Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 81–90 of 176

81

وَيَقُولُونَ طَاعَةٌۭ فَإِذَا بَرَزُوا۟ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌۭ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ ۖ وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ۖ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا

And they say, "[We pledge] obedience." But when they leave you, a group of them spend the night determining to do other than what you say. But Allah records what they plan by night. So leave them alone and rely upon Allah. And sufficient is Allah as Disposer of affairs.

صفحة ١٣٥

﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ﴿ويَقُولُونَ طاعَةٌ فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأعْرِضْ عَنْهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ .

هَذا كالتَّكْمِلَةِ لِقَوْلِهِ ﴿وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء: ٧٩] بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَهُ مِن رَدِّ اعْتِقادِهِمْ أنَّ الرَّسُولَ مَصْدَرُ السَّيِّئاتِ الَّتِي تُصِيبُهم، ثُمَّ مِن قَوْلِهِ ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٩] إلَخْ.

المُؤْذِنُ بِأنَّ بَيْنَ الخالِقِ وبَيْنَ المَخْلُوقِ فَرْقًا في التَّأْثِيرِ وأنَّ الرِّسالَةَ مَعْنًى آخَرَ فاحْتَرَسَ بِقَوْلِهِ ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ عَنْ تَوَهُّمِ السّامِعِينَ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ في أُمُورِ التَّشْرِيعِ، فَأثْبَتَ أنَّ الرَّسُولَ في تَبْلِيغِهِ إنَّما يُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ، فَأمْرُهُ أمْرُ اللَّهِ، ونَهْيُهُ نَهْيُ اللَّهِ، وطاعَتُهُ طاعَةُ اللَّهِ، وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُهُ ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ لِاشْتِمالِها عَلى إثْباتِ كَوْنِهِ رَسُولًا واسْتِلْزامِها أنَّهُ يَأْمُرُ ويَنْهى، وأنَّ ذَلِكَ تَبْلِيغٌ لِمُرادِ اللَّهِ تَعالى، فَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن ذَلِكَ أوْ كانَ في غَفْلَةٍ فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَهُ اخْتِلافَ مَقاماتِ الرَّسُولِ.

ومَن تَوَلّى أوْ أعْرَضَ واسْتَمَرَّ عَلى المُكابَرَةِ ﴿فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾، أيْ حارِسًا لَهم ومَسْئُولًا عَنْ إعْراضِهِمْ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِهِمْ، وتَهْدِيدٌ لَهم بِأنْ صَرَفَهُ عَنِ الِاشْتِغالِ بِهِمْ، فَيُعْلَمُ أنَّ اللَّهَ سَيَتَوَلّى عِقابَهم.

والتَّوَلِّي حَقِيقَتُهُ الِانْصِرافُ والإدْبارُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ [البقرة: ٢٠٥] وفي قَوْلِهِ ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ [البقرة: ١٤٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. واسْتُعْمِلَ هُنا مَجازًا في العِصْيانِ وعَدَمِ الإصْغاءِ إلى الدَّعْوَةِ.

”ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم لِضَعْفِ نُفُوسِهِمْ لا يُعْرِضُونَ جَهْرًا بَلْ يُظْهِرُونَ الطّاعَةَ، فَإذا أمَرَهُمُ الرَّسُولُ أوْ نَهاهم يَقُولُونَ لَهُ:“ طاعَةٌ ”أيْ: أمْرُنا طاعَةٌ، وهي كَلِمَةٌ يَدُلُّونَ بِها عَلى الِامْتِثالِ، ورُبَّما يُقالُ: سَمْعٌ وطاعَةٌ، وهو مَصْدَرٌ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ،

صفحة ١٣٦

أيْ أمْرُنا أوْ شَأْنُنا طاعَةٌ، كَما في قَوْلِهِ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨] . ولَيْسَ هو نائِبًا عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ الآتِي بَدَلًا مِنَ الفِعْلِ الَّذِي يُعْدَلُ عَنْ نَصْبِهِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ مِثْلَ“ قالَ سَلامٌ ”، إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ هُنا إحْداثَ الطّاعَةِ وإنَّما المَقْصُودُ أنَّنا سَنُطِيعُ ولا يَكُونُ مِنّا عِصْيانٌ.

ومَعْنى“ بَرَزُوا ”خَرَجُوا، وأصْلُ مَعْنى البُرُوزِ: الظُّهُورُ، وشاعَ إطْلاقُهُ عَلى الخُرُوجِ مَجازًا مُرْسَلًا.

و“ بَيَّتَ ”هُنا بِمَعْنى قَدَّرَ أمْرًا في السِّرِّ وأضْمَرَهُ، لِأنَّ أصْلَ البَياتِ هو فِعْلُ شَيْءٍ في اللَّيْلِ، والعَرَبُ تَسْتَعِيرُ ذَلِكَ إلى مَعْنى الإسْرارِ، لِأنَّ اللَّيْلَ أكْتَمُ لِلسِّرِّ، ولِذَلِكَ يَقُولُونَ: هَذا أمْرٌ قُضِيَ بِلَيْلٍ، أيْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أحَدٌ، وقالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:

أجْمَعُوا أمْرَهم بِلَيْلٍ فَلَمّا أصْبَحُوا أصْبَحَتْ لَهم ضَوْضاءُ

.

وقالَ أبُو سُفْيانَ: هَذا أمْرٌ قُضِيَ بِلَيْلٍ. وقالَ تَعالى ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ …

82

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَٰفًۭا كَثِيرًۭا

Then do they not reflect upon the Qur'an? If it had been from [any] other than Allah, they would have found within it much contradiction.

صفحة ١٣٧

﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ .

الفاءُ تَفْرِيعٌ عَلى الكَلامِ السّابِقِ المُتَعَلِّقِ بِهَؤُلاءِ المُنافِقِينَ أوِ الكَفَرَةِ الصُّرَحاءِ وبِتَوَلِّيهِمُ المُعَرَّضَ بِهِمْ في شَأْنِهِ بِقَوْلِهِ ﴿ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠]، وبِقَوْلِهِمْ طاعَةٌ، ثُمَّ تَدْبِيرُ العِصْيانِ فِيما وُعِدُوا بِالطّاعَةِ في شَأْنِهِ. ولَمّا كانَ ذَلِكَ كُلُّهُ أثَرًا مِن آثارِ اسْتِبْطانِ الكُفْرِ، أوِ الشَّكِّ، أوِ اخْتِيارِ ما هو في نَظَرِهِمْ أوْلى مِمّا أُمِرُوا بِهِ، وكانَ اسْتِمْرارُهم عَلى ذَلِكَ، مَعَ ظُهُورِ دَلائِلِ الدِّينِ، مُنْبِئًا بِقِلَّةِ تَفَهُّمِهِمُ القُرْآنَ، وضَعْفِ اسْتِفادَتِهِمْ، كانَ المَقامُ لِتَفْرِيعِ الِاسْتِفْهامِ عَنْ قِلَّةِ تَفَهُّمِهِمْ. فالِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ لِلتَّوْبِيخِ والتَّعْجِيبِ مِنهم في اسْتِمْرارِ جَهْلِهِمْ مَعَ تَوَفُّرِ أسْبابِ التَّدْبِيرِ لَدَيْهِمْ.

تَحَدّى اللَّهُ تَعالى هَؤُلاءِ بِمَعانِي القُرْآنِ، كَما تَحَدّاهم بِألْفاظِهِ، لِبَلاغَتِهِ إذْ كانَ المُنافِقُونَ قَدْ شَكُّوا في أنَّ القُرْآنَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَلِذَلِكَ يُظْهِرُونَ الطّاعَةَ بِما يَأْمُرُهم بِهِ، فَإذا خَرَجُوا مِن مَجْلِسِ النَّبِيءِ ﷺ خالَفُوا ما أمَرَهم بِهِ لِعَدَمِ ثِقَتِهِمْ، ويُشَكِّكُونَ ويَشُكُّونَ إذا بَدا لَهم شَيْءٌ مِنَ التَّعارُضِ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِتَدْبِيرِ القُرْآنِ كَما قالَ تَعالى ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٧] الآيَةَ.

والتَّدَبُّرُ مُشْتَقٌّ مِنَ الدُّبُرِ، أيِ الظَّهْرِ، اشْتَقُّوا مِنَ الدُّبُرِ فِعْلًا، فَقالُوا: تَدَبَّرَ إذا نَظَرَ في دُبُرِ الأمْرِ، أيْ في غائِبِهِ أوْ في عاقِبَتِهِ، فَهو مِنَ الأفْعالِ الَّتِي اشْتُقَّتْ مِنَ الأسْماءِ الجامِدَةِ. والتَّدَبُّرُ يَتَعَدّى إلى المُتَأمِّلِ فِيهِ بِنَفْسِهِ، يُقالُ: تَدَبَّرَ الأمْرَ.

فَمَعْنى ﴿يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ يَتَأمَّلُونَ دَلالَتَهُ، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَتَأمَّلُوا دَلالَةَ تَفاصِيلِ آياتِهِ عَلى مَقاصِدِهِ الَّتِي أرْشَدَ إلَيْها المُسْلِمِينَ، أيْ تَدَبُّرُ تَفاصِيلِهِ، وثانِيهُما: أنْ يَتَأمَّلُوا دَلالَةَ جُمْلَةِ القُرْآنِ بِبَلاغَتِهِ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّ الَّذِي جاءَ بِهِ صادِقٌ. وسِياقُ هَذِهِ الآياتِ يُرَجِّحُ حَمْلَ التَّدَبُّرِ هُنا عَلى المَعْنى الأوَّلِ، أيْ لَوْ تَأمَّلُوا وتَدَبَّرُوا هَدْيَ القُرْآنِ لَحَصَلَ

صفحة ١٣٨

لَهم خَيْرٌ عَظِيمٌ، ولَما بَقُوا عَلى فِتْنَتِهِمُ الَّتِي هي سَبَبُ إضْمارِهِمُ الكُفْرَ مَعَ إظْهارِهِمُ الإسْلامَ. وكِلا المَعْنَيَيْنِ صالِحٌ بِحالِهِمْ، إلّا أنَّ المَعْنى الأوَّلَ أشَدُّ ارْتِباطًا بِما حُكِيَ عَنْهم مِن أحْوالِهِمْ.

وقَوْلُهُ ”﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ إلَخْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى الجُمْلَةِ الِاسْتِفْهامِيَّةِ فَيَكُونُوا أُمِرُوا بِالتَّدَبُّرِ في تَفاصِيلِهِ، وأُعْلِمُوا بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وذَلِكَ انْتِفاءُ الِاخْتِلافِ مِنهُ.

فَيَكُونُ الأمْرُ بِالتَّدَبُّرِ عامًّا، وهَذا جُزْئِيٌّ مِن جُزْئِيّاتِ التَّدَبُّرِ ذُكِرَ هُنا انْتِهازًا لِفُرْصَةِ المُناسَبَةِ لَغَمْرِهِمْ بِالِاسْتِدْلالِ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ، فَيَكُونُ زائِدًا عَلى الإنْكارِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ، تَعَرَّضَ لَهُ لِأنَّهُ مِنَ المُهِمِّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ إذْ كانُوا في شَكٍّ مِن أمْرِهِمْ. وهَذا الإعْرابُ ألْيَقُ بِالمَعْنى الأوَّلِ …

83

وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌۭ مِّنَ ٱلْأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُوا۟ بِهِۦ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَٱتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَٰنَ إِلَّا قَلِيلًۭا

And when there comes to them information about [public] security or fear, they spread it around. But if they had referred it back to the Messenger or to those of authority among them, then the ones who [can] draw correct conclusions from it would have known about it. And if not for the favor of Allah upon you and His mercy, you would have followed Satan, except for a few.

صفحة ١٣٩

﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلّا قَلِيلًا﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويَقُولُونَ طاعَةٌ﴾ [النساء: ٨١] فَضَمِيرُ الجَمْعِ راجِعٌ إلى الضَّمائِرِ قَبْلَهُ، العائِدَةِ إلى المُنافِقِينَ، وهو المُلائِمُ لِلسِّياقِ، ولا يُعَكِّرُ عَلَيْهِ إلّا قَوْلُهُ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم، وسَتَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ هَذا راجَعٌ إلى فَرِيقٍ مِن ضَعَفَةِ المُؤْمِنِينَ: مِمَّنْ قَلَّتْ تَجْرِبَتُهُ وضَعُفَ جَلَدُهُ، وهو المُناسِبُ لِقَوْلِهِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم بِحَسَبِ الظّاهِرِ، فَيَكُونُ مَعادُ الضَّمِيرِ مَحْذُوفًا مِنَ الكَلامِ اعْتِمادًا عَلى قَرِينَةِ حالِ النُّزُولِ، كَما في قَوْلِهِ حَتّى تَوارَتْ بِالحِجابِ.

والكَلامُ مَسُوقٌ مَساقَ التَّوْبِيخِ لِلْمُنافِقِينَ واللَّوْمِ لِمَن يَقْبَلُ مِثْلَ تِلْكَ الإذاعَةِ، مِنَ المُسْلِمِينَ الأغْرارِ.

ومَعْنى ”﴿جاءَهم أمْرٌ﴾“ أيْ أُخْبِرُوا بِهِ، قالَ امْرُؤُ القَيْسِ:

وذَلِكَ مِن نَبَأٍ جاءَنِي فالمَجِيءُ مَجازٌ عُرْفِيٌّ في سَماعِ الأخْبارِ، مِثْلُ نَظائِرِهِ، وهي: بَلَغَ، وانْتَهى إلَيْهِ، وأتاهُ، قالَ النّابِغَةُ:

أتَأْنِي - أبَيْتَ اللَّعْنَ أنَّكَ - لُمْتَنِي والأمْرُ هُنا بِمَعْنى الشَّيْءِ، وهو هُنا الخَبَرُ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ أذاعُوا بِهِ.

ومَعْنى ”أذاعُوا“: أفْشَوْا، ويَتَعَدّى إلى الخَبَرِ بِنَفْسِهِ، وبِالباءِ، يُقالُ: أذاعَهُ وأذاعَ بِهِ، فالباءُ لِتَوْكِيدِ اللُّصُوقِ كَما في وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم.

والمَعْنى إذا سَمِعُوا خَبَرًا عَنْ سَرايا المُسْلِمِينَ مِنَ الأمْنِ، أيِ الظَّفَرِ الَّذِي يُوجِبُ أمْنَ المُسْلِمِينَ أوِ الخَوْفَ وهو ما يُوجِبُ خَوْفَ المُسْلِمِينَ، أيِ اشْتِدادَ العَدُوِّ عَلَيْهِمْ،

صفحة ١٤٠

بادَرُوا بِإذاعَتِهِ، أوْ إذا سَمِعُوا خَبَرًا عَنِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - وعَنْ أصْحابِهِ، في تَدْبِيرِ أحْوالِ المُسْلِمِينَ مِن أحْوالِ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ، تَحَدَّثُوا بِتِلْكَ الأخْبارِ في الحالَيْنِ، وأرْجَفُوها بَيْنَ النّاسِ لِقَصْدِ التَّثْبِيطِ عَنِ الِاسْتِعْدادِ، إذا جاءَتْ أخْبارُ أمْنٍ حَتّى يُؤْخَذَ المُؤْمِنُونَ وهم غارُّونَ، وقَصْدِ التَّجْبِينِ إذا جاءَتْ أخْبارُ الخَوْفِ، واخْتِلافِ المَعاذِيرِ لِلتَّهْيِئَةِ لِلتَّخَلُّفِ عَنِ الغَزْوِ إذا اسْتُنْفِرُوا إلَيْهِ، فَحَذَّرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ مِن مَكائِدِ هَؤُلاءِ، ونَبَّهَ هَؤُلاءِ عَلى دَخِيلَتِهِمْ، وقَطْعِ مَعْذِرَتِهِمْ في كَيْدِهِمْ بِقَوْلِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ إلَخْ، أيْ لَوْلا أنَّهم يَقْصِدُونَ السُّوءَ لاسْتَثْبَتُوا الخَبَرَ مِنَ الرَّسُولِ ومِن أهْلِ الرَّأْيِ.

وعَلى القَوْلِ بِأنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى المُؤْمِنِينَ فالآيَةُ عِتابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ في هَذا التَّسَرُّعِ بِالإذاعَةِ، وأمْرُهم بِإنْهاءِ الأخْبارِ إلى الرَّسُولِ وقادَةِ الصَّحابَةِ لِيَضَعُوهُ مَواضِعَهُ ويُعَلِّمُوهم مَحامِلَهُ.

وقِيلَ: كانَ المُنافِقُونَ يَخْتَلِقُونَ الأخْبارَ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ، وهي مُخالِفَةٌ لِلْواقِعِ، لِيَظُنَّ المُسْلِمُونَ الأمْنَ حِينَ الخَوْفِ فَلا يَأْخُذُوا حِذْرَهم، أوِ الخَوْفَ حِينَ الأمْنِ فَتَضْطَرِبُ أُمُورُهم وتَخْتَلُّ أحْوالُ اجْتِماعِهِمْ، فَكانَ دَهْماءُ المُسْلِمِينَ إذا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنَ المُنافِقِينَ راجَ عِنْدَهم فَأذاعُوا بِهِ.

فَتَمَّ لِلْمُنافِقِينَ الدَّسْتُ، وتَمَشَّتِ المَكِيدَةُ، فَلامَهُمُ اللَّهُ وعَلَّمَهم أنْ …

84

فَقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ۚ وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًۭا وَأَشَدُّ تَنكِيلًۭا

So fight, [O Muhammad], in the cause of Allah; you are not held responsible except for yourself. And encourage the believers [to join you] that perhaps Allah will restrain the [military] might of those who disbelieve. And Allah is greater in might and stronger in [exemplary] punishment.

﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا وأشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ .

تَفْرِيعٌ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ بِالقِتالِ، ومِن وصْفِ المُثَبِّطِينَ عَنْهُ، والمُتَذَمِّرِينَ مِنهُ، والَّذِينَ يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ في شَأْنِهِ، لِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ قَدْ أفادَ الِاهْتِمامَ بِأمْرِ القِتالِ، والتَّحْرِيضِ عَلَيْهِ، فَتَهَيَّأ الكَلامُ لِتَفْرِيعِ الأمْرِ بِهِ.

ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الفاءَ فَصِيحَةً بَعْدَ تِلْكَ الجُمَلِ الكَثِيرَةِ، أيْ: إذا كانَ كَما عَلِمْتَ فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ، وهَذا عَوْدٌ إلى ما مَضى مِنَ التَّحْرِيضِ عَلى الجِهادِ، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ. فالآيَةُ أوْجَبَتْ عَلى الرَّسُولِ ﷺ

صفحة ١٤٣

القِتالَ، وأوْجَبَتْ عَلَيْهِ تَبْلِيغَ المُؤْمِنِينَ الأمْرَ بِالقِتالِ وتَحْرِيضَهم عَلَيْهِ، .

فَعَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ وهَذا الأُسْلُوبُ طَرِيقٌ مِن طُرُقِ الحَثِّ والتَّحْرِيضِ لِغَيْرِ المُخاطَبِ، لِأنَّهُ إيجابُ القِتالِ عَلى الرَّسُولِ، وقَدْ عُلِمَ إيجابُهُ عَلى جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ فَهو أمْرٌ لِلْقُدْوَةِ بِما يَجِبُ اقْتِداءُ النّاسِ بِهِ فِيهِ. وبَيَّنَ لَهم عِلَّةَ الأمْرِ وهي رَجاءُ كَفِّ بَأْسِ المُشْرِكِينَ، فَـ ”عَسى“ هُنا مُسْتَعارَةٌ لِلْوَعْدِ. والمُرادُ بِهِمْ هُنا كُفّارُ مَكَّةَ، فالآياتُ تَهْيِئَةٌ لِفَتْحِ مَكَّةَ.

وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا وأشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ تَذْيِيلٌ لِتَحْقِيقِ الرَّجاءِ أوِ الوَعْدِ، والمَعْنى أنَّهُ أشَدُّ بَأْسًا إذا شاءَ إظْهارَ ذَلِكَ، ومِن دَلائِلِ المَشِيئَةِ امْتِثالُ أوامِرِهِ الَّتِي مِنها الِاسْتِعْدادُ وتَرَقُّبُ المُسَبِّباتِ مِن أسْبابِها.

والتَّنْكِيلُ عِقابٌ يَرْتَدِعُ بِهِ رائِيهِ فَضْلًا عَنِ الَّذِي عُوقِبَ بِهِ.

85

مَّن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً حَسَنَةًۭ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٌۭ مِّنْهَا ۖ وَمَن يَشْفَعْ شَفَٰعَةًۭ سَيِّئَةًۭ يَكُن لَّهُۥ كِفْلٌۭ مِّنْهَا ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ مُّقِيتًۭا

Whoever intercedes for a good cause will have a reward therefrom; and whoever intercedes for an evil cause will have a burden therefrom. And ever is Allah, over all things, a Keeper.

﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ .

اسْتِئْنافٌ فِيهِ مَعْنى التَّذْيِيلِ والتَّعْلِيلِ لِقَوْلِهِ ﴿لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٨٤] وهو بِشارَةٌ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِأنَّ جِهادَ المُجاهِدِينَ بِدَعْوَتِهِ يَنالُهُ مِنهُ نَصِيبٌ عَظِيمٌ مِنَ الأجْرِ، فَإنَّ تَحْرِيضَهُ إيّاهم وساطَةٌ بِهِمْ في خَيْراتٍ عَظِيمَةٍ، فَجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِهَذا الحُكْمِ العامِّ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في انْتِهازِ فُرَصِ الإرْشادِ.

ويُعْلَمُ مِن عُمُومِها أنَّ التَّحْرِيضَ عَلى القِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ مِنَ الشَّفاعَةِ الحَسَنَةِ، وأنَّ سَعْيَ المُثَبِّطِينَ لِلنّاسِ مِن قَبِيلِ الشَّفاعَةِ السَّيِّئَةِ، فَجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ إيذانًا لِلْفَرِيقَيْنِ بِحالَتِهِما. والمَقْصُودُ مَعَ ذَلِكَ التَّرْغِيبُ في التَّوَسُّطِ في الخَيْرِ والتَّرْهِيبُ مِن ضِدِّهِ.

والشَّفاعَةُ: الوَساطَةُ في إيصالِ خَيْرٍ أوْ دَفْعِ شَرٍّ، سَواءٌ كانَتْ بِطَلَبٍ مِنَ المُنْتَفِعِ أمْ لا، وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ﴾ [البقرة: ٤٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وفي الحَدِيثِ «اشْفَعُوا

صفحة ١٤٤

فَلْتُؤْجَرُوا» .

ووَصْفُها بِالحَسَنَةِ وصْفٌ كاشِفٌ؛ لِأنَّ الشَّفاعَةَ لا تُطْلَقُ إلّا عَلى الوَساطَةِ في الخَيْرِ، وأمّا إطْلاقُ الشَّفاعَةِ عَلى السَّعْيِ في جَلْبِ شَرٍّ فَهو مُشاكَلَةٌ، وقَرِينَتُها وصْفُها بِسَيِّئَةٍ، إذْ لا يُقالُ شَفَعَ لِلَّذِي سَعى بِجَلْبِ سُوءٍ.

والنَّصِيبُ: الحَظُّ مِن كُلِّ شَيْءٍ: خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٠٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والكِفْلُ بِكَسْرِ الكافِ وسُكُونِ الفاءِ الحَظُّ كَذَلِكَ، ولَمْ يَتَبَيَّنْ لِي وجْهُ اشْتِقاقِهِ بِوُضُوحٍ. ويُسْتَعْمَلُ الكِفْلُ بِمَعْنى المِثْلُ، فَيُؤْخَذُ مِنَ التَّفْسِيرَيْنِ أنَّ الكِفْلَ هو الحَظُّ المُماثِلُ لِحَظٍّ آخَرَ.

وقالَ صاحِبُ اللِّسانِ: لا يُقالُ هَذا كِفْلُ فُلانٍ حَتّى يَكُونَ قَدْ هُيِّئَ لِغَيْرِهِ مِثْلُهُ، ولَمْ يَعْزُ هَذا، ونَسَبَهُ الفَخْرُ إلى ابْنِ المُظَفَّرِ، ولَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ أحَدٌ غَيْرَ هَذَيْنِ فِيما عَلِمْتُ، ولَعَلَّهُ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ الِاسْتِعْمالُ. وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ.

وهَلْ يُحْتَجُّ بِما قالَهُ ابْنُ المُظَفَّرِ وابْنُ المُظَفَّرِ هو مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ بْنِ المُظَفَّرِ الحاتِمِيُّ الأدِيبُ مُعاصِرُ المُتَنَبِّي. وفي مُفْرَداتِ الرّاغِبِ أنَّ الكِفْلَ هو الحَظُّ مِنَ الشَّرِّ والشِّدَّةِ، وأنَّهُ مُسْتَعارٌ مِنَ الكِفْلِ وهو الشَّيْءُ الرَّدِيءُ، فالجَزاءُ في جانِبِ الشَّفاعَةِ الحَسَنَةِ بِأنَّهُ نَصِيبٌ إيماءً إلى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ أجْرٌ أكْثَرُ مِن ثَوابِ مَن شَفَعَ عِنْدَهُ.

وجُمْلَةُ ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً﴾ الآيَةَ، لِإفادَةِ أنَّ اللَّهَ يُجازِي عَلى كُلِّ عَمَلٍ بِما يُناسِبُهُ مِن حُسْنٍ أوْ سُوءٍ.

والمُقِيتُ: الحافِظُ، والرَّقِيبُ، والشّاهِدُ، والمُقْتَدِرُ. وأصْلُهُ عِنْدَ أبِي عُبَيْدَةَ الحافِظُ. وهو اسْمُ فاعِلٍ مِن أقاتَ إذا أعْطى القُوتَ، فَوَزْنُهُ مُفْعِلٌ وعَيْنُهُ واوٌ. واسْتُعْمِلَ مَجازًا في مَعانِي الحِفْظِ والشَّهادَةِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، لِأنَّ مَن يُقِيتُ أحَدًا فَقَدْ حَفِظَهُ مِنَ الخَصاصَةِ أوْ مِنَ الهَلاكِ، وهو هُنا مُسْتَعْمَلٌ …

86

وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍۢ فَحَيُّوا۟ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا

And when you are greeted with a greeting, greet [in return] with one better than it or [at least] return it [in a like manner]. Indeed, Allah is ever, over all things, an Accountant.

صفحة ١٤٥

﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً﴾ [النساء: ٨٥] بِاعْتِبارِ ما قُصِدَ مِنَ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ عَلَيْها، وهو التَّرْغِيبُ في الشَّفاعَةِ الحَسَنَةِ والتَّحْذِيرُ مِنَ الشَّفاعَةِ السَّيِّئَةِ، وذَلِكَ يَتَضَمَّنُ التَّرْغِيبَ في قَبُولِ الشَّفاعَةِ الحَسَنَةِ ورَدِّ الشَّفاعَةِ السَّيِّئَةِ.

وإذْ قَدْ كانَ مِن شَأْنِ الشَّفِيعِ أنْ يَدْخُلَ عَلى المُسْتَشْفَعِ إلَيْهِ بِالسَّلامِ اسْتِئْناسًا لَهُ لِقَبُولِ الشَّفاعَةِ، فالمُناسَبَةُ في هَذا العَطْفِ هي أنَّ الشَّفاعَةَ تَقْتَضِي حُضُورَ الشَّفِيعِ عِنْدَ المَشْفُوعِ إلَيْهِ، وأنَّ صِفَةَ تَلَقِّي المَشْفُوعِ إلَيْهِ لِلشَّفِيعِ تُؤْذِنُ بِمِقْدارِ اسْتِعْدادِهِ لِقَبُولِ الشَّفاعَةِ، وأنَّ أوَّلَ بَوادِرِ اللِّقاءِ هو السَّلامُ ورَدُّهُ.

فَعَلَّمَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ أدَبَ القَبُولِ واللِّقاءِ في الشَّفاعَةِ وغَيْرِها وقَدْ كانَ لِلشَّفاعاتِ عِنْدَهم شَأْنٌ عَظِيمٌ.

وفِي الحَدِيثِ: «مَرَّ رَجُلٌ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ: ماذا تَقُولُونَ فِيهِ ؟ قالُوا: هَذا جَدِيرٌ إنْ شَفَعَ أنْ يُشَفَّعَ» . الحَدِيثَ حَتّى إذا قَبِلَ المُسْتَشْفَعُ إلَيْهِ الشَّفاعَةَ كانَ قَدْ طَيَّبَ خاطِرَ الشَّفِيعِ، وإذا لَمْ يَقْبَلْ كانَ في حُسْنِ التَّحِيَّةِ مَرْضاةٌ لَهُ عَلى الجُمْلَةِ. وهَذا دَأْبُ القُرْآنِ في انْتِهازِ فُرَصِ الإرْشادِ والتَّأْدِيبِ.

وبِهَذا البَيانِ تَنْجَلِي عَنْكَ الحَيْرَةُ الَّتِي عَرَضَتْ في تَوْجِيهِ انْتِظامِ هَذِهِ الآيَةِ مَعَ سابِقَتِها، وتَسْتَغْنِي عَنِ الِالتِجاءِ إلى المُناسَباتِ الضَّعِيفَةِ الَّتِي صارُوا إلَيْها.

وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ ﴿فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها﴾ عَلى الأمْرِ بِرَدِّ السَّلامِ، ووُجُوبِ الرَّدِّ لِأنَّ أصْلَ صِيغَةِ الأمْرِ أنْ يَكُونَ لِلْوُجُوبِ عَلى مُقْتَضى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ في مَحْمَلِ صِيغَةِ الأمْرِ، ولِذَلِكَ اتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى وُجُوبِ رَدِّ السَّلامِ.

ثُمَّ اخْتَلَفُوا إذا كانَ المُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ جَماعَةً هَلْ يَجِبُ الرَّدُّ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنهم: فَقالَ مالِكٌ: هو واجِبٌ عَلى الجَماعَةِ وُجُوبَ الكِفايَةِ فَإذا رَدَّ واحِدٌ مِنَ الجَماعَةِ أجْزَأ عَنْهم، ووَرَدَ في ذَلِكَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ؛ عَلى أنَّهُ إذا كانَتِ الجَماعَةُ كَثِيرَةً يَصِيرُ رَدُّ الجَمِيعِ غَوْغاءَ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: الرَّدُّ فَرْضٌ عَلى كُلِّ شَخْصٍ مِنَ الجَماعَةِ بِعَيْنِهِ. ولَعَلَّ دَلِيلَهُ في ذَلِكَ القِياسُ.

صفحة ١٤٦

ودَلَّ قَوْلُهُ ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ عَلى أنَّ ابْتِداءَ السَّلامِ شَيْءٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَهم، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ [النور: ٢٧]، وسَيَأْتِي في سُورَةِ النُّورِ.

وأفادَ قَوْلُهُ بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها التَّخْيِيرَ بَيْنَ الحالَيْنِ، ويُعْلَمُ مِن تَقْدِيمِ قَوْلِهِ بِأحْسَنَ مِنها أنَّ ذَلِكَ أفْضَلُ.

وحَيّى أصْلُهُ في اللُّغَةِ دَعا لَهُ بِالحَياةِ، ولَعَلَّهُ مِن قَبِيلِ النَّحْتِ مِن قَوْلِ القائِلِ: حَيّاكَ اللَّهُ، أيْ وهَبَ لَكَ طُولَ الحَياةِ. فَيُقالُ لِلْمَلِكِ: حَيّاكَ اللَّهُ. ولِذَلِكَ جاءَ في دُعاءِ التَّشَهُّدِ التَّحِيّاتُ لِلَّهِ أيْ هو مُسْتَحِقُّها لا مُلُوكُ النّاسِ. وقالَ النّابِغَةُ:

يُحَيَّوْنَ بِالرَّيْحانِ يَوْمَ السَّباسِبِ - أيْ يُحَيَّوْنَ مَعَ تَقْدِيمِ الرَّيْحانِ في يَوْمِ عِيدِ الشَّعانِينِ وكانَتِ التَّحِيَّةُ خاصَّةً …

87

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۗ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثًۭا

Allah - there is no deity except Him. He will surely assemble you for [account on] the Day of Resurrection, about which there is no doubt. And who is more truthful than Allah in statement.

صفحة ١٤٨

﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، جَمَعَ تَمْجِيدَ اللَّهِ، وتَهْدِيدًا، وتَحْذِيرًا مِن مُخالَفَةِ أمْرِهِ، وتَقْرِيرًا لِلْإيمانِ بِيَوْمِ البَعْثِ، ورَدًّا لِإشْراكِ بَعْضِ المُنافِقِينَ وإنْكارِهِمُ البَعْثَ.

فاسْمُ الجَلالَةِ مُبْتَدَأٌ. وجُمْلَةُ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُبْتَدَأِ وخَبَرِهِ لِتَمْجِيدِ اللَّهِ.

وجُمْلَةُ ”لَيَجْمَعَنَّكم“ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ واقِعٍ جَمِيعُهُ مَوْقِعَ الخَبَرِ عَنِ اسْمِ الجَلالَةِ. وأُكِّدَ هَذا الخَبَرُ: بِلامِ القَسَمِ، ونُونِ التَّوْكِيدِ، وبِتَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ، لِتَقْوِيَةِ تَحْقِيقِ هَذا الخَبَرِ، إبْطالًا لِإنْكارِ الَّذِينَ أنْكَرُوا البَعْثَ.

ومَعْنى لا رَيْبَ فِيهِ نَفْيٌ أنْ يَتَطَرَّقَهُ جِنْسُ الرَّيْبِ والشَّكِّ أيْ في مَجِيئِهِ، والمَقْصُودُ لا رَيْبَ حَقِيقِيًّا فِيهِ، أوْ أنَّ ارْتِيابَ المُرْتابِينَ لِوَهَنِهِ نُزِّلَ مَنزِلَةَ الجِنْسِ المَعْدُومِ.

والِاسْتِفْهامُ عَنْ أنْ يَكُونَ أحَدٌ أصْدَقَ مِنَ اللَّهِ هو اسْتِفْهامٌ إنْكارِيٌّ. و”حَدِيثًا“ تَمْيِيزٌ لِنِسْبَةِ فِعْلِ التَّفْضِيلِ.

88

۞ فَمَا لَكُمْ فِى ٱلْمُنَٰفِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓا۟ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا۟ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ ۖ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلًۭا

What is [the matter] with you [that you are] two groups concerning the hypocrites, while Allah has made them fall back [into error and disbelief] for what they earned. Do you wish to guide those whom Allah has sent astray? And he whom Allah sends astray - never will you find for him a way [of guidance].

﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ .

تَفْرِيعٌ عَنْ أخْبارِ المُنافِقِينَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، لِأنَّ ما وُصِفَ مِن أحْوالِهِمْ لا يَتْرُكُ شَكًّا عِنْدَ المُؤْمِنِينَ في خُبْثِ طَوِيَّتِهِمْ وكُفْرِهِمْ، أوْ هو تَفْرِيعٌ عَنْ قَوْلِهِ ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا. وإذْ قَدْ حَدَّثَ اللَّهُ عَنْهم بِما وصَفَ مِن سابِقِ الآيِ، فَلا يَحِقُّ التَّرَدُّدُ في سُوءِ نَواياهم وكُفْرِهِمْ، فَمَوْقِعُ الفاءِ هَنا نَظِيرُ مَوْقِعِ الفاءِ في قَوْلِهِ ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٨٤] في سُورَةِ النِّساءِ.

صفحة ١٤٩

والِاسْتِفْهامُ لِلتَّعْجِيبِ واللَّوْمِ. والتَّعْرِيفُ في المُنافِقِينَ لِلْعَهْدِ. و”فِئَتَيْنِ“ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ المَجْرُورِ بِاللّامِ فَهي قَيْدٌ لِعامِلِهِ، الَّذِي هو التَّوْبِيخُ، فَعُلِمَ أنَّ مَحَلَّ التَّوْبِيخِ هو الِانْقِسامُ. و”في المُنافِقِينَ“ مُتَعَلِّقٌ بِفِئَتَيْنِ لِتَأْوِيلِهِ بِمَعْنى: مُنْقَسِمِينَ، ومَعْناهُ: في شَأْنِ المُنافِقِينَ، لِأنَّ الحُكْمَ لا يَتَعَلَّقُ بِذَواتِ المُنافِقِينَ.

والفِئَةُ: الطّائِفَةُ. وزْنُها فِلَةٌ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ الفَيْءِ وهو الرُّجُوعُ، لِأنَّهم يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ في شُئُونِهِمْ. وأصْلُها فَيْءٌ، فَحَذَفُوا الياءَ مِن وسَطِهِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ وعَوَّضُوا عَنْها الهاءَ.

وقَدْ عُلِمَ أنَّ الِانْقِسامَ إلى فِئَتَيْنِ ما هو إلّا انْقِسامٌ في حالَةٍ مِن حالَتَيْنِ، والمَقامُ لِلْكَلامِ في الإيمانِ والكُفْرِ، أيْ فَما لَكم بَيْنَ مُكَفِّرٍ لَهم ومُبَرِّرٍ؛ وفي إجْراءِ أحْكامِ الإيمانِ أوِ الكُفْرِ عَلَيْهِمْ. قِيلَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في المُنْخَذِلِينَ يَوْمَ أُحُدٍ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأتْباعِهِ، اخْتَلَفَ المُسْلِمُونَ في وصْفِهِمْ بِالإيمانِ أوِ الكُفْرِ بِسَبَبِ فِعْلَتِهِمْ تِلْكَ.

وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: رَجَعَ ناسٌ مِن أصْحابِ النَّبِيءِ مِن أُحُدٍ، وكانَ النّاسُ فِيهِمْ فَرِيقَيْنِ، فَرِيقٌ يَقُولُ: اقْتُلْهم، وفَرِيقٌ يَقُولُ: لا، فَنَزَلَتْ ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ .

وقالَ إنَّها طَيْبَةُ تَنْفِي الخَبَثَ كَما تَنْفِي النّارُ خَبَثَ الفِضَّةِ أيْ ولَمْ يَقْتُلْهُمُ النَّبِيءُ ﷺ جَرْيًا عَلى ظاهِرِ حالِهِمْ مِن إظْهارِ الإسْلامِ. فَتَكُونُ الآيَةُ لِبَيانِ أنَّهُ ما كانَ يَنْبَغِي التَّرَدُّدُ في أمْرِهِمْ.

وعَنْ مُجاهِدٍ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ أظْهَرُوا الإيمانَ، وهاجَرُوا إلى المَدِينَةِ، ثُمَّ اسْتَأْذَنُوا في الرُّجُوعِ إلى مَكَّةَ، لِيَأْتُوا بِبِضاعَةٍ يَتَّجِرُونَ فِيها، وزَعَمُوا أنَّهم لَمْ يَزالُوا مُؤْمِنِينَ، فاخْتَلَفَ المُسْلِمُونَ في شَأْنِهِمْ: أهم مُشْرِكُونَ أمْ مُسْلِمُونَ.

ويُبَيِّنُهُ ما رُوِيَ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانُوا مِن أهْلِ مَكَّةَ يُبْطِنُونَ الشِّرْكَ ويُظْهِرُونَ الإسْلامَ لِلْمُسْلِمِينَ، لِيَكُونُوا في أمْنٍ مِن تَعَرُّضِ المُسْلِمِينَ لَهم بِحَرْبٍ في خُرُوجِهِمْ في تِجاراتٍ أوْ نَحْوِها، وأنَّهُ قَدْ بَلَغَ المُسْلِمِينَ أنَّهم خَرَجُوا مِن مَكَّةَ في تِجارَةٍ، فَقالَ فَرِيقٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: نَرْكَبُ إلَيْهِمْ فَنُقاتِلُهم، وقالَ فَرِيقٌ: كَيْفَ نَقْتُلُهم وقَدْ نَطَقُوا بِالإسْلامِ، فاخْتَلَفَ المُسْلِمُونَ في ذَلِكَ، ولَمْ يُغَيِّرْ رَسُولُ اللَّهِ عَلى أحَدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ حَتّى نَزَلَتِ الآيَةُ» .

صفحة ١٥٠

وعَنِ الضَّحّاكِ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ أظْهَرُوا …

89

وَدُّوا۟ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا۟ فَتَكُونُونَ سَوَآءًۭ ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنْهُمْ وَلِيًّۭا وَلَا نَصِيرًا

They wish you would disbelieve as they disbelieved so you would be alike. So do not take from among them allies until they emigrate for the cause of Allah. But if they turn away, then seize them and kill them wherever you find them and take not from among them any ally or helper.

﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَإنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهم ولا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ .

الأظْهَرُ أنَّ ضَمِيرَ ”ودُّوا“ عائِدٌ إلى المُنافِقِينَ في قَوْلِهِ ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] . فَضَحَ اللَّهُ هَذا الفَرِيقَ فَأعْلَمَ المُسْلِمِينَ بِأنَّهم مُضْمِرُونَ الكُفْرَ، وأنَّهم يُحاوِلُونَ رَدَّ مَن يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهُ مِنَ المُسْلِمِينَ إلى الكُفْرِ.

وعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إنْ حُمِلَ عَلى ظاهِرِ المُهاجَرَةِ لا يُناسِبُ إلّا ما تَقَدَّمَ في سَبَبِ النُّزُولِ عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ عَبّاسٍ، ولا يُناسِبُ ما في الصَّحِيحِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، فَتَعَيَّنَ تَأْوِيلُ المُهاجَرَةِ بِالجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فاللَّهُ نَهى المُسْلِمِينَ عَنْ وِلايَتِهِمْ إلى أنْ يَخْرُجُوا في سَبِيلِ اللَّهِ في غَزْوَةٍ تَقَعُ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ لِأنَّ غَزْوَةَ أُحُدٍ، الَّتِي انْخَزَلَ عَنْها عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ، قَدْ مَضَتْ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ.

وما أبْلَغَ التَّعْبِيرَ في جانِبِ مُحاوَلَةِ المُؤْمِنِينَ بِالإرادَةِ في قَوْلِهِ ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ [النساء: ٨٨]، وفي جانِبِ مُحاوَلَةِ المُنافِقِينَ بِالوُدِّ، لِأنَّ الإرادَةَ يَنْشَأُ عَنْها الفِعْلُ، فالمُؤْمِنُونَ يَسْتَقْرِبُونَ حُصُولَ الإيمانِ مِنَ المُنافِقِينَ، لِأنَّ الإيمانَ قَرِيبٌ مِن فِطْرَةِ النّاسِ، والمُنافِقُونَ يَعْلَمُونَ أنَّ المُؤْمِنِينَ لا يَرْتَدُّونَ عَنْ دِينِهِمْ، ويَرَوْنَ مِنهم مَحَبَّتَهم إيّاهُ، فَلَمْ يَكُنْ طَلَبُهم تَكْفِيرَ المُؤْمِنِينَ إلّا تَمَنِّيًا، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالوُدِّ المُجَرَّدِ.

صفحة ١٥٢

وجُمْلَةُ ﴿فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ تُفِيدُ تَأْكِيدَ مَضْمُونِ قَوْلِهِ بِما كَفَرُوا قُصِدَ مِنها تَحْذِيرُ المُسْلِمِينَ مِنَ الوُقُوعِ في حِبالَةِ المُنافِقِينَ.

وقَوْلُهُ ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أقامَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ بِهِ عَلامَةً عَلى كُفْرِ المُتَظاهِرِينَ بِالإسْلامِ، حَتّى لا يَعُودَ بَيْنَهُمُ الِاخْتِلافُ في شَأْنِهِمْ، وهي عَلامَةٌ بَيِّنَةٌ، فَلَمْ يَبْقَ مِنَ النِّفاقِ شَيْءٌ مَسْتُورٌ إلّا نِفاقَ مُنافِقِي المَدِينَةِ.

والمُهاجَرَةُ في سَبِيلِ اللَّهِ هي الخُرُوجُ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ بِقَصْدِ مُفارَقَةِ أهْلِ مَكَّةَ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أيْ لِأجْلِ الوُصُولِ إلى اللَّهِ، أيْ إلى دِينِهِ الَّذِي أرادَهُ.

وقَوْلُهُ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ أعْرَضُوا عَنِ المُهاجَرَةِ. وهَذا إنْذارٌ لَهم قَبْلَ مُؤاخَذَتِهِمْ، إذِ المَعْنى: فَأبْلِغُوهم هَذا الحُكْمَ فَإنْ أعْرَضُوا عَنْهُ ولَمْ يَتَقَبَّلُوهُ فَخُذُوهم واقْتُلُوهم، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن صَدَرَ مِنهُ شَيْءٌ يَحْتَمِلُ الكُفْرَ لا يُؤاخَذُ بِهِ حَتّى يُتَقَدَّمَ لَهُ، ويُعَرَّفَ بِما صَدَرَ مِنهُ، ويُعْذَرَ إلَيْهِ، فَإنِ التَزَمَهُ يُؤاخَذُ بِهِ، ثُمَّ يُسْتَتابُ. وهو الَّذِي أفْتى بِهِ سَحْنُونٌ.

والوَلِيُّ: المُوالِي الَّذِي يَضَعُ عِنْدَهُ مَوْلاهُ سِرَّهُ ومَشُورَتَهُ. والنَّصِيرُ الَّذِي يُدافِعُ عَنْ ولِيِّهِ ويُعِينُهُ.

90

إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَٰقٌ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَٰتِلُوكُمْ أَوْ يُقَٰتِلُوا۟ قَوْمَهُمْ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَٰتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا۟ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًۭا

Except for those who take refuge with a people between yourselves and whom is a treaty or those who come to you, their hearts strained at [the prospect of] fighting you or fighting their own people. And if Allah had willed, He could have given them power over you, and they would have fought you. So if they remove themselves from you and do not fight you and offer you peace, then Allah has not made for you a cause [for fighting] against them.

﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ أوْ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهم أنْ يُقاتِلُوكم أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكم فَلَقاتَلُوكم فَإنِ اعْتَزَلُوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكم وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ .

الاسْتِثْناءُ مِنَ الأمْرِ في قَوْلِهِ ﴿فَخُذُوهم واقْتُلُوهُمْ﴾ [النساء: ٨٩] أيْ: إلّا الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا. أوْ إلّا الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أدْبارِهِمْ إلى مَكَّةَ بَعْدَ أنْ هاجَرُوا، وهَؤُلاءِ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ مِمَّنْ عاهَدُوكم، فَلا تَتَعَرَّضُوا لَهم بِالقَتْلِ، لِئَلّا تَنْقُضُوا عُهُودَكُمُ المُنْعَقِدَةَ مَعَ قَوْمِهِمْ.

صفحة ١٥٣

ومَعْنى يَصِلُونَ يَنْتَسِبُونَ، مِثْلُ مَعْنى اتَّصَلَ في قَوْلِ أحَدِ بَنِي نَبْهانَ:

ألا بَلِّغا خُلَّتِي راشِدًا وصِنْوِي قَدِيمًا إذا ما اتَّصَلَ

أيِ انْتَسَبَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى التَحَقَ، أيْ إلّا الَّذِينَ يَلْتَحِقُونَ بِقَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ، فَيَدْخُلُونَ في عَهْدِهِمْ. فَعَلى الِاحْتِمالِ الأوَّلِ هم مِنَ المُعاهَدِينَ أصالَةً. وعَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي هم كالمُعاهَدِينَ لِأنَّ مُعاهَدَ المُعاهَدِ كالمُعاهَدِ. والمُرادُ بِـ الَّذِينَ يَصِلُونَ قَوْمٌ غَيْرُ مُعَيَّنِينَ، بَلْ كُلُّ مَنِ اتَّصَلَ بِقَوْمٍ لَهم عَهْدٌ مَعَ المُسْلِمِينَ، ولِذَلِكَ قالَ مُجاهِدٌ: هَؤُلاءِ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمْ فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ.

وأمّا قَوْلُهُ ﴿إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ فالمُرادُ بِهِ القَبائِلُ الَّتِي كانَ لَهم عَهْدٌ مَعَ المُسْلِمِينَ. قالَ مُجاهِدٌ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨] الآيَةَ خافَ أُولَئِكَ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ، فَذَهَبُوا بِبَضائِعِهِمْ إلى هِلالِ بْنِ عُوَيْمِرِ الأسْلَمِيِّ، وكانَ قَدْ حالَفَ النَّبِيءَ ﷺ عَلى: أنْ لا يُعِينَهُ ولا يُعِينَ عَلَيْهِ، وأنَّ مَن لَجَأ إلى هِلالٍ مِن قَوْمِهِ وغَيْرِهِمْ فَلَهُ مِنَ الجِوارِ مِثْلُ ما لَهُ.

وقِيلَ: أُرِيدَ بِالقَوْمِ الَّذِينَ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ خُزاعَةُ، وقِيلَ: بَنُو بَكْرِ بْنِ زَيْدِ مَناءَةٍ كانُوا في صُلْحٍ وهُدْنَةٍ مَعَ المُسْلِمِينَ، ولَمْ يَكُونُوا آمَنُوا يَوْمَئِذٍ. وقِيلَ: هم بَنُو مُدْلِجٍ إذْ كانَ سُراقَةُ بْنُ مالِكٍ المُدْلِجِيُّ قَدْ عَقَدَ عَهْدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِقَوْمِهِ بَنِي مُدْلِجٍ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ، عَلى أنْ لا يُعِينُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ، وأنَّهم إنْ أسْلَمَتْ قُرَيْشٌ أسْلَمُوا وإنْ لَمْ تُسْلِمْ قُرَيْشٌ فَهم لا يُسْلِمُونَ، لِئَلّا تَخْشُنَ قُلُوبُ قُرَيْشٍ عَلَيْهِمْ. والأوْلى أنَّ جَمِيعَ هَذِهِ القَبائِلِ مَشْمُولٌ لِلْآيَةِ.

ومَعْنى ﴿أوْ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهم أنْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ إلَخْ: أوْ جاءُوا إلى المَدِينَةِ مُهاجِرِينَ ولَكِنَّهم شَرَطُوا أنْ لا يُقاتِلُوا مَعَ المُؤْمِنِينَ قَوْمَهم فاقْبَلُوا مِنهم ذَلِكَ. وكانَ هَذا رُخْصَةً لَهم أوَّلَ الإسْلامِ، إذْ كانَ المُسْلِمُونَ قَدْ هادَنُوا قَبائِلَ مِنَ العَرَبِ تَألُّفًا لَهم، ولِمَن دَخَلَ في عَهْدِهِمْ، فَلَمّا قَوِيَ الإسْلامُ صارَ الجِهادُ مَعَ المُؤْمِنِينَ واجِبًا عَلى كُلِّ مَن يَدْخُلُ في الإسْلامِ، أمّا المُسْلِمُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ ومَن أسْلَمُوا ولَمْ يَشْتَرِطُوا هَذا الشَّرْطَ فَلا تَشْمَلُهُمُ الرُّخْصَةُ، وهُمُ الَّذِينَ قاتَلُوا مُشْرِكِي مَكَّةَ وغَيْرِها.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”حَصِرَتْ“ بِصِيغَةِ فِعْلِ المُضِيِّ المُقْتَرِنِ بِتاءِ تَأْنِيثِ الفِعْلِ …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.