Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 81–90 of 176

81

وَيَقُولُونَ طَاعَةٌۭ فَإِذَا بَرَزُوا۟ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌۭ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ ۖ وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ۖ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا

And they say, "[We pledge] obedience." But when they leave you, a group of them spend the night determining to do other than what you say. But Allah records what they plan by night. So leave them alone and rely upon Allah. And sufficient is Allah as Disposer of affairs.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ويَقُولُونَ طاعَةٌ فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأعْرِضْ عَنْهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ [٨١]

﴿ويَقُولُونَ﴾ أيِ: المُنافِقُونَ إذا أمَرْتَهم بِشَيْءٍ، وهم عِنْدَكَ ﴿طاعَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ، أيْ: أمْرُنا وشَأْنُنا طاعَةٌ، ويَجُوزُ النَّصْبُ بِمَعْنى: أطَعْناكَ طاعَةً، كَما يَقُولُ المُنْقادُ: سَمْعًا وطاعَةً، وسَمْعٌ وطاعَةٌ.

قالَ سِيبَوَيْهِ: سَمِعْنا بَعْضَ العَرَبِ المَوْثُوقِ بِهِمْ يُقالُ لَهُ: كَيْفَ أصْبَحْتَ؟ فَيَقُولُ: حَمْدُ اللَّهِ وثَناءٌ عَلَيْهِ، كَأنَّهُ قالَ: أمْرِي وشَأْنِي حَمْدُ اللَّهِ وثَناءٌ عَلَيْهِ، ولَوْ نُصِبَ (حَمْدَ اللَّهِ) كانَ عَلى الفِعْلِ، والرَّفْعُ يَدُلُّ عَلى ثَباتِ الطّاعَةِ واسْتِقْرارِها.

﴿فَإذا بَرَزُوا﴾ أيْ: خَرَجُوا ﴿مِن عِنْدِكَ﴾ أيْ: مِن مَجْلِسِكَ ﴿بَيَّتَ﴾ أيْ: دَبَّرَ لَيْلًا ﴿طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ القائِلِينَ المَذْكُورِينَ وهم رُؤَساؤُهم ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ أيْ: خِلافَ ما قالَتْ لَكَ مِنَ القَبُولِ وضَمانِ الطّاعَةِ؛ لِأنَّهم مُصِرُّونَ عَلى الرَّدِّ والعِصْيانِ، وإنَّما يُظْهِرُونَ ما يُظْهِرُونَ عَلى وجْهِ النِّفاقِ.

تَنْبِيهانِ:

الأوَّلُ: في "القامُوسِ وشَرْحِهِ" وبَيَّتَ الأمْرَ: عَمِلَهُ أوْ دَبَّرَهُ لَيْلًا.

وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما فُكِّرَ فِيهِ أوْ خِيضَ بِلَيْلٍ فَقَدْ بُيِّتَ، ويُقالُ: بَيَّتَ بِلَيْلٍ ودَبَّرَ بِلَيْلٍ بِمَعْنًى واحِدٍ.

وفِي الحَدِيثِ: «أنَّهُ كانَ ﷺ لا يُبَيِّتُ مالًا ولا يَقِيلُهُ»، أيْ: إذا جاءَهُ مالٌ لا يُمْسِكُهُ إلى اللَّيْلِ ولا إلى القائِلَةِ، بَلْ يُعَجِّلُ قِسْمَتَهُ. انْتَهى.

ونَقَلَ الرّازِيُّ عَنِ الزَّجّاجِ أيْضًا: أنَّ كُلَّ أمْرٍ تَفَكَّرَ فِيهِ وتَأمَّلَ في مَصالِحِهِ ومَفاسِدِهِ كَثِيرًا يُقالُ فِيهِ مُبَيَّتٌ، وفي اشْتِقاقِهِ وجْهانِ:

الأوَّلُ: مِنَ البَيْتُوتَةِ؛ لِأنَّ أصْلَحَ الأوْقاتِ لِلْفِكْرِ أنْ يَجْلِسَ الإنْسانُ في بَيْتِهِ بِاللَّيْلِ، فَهُناكَ تَكُونُ الخَواطِرُ أخْلى، والشَّواغِلُ أقَلَّ، فَلَمّا كانَ الغالِبُ أنَّ الإنْسانَ وقْتَ اللَّيْلِ يَكُونُ في البَيْتِ، والغالِبُ أنَّهُ يَسْتَقْصِي الأفْكارَ في اللَّيْلِ، لا جَرَمَ سُمِّيَ الفِكْرُ المُسْتَقْصى مُبَيَّتًا.

الثّانِي: اشْتِقاقُهُ مِن أبْياتِ الشِّعْرِ؛ لِأنَّ الشّاعِرَ يُدَبِّرُها ويُسَوِّيها، قالَ الأخْفَشُ: العَرَبُ إذا أرادُوا قَرْضَ الشِّعْرِ بالَغُوا في التَّفَكُّرِ فِيهِ، فَسَمَّوُا المُتَفَكَّرَ فِيهِ المُسْتَقْصى مُبَيَّتًا؛ تَشْبِيهًا لَهُ بِبَيْتِ الشِّعْرِ، مِن حَيْثُ إنَّهُ يُسَوّى ويُدَبَّرُ.

الثّانِي: تَذْكِيرُ الفِعْلِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ (طائِفَةٌ) غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ولِأنَّها في مَعْنى الفَوْجِ والفَرِيقِ، وإسْنادُهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم لِبَيانِ أنَّهُمُ المُتَصَدُّونَ لَهُ بِالذّاتِ، والباقُونَ أتْباعٌ لَهم في ذَلِكَ، لا لِأنَّ الباقِينَ ثابِتُونَ عَلى الطّاعَةِ.

﴿واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾ أيْ: يُثْبِتُهُ في صَحائِفِ أعْمالِهِمْ بِما يَأْمُرُ بِهِ حَفَظَتَهُ الكاتِبِينَ المُوَكَّلِينَ بِالعِبادِ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ.

قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: والمَعْنى في هَذا التَّهْدِيدِ أنَّهُ تَعالى يُخْبِرُ بِأنَّهُ عالِمٌ بِما يُضْمِرُونَهُ ويُسِرُّونَهُ فِيما بَيْنَهُمْ، وما يَتَّفِقُونَ عَلَيْهِ لَيْلًا مِن مُخالَفَةِ الرَّسُولِ ﷺ وعِصْيانِهِ، وإنْ كانُوا قَدْ أظْهَرُوا لَهُ الطّاعَةَ والمُوافَقَةَ، وسَيَجْزِيهِمْ عَلى ذَلِكَ. انْتَهى.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: واللَّهُ يَكْتُبُهُ في جُمْلَةِ ما …

82

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَٰفًۭا كَثِيرًۭا

Then do they not reflect upon the Qur'an? If it had been from [any] other than Allah, they would have found within it much contradiction.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ [٨٢]

﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ﴾ إنْكارٌ واسْتِقْباحٌ لِعَدَمِ تَدَبُّرِهِمُ القُرْآنَ وإعْراضِهِمْ عَنِ التَّأمُّلِ فِيما فِيهِ مِن مُوجِباتِ الإيمانِ؛ لِيَعْلَمُوا كَوْنَهُ مِن عِنْدِهِ تَعالى بِمُشاهَدَةِ ما فِيهِ مِنَ الشَّواهِدِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذا الوَحْيُ الصّادِقُ والنَّصُّ النّاطِقُ بِنِفاقِهِمُ المَحْكِيِّ عَلى ما هو عَلَيْهِ.

وأصْلُ التَّدَبُّرِ التَّأمُّلُ والنَّظَرُ في أدْبارِ الأمْرِ وعَواقِبِهِ خاصَّةً، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَأمُّلٍ، سَواءٌ كانَ نَظَرًا في حَقِيقَةِ الشَّيْءِ وأجْزائِهِ، أوْ سَوابِقِهِ وأسْبابِهِ، أوْ لَواحِقِهِ وأعْقابِهِ.

﴿ولَوْ كانَ﴾ أيِ: القُرْآنُ ﴿مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ﴾ تَعالى كَما يَزْعُمُونَ ﴿لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ بِأنْ يَكُونَ بَعْضُ أخْبارِهِ غَيْرَ مُطابِقٍ لِلْواقِعِ، إذْ لا عِلْمَ بِالأُمُورِ الغَيْبِيَّةِ، ماضِيَةً كانَتْ أوْ مُسْتَقْبَلَةً لِغَيْرِهِ سُبْحانَهُ، وحَيْثُ كانَتْ كُلُّها مُطابَقَةً لِلْواقِعِ تَعَيَّنَ كَوْنُهُ مِن عِنْدِهِ تَعالى.

قالَ الزَّجّاجُ: ولَوْلا أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى لَكانَ ما فِيهِ مِنَ الإخْبارِ بِالغَيْبِ مِمّا يُسِرُّهُ المُنافِقُونَ وما يُبَيِّتُونَهُ مُخْتَلِفًا، بَعْضُهُ حَقٌّ وبَعْضُهُ باطِلٌ؛ لِأنَّ الغَيْبَ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ تَعالى.

وقالَ أبُو بَكْرٍ الأصَمُّ: إنَّ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ كانُوا يَتَواطَئُونَ في السِّرِّ عَلى أنْواعٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الكَيْدِ والمَكْرِ، وكانَ اللَّهُ تَعالى يُطْلِعُ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلى ذَلِكَ، ويُخْبِرُهُ بِها مُفَصَّلَةً، فَقِيلَ لَهم إنَّ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ بِإخْبارِ اللَّهِ تَعالى لَما اطَّرَدَ الصِّدْقُ فِيهِ، ولَوَقَعَ فِيهِ الِاخْتِلافُ، فَلَمّا لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ قَطُّ عُلِمَ أنَّهُ بِإعْلامِهِ تَعالى، وأمّا حَمْلُ الِاخْتِلافِ عَلى التَّناقُضِ وتَفاوُتِ النَّظْمِ في البَلاغَةِ فَمِمّا لا يُساعِدُهُ السِّباقُ ولا السِّياقُ، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ.

* *

تَنْبِيهٌ:

دَلَّتِ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، وعَلى القَوْلِ بِفَسادِ التَّقْلِيدِ؛ لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ المُنافِقِينَ بِالِاسْتِدْلالِ بِهَذا الدَّلِيلِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، أفادَهُ الرّازِيُّ.

وفِي الآيَةِ - أيْضًا - الحَثُّ عَلى تَدَبُّرِ القُرْآنِ لِيُعْرَفَ إعْجازُهُ مِن مُوافَقَتِهِ لِلْعُلُومِ واشْتِمالِهِ عَلى فَوائِدَ مِنها، وكَمالِ حُجَجِهِ وبَلاغَتِهِ العُلْيا، ومُوافَقَةِ أحْكامِهِ لِلْحِكْمَةِ، وأخْبارِهِ الماضِيَةِ لِكُتُبِ الأوَّلِينَ، والمُسْتَقْبَلَةِ لِلْواقِعِ.

قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: مَن أمْعَنَ في البَحْثِ عَنْ مَعانِي كِتابِ اللَّهِ، مُحافِظًا عَلى ما جاءَ في تَفْسِيرِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَنْ أصْحابِهِ الَّذِينَ شاهَدُوا التَّنْزِيلَ، وحَصَّلَ مِنَ الأحْكامِ ما يُسْتَفادُ مِن مَنطُوقِهِ ومَفْهُومِهِ، وعَنْ مَعانِي السُّنَّةِ وما دَلَّتْ عَلَيْهِ كَذَلِكَ، مُقْتَصِرًا عَلى ما يَصْلُحُ لِلْحُجَّةِ مِنها - فَإنَّهُ الَّذِي يُحْمَدُ ويُنْتَفَعُ بِهِ، وعَلى ذَلِكَ يُحْمَلُ عَمَلُ فُقَهاءِ الأمْصارِ مِنَ التّابِعِينَ فَمَن بَعْدَهُمُ. انْتَهى.

وقَدْ رَوى البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ تَعْلِيقًا عَنِ ابْنِ عَوْنٍ (وهُوَ عَبْدُ اللَّهِ البَصْرِيُّ، مِن صِغارِ التّابِعِينَ) أنَّهُ قالَ: ثَلاثٌ أُحِبُّهُنَّ لِنَفْسِي ولِإخْوانِي: هَذِهِ السُّنَّةُ أنْ يَتَعَلَّمُوها ويَسْألُوا …

83

وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌۭ مِّنَ ٱلْأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُوا۟ بِهِۦ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَٱتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَٰنَ إِلَّا قَلِيلًۭا

And when there comes to them information about [public] security or fear, they spread it around. But if they had referred it back to the Messenger or to those of authority among them, then the ones who [can] draw correct conclusions from it would have known about it. And if not for the favor of Allah upon you and His mercy, you would have followed Satan, except for a few.

ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى عَنِ المُنافِقِينَ نَوْعًا آخَرَ مِن مَفاسِدِهِمْ، وهو إظْهارُهم أسْرارَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومُبادَرَتُهم بِأخْبارِ السَّرايا وإذاعَتِها بِقَوْلِهِ تَعالى:

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلا قَلِيلا﴾ [٨٣]

﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ﴾ أيْ: مِمّا يُوجِبُ أحَدَهُما ﴿أذاعُوا بِهِ﴾ أيْ: أفْشَوْهُ، فَتَعُودُ إذاعَتُهم مَفْسَدَةً مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الإرْجافاتِ لا تَنْفَكُّ عَنِ الكَذِبِ الكَثِيرِ.

والثّانِي: أنَّهُ إنْ كانَ ذَلِكَ الخَبَرُ في جانِبِ الأمْنِ زادُوا فِيهِ زِياداتٍ كَثِيرَةً، فَإذا لَمْ تُوجَدْ تِلْكَ الزِّياداتُ أوْرَثَ ذَلِكَ شُبْهَةً لِلضُّعَفاءِ في صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ لِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يَرْوُونَ تِلْكَ الإرْجافاتِ عَنِ الرَّسُولِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ في جانِبِ الخَوْفِ تَشَوَّشَ الأمْرُ بِسَبَبِهِ عَلى ضُعَفاءِ المُسْلِمِينَ، ووَقَعُوا عِنْدَهُ في الحَيْرَةِ والِاضْطِرابِ، فَكانَتْ تِلْكَ الإرْجافاتُ سَبَبًا لِلْفِتْنَةِ مِن هَذا الوَجْهِ.

الثّالِثُ: أنَّ الإرْجافَ سَبَبٌ لِتَوْفِيرِ الدَّواعِي عَلى البَحْثِ الشَّدِيدِ والِاسْتِقْصاءِ التّامِّ، وذَلِكَ سَبَبٌ لِظُهُورِ الأسْرارِ، وذَلِكَ مِمّا لا يُوافِقُ مَصْلَحَةَ المَدِينَةِ.

والرّابِعُ: أنَّ العَداوَةَ الشَّدِيدَةَ كانَتْ قائِمَةً بَيْنَ المُسْلِمِينَ والكُفّارِ، فَكُلُّ ما كانَ أمْنًا لِأحَدِ الفَرِيقَيْنِ كانَ خَوْفًا لِلْفَرِيقِ الثّانِي، فَإنَّ وقَعَ خَبَرُ الأمْنِ لِلْمُسْلِمِينَ وحُصُولُ العَسْكَرِ وآلاتِ الحَرْبِ لَهم أرْجَفَ المُنافِقُونَ بِذَلِكَ، فَوَصَلَ الخَبَرُ في أسْرَعِ مُدَّةٍ إلى الكُفّارِ، فَأخَذُوا في التَّحَصُّنِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وفي الِاحْتِرازِ عَنِ اسْتِيلائِهِمْ عَلَيْهِمْ، وإنْ وقَعَ خَبَرُ الخَوْفِ لِلْمُسْلِمِينَ بالَغُوا في ذَلِكَ وزادُوا فِيهِ، وألْقَوُا الرُّعْبَ في قُلُوبِ الضَّعَفَةِ والمَساكِينِ، فَظَهَرَ مِن هَذا أنَّ ذَلِكَ الإرْجافَ كانَ مُنْشِئًا لِلْفِتَنِ والآفاتِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، ولَمّا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ ذَمَّ اللَّهُ تَعالى تِلْكَ الإذاعَةَ وذَلِكَ التَّشْهِيرَ، ومَنَعَهم مِنهُ، أفادَهُ الرّازِيُّ.

﴿ولَوْ رَدُّوهُ﴾ أيْ: ذَلِكَ الأمْرَ الَّذِي جاءَهم ﴿إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهُمْ﴾ هم كُبَراءُ الصَّحابَةِ البُصَراءُ في الأُمُورِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - أوِ الَّذِينَ يُؤَمَّرُونَ مِنهم وكانُوا كَأنْ لَمْ يَسْمَعُوا ﴿لَعَلِمَهُ﴾ أيِ: الأمْرَ ﴿الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ أيْ: يَسْتَعْلِمُونَهُ ويَتَطَلَّبُونَهُ وهُمُ المُنافِقُونَ المُذِيعُونَ ﴿مِنهُمْ﴾ أيْ: مِنَ الرَّسُولِ وأُولِي الأمْرِ، يَعْنِي لَوْ أنَّهم قالُوا: نَسْكُتُ حَتّى نَسْمَعَهُ مِن جِهَةِ الرَّسُولِ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ ونَعْرِفَ الحالَ فِيهِ مِن جِهَتِهِمْ - لَعَلِمُوا صِحَّتَهُ وأنَّهُ هَلْ هو مِمّا يُذاعُ أوْ لا؟ وإنَّما وُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ يَعْنِي لَمْ يَقِلْ: (لَعَلِمُوهُ) لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ، أوْ لِذَمِّهِمْ أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى خَطَئِهِمْ في الفَحْصِ عَنِ اسْتِخْراجِ وإظْهارِ خَفِيِّ ذَلِكَ الأمْرِ.

قالَ النّاصِرُ في "الِانْتِصافِ": في هَذِهِ الآيَةِ تَأْدِيبٌ لِكُلِّ مَن يُحَدِّثُ بِكُلِّ ما يَسْمَعُ، وكَفى بِهِ كَذِبًا، وخُصُوصًا عَنْ مِثْلِ السَّرايا والمُناصِبِينَ الأعْداءَ …

84

فَقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ۚ وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًۭا وَأَشَدُّ تَنكِيلًۭا

So fight, [O Muhammad], in the cause of Allah; you are not held responsible except for yourself. And encourage the believers [to join you] that perhaps Allah will restrain the [military] might of those who disbelieve. And Allah is greater in might and stronger in [exemplary] punishment.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا وأشَدُّ تَنْكِيلا﴾ [٨٤]

﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تَلْوِينٌ لِلْخِطابِ وتَوْجِيهٌ لَهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ، وهو جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ يَنْساقُ إلَيْهِ النَّظْمُ الكَرِيمُ، أيْ: إذا كانَ الأمْرُ كَما حُكِيَ مِن عَدَمِ طاعَةِ المُنافِقِينَ وكَيْدِهِمْ فَقاتِلْ أنْتَ وحْدَكَ غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِما فَعَلُوا، قالَهُ أبُو السُّعُودِ.

﴿لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ﴾ أيْ: إلّا فِعْلَ نَفْسِكَ، بِالتَّقَدُّمِ إلى الجِهادِ، فَإنَّ اللَّهَ هو ناصِرُكَ لا الجُنُودَ، فَإنْ شاءَ نَصَرَكَ وحْدَكَ كَما يَنْصُرُكَ وحَوْلَكَ الأُلُوفُ، أيْ: ومَن نَكَّلَ فَلا عَلَيْكَ مِنهُ ولا تُؤاخَذُ بِهِ.

قالَ الرّازِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ ﷺ كانَ أشْجَعَ الخَلْقِ وأعْرَفَهم بِكَيْفِيَّةِ القِتالِ؛ لِأنَّهُ تَعالى ما كانَ يَأْمُرُهُ بِذَلِكَ إلّا وهو ﷺ مَوْصُوفٌ بِهَذِهِ الصِّفاتِ، ولَقَدِ اقْتَدى بِهِ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَيْثُ حاوَلَ الخُرُوجَ وحْدَهُ إلى قِتالِ مانِعِي الزَّكاةِ، ومَن عَلِمَ أنَّ الأمْرَ كُلَّهُ بِيَدِ اللَّهِ، وأنَّهُ لا يَحْصُلُ أمْرٌ مِنَ الأُمُورِ إلّا بِقَضاءِ اللَّهِ سَهُلَ ذَلِكَ عَلَيْهِ.

ورَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي إسْحاقَ قالَ: سَألْتُ البَراءَ بْنَ عازِبٍ عَنِ الرَّجُلِ يَلْقى المِائَةَ مِنَ العَدُوِّ فَيُقاتِلُ، فَيَكُونُ مِمَّنْ قالَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ؟ قالَ: قَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ: ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ﴾

ورَواهُ الإمامُ أحْمَدُ أيْضًا عَنْهُ قالَ: قُلْتُ لِلْبَراءِ: الرَّجُلُ يَحْمِلُ عَلى المُشْرِكِينَ، أهْوَ مِمَّنْ ألْقى بِيَدِهِ إلى التَّهْلُكَةِ؟ قالَ: لا، إنَّ اللَّهَ بَعَثَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ﴾ إنَّما ذَلِكَ في النَّفَقَةِ.

﴿وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: عَلى الخُرُوجِ مَعَكَ وعَلى القِتالِ، ورَغِّبْهم فِيهِ وشَجِّعْهم عَلَيْهِ، كَما «قالَ لَهم ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ وهو يُسَوِّي الصُّفُوفَ: قُومُوا إلى جَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ،» وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في التَّرْغِيبِ في ذَلِكَ، مِنها:

ما رَواهُ البُخارِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ في الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أعَدَّها اللَّهُ لِلْمُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ، بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ» .

﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ﴾ أيْ: يَمْنَعَ ﴿بَأْسَ﴾ أيْ: قِتالَ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهم كَفّارُ مَكَّةَ أيْ: بِتَحْرِيضِكَ إيّاهم عَلى القِتالِ، تَبْعَثُ هِمَمَهم عَلى مُناجَزَةِ الأعْداءِ ومُدافَعَتِهِمْ عَنْ حَوْزَةِ الإسْلامِ وأهْلِهِ، ومُقاوَمَتِهِمْ ومُصابَرَتِهِمْ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَسى﴾ إلَخْ عِدَةٌ مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مُحَقَّقَةُ الإنْجازِ بِكَفِّ شِدَّةِ الكَفَرَةِ ومَكْرُوهِهِمْ، فَإنَّ ما صُدِّرَ بِـ(لَعَلَّ وعَسى) مُقَرَّرُ الوُقُوعِ مِن جِهَتِهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَدْ كانَ كَذَلِكَ، حَيْثُ رُوِيَ في السِّيرَةِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ واعَدَ أبا سُفْيانَ بَعْدَ حَرْبِ أُحُدٍ مَوْسِمَ بَدْرٍ الصُّغْرى في ذِي القِعْدَةِ، فَلَمّا بَلَغَ المِيعادُ دَعا النّاسَ إلى الخُرُوجِ، وخَرَجَ في شَعْبانَ سَنَةَ أرْبَعٍ في سَبْعِينَ راكِبًا، ووافَوُا المَوْعِدَ وألْقى اللَّهُ …

85

مَّن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً حَسَنَةًۭ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٌۭ مِّنْهَا ۖ وَمَن يَشْفَعْ شَفَٰعَةًۭ سَيِّئَةًۭ يَكُن لَّهُۥ كِفْلٌۭ مِّنْهَا ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ مُّقِيتًۭا

Whoever intercedes for a good cause will have a reward therefrom; and whoever intercedes for an evil cause will have a burden therefrom. And ever is Allah, over all things, a Keeper.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ [٨٥]

﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً﴾ أيْ: يَتَوَسَّطُ في أمْرٍ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ خَيْرٌ مِن دَفْعِ ضُرٍّ أوْ جَلْبِ نَفْعٍ؛ ابْتِغاءً لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، ومِنهُ حَمْلُ المُؤْمِنِينَ عَلى قِتالِ الكُفّارِ ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها﴾ وهو ثَوابُ الشَّفاعَةِ والتَّسَبُّبُ إلى الخَيْرِ الواقِعِ بِها.

﴿ومَن يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً﴾ وهي ما كانَتْ بِخِلافِ الحَسَنَةِ، بِأنْ كانَتْ في أمْرٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ ﴿يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنها﴾ أيْ: نَصِيبٌ مِن وِزْرِها الَّذِي تَرَتَّبَ عَلى سَعْيِهِ، مُساوٍ لَها في المِقْدارِ مِن غَيْرِ أنْ يَنْقُصَ مِنهُ شَيْءٌ.

فَوائِدُ:

الأُولى: قالَ السُّيُوطِيُّ في "الإكْلِيلِ": في الآيَةِ مَدْحُ الشَّفاعَةِ وذَمُّ السِّعايَةِ وهي الشَّفاعَةُ السَّيِّئَةُ وذِكْرُ النّاسِ عِنْدَ السُّلْطانِ بِالسُّوءِ، وهي مَعْدُودَةٌ مِنَ الكَبائِرِ.

الثّانِيَةُ: رُوِيَ في فَضْلِ الشَّفاعَةِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، مِنها:

ما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا أتاهُ طالِبُ حاجَةٍ أقْبَلَ عَلى جُلَسائِهِ فَقالَ: اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا ويَقْضِي اللَّهُ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ ما أحَبَّ» .

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - في «قِصَّةِ بَرِيرَةَ وزَوْجِها قالَ: قالَ لَها النَّبِيُّ ﷺ: لَوْ راجَعْتِهِ! قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ تَأْمُرُنِي؟ قالَ: إنَّما أنا أشْفَعُ قالَتْ: لا حاجَةَ لِي فِيهِ،» رَواهُ البُخارِيُّ.

الثّالِثَةُ: قالَ مُجاهِدٌ والحَسَنُ والكَلْبِيُّ وابْنُ زَيْدٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في شَفاعاتِ النّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَما يَجُوزُ في الدِّينِ أنْ يُشْفَعَ فِيهِ فَهو شَفاعَةٌ حَسَنَةٌ، وما لا يَجُوزُ أنْ يُشْفَعَ فِيهِ فَهو شَفاعَةٌ سَيِّئَةٌ.

ثُمَّ قالَ الحَسَنُ: مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً كانَ لَهُ فِيها أجْرٌ، وإنْ لَمْ يُشَفَّعْ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: (مَن يَشْفَعْ)ولَمْ يَقُلْ: (مَن يُشَفَّعْ) ويَتَأيَّدُ هَذا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا» نَقَلَهُ الرّازِيُّ.

الرّابِعَةُ: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الشَّفاعَةُ الحَسَنَةُ هي الَّتِي رُوعِيَ بِها حَقُّ مُسْلِمٍ، ودُفِعَ بِها عَنْهُ شَرٌّ، أوْ جُلِبَ إلَيْهِ خَيْرٌ، وابْتُغِيَ بِها وجْهُ اللَّهِ، ولَمْ تُؤْخَذْ عَلَيْها رِشْوَةٌ، وكانَتْ في أمْرٍ جائِزٍ، لا في حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ، ولا في حَقٍّ مِنَ الحُقُوقِ، يَعْنِي الواجِبَةَ عَلَيْهِ، والسَّيِّئَةُ ما كانَ بِخِلافِ ذَلِكَ، وعَنْ مَسْرُوقٍ: أنَّهُ شَفَعَ شَفاعَةً فَأهْدى إلَيْهِ المَشْفُوعُ جارِيَةً فَغَضِبَ ورَدَّها، وقالَ: لَوْ عَلِمْتُ ما في قَلْبِكَ لَما تَكَلَّمْتُ في حاجَتِكَ، ولا أتَكَلَّمُ فِيما بَقِيَ مِنها. انْتَهى.

ورَوى أبُو داوُدَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: مَن شَفَعَ لِأخِيهِ بِشَفاعَةٍ فَأهْدى لَهُ هَدِيَّةً عَلَيْها، فَقَبِلَها، فَقَدْ أتى بابًا عَظِيمًا مِن أبْوابِ الرِّبا» .

وهَذا الحَدِيثُ أوْرَدَهُ أيْضًا المُنْذِرِيُّ في "كِتابِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ" في تَرْجَمَةِ (التَّرْغِيبِ في قَضاءِ حَوائِجِ المُسْلِمِينَ وإدْخالِ السُّرُورِ عَلَيْهِمْ، وما جاءَ فِيمَن شَفَعَ فَأُهْدِيَ إلَيْهِ) ثُمَّ ساقَ حَدِيثَ الشَّيْخَيْنِ وغَيْرِهِما، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ ولا يُسْلِمُهُ، ومَن كانَ في …

86

وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍۢ فَحَيُّوا۟ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا

And when you are greeted with a greeting, greet [in return] with one better than it or [at least] return it [in a like manner]. Indeed, Allah is ever, over all things, an Accountant.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [٨٦]

﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ أيْ: إذا سُلِّمَ عَلَيْكم فَدُعِيَ لِسَلامَةِ حَياتِكم وصِفاتِكُمُ الَّتِي بِها كَمالُ الحَياةِ بِتَحِيَّةٍ، فَقِيلَ: السَّلامُ عَلَيْكم ﴿فَحَيُّوا﴾ أيْ: أداءً لِحَقِّ المُسْلِمِ عَلَيْكم ﴿بِأحْسَنَ مِنها﴾ أيْ: بِتَحِيَّةٍ أحْسَنَ مِنها، بِأنْ تَقُولُوا: وعَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ، ولَوْ قالَها المُسْلِمُ زِيدَ: وبَرَكاتُهُ.

قالَ الرّاغِبُ: أصْلُ التَّحِيَّةِ الدُّعاءُ بِالحَياةِ وطُولِها، ثُمَّ اسْتُعْمِلَتْ في كُلِّ دُعاءٍ، وكانَتِ العَرَبُ إذا لَقِيَ بَعْضُهم بَعْضًا يَقُولُ: حَيّاكَ اللَّهُ، ثُمَّ اسْتَعْمَلَها الشَّرْعُ في السَّلامِ، وهي تَحِيَّةُ الإسْلامِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾ [إبراهيم: ٢٣] [إبْراهِيمَ: مِنَ الآيَةِ ٢٣] وقالَ: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] [الأحْزابِ: مِنَ الآيَةِ ٤٤] وقالَ: ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكم تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النور: ٦١] [النُّورِ: مِنَ الآيَةِ ٦١].

قالُوا: في السَّلامِ مَزِيَّةٌ عَلى (حَيّاكَ) لِما أنَّهُ دُعاءٌ بِالسَّلامَةِ مِنَ الآفاتِ الدِّينِيَّةِ والدُّنْيَوِيَّةِ، وهي مُسْتَلْزِمَةٌ لِطُولِ الحَياةِ، ولَيْسَ في الدُّعاءِ بِطُولِ الحَياةِ ذَلِكَ، ولِأنَّ السَّلامَ مِن أسْمائِهِ تَعالى، فالبَداءَةُ بِذِكْرِهِ مِمّا لا رَيْبَ في فَضْلِهِ ومَزِيَّتِهِ.

﴿أوْ رُدُّوها﴾ أيْ: أجِيبُوها بِمِثْلِها، ورَدُّ السَّلامِ ورَجْعُهُ: جَوابُهُ بِمِثْلِهِ؛ لِأنَّ المُجِيبَ يَرُدُّ قَوْلَ المُسَلِّمِ ويُكَرِّرُهُ.

﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ أيْ: فَيُحاسِبُكم عَلى كُلِّ شَيْءٍ مِن أعْمالِكُمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ التَّحِيَّةِ، فَحافِظُوا عَلى مُراعاتِها حَسْبَما أُمِرْتُمْ بِهِ، وفي الآيَةِ فَوائِدُ شَتّى:

الأُولى: نُكْتَةُ نَظْمِها مَعَ آياتِ الجِهادِ هو التَّمْهِيدُ لِمَنعِ المُؤْمِنِينَ مِن قَتْلِ مَن ألْقى إلَيْهِمُ السَّلامَ في الحَرْبِ الآتِي قَرِيبًا، بِبَيانِ أنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ حَقًّا يُؤَدّى إلَيْهِ، وذَلِكَ لِأنَّ السَّلامَ نَوْعٌ مِنَ الإكْرامِ، والمُكَرَّمُ يُقابِلُ بِمِثْلِ إكْرامِهِ أوْ أزْيَدَ.

قالَ الرّازِيُّ: إنَّ الرَّجُلَ في الجِهادِ كانَ يَلْقاهُ الرَّجُلُ في دارِ الحَرْبِ أوْ ما يُقارِبُها فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَقَدْ لا يَلْتَفِتُ إلى سَلامِهِ عَلَيْهِ ويَقْتُلُهُ، ورُبَّما ظَهَرَ أنَّهُ كانَ مُسْلِمًا، فَمَنَعَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ عَنْهُ، وأمَرَهم أنَّ كُلَّ مَن يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ ويُكْرِمُهم بِنَوْعٍ مِنَ الإكْرامِ يُقابِلُونَهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ الإكْرامِ أوْ أزْيَدَ، فَإنَّهُ إنْ كانَ كافِرًا لا يَضُرُّ المُسْلِمَ إنْ قابَلَ إكْرامَ ذَلِكَ الكافِرِ بِنَوْعٍ مِنَ الإكْرامِ، أمّا إنْ كانَ مُسْلِمًا وقَتَلَهُ فَفِيهِ أعْظَمُ المَضارِّ والمَفاسِدِ.

ولِذا قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ أيْ: هو مُحاسِبُكم عَلى كُلِّ أعْمالِكُمْ، وكافٍ في إيصالِ جَزاءِ أعْمالِكم إلَيْكُمْ، فَكُونُوا عَلى حَذَرٍ مِن مُخالَفَةِ هَذا التَّكْلِيفِ، فَهَذا يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ العِنايَةِ بِحِفْظِ الدِّماءِ، والمَنعِ مِن إهْدارِها.

وقَدْ رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَن سَلَّمَ عَلَيْكَ مِن خَلْقِ اللَّهِ فارْدُدْ عَلَيْهِ، وإنْ كانَ مَجُوسِيًّا ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾

وقالَ قَتادَةُ: (فَحَيُّوا …

87

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۗ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثًۭا

Allah - there is no deity except Him. He will surely assemble you for [account on] the Day of Resurrection, about which there is no doubt. And who is more truthful than Allah in statement.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [٨٧]

﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ أيْ: لَيَبْعَثَنَّكم مِن قُبُورِكم ويَحْشُرَنَّكم إلى حِسابِ يَوْمِ القِيامَةِ في صَعِيدٍ واحِدٍ، فَيُجازِي كُلَّ عامِلٍ بِعَمَلِهِ.

قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: القِيامَةُ والقِيامُ كالطِّلابَةِ والطِّلابِ، وهي قِيامُهم مِنَ القُبُورِ أوْ قِيامُهم لِلْحِسابِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [المطففين: ٦] [المُطَفِّفِينَ: ٦].

﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: لا شَكَّ في يَوْمِ القِيامَةِ أوْ في الجَمْعِ.

﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ إنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ أحَدٌ أصْدَقَ مِنهُ تَعالى في حَدِيثِهِ وخَبَرِهِ ووَعْدِهِ ووَعِيدِهِ، وبَيانٌ لِاسْتِحالَتِهِ؛ لِأنَّهُ نَقْصٌ وقَبِيحٌ؛ إذْ مَن كَذَبَ لَمْ يَكْذِبْ إلّا لِأنَّهُ مُحْتاجٌ إلى أنْ يَجُرَّ مَنفَعَةً بِكَذِبِهِ أوْ يَدْفَعَ مَضَرَّةً، أوْ هو جاهِلٌ بِقُبْحِهِ، أوْ هو سَفِيهٌ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ الصِّدْقِ والكَذِبِ في أخْبارِهِ، ولا يُبالِي بِأيِّهِما نَطَقَ، فَظَهَرَ اسْتِحالَةُ الكَذِبِ عَلَيْهِ جَلَّ شَأْنُهُ، والغَيْرُ - وإنْ دَلَّتِ الدَّلائِلُ عَلى صِدْقِهِ - فَكَذِبُهُ مُمْكِنٌ إذا لَمْ يُنْظَرْ إلَيْها.

فَوائِدُ:

الأُولى: قالَ الرّازِيُّ: في كَيْفِيَّةِ النَّظْمِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنّا بَيَّنّا أنَّ المَقْصُودَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ [النساء: ٨٦] أنْ لا يَصِيرَ الرَّجُلُ المُسَلِّمُ مَقْتُولًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أكَّدَ ذَلِكَ بِالوَعِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ [النساء: ٨٦] ثُمَّ بالَغَ في تَأْكِيدِ ذَلِكَ الوَعِيدِ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَبَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ التَّوْحِيدَ والعَدْلَ مُتَلازِمانِ، فَقَوْلُهُ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ إشارَةٌ إلى التَّوْحِيدِ، وقَوْلُهُ: ﴿لَيَجْمَعَنَّكم إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ إشارَةٌ إلى العَدْلِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] [آلِ عِمْرانَ: مِنَ الآيَةِ ١٨] وكَقَوْلِهِ في طه: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] [طه: ١٤] وهو إشارَةٌ إلى التَّوْحِيدِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ [طه: ١٥] [طه: ١٥] وهو إشارَةٌ إلى العَدْلِ، فَكَذا في هَذِهِ الآيَةِ بَيَّنَ أنَّهُ يَجِبُ في حُكْمِهِ وحِكْمَتِهِ أنْ يَجْمَعَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في عَرْصَةِ القِيامَةِ، فَيَنْتَصِفُ لِلْمَظْلُومِينَ مِنَ الظّالِمِينَ، ولا شَكَّ أنَّهُ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ.

الوَجْهُ الثّانِي: كَأنَّهُ تَعالى يَقُولُ: مَن سَلَّمَ عَلَيْكم وحَيّاكم فاقْبَلُوا سَلامَهُ وأكْرِمُوهُ وعامِلُوهُ بِناءً عَلى الظّاهِرِ، فَإنَّ البَواطِنَ إنَّما يَعْرِفُها اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ، إنَّما تَنْكَشِفُ بَواطِنُ الخَلْقِ لِلْخَلْقِ في يَوْمِ القِيامَةِ.

الثّانِيَةُ: قَوْلُهُ: ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ إمّا خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ و(لَيَجْمَعَنَّكُمْ) إلَخْ ... جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها أوْ خَبَرٌ ثانٍ، وإمّا اعْتِراضٌ والجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ خَبَرٌ.

الثّالِثَةُ: تَعْدِيَةُ (لَيَجْمَعَنَّكُمْ) بِـ(إلى) لِكَوْنِهِ بِمَعْنى الحَشْرِ كَما بَيَّنّا، أوْ لِكَوْنِ (إلى) بِمَعْنى (فِي) كَما أثْبَتَهُ …

88

۞ فَمَا لَكُمْ فِى ٱلْمُنَٰفِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓا۟ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا۟ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ ۖ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلًۭا

What is [the matter] with you [that you are] two groups concerning the hypocrites, while Allah has made them fall back [into error and disbelief] for what they earned. Do you wish to guide those whom Allah has sent astray? And he whom Allah sends astray - never will you find for him a way [of guidance].

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ واللَّهُ أرْكَسَهم بِما كَسَبُوا أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا﴾ [٨٨]

﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ﴾ أيْ: فَما لَكم تَفَرَّقْتُمْ في أمْرِ المُنافِقِينَ ﴿فِئَتَيْنِ﴾ أيْ: فِرْقَتَيْنِ ولَمْ تَتَّفِقُوا عَلى التَّبَرُّؤِ مِنهُمْ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، والنَّفْيُ والخِطابُ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ، لَكِنْ ما فِيهِ مِن مَعْنى التَّوْبِيخِ مُتَوَجِّهٌ إلى بَعْضِهِمْ، وذَلِكَ أنَّ فِرْقَةً مِنَ المُؤْمِنِينَ كانَتْ تَمِيلُ إلَيْهِمْ وتَذُبُّ عَنْهم وتُوالِيهِمْ، وفُرْقَةً مِنهم تُبايِنُهم وتُعادِيهِمْ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ وأُمِرُوا بِأنْ يَكُونُوا عَلى نَهْجٍ واحِدٍ في التَّبايُنِ والتَّبَرُّؤِ مِنهُمْ؛ لِأنَّ دَلائِلَ نِفاقِهِمْ وكُفْرِهِمْ ظاهِرَةٌ جَلِيَّةٌ، فَلَيْسَ لَكم أنْ تَخْتَلِفُوا في شَأْنِهِمْ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهِمْ هُنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ الَّذِينَ خَذَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، ورَجَعُوا بِعَسْكَرِهِمْ بَعْدَ أنْ خَرَجُوا، كَما تَقَدَّمَ في آلِ عِمْرانَ، كَما أوْضَحَهُ ما رَواهُ الشَّيْخانِ والإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إلى أُحُدٍ، فَرَجَعَ ناسٌ خَرَجُوا مَعَهُ، فَكانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ – فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ، فِرْقَةٌ تَقُولُ: نَقْتُلُهُمْ، وفِرْقَةٌ تَقُولُ: لا هُمُ المُؤْمِنُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّها طَيْبَةٌ وإنَّها تَنْفِي الخَبَثَ كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ» هَذا لَفْظُ أحْمَدَ.

وقَدْ ذَكَرَ الإمامُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ في وقْعَةِ أُحُدٍ: أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِيٍّ ابْنَ سَلُولَ رَجَعَ يَوْمَئِذٍ بِثُلُثِ الجَيْشِ: رَجَعَ بِثَلاثِمِائَةٍ وبَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ في سَبْعِمِائَةٍ.

وثَمَّةَ في نُزُولِ الآيَةِ رِوايَةٌ أُخْرى أخْرَجَها الإمامُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: «أنَّ قَوْمًا مِنَ العَرَبِ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ فَأسْلَمُوا وأصابَهم وباءُ المَدِينَةِ وحُمّاها، فَأُرْكِسُوا، فَخَرَجُوا مِنَ المَدِينَةِ، فاسْتَقْبَلَهم نَفَرٌ مِن أصْحابِهِ - يَعْنِي أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ - فَقالُوا لَهُمْ: ما لَكم رَجَعْتُمْ؟ قالُوا: أصابَنا وباءُ المَدِينَةِ. فَقالُوا: أما لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ؟! فَقالَ بَعْضُهُمْ: نافَقُوا، وقالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يُنافِقُوا. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ الآيَةَ».

وهَذِهِ الرِّوايَةُ هي الأقْرَبُ لِنَظْمِ الآيَةِ كَما سَنُبَيِّنُهُ في التَّنْبِيهِ الثّانِي.

﴿واللَّهُ أرْكَسَهُمْ﴾ أيْ: نَكَّسَهم ورَدَّهم إلى الكُفْرِ ﴿بِما كَسَبُوا﴾ أيْ: بِسَبَبِ ما كَسَبُوهُ مِن لُحُوقِهِمْ بِالكُفّارِ ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ أيْ: تَعُدُّوهم مِن جُمْلَةِ المُهْتَدِينَ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: تَجْرِيدٌ لِلْخِطابِ وتَخْصِيصٌ لَهُ بِالقائِلِينَ بِإيمانِهِ مِنَ الفِئَتَيْنِ، وتَوْبِيخٌ لَهم عَلى زَعْمِهِمْ ذَلِكَ وإشْعارٌ بِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى مُحاوَلَةِ المُحالِ الَّذِي هو هِدايَةُ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ تَعالى، وذَلِكَ لِأنَّ الحُكْمَ بِإيمانِهِمْ وادِّعاءَ اهْتِدائِهِمْ - وهم بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَلِكَ - سَعْيٌ في هِدايَتِهِمْ وإرادَةٌ لَها، ووَضْعُ المَوْصُولِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ المُنافِقِينَ لِتَشْدِيدِ الإنْكارِ وتَأْكِيدِ اسْتِحالَةِ الهِدايَةِ …

89

وَدُّوا۟ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا۟ فَتَكُونُونَ سَوَآءًۭ ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنْهُمْ وَلِيًّۭا وَلَا نَصِيرًا

They wish you would disbelieve as they disbelieved so you would be alike. So do not take from among them allies until they emigrate for the cause of Allah. But if they turn away, then seize them and kill them wherever you find them and take not from among them any ally or helper.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فَإنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهم ولا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ [٨٩]

﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ غُلُوِّهِمْ وتَمادِيهِمْ في الكُفْرِ وتَصَدِّيهِمْ لِإضْلالِ غَيْرِهِمْ إثْرَ بَيانِ كُفْرِهِمْ وضَلالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ أيْ: تَمَنَّوْا أنْ تَكْفُرُوا كَكُفْرِهِمْ بَعْدَ الإيمانِ ﴿فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ أيْ: في الكُفْرِ والضَّلالِ ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ﴾ في العَوْنِ والنُّصْرَةِ لِئَلّا يُفْضِيَ إلى كُفْرِكُمْ، وإنْ أظْهَرُوا لَكُمُ الإيمانَ طَلَبًا لِمُوالاتِكم ﴿حَتّى يُهاجِرُوا﴾ مِن دارِ الكُفْرِ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فَتَتَحَقَّقُوا إيمانَهم ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ أيْ: عَنِ الهِجْرَةِ فَهُمْ، وإنْ أظْهَرُوا لَكُمُ الإسْلامَ مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلى الهِجْرَةِ فافْعَلُوا بِهِمْ ما تَفْعَلُونَ بِالكَفّارِ؛ لِأنَّهُ زالَ عَنْهم حُكْمُ النِّفاقِ بِلُحُوقِ دارِ الكُفْرِ.

﴿فَخُذُوهُمْ﴾ أيِ: اتَّسِرُوهم ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ في الحِلِّ والحَرَمِ ﴿ولا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ أيْ: لا تُوالُوهم ولا تَسْتَنْصِرُوا بِهِمْ عَلى أعْداءِ اللَّهِ ما دامُوا كَذَلِكَ.

تَنْبِيهانِ:

الأوَّلُ: قالَ الرّازِيُّ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ مُوالاةُ المُشْرِكِينَ والمُنافِقِينَ والمُشْتَهِرِينَ بِالزَّنْدَقَةِ والإلْحادِ، وهَذا مُتَأكَّدٌ بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة: ١] [المُمْتَحَنَةِ: مِنَ الآيَةِ ١] والسَّبَبُ فِيهِ أنَّ أعَزَّ الأشْياءِ وأعْظَمَها عِنْدَ جَمِيعِ الخَلْقِ هو الدِّينُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ هو الأمْرُ الَّذِي يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى ويُتَوَسَّلُ بِهِ إلى طَلَبِ السَّعادَةِ في الآخِرَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ كانَتِ العَداوَةُ الحاصِلَةُ بِسَبَبِهِ أعْظَمَ أنْواعِ العَداوَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ امْتَنَعَ طَلَبُ المَحَبَّةِ والوِلايَةِ في المَوْضِعِ الَّذِي يَكُونُ أعْظَمُ مُوجِباتِ العَداوَةِ حاصِلًا فِيهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

الثّانِي: يَظْهَرُ لِي أنَّ الأقْرَبَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآياتِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ﴾ [النساء: ٨٨] إلَخْ ... رِوايَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ سَيْرُ هَذِهِ الآياتِ وتَدَبُّرُها بِصادِقِ النَّظَرِ والإمْعانِ، وقَدِ اهْتَدى إلى ذَلِكَ الفاضِلُ المَهايِمِيُّ في تَفْسِيرِهِ، فاقْتَصَرَ عَلى هَذا الوَجْهِ فَقالَ: وهُمُ الَّذِينَ اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في الخُرُوجِ إلى البَدْوِ لِاجْتِواءِ المَدِينَةِ، فَلَمْ يَزالُوا يَرْتَحِلُونَ مَرْحَلَةً بَعْدَ أُخْرى حَتّى لَحِقُوا المُشْرِكِينَ. انْتَهى.

وقَوْلُ السُّيُوطِيِّ: في إسْنادِ رِوايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عِنْدَ أحْمَدَ تَدْلِيسٌ وانْقِطاعٌ - لا يَقْدَحُ في إصابَتِها كَبِدَ الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّها وُجِدَتْ فِيها قَرِينَةٌ تُلْحِقُها بِالمَقْبُولِ وهو مُوافَقَتُها لِألْفاظِ الآيَةِ بِلا تَكَلُّفٍ، وحِينَئِذٍ فَقَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ: فَنَزَلَتْ فِيما تَقَدَّمَ بِمَعْنى أنَّها تَشْمَلُ ما وقَعَ مِنَ المُنْخَزِلِينَ عَنْ أُحُدٍ وما جَرى مِنِ اخْتِلافِ المُؤْمِنِينَ في شَأْنِهِمْ، لا أنَّ ما وقَعَ كانَ سَبَبًا لِنُزُولِها، واسْتِعْمالُ النُّزُولِ بِذَلِكَ مَعْرُوفٌ كَما بَيَّناهُ في المُقَدِّمَةِ، وإلّا …

90

إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَٰقٌ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَٰتِلُوكُمْ أَوْ يُقَٰتِلُوا۟ قَوْمَهُمْ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَٰتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا۟ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًۭا

Except for those who take refuge with a people between yourselves and whom is a treaty or those who come to you, their hearts strained at [the prospect of] fighting you or fighting their own people. And if Allah had willed, He could have given them power over you, and they would have fought you. So if they remove themselves from you and do not fight you and offer you peace, then Allah has not made for you a cause [for fighting] against them.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿إلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ أوْ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهم أنْ يُقاتِلُوكم أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهم ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكم فَلَقاتَلُوكم فَإنِ اعْتَزَلُوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكم وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلا﴾ [٩٠]

﴿إلا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ يَلْجَئُونَ ﴿إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ أيْ: عَهْدٌ بِهُدْنَةٍ أوْ أمانٍ فاجْعَلُوا حُكْمَهم كَحُكْمِهِمْ لِئَلّا يُفْضِيَ إلى قِتالِ مَن وصَلُوا إلَيْهِمْ فَيُفْضِيَ إلى نَقْضِ المِيثاقِ.

﴿أوْ جاءُوكُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى الصِّلَةِ أيْ: والَّذِينَ جاءُوكم ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ حالٌ بِإضْمارِ (قَدْ) أيْ: ضاقَتْ وانْقَبَضَتْ نُفُوسُهم ﴿أنْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ لِإرادَتِهِمُ المُسالَمَةَ ﴿أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ أيْ: مَعَكم مِن أجْلِكم لِمَكانِ القَرابَةِ مِنهُمْ، فَهم لا لَكم ولا عَلَيْكم.

قالَ أبُو السُّعُودِ: اسْتُثْنِيَ مِنَ المَأْمُورِ بِأخْذِهِمْ وقَتْلِهِمْ فَرِيقانِ:

أحَدُهُما: مَن تَرَكَ المُحارِبِينَ ولَحِقَ بِالمُعاهَدِينَ.

والآخَرُ: مَن أتى المُؤْمِنِينَ وكَفَّ عَنْ قِتالِ الفَرِيقَيْنِ.

وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ الحَسَنِ أنَّ سُراقَةَ بْنَ مالِكٍ المُدْلِجِيَّ حَدَّثَهم قالَ: «لَمّا ظَهَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى أهْلِ بَدْرٍ وأُحُدٍ، وأسْلَمَ مَن حَوْلَهُمْ، قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَبْعَثَ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إلى قَوْمِي بَنِي مُدْلِجٍ، فَأتَيْتُهُ فَقُلْتُ: أنْشُدُكَ النِّعْمَةَ، بَلَغَنِي أنَّكَ تُرِيدُ أنْ تَبْعَثَ إلى قَوْمِي، وأنا أُرِيدُ أنْ تُوادِعَهُمْ، فَإنْ أسْلَمَ قَوْمُكَ أسْلَمُوا ودَخَلُوا في الإسْلامِ، وإنْ لَمْ يُسْلِمُوا لَمْ يَحْسُنْ تَغْلِيبُ قَوْمِكَ عَلَيْهِمْ، فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِ خالِدٍ فَقالَ: اذْهَبْ فافْعَلْ ما يُرِيدُ فَصالَحَهم خالِدٌ عَلى أنْ لا يُعِينُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وإنْ أسْلَمَتْ قُرَيْشٌ أسْلَمُوا مَعَهُمْ، وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ فَكانَ مَن وصَلَ إلَيْهِمْ كانَ مَعَهم عَلى عَهْدِهِمْ»، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكم فَلَقاتَلُوكُمْ﴾ إشْعارٌ بِقُوَّتِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، وأنَّ في التَّعَرُّضِ لِقَتْلِهِمْ إظْهارًا لِقُوَّتِهِمُ الخَفِيَّةِ في الجُمْلَةِ جارِيَةً مَجْرى التَّعْلِيلِ لِاسْتِثْنائِهِمْ مِنَ الأخْذِ والقَتْلِ.

﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ أيْ: تَرَكُوكم ﴿فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ﴾ مَعَ ما عَلِمْتُمْ مِن تَمَكُّنِهِمْ مِن ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أيِ: الِانْقِيادَ والِاسْتِسْلامَ ﴿فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلا﴾ أيْ: طَرِيقًا بِالأسْرِ أوِ القَتْلِ، إذْ لا ضَرَرَ مِنهم في الإسْلامِ، وقِتالُهم يُظْهِرُ كَمالَ قُوَّتِهِمْ.

لَطِيفَةٌ:

قالَ الخَفاجِيُّ (السَّلَمُ) بِفَتْحَتَيْنِ: الِانْقِيادُ، وقُرِئَ بِسُكُونِ اللّامِ مَعَ فَتْحِ السِّينِ وكَسْرِها، وكَأنَّ إلْقاءَ السَّلَمِ اسْتِعارَةٌ؛ لِأنَّ مَن سَلَّمَ شَيْئًا ألْقاهُ وطَرَحَهُ عِنْدَ المُسَلَّمِ لَهُ، وعَدَمُ جَعْلِ السَّبِيلِ مُبالَغَةٌ في عَدَمِ التَّعَرُّضِ لَهُمْ؛ لِأنَّ مَن لا يَمُرُّ بِشَيْءٍ كَيْفَ يَتَعَرَّضُ لَهُ؟

* *

تَنْبِيهٌ:

ظاهِرُ النَّظْمِ الكَرِيمِ أنَّ الفَرِيقَيْنِ المُسْتَثْنَيَيْنِ مِنَ الكُفّارِ، وحاوَلَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ كَوْنَهُما مِنَ المُسْلِمِينَ حَيْثُ قالَ: إنَّهُ تَعالى لَمّا أوْجَبَ الهِجْرَةَ عَلى كُلِّ مَن أسْلَمَ …

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.