وَيَقُولُونَ طَاعَةٌۭ فَإِذَا بَرَزُوا۟ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌۭ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ ۖ وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ۖ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا
And they say, "[We pledge] obedience." But when they leave you, a group of them spend the night determining to do other than what you say. But Allah records what they plan by night. So leave them alone and rely upon Allah. And sufficient is Allah as Disposer of affairs.
صفحة ١٣٥
﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ﴿ويَقُولُونَ طاعَةٌ فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأعْرِضْ عَنْهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ .
هَذا كالتَّكْمِلَةِ لِقَوْلِهِ ﴿وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء: ٧٩] بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَهُ مِن رَدِّ اعْتِقادِهِمْ أنَّ الرَّسُولَ مَصْدَرُ السَّيِّئاتِ الَّتِي تُصِيبُهم، ثُمَّ مِن قَوْلِهِ ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٩] إلَخْ.
المُؤْذِنُ بِأنَّ بَيْنَ الخالِقِ وبَيْنَ المَخْلُوقِ فَرْقًا في التَّأْثِيرِ وأنَّ الرِّسالَةَ مَعْنًى آخَرَ فاحْتَرَسَ بِقَوْلِهِ ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ عَنْ تَوَهُّمِ السّامِعِينَ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ في أُمُورِ التَّشْرِيعِ، فَأثْبَتَ أنَّ الرَّسُولَ في تَبْلِيغِهِ إنَّما يُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ، فَأمْرُهُ أمْرُ اللَّهِ، ونَهْيُهُ نَهْيُ اللَّهِ، وطاعَتُهُ طاعَةُ اللَّهِ، وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُهُ ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ لِاشْتِمالِها عَلى إثْباتِ كَوْنِهِ رَسُولًا واسْتِلْزامِها أنَّهُ يَأْمُرُ ويَنْهى، وأنَّ ذَلِكَ تَبْلِيغٌ لِمُرادِ اللَّهِ تَعالى، فَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن ذَلِكَ أوْ كانَ في غَفْلَةٍ فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَهُ اخْتِلافَ مَقاماتِ الرَّسُولِ.
ومَن تَوَلّى أوْ أعْرَضَ واسْتَمَرَّ عَلى المُكابَرَةِ ﴿فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾، أيْ حارِسًا لَهم ومَسْئُولًا عَنْ إعْراضِهِمْ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِهِمْ، وتَهْدِيدٌ لَهم بِأنْ صَرَفَهُ عَنِ الِاشْتِغالِ بِهِمْ، فَيُعْلَمُ أنَّ اللَّهَ سَيَتَوَلّى عِقابَهم.
والتَّوَلِّي حَقِيقَتُهُ الِانْصِرافُ والإدْبارُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ [البقرة: ٢٠٥] وفي قَوْلِهِ ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ [البقرة: ١٤٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. واسْتُعْمِلَ هُنا مَجازًا في العِصْيانِ وعَدَمِ الإصْغاءِ إلى الدَّعْوَةِ.
”ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم لِضَعْفِ نُفُوسِهِمْ لا يُعْرِضُونَ جَهْرًا بَلْ يُظْهِرُونَ الطّاعَةَ، فَإذا أمَرَهُمُ الرَّسُولُ أوْ نَهاهم يَقُولُونَ لَهُ:“ طاعَةٌ ”أيْ: أمْرُنا طاعَةٌ، وهي كَلِمَةٌ يَدُلُّونَ بِها عَلى الِامْتِثالِ، ورُبَّما يُقالُ: سَمْعٌ وطاعَةٌ، وهو مَصْدَرٌ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ،
صفحة ١٣٦
أيْ أمْرُنا أوْ شَأْنُنا طاعَةٌ، كَما في قَوْلِهِ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨] . ولَيْسَ هو نائِبًا عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ الآتِي بَدَلًا مِنَ الفِعْلِ الَّذِي يُعْدَلُ عَنْ نَصْبِهِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ مِثْلَ“ قالَ سَلامٌ ”، إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ هُنا إحْداثَ الطّاعَةِ وإنَّما المَقْصُودُ أنَّنا سَنُطِيعُ ولا يَكُونُ مِنّا عِصْيانٌ.
ومَعْنى“ بَرَزُوا ”خَرَجُوا، وأصْلُ مَعْنى البُرُوزِ: الظُّهُورُ، وشاعَ إطْلاقُهُ عَلى الخُرُوجِ مَجازًا مُرْسَلًا.
و“ بَيَّتَ ”هُنا بِمَعْنى قَدَّرَ أمْرًا في السِّرِّ وأضْمَرَهُ، لِأنَّ أصْلَ البَياتِ هو فِعْلُ شَيْءٍ في اللَّيْلِ، والعَرَبُ تَسْتَعِيرُ ذَلِكَ إلى مَعْنى الإسْرارِ، لِأنَّ اللَّيْلَ أكْتَمُ لِلسِّرِّ، ولِذَلِكَ يَقُولُونَ: هَذا أمْرٌ قُضِيَ بِلَيْلٍ، أيْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أحَدٌ، وقالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
أجْمَعُوا أمْرَهم بِلَيْلٍ فَلَمّا أصْبَحُوا أصْبَحَتْ لَهم ضَوْضاءُ
.
وقالَ أبُو سُفْيانَ: هَذا أمْرٌ قُضِيَ بِلَيْلٍ. وقالَ تَعالى ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ …