Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi

Ayahs 81–90 of 176

81

وَيَقُولُونَ طَاعَةٌۭ فَإِذَا بَرَزُوا۟ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌۭ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ ۖ وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ۖ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا

And they say, "[We pledge] obedience." But when they leave you, a group of them spend the night determining to do other than what you say. But Allah records what they plan by night. So leave them alone and rely upon Allah. And sufficient is Allah as Disposer of affairs.

﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الحَقِيقَةِ مُبَلِّغٌ، والآمِرُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى.

رُوِيَ (أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: «مَن أحَبَّنِي فَقَدْ أحَبَّ اللَّهَ ومَن أطاعَنِي فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ» . فَقالَ المُنافِقُونَ لَقَدْ قارَفَ الشِّرْكَ وهو يَنْهى عَنْهُ، ما يُرِيدُ إلّا أنْ نَتَّخِذَهُ رَبًّا كَما اتَّخَذَتِ النَّصارى عِيسى رَبًّا فَنَزَلَتْ.

﴿وَمَن تَوَلّى﴾ عَنْ طاعَتِهِ. ﴿فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ تَحْفَظُ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم وتُحاسِبُهم عَلَيْها، إنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ وهو حالٌ مِنَ الكافِ.

﴿وَيَقُولُونَ﴾ إذا أمَرْتَهم بِأمْرٍ. ﴿طاعَةٌ﴾ أيْ أمْرُنا أوْ مِنّا طاعَةٌ، وأصْلُها النَّصْبُ عَلى المَصْدَرِ ورَفْعُها لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ. ﴿فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ﴾ خَرَجُوا. ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ أيْ زَوَّرْتَ خِلافَ ما قُلْتَ لَها، أوْ ما قالَتْ لَكَ مِنَ القَبُولِ وضَمانِ الطّاعَةِ، والتَّبْيِيتُ إمّا مِنَ البَيْتُوتَةِ لِأنَّ الأُمُورَ تُدَبَّرُ بِاللَّيْلِ، أوْ مِن بَيْتِ الشَّعَرِ، أوِ البَيْتِ المَبْنِيِّ لِأنَّهُ يُسَوِّي ويُدَبَّرُ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ بَيَّتَ طائِفَةٌ بِالإدْغامِ لِقُرْبِهِما في المَخْرَجِ. ﴿واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾ يُثْبِتُهُ في صَحائِفِهِمْ لِلْمُجازاةِ، أوْ في جُمْلَةِ ما يُوحى إلَيْكَ لِتَطَّلِعَ عَلى أسْرارِهِمْ. ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ قَلِّلِ المُبالاةَ بِهِمْ أوْ تَجافَ عَنْهم. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ في الأُمُورِ كُلِّها سِيَّما في شَأْنِهِمْ. ﴿وَكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ يَكْفِيكَ مُضِرَّتَهم ويَنْتَقِمُ لَكَ مِنهم.

82

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَٰفًۭا كَثِيرًۭا

Then do they not reflect upon the Qur'an? If it had been from [any] other than Allah, they would have found within it much contradiction.

﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ يَتَأمَّلُونَ في مَعانِيهِ ويَتَبَصَّرُونَ ما فِيهِ، وأصْلُ التَّدَبُّرِ النَّظَرُ في أدْبارِ الشَّيْءِ. ﴿وَلَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ أيْ ولَوْ كانَ مِن كَلامِ البَشَرِ كَما تَزْعُمُ الكُفّارُ. ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ مِن تَناقُضِ المَعْنى وتَفاوُتِ النُّظُمِ، وكانَ بَعْضُهُ فَصِيحًا وبَعْضُهُ رَكِيكًا، وبَعْضُهُ يَصْعُبُ مُعارَضَتُهُ وبَعْضُهُ يَسْهُلُ، ومُطابَقَةُ بَعْضِ أخْبارِهِ المُسْتَقْبَلَةِ لِلْواقِعِ دُونَ بَعْضٍ، ومُوافَقَةُ العَقْلِ لِبَعْضِ أحْكامِهِ دُونَ بَعْضٍ، عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الِاسْتِقْراءُ لِنُقْصانِ القُوَّةِ البَشَرِيَّةِ. ولَعَلَّ ذِكْرَهُ ها هُنا لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ اخْتِلافَ ما سَبَقَ مِنَ الأحْكامِ لَيْسَ لِتَناقُضٍ في الحُكْمِ بَلْ لِاخْتِلافِ الأحْوالِ في الحُكْمِ والمَصالِحِ.

83

وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌۭ مِّنَ ٱلْأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُوا۟ بِهِۦ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَٱتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَٰنَ إِلَّا قَلِيلًۭا

And when there comes to them information about [public] security or fear, they spread it around. But if they had referred it back to the Messenger or to those of authority among them, then the ones who [can] draw correct conclusions from it would have known about it. And if not for the favor of Allah upon you and His mercy, you would have followed Satan, except for a few.

﴿وَإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ﴾ مِمّا يُوجِبُ الأمْنَ أوِ الخَوْفَ. ﴿أذاعُوا بِهِ﴾ أفْشَوْهُ كَما كانَ يَفْعَلُهُ قَوْمٌ مِن ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ إذا بَلَغَهم خَبَرٌ عَنْ سَرايا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أوْ أخْبَرَهُمُ الرَّسُولُ ﷺ بِما أُوحِي إلَيْهِ مِن وعْدٍ بِالظَّفَرِ، أوْ تَخْوِيفٍ مِنَ الكَفَرَةِ أذاعُوا بِهِ لِعَدَمِ حَزْمِهِمْ فَكانَتْ إذاعَتُهم مَفْسَدَةً. والباءُ مَزِيدَةٌ أوْ لِتَضْمَنَ الإذاعَةُ مَعْنى التَّحَدُّثِ. ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ﴾ أيْ ولَوْ رَدُّوا ذَلِكَ الخَبَرَ. ﴿إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهُمْ﴾ إلى رَأْيِهِ ورَأْيِ كِبارِ أصْحابِهِ البُصَراءِ بِالأُمُورِ، أوِ الأُمَراءِ. ﴿لَعَلِمَهُ﴾ لَعَلِمَ ما أُخْبِرُوا بِهِ عَلى أيِّ وجْهٍ يُذْكَرُ. ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ يَسْتَخْرِجُونَ تَدابِيرَهُ بِتَجارِبِهِمْ وأنْظارِهِمْ. وقِيلَ كانُوا يَسْمَعُونَ أراجِيفَ المُنافِقِينَ فَيُذِيعُونَها فَتَعُودُ وبالًا عَلى المُسْلِمِينَ، ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم حَتّى يَسْمَعُوهُ مِنهم وتَعْرِفُوا أنَّهُ هَلْ يُذاعُ لِعِلْمِ ذَلِكَ مِن هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنَ الرَّسُولِ وأُولِي الأمْرِ أيْ: يَسْتَخْرِجُونَ عِلْمَهُ مِن جِهَتِهِمْ، وأصْلُ الِاسْتِنْباطِ إخْراجُ النَّبَطِ: وهو الماءُ، يَخْرُجُ مِنَ البِئْرِ أوَّلَ ما يُحْفَرُ. ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ﴾ بِإرْسالِ الرَّسُولِ وإنْزالِ الكِتابِ. ﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ﴾ والكُفْرَ والضَّلالَ. ﴿إلا قَلِيلا﴾ أيْ إلّا قَلِيلًا مِنكم تَفَضَّلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِعَقْلٍ راجِحٍ اهْتَدى بِهِ إلى الحَقِّ والصَّوابِ، وعَصَمَهُ عَنْ مُتابَعَةِ الشَّيْطانِ كَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، ووَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ. أوْ إلّا اتِّباعًا قَلِيلًا عَلى النُّدُورِ.

84

فَقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ۚ وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًۭا وَأَشَدُّ تَنكِيلًۭا

So fight, [O Muhammad], in the cause of Allah; you are not held responsible except for yourself. And encourage the believers [to join you] that perhaps Allah will restrain the [military] might of those who disbelieve. And Allah is greater in might and stronger in [exemplary] punishment.

﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أنْ تُثَبَّطُوا وتَرَكُوكَ وحْدَكَ. ﴿لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ﴾ إلّا فِعْلَ نَفْسِكَ لا يَضُرُّكَ مُخالَفَتُهم وتَقاعُدُهُمْ، فَتَقَدَّمْ إلى الجِهادِ وإنْ لَمْ يُساعِدْكَ أحَدٌ فَإنَّ اللَّهَ ناصِرُكَ لا الجُنُودَ.

رُوِيَ « (أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ دَعا النّاسَ في بَدْرٍ الصُّغْرى إلى الخُرُوجِ فَكَرِهَهُ بَعْضُهم فَنَزَلَتْ. فَخَرَجَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وما مَعَهُ إلّا سَبْعُونَ لَمْ يَلْوِ عَلى أحَدٍ» .

وَقُرِئَ «لا تُكَلَّفْ» بِالجَزْمِ، و «لا نُكَلِّفُ» بِالنُّونِ عَلى بِناءِ الفاعِلِ أيْ لا نُكَلِّفُكَ إلّا فِعْلَ نَفْسِكَ، لا أنّا لا نُكَلِّفُ أحَدًا إلّا نَفْسَكَ لِقَوْلِهِ: ﴿وَحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ عَلى القِتالِ إذْ ما عَلَيْكَ في شَأْنِهِمْ إلّا التَّحْرِيضُ ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَعْنِي قُرَيْشًا، وقَدْ فَعَلَ بِأنْ ألْقى في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ حَتّى رَجَعُوا. ﴿واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا﴾ مِن قُرَيْشٍ. ﴿وَأشَدُّ تَنْكِيلا﴾ تَعْذِيبًا مِنهُمْ، وهو تَقْرِيعٌ وتَهْدِيدٌ لِمَن لَمْ يَتْبَعْهُ.

85

مَّن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً حَسَنَةًۭ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٌۭ مِّنْهَا ۖ وَمَن يَشْفَعْ شَفَٰعَةًۭ سَيِّئَةًۭ يَكُن لَّهُۥ كِفْلٌۭ مِّنْهَا ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ مُّقِيتًۭا

Whoever intercedes for a good cause will have a reward therefrom; and whoever intercedes for an evil cause will have a burden therefrom. And ever is Allah, over all things, a Keeper.

﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً﴾ راعى بِها حَقَّ مُسْلِمٍ ودَفَعَ بِها عَنْهُ ضَرًّا أوْ جَلَبَ إلَيْهِ نَفْعًا ابْتِغاءً لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، ومِنها الدُّعاءُ لِمُسْلِمٍ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «مَن دَعا لِأخِيهِ المُسْلِمِ بِظَهْرِ الغَيْبِ اسْتُجِيبَ لَهُ وقالَ لَهُ المَلَكُ ولَكَ مِثَلُ ذَلِكَ» .

﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها﴾ وهو ثَوابُ الشَّفاعَةِ والتَّسَبُّبِ إلى الخَيْرِ الواقِعِ بِها. ﴿وَمَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً﴾ يُرِيدُ بِها مُحَرَّمًا. ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها﴾ نَصِيبٌ مِن وِزْرِها مُساوٍ لَها في القَدْرِ. ﴿وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ مُقْتَدِرًا مِن أقاتَ عَلى الشَّيْءِ إذا قَدِرَ قالَ:

؎ وذِي ضُغْنٍ كَفَفْتُ الضُّغْنَ عَنْهُ ∗∗∗ وكُنْتُ عَلى مَساءَتِهِ مُقِيتًا

أوْ شَهِيدًا حافِظًا، واشْتِقاقُهُ مِنَ القُوتِ فَإنَّهُ يُقَوِّي البَدَنَ ويَحْفَظُهُ.

86

وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍۢ فَحَيُّوا۟ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا

And when you are greeted with a greeting, greet [in return] with one better than it or [at least] return it [in a like manner]. Indeed, Allah is ever, over all things, an Accountant.

﴿وَإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ الجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ في السَّلامِ، ويَدُلُّ عَلى وُجُوبِ الجَوابِ إمّا بِأحْسَنَ مِنهُ وهو أنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ ورَحْمَةُ اللَّهِ، فَإنْ قالَهُ المُسْلِمُ زادَ وبَرَكاتُهُ وهي النِّهايَةُ وإمّا بِرَدٍّ مِثْلِهِ لِما رُوِيَ « (أنَّ رَجُلًا قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: السَّلامُ عَلَيْكَ. فَقالَ: وعَلَيْكَ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ. وقالَ آخَرُ: السَّلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ فَقالَ: وعَلَيْكَ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ. وقالَ آخَرُ: السَّلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ. فَقالَ: وعَلَيْكَ. فَقالَ الرَّجُلُ: نَقَصْتَنِي فَأيْنَ ما قالَ اللَّهُ تَعالى وتَلا الآيَةَ. فَقالَ ﷺ: إنَّكَ لَمْ تَتْرُكْ لِي فَضْلًا فَرَدَدْتُ عَلَيْكَ مِثْلَهُ.»

وَذَلِكَ لِاسْتِجْماعِهِ أقْسامَ المُطالِبِ السَّلامَةَ عَنِ المَضارِّ وحُصُولَ المَنافِعِ وثَباتَها ومِنهُ قِيلَ: أوْ لِلتَّرْدِيدِ بَيْنَ أنْ يُحَيِّيَ المُسْلِمُ بِبَعْضِ التَّحِيَّةِ وبَيْنَ أنْ يُحَيِّيَ بِتَمامِها، وهَذا الوُجُوبُ عَلى الكِفايَةِ وحَيْثُ السَّلامُ مَشْرُوعٌ فَلا يَرِدُ في الخُطْبَةِ، وقِراءَةُ القُرْآنِ، وفي الحَمّامِ، وعِنْدَ قَضاءِ الحاجَةِ ونَحْوَها. والتَّحِيَّةُ في الأصْلِ مَصْدَرُ حَيّاكَ اللَّهُ عَلى الإخْبارِ مِنَ الحَياةِ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ لِلْحُكْمِ والدُّعاءِ بِذَلِكَ، ثُمَّ قِيلَ لِكُلِّ دُعاءٍ فَغَلَبَ في السَّلامِ. وقِيلَ المُرادُ بِالتَّحِيَّةِ العَطِيَّةُ وواجِبُ الثَّوابِ أوِ الرَّدِّ عَلى المُتَّهِبِ، وهو قَوْلٌ قَدِيمٌ لِلشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ. ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ يُحاسِبُكم عَلى التَّحِيَّةِ وغَيْرِها.

87

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۗ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثًۭا

Allah - there is no deity except Him. He will surely assemble you for [account on] the Day of Resurrection, about which there is no doubt. And who is more truthful than Allah in statement.

﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، أوِ اللَّهُ مُبْتَدَأٌ والخَبَرُ ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ أيِ اللَّهُ، واللَّهُ لَيَحْشُرَنَّكم مِن قُبُورِكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ، أوْ مُفْضِينَ إلَيْهِ أوْ في يَوْمِ القِيامَةِ، ولا إلَهَ إلّا هُوَ، اعْتِراضٌ. والقِيامُ والقِيامَةُ كالطِّلابِ والطِّلابَةِ وهي قِيامُ النّاسِ مِنَ القُبُورِ أوْ لِلْحِسابِ. ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ في اليَوْمِ أوْ في الجَمْعِ فَهو حالٌ مِنَ اليَوْمِ، أوْ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ ﴿وَمَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ إنْكارُ أنْ يَكُونَ أحَدٌ أكْثَرَ صِدْقًا مِنهُ، فَإنَّهُ لا يَتَطَرَّقُ الكَذِبُ إلى خَبَرِهِ بِوَجْهٍ لِأنَّهُ نَقْصٌ وهو عَلى اللَّهِ مُحالٌ.

88

۞ فَمَا لَكُمْ فِى ٱلْمُنَٰفِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓا۟ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا۟ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ ۖ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلًۭا

What is [the matter] with you [that you are] two groups concerning the hypocrites, while Allah has made them fall back [into error and disbelief] for what they earned. Do you wish to guide those whom Allah has sent astray? And he whom Allah sends astray - never will you find for him a way [of guidance].

﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ﴾ فَما لَكم تَفَرَّقْتُمْ في أمْرِ المُنافِقِينَ. ﴿فِئَتَيْنِ﴾ أيْ فِرْقَتَيْنِ ولَمْ تَتَّفِقُوا عَلى كُفْرِهِمْ، وذَلِكَ أنَّ ناسًا مِنهُمُ اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في الخُرُوجِ إلى البَدْوِ لِاجْتِواءِ المَدِينَةِ، فَلَمّا خَرَجُوا لَمْ يَزالُوا رَحْلَيْنِ مَرْحَلَةً مَرْحَلَةً حَتّى لَحِقُوا بِالمُشْرِكِينَ، فاخْتَلَفَ المُسْلِمُونَ في إسْلامِهِمْ. وقِيلَ نَزَلَتْ في المُتَخَلِّفِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، أوْ في قَوْمٍ هاجَرُوا ثُمَّ رَجَعُوا مُعْتَلِّينَ بِاجْتِواءِ المَدِينَةِ والِاشْتِياقِ إلى الوَطَنِ، أوْ قَوْمٍ أظْهَرُوا الإسْلامَ وقَعَدُوا عَنِ الهِجْرَةِ. وفِئَتَيْنِ حالٌ عامِلُها لَكم كَقَوْلِكَ: ما لَكَ قائِمًا. وفي المُنافِقِينَ حالٌ مِن فِئَتَيْنِ أيْ مُتَفَرِّقَتَيْنِ فِيهِمْ، أوْ مِنَ الضَّمِيرِ أيْ فَما لَكم تَفْتَرِقُونَ فِيهِمْ، ومَعْنى الِافْتِراقِ مُسْتَفادٌ مِن فِئَتَيْنِ. ﴿واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا﴾ رَدَّهم إلى حُكْمِ الكَفَرَةِ، أوْ نَكَسَهم بِأنْ صَيَّرَهم لِلنّارِ. وأصْلُ الرَّكْسِ رَدُّ الشَّيْءِ مَقْلُوبًا. ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ أنْ تَجْعَلُوهُ مِنَ المُهْتَدِينَ. ﴿وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ إلى الهُدى.

89

وَدُّوا۟ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا۟ فَتَكُونُونَ سَوَآءًۭ ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنْهُمْ وَلِيًّۭا وَلَا نَصِيرًا

They wish you would disbelieve as they disbelieved so you would be alike. So do not take from among them allies until they emigrate for the cause of Allah. But if they turn away, then seize them and kill them wherever you find them and take not from among them any ally or helper.

﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا﴾ تَمَنَّوْا أنْ تَكْفُرُوا كَكُفْرِهِمْ. ﴿فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ فَتَكُونُونَ مَعَهم سَواءً في الضَّلالِ، وهو عَطْفٌ عَلى تَكْفُرُونَ ولَوْ نُصِبَ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي لَجازَ. ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فَلا تُوالُوهم حَتّى يُؤْمِنُوا وتَتَحَقَّقُوا إيمانَهم بِهِجْرَةٍ هي لِلَّهِ ورَسُولِهِ لا لِأغْراضِ الدُّنْيا، وسَبِيلِ اللَّهِ ما أمَرَ بِسُلُوكِهِ. ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ عَنِ الإيمانِ الظّاهِرِ بِالهِجْرَةِ أوْ عَنْ إظْهارِ الإيمانِ. ﴿فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ كَسائِرِ الكَفَرَةِ. ﴿وَلا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ أيْ جانِبُوهم رَأْسًا ولا تَقْبَلُوا مِنهم وِلايَةً ولا نُصْرَةً.

90

إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَٰقٌ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَٰتِلُوكُمْ أَوْ يُقَٰتِلُوا۟ قَوْمَهُمْ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَٰتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا۟ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًۭا

Except for those who take refuge with a people between yourselves and whom is a treaty or those who come to you, their hearts strained at [the prospect of] fighting you or fighting their own people. And if Allah had willed, He could have given them power over you, and they would have fought you. So if they remove themselves from you and do not fight you and offer you peace, then Allah has not made for you a cause [for fighting] against them.

﴿إلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ فَخُذُوهم واقْتُلُوهم أيْ: إلّا الَّذِينَ يَتَّصِلُونَ ويَنْتَهُونَ إلى قَوْمٍ عاهَدُوكُمْ، ويُفارِقُونَ مُحارَبَتَكم. والقَوْمُ هم خُزاعَةُ. وقِيلَ: هُمُ الأسْلَمِيُّونَ فَإنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وادَعَ وقْتَ خُرُوجِهِ إلى مَكَّةَ هِلالَ بْنَ عُوَيْمِرٍ الأسْلَمِيَّ عَلى أنْ لا يُعِينَهُ ولا يُعِينَ عَلَيْهِ، ومَن لَجَأ إلَيْهِ فَلَهُ مِنَ الجِوارِ مِثْلُ مالِهِ. وقِيلَ بَنُو بَكْرِ بْنِ زَيْدِ مَناةَ. ﴿أوْ جاءُوكُمْ﴾ عُطِفَ عَلى الصِّلَةِ، أيْ أوِ الَّذِينَ جاءُوكم كافِّينَ عَنْ قِتالِكم وقِتالِ قَوْمِهِمُ، اسْتَثْنى مِنَ المَأْمُورِ بِأخْذِهِمْ وقَتْلِهِمْ مَن تَرَكَ المُحارِبِينَ فَلَحِقَ بِالمُعاهِدِينَ، أوْ أتى الرَّسُولَ ﷺ وكَفَّ عَنْ قِتالِ الفَرِيقَيْنِ، أوْ عَلى صِفَةِ قَوْمٍ وكَأنَّهُ قِيلَ: إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ مُعاهِدِينَ، أوْ قَوْمٍ كافِّينَ عَنِ القِتالِ لَكم وعَلَيْكم. والأوَّلُ أظْهَرُ لِقَوْلِهِ فَإنِ اعْتَزَلُوكم. وقُرِئَ بِغَيْرِ العاطِفِ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ بَعْدَ صِفَةٍ أوْ بَيانٌ لِيَصِلُونَ أوِ اسْتِئْنافٌ. ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ حالٌ بِإضْمارِ قَدْ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ قُرِئَ «حَصْرَةُ صُدُورِهِمْ» وحَصَراتُ صُدُورِهِمْ، أوْ بَيانٌ لِجاءُوكم وقِيلَ صِفَةُ مَحْذُوفٍ أيْ جاءُوكم قَوْمًا حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ، وهم بَنُو مُدْلِجٍ جاءُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَيْرَ مُقاتِلِينَ والحَصْرُ الضِّيقُ والِانْقِباضُ. ﴿أنْ يُقاتِلُوكم أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ أيْ عَنْ أنَّ أوْ لِأنَّ أوْ كَراهَةَ أنْ يُقاتِلُوكم. ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكُمْ﴾ بِأنْ قَوّى قُلُوبَهم وبَسَطَ صُدُورَهم وأزالَ الرُّعْبَ عَنْهم. ﴿فَلَقاتَلُوكُمْ﴾ ولَمْ يَكُفُّوا عَنْكم. ﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ فَإنْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَكم. ﴿وَألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ الِاسْتِسْلامَ والِانْقِيادَ. ﴿فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلا﴾ فَما أذِنَ لَكم في أخْذِهِمْ وقَتْلِهِمْ.

Commentary: Anwar al-Tanzil by Al-Baydawi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.