَسَنَةِ والطّاعاتِ الشَّرِيفَةِ، فَكانَ تَحْرِيضُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِلْأُمَّةِ عَلى الجِهادِ تَحْرِيضًا مِنهُ لَهم عَلى الفِعْلِ الحَسَنِ والطّاعَةِ الحَسَنَةِ، فَبَيَّنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها، والغَرَضُ مِنهُ بَيانُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا حَرَّضَهم عَلى الجِهادِ فَقَدِ اسْتَحَقَّ بِذَلِكَ التَّحْرِيضِ أجْرًا عَظِيمًا.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهُ بِتَحْرِيضِهِمْ عَلى الجِهادِ ذَكَرَ أنَّهم لَوْ لَمْ يَقْبَلُوا أمْرَهُ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ مِن عِصْيانِهِمْ وتَمَرُّدِهِمْ عَيْبٌ، ثُمَّ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهم لَمّا أطاعُوا وقَبِلُوا التَّكْلِيفَ رَجَعَ إلَيْهِمْ مِن طاعَتِهِمْ خَيْرٌ كَثِيرٌ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: حَرِّضْهم عَلى الجِهادِ، فَإنْ لَمْ يَقْبَلُوا قَوْلَكَ لَمْ يَكُنْ مِن عِصْيانِهِمْ عِتابٌ لَكَ، وإنْ أطاعُوكَ حَصَلَ لَكَ مِن طاعَتِهِمْ أعْظَمُ الثَّوابِ، فَكانَ هَذا تَرْغِيبًا مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ في أنْ يَجْتَهِدَ في تَحْرِيضِ الأُمَّةِ عَلى الجِهادِ، والسَّبَبُ في أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَرْجِعُ إلَيْهِ عِنْدَ طاعَتِهِمْ أجْرٌ عَظِيمٌ، وما كانَ يَرْجِعُ إلَيْهِ مِن مَعْصِيَتِهِمْ شَيْءٌ مِنَ الوِزْرِ، هو أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بَذَلَ الجُهْدَ في تَرْغِيبِهِمْ في الطّاعَةِ وما رَغَّبَهُمُ البَتَّةَ في المَعْصِيَةِ، فَلا جَرَمَ يَرْجِعُ إلَيْهِ مِن طاعَتِهِمْ أجْرٌ ولا يَرْجِعُ إلَيْهِ مِن مَعْصِيَتِهِمْ وِزْرٌ.

الثّالِثُ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمّا كانَ يُرَغِّبُهم في القِتالِ ويُبالِغُ في تَحْرِيضِهِمْ عَلَيْهِ، فَكانَ بَعْضُ المُنافِقِينَ يَشْفَعُ إلى النَّبِيِّ ﷺ في أنْ يَأْذَنَ لِبَعْضِهِمْ في التَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ، فَنَهى اللَّهُ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الشَّفاعَةِ وبَيَّنَ أنَّ الشَّفاعَةَ إنَّما تَحْسُنُ إذا كانَتْ وسِيلَةً إلى إقامَةِ طاعَةِ اللَّهِ، فَأمّا إذا كانَتْ وسِيلَةً إلى مَعْصِيَتِهِ كانَتْ مُحَرَّمَةً مُنْكَرَةً.

الرّابِعُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ راغِبًا في الجِهادِ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَجِدْ أُهْبَةَ الجِهادِ، فَصارَ غَيْرُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ شَفِيعًا لَهُ إلى مُؤْمِنٍ آخَرَ لِيُعِينَهُ عَلى الجِهادِ، فَكانَتْ هَذِهِ الشَّفاعَةُ سَعْيًا في إقامَةِ الطّاعَةِ، فَرَغَّبَ اللَّهُ تَعالى في مِثْلِ هَذِهِ الشَّفاعَةِ، وعَلى جَمِيعِ الوُجُوهِ فالآيَةُ حَسَنَةُ الِاتِّصالِ بِما قَبْلَها.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: الشَّفاعَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الشَّفْعِ، وهو أنْ يُصَيِّرَ الإنْسانُ نَفْسَهُ شَفْعًا لِصاحِبِ الحاجَةِ حَتّى يَجْتَمِعَ مَعَهُ عَلى المَسْألَةِ فِيها.

إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: في الشَّفاعَةِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ وُجُوهٌ:

الأوَّلُ: أنَّ المُرادَ مِنها تَحْرِيضُ النَّبِيِّ ﷺ إيّاهم عَلى الجِهادِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ إذا كانَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَأْمُرُهم بِالغَزْوِ فَقَدْ جَعَلَ نَفْسَهُ شَفِيعًا لَهم في تَحْصِيلِ الأغْراضِ …

86

وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍۢ فَحَيُّوا۟ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا

And when you are greeted with a greeting, greet [in return] with one better than it or [at least] return it [in a like manner]. Indeed, Allah is ever, over all things, an Accountant.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ .

فِي النَّظْمِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ لَمّا أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِالجِهادِ أمَرَهم أيْضًا بِأنَّ الأعْداءَ لَوْ رَضُوا بِالمَسْألَةِ فَكُونُوا أنْتُمْ أيْضًا راضِينَ بِها، فَقَوْلُهُ: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها﴾ [الأنفال: ٦١] .

الثّانِي: أنَّ الرَّجُلَ في الجِهادِ كانَ يَلْقاهُ الرَّجُلُ في دارِ الحَرْبِ أوْ ما يُقارِبُها فَيُسَلِّمَ عَلَيْهِ، فَقَدْ لا يَلْتَفِتُ إلى سَلامِهِ عَلَيْهِ ويَقْتُلُهُ، ورُبَّما ظَهَرَ أنَّهُ كانَ مُسْلِمًا، فَمَنَعَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ عَنْهُ وأمَرَهم أنَّ كُلَّ مَن يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ ويُكْرِمُهم بِنَوْعٍ مِنَ الإكْرامِ يُقابِلُونَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ الإكْرامِ أوْ أزْيَدَ، فَإنَّهُ إنْ كانَ كافِرًا لا يَضُرُّ المُسْلِمَ أنْ قابَلَ إكْرامَ ذَلِكَ الكافِرِ بِنَوْعٍ مِنَ الإكْرامِ، أمّا إنْ كانَ مُسْلِمًا وقَتَلَهُ فَفِيهِ أعْظَمُ المَضارِّ والمَفاسِدِ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: التَّحِيَّةُ تَفْعِلَةٌ مِن حَيَّيْتُ، وكانَ في الأصْلِ تَحْيِيَةٌ، مِثْلُ التَّوْصِيَةِ والتَّسْمِيَةِ، والعَرَبُ تُؤْثِرُ التَّفْعِلَةَ عَلى التَّفْعِيلِ في ذَواتِ الأرْبَعَةِ، نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] فَثَبَتَ أنَّ التَّحِيَّةَ أصْلُها

صفحة ١٦٧

التَّحْيِيَةُ ثُمَّ أدْغَمُوا الياءَ في الياءِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اعْلَمْ أنَّ عادَةَ العَرَبِ قَبْلَ الإسْلامِ أنَّهُ إذا لَقِيَ بَعْضُهم بَعْضًا قالُوا: حَيّاكَ اللَّهُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الحَياةِ كَأنَّهُ يَدْعُو لَهُ بِالحَياةِ، فَكانَتِ التَّحِيَّةُ عِنْدَهم عِبارَةً عَنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ حَيّاكَ اللَّهُ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ أُبْدِلَ ذَلِكَ بِالسَّلامِ، فَجَعَلُوا التَّحِيَّةَ اسْمًا لِلسَّلامِ. قالَ تَعالى: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] ومِنهُ قَوْلُ المُصَلِّي: التَّحِيّاتُ لِلَّهِ، أيِ السَّلامُ مِنَ الآفاتِ لِلَّهِ، والأشْعارُ ناطِقَةٌ بِذَلِكَ. قالَ عَنْتَرَةُ:

حَيْيَتُ مِن طَلَلٍ تَقادَمَ عَهْدُهُ

وقالَ آخَرُ:

إنّا مُحَيُّوكِ يا سَلْمى فَحَيِّينا

واعْلَمْ أنَّ قَوْلَ القائِلِ لِغَيْرِهِ: السَّلامُ عَلَيْكَ أتَمُّ وأكْمَلُ مِن قَوْلِهِ: حَيّاكَ اللَّهُ، وبَيانُهُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ الحَيَّ إذا كانَ سَلِيمًا كانَ حَيًّا لا مَحالَةَ، ولَيْسَ إذا كانَ حَيًّا كانَ سَلِيمًا، فَقَدْ تَكُونُ حَياتُهُ مَقْرُونَةً بِالآفاتِ والبَلِيّاتِ، فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: السَّلامُ عَلَيْكَ أتَمُّ وأكْمَلُ مِن قَوْلِهِ: حَيّاكَ اللَّهُ.

الثّانِي: أنَّ السَّلامَ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، فالِابْتِداءُ بِذِكْرِ اللَّهِ أوْ بِصِفَةٍ مِن صِفاتِهِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ يُرِيدُ إبْقاءَ السَّلامَةِ عَلى عِبادِهِ أكْمَلُ مِن قَوْلِهِ: حَيّاكَ اللَّهُ.

الثّالِثُ: أنَّ قَوْلَ الإنْسانِ لِغَيْرِهِ: السَّلامُ عَلَيْكَ فِيهِ بِشارَةٌ بِالسَّلامَةِ، وقَوْلَهُ: حَيّاكَ اللَّهُ لا يُفِيدُ ذَلِكَ، فَكانَ هَذا أكْمَلُ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى فَضِيلَةِ السَّلامِ القُرْآنُ والأحادِيثُ والمَعْقُولُ، أمّا القُرْآنُ فَمِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَلَّمَ عَلى المُؤْمِنِ في اثْنَيْ عَشَرَ مَوْضِعًا:

أوَّلُها: أنَّهُ تَعالى كَأنَّهُ سَلَّمَ عَلَيْكَ في الأزَلِ، ألا تَرى أنَّهُ قالَ في وصْفِ ذاتِهِ: المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ.

وثانِيها: أنَّهُ سَلَّمَ عَلى …

87

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۗ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثًۭا

Allah - there is no deity except Him. He will surely assemble you for [account on] the Day of Resurrection, about which there is no doubt. And who is more truthful than Allah in statement.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ .

فِي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنّا بَيَّنّا أنَّ المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ أنْ لا يَصِيرَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ مَقْتُولًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ بِالوَعِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ ثُمَّ بالَغَ في تَأْكِيدِ ذَلِكَ الوَعِيدِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ التَّوْحِيدَ والعَدْلَ مُتَلازِمانِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ إشارَةٌ إلى التَّوْحِيدِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ إشارَةٌ إلى العَدْلِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] وكَقَوْلِهِ في طه: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] وهو إشارَةٌ إلى التَّوْحِيدِ ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] وهو إشارَةٌ إلى العَدْلِ، فَكَذا في هَذِهِ الآيَةِ بَيَّنَ أنَّهُ يَجِبُ في حُكْمِهِ وحِكْمَتِهِ أنْ يَجْمَعَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في عَرَصَةِ القِيامَةِ فَيَنْتَصِفَ لِلْمَظْلُومِينَ مِنَ الظّالِمِينَ، ولا شَكَّ أنَّهُ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ.

الثّانِي: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: مَن سَلَّمَ عَلَيْكم وحَيّاكم فاقْبَلُوا سَلامَهُ وأكْرِمُوهُ وعامِلُوهُ بِناءً عَلى الظّاهِرِ، فَإنَّ البَواطِنَ إنَّما يَعْرِفُها اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو، إنَّما تَنْكَشِفُ بَواطِنُ الخَلْقِ لِلْخَلْقِ في يَوْمِ القِيامَةِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: قَوْلُهُ: ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ إمّا خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ، وإمّا اعْتِراضٌ والخَبَرُ ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ﴾ واللّامُ لامُ القَسَمِ، والتَّقْدِيرُ: واللَّهِ لَيَجْمَعَنَّكم.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: لِمَ لَمْ يَقُلْ: لَيَجْمَعَنَّكم في يَوْمِ القِيامَةِ ؟

والجَوابُ مِن وجْهَيْنِ:

الأوَّلُ: المُرادُ لَيَجْمَعَنَّكم في المَوْتِ أوِ القُبُورِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

الثّانِي: التَّقْدِيرُ:

صفحة ١٧٣

لَيَضُمَّنَّكم إلى ذَلِكَ اليَوْمِ ويَجْمَعُ بَيْنَكم وبَيْنَهُ بِأنْ يَجْمَعَكم فِيهِ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يُقالَ سُمِّيَتِ القِيامَةُ قِيامَةً لِأنَّ النّاسَ يَقُومُونَ مِن قُبُورِهِمْ، ويَجُوزُ أيْضًا أنْ يُقالَ: سُمِّيَتْ بِهَذا الِاسْمِ لِأنَّ النّاسَ يَقُومُونَ لِلْحِسابِ قالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: القِيامُ القِيامَةُ، كالطِّلابِ والطِّلابَةِ.

* * *

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى أثْبَتَ أنَّ القِيامَةَ سَتُوجَدُ لا مَحالَةَ، وجَعَلَ الدَّلِيلَ عَلى ذَلِكَ مُجَرَّدَ إخْبارِ اللَّهِ تَعالى عَنْهُ، وهَذا حَقٌّ، وذَلِكَ لِأنَّ المَسائِلَ الأُصُولِيَّةَ عَلى قِسْمَيْنِ مِنها ما العِلْمُ بِصِحَّةِ النُّبُوَّةِ يَكُونُ مُحْتاجًا إلى العِلْمِ بِصِحَّتِهِ، ومِنها ما لا يَكُونُ كَذَلِكَ:

والأوَّلُ مِثْلُ عِلْمِنا بِافْتِقارِ العالَمِ إلى صانِعٍ عالِمٍ بِكُلِّ المَعْلُوماتِ قادِرٍ عَلى كُلِّ المُمْكِناتِ، فَإنّا ما لَمْ نَعْلَمْ ذَلِكَ لا يُمْكِنُنا العِلْمُ بِصِدْقِ الأنْبِياءِ، فَكُلُّ مَسْألَةٍ هَذا شَأْنُها فَإنَّهُ يَمْتَنِعُ …

88

۞ فَمَا لَكُمْ فِى ٱلْمُنَٰفِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓا۟ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا۟ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ ۖ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلًۭا

What is [the matter] with you [that you are] two groups concerning the hypocrites, while Allah has made them fall back [into error and disbelief] for what they earned. Do you wish to guide those whom Allah has sent astray? And he whom Allah sends astray - never will you find for him a way [of guidance].

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّ هَذا نَوْعٌ آخَرُ مِن أحْوالِ المُنافِقِينَ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى، وهَهُنا مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ قَدِمُوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ وآلِهِ مُسْلِمِينَ فَأقامُوا بِالمَدِينَةِ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قالُوا يا رَسُولَ اللَّهِ: نُرِيدُ أنْ نَخْرُجَ إلى الصَّحْراءِ فائْذَنْ لَنا فِيهِ، فَأذِنَ لَهم، فَلَمّا خَرَجُوا لَمْ يَزالُوا يَرْحَلُونَ مَرْحَلَةً مَرْحَلَةً حَتّى لَحِقُوا بِالمُشْرِكِينَ فَتَكَلَّمَ المُؤْمِنُونَ فِيهِمْ، فَقالَ بَعْضُهم: لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ مِثْلَنا لَبَقَوْا مَعَنا وصَبَرُوا كَما صَبَرْنا، وقالَ قَوْمٌ: هم مُسْلِمُونَ، ولَيْسَ لَنا أنْ نَنْسِبَهم إلى الكُفْرِ إلى أنْ يَظْهَرَ أمْرُهم، فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى نِفاقَهم في هَذِهِ الآيَةِ.

الثّانِي: نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمٍ أظْهَرُوا الإسْلامَ بِمَكَّةَ، وكانُوا يُعِينُونَ المُشْرِكِينَ عَلى المُسْلِمِينَ. فاخْتَلَفَ المُسْلِمُونَ فِيهِمْ وتَشاجَرُوا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ.

الثّالِثُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في الَّذِينَ تَخَلَّفُوا يَوْمَ أُحُدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالُوا: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لاتَّبَعْناكم، فاخْتَلَفَ أصْحابُ الرَّسُولِ ﷺ فِيهِمْ، فَمِنهم فِرْقَةٌ يَقُولُونَ: كَفَرُوا، وآخَرُونَ قالُوا: لَمْ يَكْفُرُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وهو قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، ومِنهم مَن طَعَنَ في هَذا الوَجْهِ وقالَ: في نَسَقِ الآيَةِ ما يَقْدَحُ فِيهِ، وإنَّهم مِن أهْلِ مَكَّةَ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ .

الرّابِعُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في قَوْمٍ ضَلُّوا وأخَذُوا أمْوالَ المُسْلِمِينَ وانْطَلَقُوا بِها إلى اليَمامَةِ فاخْتَلَفَ المُسْلِمُونَ فِيهِمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ: وهو قَوْلُ عِكْرِمَةَ.

الخامِسُ: هُمُ العُرَنِيُّونَ الَّذِينَ أغارُوا وقَتَلُوا يَسارًا مَوْلى الرَّسُولِ ﷺ .

السّادِسُ: قالَ ابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ في أهْلِ الإفْكِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: في مَعْنى الآيَةِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ ”فِئَتَيْنِ“ نُصِبَ عَلى الحالِ: كَقَوْلِكَ: ما لَكَ قائِمًا، أيْ ما لَكَ في حالِ القِيامِ، وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ.

الثّانِي: أنَّهُ نُصِبَ عَلى خَبَرِ كانَ، والتَّقْدِيرُ: ما لَكم صِرْتُمْ في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ ؟ وهو اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، أيْ لِمَ تَخْتَلِفُونَ في كُفْرِهِمْ مَعَ أنَّ دَلائِلَ كُفْرِهِمْ ونِفاقِهِمْ ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ، فَلَيْسَ لَكم أنْ تَخْتَلِفُوا فِيهِ بَلْ يَجِبُ أنْ تَقْطَعُوا بِكُفْرِهِمْ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قالَ الحَسَنُ: إنَّما سَمّاهم مُنافِقِينَ وإنْ أظْهَرُوا الكُفْرَ لِأنَّهم وُصِفُوا بِالصِّفَةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها مِن قَبْلُ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فِئَتَيْنِ﴾ ما بَيَّنّا أنَّ فِرْقَةً مِنهم كانَتْ تَمِيلُ إلَيْهِمْ وتَذُبُّ عَنْهم وتُوالِيهِمْ، وفِرْقَةً مِنهم تُبايِنُهم وتُعادِيهِمْ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ وأُمِرُوا بِأنْ يَكُونُوا عَلى نَهْجٍ واحِدٍ في التَّبايُنِ والتَّبَرِّي والتَّكْفِيرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

ثُمَّ قالَ تَعالى مُخْبِرًا عَنْ كُفْرِهِمْ: ﴿واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الرَّكْسُ: رَدُّ الشَّيْءِ مِن آخِرِهِ إلى أوَّلِهِ، فالرَّكْسُ والنَّكْسُ …

89

وَدُّوا۟ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا۟ فَتَكُونُونَ سَوَآءًۭ ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنْهُمْ وَلِيًّۭا وَلَا نَصِيرًا

They wish you would disbelieve as they disbelieved so you would be alike. So do not take from among them allies until they emigrate for the cause of Allah. But if they turn away, then seize them and kill them wherever you find them and take not from among them any ally or helper.

صفحة ١٧٦

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ رُفِعَ بِالنَّسَقِ عَلى ﴿تَكْفُرُونَ﴾ والمَعْنى: ودُّوا لَوْ تَكُونُونَ، والفاءُ عاطِفَةٌ ولا يَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ جَوابَ التَّمَنِّي، ولَوْ أرادَ ذَلِكَ عَلى تَأْوِيلِ إذا كَفَرُوا اسْتَوَوْا لَكانَ نَصْبًا، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿ودُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩] ولَوْ قِيلَ: ”فَيُدْهِنُوا“ عَلى الجَوابِ لَكانَ ذَلِكَ جائِزًا في الإعْرابِ، ومِثْلُهُ: ﴿ودَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكم وأمْتِعَتِكم فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ أيْ في الكُفْرِ، والمُرادُ فَتَكُونُونَ أنْتُمْ وهم سَواءٌ إلّا أنَّهُ اكْتَفى بِذِكْرِ المُخاطَبِينَ عَنْ ذِكْرِ غَيْرِهِمْ لِوُضُوحِ المَعْنى بِسَبَبِ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِمْ، واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا شَرَحَ لِلْمُؤْمِنِينَ كُفْرَهم وشِدَّةَ غُلُوِّهم في ذَلِكَ الكُفْرِ.

* * *

فَبَعْدَ ذَلِكَ شَرَحَ لِلْمُؤْمِنِينَ كَيْفِيَّةَ المُخالَطَةِ مَعَهم فَقالَ: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ مُوالاةُ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ والمُشْتَهِرِينَ بِالزَّنْدَقَةِ والإلْحادِ، وهَذا مُتَأكِّدٌ بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة: ١] والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ أعَزَّ الأشْياءِ وأعْظَمَها عِنْدَ جَمِيعِ الخَلْقِ هو الدِّينُ، لِأنَّ ذَلِكَ هو الأمْرُ الَّذِي بِهِ يُتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ تَعالى، ويُتَوَسَّلُ بِهِ إلى طَلَبِ السَّعادَةِ في الآخِرَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتِ العَداوَةُ الحاصِلَةُ بِسَبَبِهِ أعْظَمَ أنْواعِ العَداوَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ طَلَبُ المَحَبَّةِ والوِلايَةِ في المَوْضِعِ الَّذِي يَكُونُ أعْظَمُ مُوجِباتِ العَداوَةِ حاصِلًا فِيهِ واللَّهُ أعْلَمُ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: التَّقْدِيرُ حَتّى يُسْلِمُوا ويُهاجِرُوا، لِأنَّ الهِجْرَةَ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تَكُونُ إلّا بَعْدَ الإسْلامِ، فَقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى إيجابِ الهِجْرَةِ بَعْدَ الإسْلامِ، وأنَّهم وإنْ أسْلَمُوا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنا وبَيْنَهم مُوالاةٌ إلّا بَعْدَ الهِجْرَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ: ﴿ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ [الأنفال: ٧٢] .

واعْلَمْ أنَّ هَذا التَّكْلِيفَ إنَّما كانَ لازِمًا حالَ ما كانَتِ الهِجْرَةُ مَفْرُوضَةً قالَ ﷺ: ”«أنا بَرِيءٌ مِن كُلِّ مُسْلِمٍ أقامَ بَيْنَ أظْهُرِ المُشْرِكِينَ وأنا بَرِيءٌ مَن كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ» “ فَكانَتِ الهِجْرَةُ واجِبَةً إلى أنْ فُتِحَتْ مَكَّةُ، ثُمَّ نُسِخَ فَرْضُ الهِجْرَةِ. عَنْ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ”«لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ ولَكِنْ جِهادٌ ونِيَّةٌ» “ ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّ حُكْمَ الآيَةِ ثابِتٌ في كُلِّ مَن أقامَ في دارِ الحَرْبِ فَرَأى فَرْضَ الهِجْرَةِ إلى دارِ الإسْلامِ قائِمًا.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ الهِجْرَةَ تارَةً تَحْصُلُ بِالِانْتِقالِ مِن دارِ الكُفْرِ إلى دارِ الإيمانِ، وأُخْرى تَحْصُلُ بِالِانْتِقالِ عَنْ أعْمالِ الكُفّارِ إلى أعْمالِ المُسْلِمِينَ، قالَ ﷺ: ”«المُهاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ» “ وقالَ المُحَقِّقُونَ: الهِجْرَةُ في سَبِيلِ اللَّهِ عِبارَةٌ عَنِ الهِجْرَةِ عَنْ تَرْكِ مَأْمُوراتِهِ وفِعْلِ مَنهِيّاتِهِ، …

90

إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَٰقٌ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَٰتِلُوكُمْ أَوْ يُقَٰتِلُوا۟ قَوْمَهُمْ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَٰتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا۟ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًۭا

Except for those who take refuge with a people between yourselves and whom is a treaty or those who come to you, their hearts strained at [the prospect of] fighting you or fighting their own people. And if Allah had willed, He could have given them power over you, and they would have fought you. So if they remove themselves from you and do not fight you and offer you peace, then Allah has not made for you a cause [for fighting] against them.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهم ولا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ . والمَعْنى فَإنْ أعْرَضُوا عَنِ الهِجْرَةِ ولَزِمُوا مَواضِعَهم خارِجًا عَنِ المَدِينَةِ فَخُذُوهم إذا قَدَرْتُمْ عَلَيْهِمْ، واقْتُلُوهم أيْنَما وجَدْتُمُوهم في الحِلِّ والحَرَمِ، ولا تَتَّخِذُوا مِنهم في هَذِهِ الحالَةِ ولِيًّا يَتَوَلّى شَيْئًا مِن مُهِمّاتِكم ولا نَصِيرًا يَنْصُرُكم عَلى أعْدائِكم.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَ بِقَتْلِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ اسْتَثْنى مِنهُ مَوْضِعَيْنِ.

﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ .

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: في قَوْلِهِ: ﴿يَصِلُونَ﴾ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: يَنْتَهُونَ إلَيْهِمْ ويَتَّصِلُونَ بِهِمْ، والمَعْنى أنَّ كُلَّ مَن دَخَلَ في عَهْدِ مَن كانَ داخِلًا في عَهْدِكم فَهم أيْضًا داخِلُونَ في عَهْدِكم. قالَ القَفّالُ رَحِمَهُ اللَّهُ: وقَدْ يَدْخُلُ في الآيَةِ أنْ يَقْصِدَ قَوْمٌ حَضْرَةَ الرَّسُولِ ﷺ فَيَتَعَذَّرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ المَطْلُوبُ فَيَلْجَأُوا إلى قَوْمٍ بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ عَهْدٌ إلى أنْ يَجِدُوا السَّبِيلَ إلَيْهِ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَصِلُونَ﴾ مَعْناهُ يَنْتَسِبُونَ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ أهْلَ مَكَّةَ أكْثَرُهم كانُوا مُتَّصِلِينَ بِالرَّسُولِ مِن جِهَةِ النَّسَبِ مَعَ أنَّهُ ﷺ كانَ قَدْ أباحَ دَمَ الكُفّارِ مِنهم.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: اخْتَلَفُوا في أنَّ القَوْمَ الَّذِينَ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ عَهْدٌ مَن هم ؟ قالَ بَعْضُهم هُمُ الأسْلَمِيُّونَ فَإنَّهُ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ، فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وادَعَ وقْتَ خُرُوجِهِ إلى مَكَّةَ هِلالَ بْنَ عُوَيْمِرٍ الأسْلَمِيَّ عَلى أنْ لا يَعْصِيَهُ ولا يُعِينَ عَلَيْهِ، وعَلى أنَّ كُلَّ مَن وصَلَ إلى هِلالٍ ولَجَأ إلَيْهِ فَلَهُ مِنَ الجِوارِ مِثْلُ ما لِهِلالٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم بَنُو بَكْرِ بْنِ زَيْدِ مَناةَ، وقالَ مُقاتِلٌ: هم خُزاعَةُ وخُزَيْمَةُ بْنُ عَبْدِ مَناةَ.

واعْلَمْ أنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ بِشارَةً عَظِيمَةً لِأهْلِ الإيمانِ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا رَفَعَ السَّيْفَ عَمَّنِ التَجَأ إلى مَنِ التَجَأ إلى المُسْلِمِينَ، فَبِأنْ يَرْفَعَ العَذابَ في الآخِرَةِ عَمَّنِ التَجَأ إلى مَحَبَّةِ اللَّهِ ومَحَبَّةِ رَسُولِهِ كانَ أوْلى واللَّهُ أعْلَمُ.

* المَوْضِعُ الثّانِي في الِاسْتِثْناءِ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهم أنْ يُقاتِلُوكم أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكم فَلَقاتَلُوكم فَإنِ اعْتَزَلُوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكم وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

صفحة ١٧٨

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ جاءُوكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى صِلَةِ ”الَّذِينَ“ والتَّقْدِيرُ: إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ بِالمُعاهَدِينَ أوِ الَّذِينَ حَصِرَتْ صُدُورُهم فَلا يُقاتِلُونَكم، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى صِفَةِ ”قَوْمٍ“ والتَّقْدِيرُ: إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم عَهْدٌ، أوْ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ حَصِرَتْ صُدُورُهم فَلا يُقاتِلُونَكم، والأوَّلُ أوْلى لِوَجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكم وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ وإنَّما ذَكَرَ هَذا بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ السَّبَبَ المُوجِبَ …

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.