Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi

Ayahs 81–90 of 176

81

وَيَقُولُونَ طَاعَةٌۭ فَإِذَا بَرَزُوا۟ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌۭ مِّنْهُمْ غَيْرَ ٱلَّذِى تَقُولُ ۖ وَٱللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ۖ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا

And they say, "[We pledge] obedience." But when they leave you, a group of them spend the night determining to do other than what you say. But Allah records what they plan by night. So leave them alone and rely upon Allah. And sufficient is Allah as Disposer of affairs.

قوله تعالى: {طَاعَةٌ} : في رفعِه وجهان، أحدُهما: أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ تقديرُه: «أمرنا طاعةٌ» ولا يجوز إظهارُ هذا المبتدأ لأن الخبر مصدر بدلٌ من اللفظ بفعلِه. والثاني: أنه مبتدأ والخبر محذوف أي: مِنَّا طاعة، أو: عندنا طاعةٌ. قال مكي: «ويجوز في الكلامِ النصبُ على المصدر» . وأدغم أبو عمرو وحمزة تاء «بَيَّت» في طاء «طائفة» لتقارُبِهما، ولم يَلْحَقِ الفعلَ علامةُ تأنيث لكونه مجازياً. و «منهم» صفةٌ ل «طائفة» ، والضمير في «تقول» يحتمل أن يكون ضمير خطاب للرسول عليه السلام أي: غيرَ الذي تقول وترسم به يا محمد. ويؤيِّده قراءة عبد الله: «بَيَّتَ مُبَيِّتٌ منهم» وأن يكونَ ضميرَ غَيْبة للطائفة أي: تقول هي. وقرأ يحيى ابن يعمر: «يقول» بياء الغيبة، فيحتمل أن يعود الضميرُ على الرسول بالمعنى المتقدم، وأن يعود على الطائفة. ولم يؤنث الضميرَ لأن الطائفة في معنى الفريق والقوم. و «ما» في «ما يبيِّتون» يجوز أن تكونَ موصولةً أو موصوفة أو مصدرية.

82

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلْقُرْءَانَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُوا۟ فِيهِ ٱخْتِلَٰفًۭا كَثِيرًۭا

Then do they not reflect upon the Qur'an? If it had been from [any] other than Allah, they would have found within it much contradiction.

وقرأ ابن محيصن: {يَتَدَبَّرُونَ} : بإدغام التاء في الدال، والأصل: يَتَدبرون [وهي مخالفةٌ للسواد] ، والضميرُ من «فيه» يُحتمل أن يعودَ على القرآن وهو الظاهر، وأن يعود على ما يخبره الله تعالى به ممَّا يُبَيِّتون ويُسِرُّون، يعني أنه يخبرهم به على حَدِّ ما يقع.

83

وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌۭ مِّنَ ٱلْأَمْنِ أَوِ ٱلْخَوْفِ أَذَاعُوا۟ بِهِۦ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُو۟لِى ٱلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنۢبِطُونَهُۥ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَٱتَّبَعْتُمُ ٱلشَّيْطَٰنَ إِلَّا قَلِيلًۭا

And when there comes to them information about [public] security or fear, they spread it around. But if they had referred it back to the Messenger or to those of authority among them, then the ones who [can] draw correct conclusions from it would have known about it. And if not for the favor of Allah upon you and His mercy, you would have followed Satan, except for a few.

قوله تعالى: {أَذَاعُواْ بِهِ} : جواب إذا، وعَيْنُ أذاع ياء لقولهم: ذاع الشيءَ يذِيع، ويُقال: أذاع الشيء أيضاً بمعنى المجرد، ويكونُ متعدياً بنفسه وبالباء، وعليه الآيةُ الكريمة، وقيل: ضَمَّن «أذاع» معنى «تَحَدَّثَ» فَعدَّاه تعديتَه أي: تحدَّثوا به مذيعين له. والإِذاعة: الإِشاعةُ، قال أبو الأسود:

162 - 2- أذاعُوا به في الناسِ حتى كأنه ... بِعَلْياءِ نار أُوقِدَتْ بثَقُوب

والضميرُ في «به» يجوزُ أن يعودَ على الأمر، وأن يعودَ على الأمن أو الخوفِ؛ لأنَّ العطفَ ب «أو» ، والضميرُ في «رَدُّوه» للأمر فقط. والاستنباط: الاستخراج، وكذا الإِنباط قال:

162 - 3- نَعَمْ صادقاً والفاعلُ القائلُ الذي ... إذا قال قَوْلاً أنبطَ الماءَ في الثَّرى

/ ويقال: نَبَطَ الماءُ يَنْبطُ بفتحِ الباءِ وضَمِّها، والنَّبَط: الماءُ الذي يَخْرج من البئرِ أولَ حَفْرِها. والنَّبَط أيضاً «جيلٌ من الناس سُمُّوا بذلك لأنهم يستخرجون المياه والنبات. ويقال في الرجل الذي يكون بعيد العِزِّ والمنعة:» ما يَجِدُ عدوُّه له نَبَطاً «قال كعب:

162 - 4- قريبٌ ثَراه ما ينال عدوُّه ... له نَبَطاً، آبيْ الهوانِ قَطُوبُ

و» منهم «حال: إمَّا من الذين، أو من الضمير في» يستنبطونه «فيتعلق بمحذوف. وقرأ أبو السمَّال:» لَعَلْمه «بسكون اللام، قال ابن عطية:» هو كتسكين {فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ} [النساء: 65] . وليس مثله؛ لأن تسكين فَعِل بكسر العين مقيسٌ، وتسكينَ مفتوحِها شاذٌّ، ومثلُ تسكين «لَعَلْمه» قوله:

162 - 5- فإنْ تَبْلُه يَضْجَرْ كما ضَجْرَ بازِلٌ ... من الأُدْمِ دُبْرَتْ صَفْحَتاه وغارِبُه

أي: دَبِرت، فسكَّن.

قوله: {إِلاَّ قَلِيلاً} فيه عشرةُ أوجه، أحدها: أنه مستثنى من فاعل «اتَّبعتم» أي: لاتبعتم الشيطانَ إلا قليلاً منكم، فإنه لم يَتَّبع الشيطان، على تقديرِ كونِ فَضْل الله لم يأتِه، ويكونُ أراد بالفضل إرسالَ محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وذلك القليلُ كقِسِّ بن ساعدة الإيادي وزيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل، مِمَّن كان على دين المسيح قبل بعثة الرسول. وقيل: المرادُ مَنْ لم يبلغ التكليفَ، وعلى هذا التأويل قيل: فالاستثناء منقطع؛ لأن المستثنى لم يدخل تحت الخطاب، وفيه نظر يظهر في الوجه العاشر. الثاني: أنه مستثنى من فاعل «أذاعوا» أي: أظهروا أمرَ الأمن او الخوف إلا قليلاً. الثالث: أنه مستثنى من فاعل «عَلِمه» أي: لعلمه المستنبطون منهم إلا قليلاً. الرابع: أنه مستثنى من فاعل «لوجدوا» أي لوجدوا فيما هو من غير الله التناقضَ إلا قليلاً منهم، وهو مَنْ لم يُمْعِنِ النظرَ، فيظنَّ الباطلَ حقاً والمتناقضَ موافقاً. الخامس: أنه مستثنى من الضمير المجرور في «عليكم» وتأويلُه كتأويل الوجه الأول.

السادس: أنه مستنثى من فاعل «يستنبطونه» وتأويله كتأويل الوجه الثالث. السابع: أنه مستثنى من المصدر الدالِّ عليه الفعلُ، والتقدير: لاتَبَعْتُمْ الشيطانَ إلا اتباعاً قليلاً، ذكر ذلك الزمخشري. الثامن: أنه مستثنى من المتَّبع فيه، والتقدير: لاتبعتم الشيطان كلَّكم إلا قليلاً من الأمور كنتم لا تتبعون الشيطان فيها، فالمعنى: لاتبعتم الشيطان في كل شيء إلا في قليلٍ من الأمور، فإنكم كنتم لا تتبعونه فيها، وعلى هذا فهو استثناء مفرغ، ذكر ذلك ابن عطية، إلا أنَّ في كلامِه مناقشةً وهو أنه قال «أي: لاتبعتم الشيطان كلَّكم إلا قليلاً من الأمور كنتم لا تتبعونه فيها» فجعله هنا مستثنى من المتَّبعِ فيه المحذوف على ما تقدم تقريره، وكان قد تقدَّم أنه مستثنى من الإتِّباع، فتقديرُه يؤدي إلى استثنائِه من المتَّبع فيه، وادعاؤه أنه استثناء من الاتباع، وهما غَيْران. التاسع: أن المراد بالقلة العدمُ، يريد: لاتبعتم الشيطان كلكم وعدم تخلُّفِ أحدٍ منكم، نقله ابن عطية عن جماعة وعن الطبري، ورَدَّه بأن اقتران القلة بالاستثناء يقتضي دخولَها، قال: «وهذا كلامٌ قلق …

84

فَقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ ۚ وَحَرِّضِ ٱلْمُؤْمِنِينَ ۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًۭا وَأَشَدُّ تَنكِيلًۭا

So fight, [O Muhammad], in the cause of Allah; you are not held responsible except for yourself. And encourage the believers [to join you] that perhaps Allah will restrain the [military] might of those who disbelieve. And Allah is greater in might and stronger in [exemplary] punishment.

قوله تعالى: {فَقَاتِلْ} : في هذه الفاءِ خمسةُ أوجه، أحدها: أنها عاطفةٌ هذه الجملةَ على جملةِ قوله {فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله} [النساء: 74] . الثاني: أنها عاطفتها على جملةِ قوله {فقاتلوا أَوْلِيَاءَ الشيطان} [النساء: 76] . الثالث: أنها عاطفتها على جملة قوله: {وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ} [النساء: 75] . الرابع: أنها عاطفتها على جملة قوله {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً} [النساء: 74] . الخامس: أنها جوابُ شرط مقدر أي: إنْ أردت فقاتِل، وأولُ هذه الأقوال هو الأظهر.

قوله: {لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} في هذه الجملة قولان، أحدهما: أنها في محلِّ نصب على الحال من فاعل «فقاتِلْ» أي: فقاتِلْ غيرَ مُكَلِّفٍ إلا نفسَك وحدَها. والثاني: أنها مستأنفة أخبره تعالى أنه لايكلِف غيرَ نفسه. والجمهور على «تُكَلَّفُ» بتاء الخطاب ورفع الفعل مبنياً للمفعول، و «نفسَك» هو المفعول الثاني. وقرأ عبد الله بن عمر: «لا تُكَلِّفْ» كالجماعة إلا أنه جزمه، فقيل: على جواب الأمر، وفيه نظر، والذي ينبغي أن يكون نهياً. وهي جملة مستأنفة. ولا يجوز أن تكون حالاً في قراءة عبد الله؛ لأنَّ الطلب لا يكون حالاً. وقرئ «لا نُكَلِّف» بنون العظمة ورفعِ الفعل وهو يحتمل الحال والاستئناف المتقدمين.

والتحريض: الحَثُّ على الشيءِ، قال الراغب: «كأنه في الأصل إزالةُ الحَرَضْ نحو:» قَذِّيْتُه «أي: أزلت قذاه، وأَحْرضته: أَفْسَدْتُه كأقذيته أي: جَعَلْتُ فيه القذى، والحَرَضُ في الأصل ما لا يُعْتَدُّ به ولا خير فيه، ولذلك يقال للمشرف على الهلاك:» حَرَض «قال تعالى: {حتى تَكُونَ حَرَضاً} [يوسف: 85] وأَحْرَضَه كذا، قال:

162 - 6- إني امرؤٌ رابني هَمٌّ فَأَحْرضني ... حتى بُليِتُ وحتى شَفَّني السَّقَمُ

و» بأساً وتنكيلاً «تمييزٌ، والتنكيل: تفعيلٌ من النَّكْل وهو القيد، ثم استعمل في كل عذاب.

85

مَّن يَشْفَعْ شَفَٰعَةً حَسَنَةًۭ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٌۭ مِّنْهَا ۖ وَمَن يَشْفَعْ شَفَٰعَةًۭ سَيِّئَةًۭ يَكُن لَّهُۥ كِفْلٌۭ مِّنْهَا ۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ مُّقِيتًۭا

Whoever intercedes for a good cause will have a reward therefrom; and whoever intercedes for an evil cause will have a burden therefrom. And ever is Allah, over all things, a Keeper.

{والكِفْلُ} : النصيب، إلاَّ أنَّ استعمالَه في الشر أكثر، عكسَ النصيب، وإنْ كان قد استُعْمِل الكِفْلُ في الخير، قال تعالى: {يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} وأصلُه قالوا: مستعارٌ مِنْ كِفْلِ البعير وهو كساء يدار حول سَنامِه ليُرْكَبَ، سُمِّي بذلك لأنه لم يَعُمَّ ظهرَه كله بل نصيباً منه، ولغلبةِ استعمالِه في الشر واستعمالِ النصيب في الخير غاير بينهما في هذه الآية الكريمة، إذ أتى بالكِفْل مع السيئة، والنصيب مع الحسنة. و «منها» الظاهر أن « مِنْ» هنا سببية أي: كِفْلٌ بسببها ونصيب بسببها، ويجوز أن تكونَ ابتدائيةً. والمُقِيت: المقتدر قال:

152 - 7- وذي ضِغْن كَفَفْتُ الودَّ عنه ... وكنتُ على إساءته مُقيتا

أي: مقتدراً، ومنه:

162 - 8- ليت شِعْري وأَشْعُرَنَّ إذا ما ... قَرَّبوها منشورةً ودُعِيتُ

ألِيَ الفضلُ أم عليَّ إذا حو ... سِبْتُ؟ إني على الحسابُ مُقيتُ

/ قال النحاس: «هو مشتقٌّ من القُوت، وهو مقدارُ ما يُحْفَظ به بدنُ الإِنسان من الهلاك» فأصل مُقيت: مُقوِت كمقيم.

86

وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍۢ فَحَيُّوا۟ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ حَسِيبًا

And when you are greeted with a greeting, greet [in return] with one better than it or [at least] return it [in a like manner]. Indeed, Allah is ever, over all things, an Accountant.

والتحية في الأصل: المُلْك. قال:

126 - 9- أَؤمُّ بها أبا قابوسَ حتى ... أُنيخَ على تَحِيَّته بجُندي

وقال آخر:

163 - 0- ولكل ما نال الفتى ... قد نلتُه إلا التحِيَّهْ

ويقال: التحية: البقاء والمُلْك، ومنه: «التحيات لله» ثم استُعملت في السلام مجازاً، ووزنها تَفْعِلة، والأصل: تَحْيِيَة فأدغمت، وهذا الإِدغامُ واجبٌ خلافاً للمازني، وأصل الأصل تَحْيِيٌّ، لأنه مصدر حَيّا، وحَيّا: فَعَّل، وفَعَّل مصدرُه على التفعيل، إلا أن يكون معتلَ اللام نحو: زكَّى وغَطَّى [فإنه تحذف إحدى الياءين] ويعوض منها تاء التأنيث فيقال: تزكية وتغطية، إلا ما شَذَّ من قوله:

163 - 1- باتَتْ تُنَزِّي دلوَها تَنْزِيَّاً ... كما تُنَزِّي شَهْلَةٌ صبيَّاً

إلا أن هذا الشذوذَ لا يجوزُ مثلُه في نحو «حَيّا» لاعتلالِ عينه ولامه بالياء، وألحق بعضُم ما لامُه همزةٌ بالمعتلِّها نحو: «نَبّأ تنبئة» و «خَبّأ تخبئة» . ومثلُها: أَعْيِيَة وأَعِيَّة، جمع عَيِيٌّ. وقال الراغب: «وأصلُ التحيَّة من الحَياة، ثم جُعِل كلُّ دعاءٍ تحيةً لكون جميعِه غيرَ خارجٍ عن حصولِ الحياةِ أو سببِ الحياة. وأصل التحية أن تقول:» حَيَّاك الله «ثم استُعْمِل في عُرْفِ الشرعِ في دعاء مخصوصٍ.

وقوله تعالى: {أَوْ رُدُّوهَآ} أي: رُدُّوا مثلَها؛ لأنَّ ردَّ عينها مُحالٌ، فحُذِفَ المضافُ نحو: {وَسْئَلِ القرية} [يوسف: 82] وأصلُ» حَيُّوا «حَيِّيُوا، فاستُثْقِلت الضمةُ على الياءِ، فَحُذِفت الضمةُ فالتقى ساكنان: الياءُ والواوُ فحُذِفت الياءُ وضُمَّ ما قبل الواو. وقوله» بأحسنَ «اي: بتحيةٍ أحسنَ من تلك التحيةِ الأولى.

87

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۗ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثًۭا

Allah - there is no deity except Him. He will surely assemble you for [account on] the Day of Resurrection, about which there is no doubt. And who is more truthful than Allah in statement.

قوله تعالى: {لَيَجْمَعَنَّكُمْ} : جوابُ قسمٍ محذوف، وفي جملةِ هذا القسم مع جوابِه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُهما: أنها في محلِّ رفعٍ خبراً ثانياً لقوله «اللَّهُ» ، و «لا إلهَ إلا هو» جملةُ خبر أول. والثاني: انها خبر لقوله: «الله» أيضاً، و «لا إله إلا هو» جملة اعتراضٍ بين المبتدأ وخبره. والثالث: أنها مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإِعراب. وقد تقدم إعراب {الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ} [الآية: 255] و {لاَ رَيْبَ فِيهِ} [الآية: 3] في البقرة.

قوله: {إلى يَوْمِ القيامة} فيه ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنها على بابِها من انتهاءِ الغايةِ، قال الشيخ: «ويكونُ الجمعُ في القبور، أو تُضمِّن» ليجمعنَّكم «معنى ليحشرنَّكم» فيُعَدَّى ب «إلى» يعني أنه ضُمِّن الجمعُ معنى الحَشْر لم يَحْتج إلى تقدير مجموع فيه. وقال أبو البقاء - بعد أَنْ جَوَّز فيها أن تكونَ بمعنى «في» - «وقيل: هي على بابها أي: ليجمعنَّكم في القبور، فعلى هذا يجوز أن يكون مفعولاً به، ويجوز أن يكونَ حالاً أي: ليجمعنَّكم مُفْضِين إلى حساب يوم القيامة» يريد بقوله «مفعولاً به» أنه فَضْلَةٌ كسائرِ الفَضَلات نحو: «سرت إلى الكوفة» ولكن لا يَصِحُّ ذلك إلا بأَنْ يُضَمَّنَ الجمعُ معنى الحشر كما تقدم، وأمَّا تقديرُه الحالَ ب «مُفَضِين» فغيرُ جائزٍ لأنه كونٌ مقيِّدٌ. والثاني: أنها بمعنى «في» أي: في يوم القيامة، ونظيرُه قولُ النابغة:

163 - 2- فلا تَتْرُكَنِّي بالوعيدِ كأنني ... إلى الناسِ مَطْلِيُّ به القارُ أَجْرَبُ

أي: في الناس. والثالث: أنها بمعنى «مع» ، وهذا غيرُ واضح المعنى. والقيامة بمعنى القِيام كالطَّلابة والطِّلاب، قالوا: ودَخَلَتْ التاءُ فيه للمبالغة كعَلاَّمة ونَسَّابة لشدةِ ما يقع فيه من الهَوْل، وسُمِّي بذلك لقيامِ الناس فيه للحسابِ، قال تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ الناس لِرَبِّ العالمين} [المطففين: 6] . والجملةُ من قوله: «لا ريب فيه» فيها وجهان، أحدُهما: أنها في محلِّ نصب على الحال من «يوم» فالضمير في «فيه» يعودُ عليه، والثاني: أنها في محلِّ نصبٍ نعتاً لمصدرٍ محذوف دَلَّ عليه «ليجمعنَّكم» أي: جمعاً لا ريبَ فيه، والضميرُ يعود عليه والأولُ أظهرُ. «ومَنْ أصْدَقُ» تقدَّم نظيرُ هذه الجملة. و «حديثاً» نصبٌ على التمييز. وقرأ الجمهور «أَصْدَقُ» بصاد خالصة، وحمزة والكسائي بإشمامها زاياً، وهكذا كلُّ صادٍ ساكنةٍ بعدها دالٌ، نحو: «تَصْدُقون» و «تَصْدِيَةً» وهذا كما فعل حمزة في {الصراط} [الفاتحة: 6] و {بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية: 22] للمجانسةِ قَصْدَ الخِفَّةِ.

88

۞ فَمَا لَكُمْ فِى ٱلْمُنَٰفِقِينَ فِئَتَيْنِ وَٱللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓا۟ ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا۟ مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ ۖ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلًۭا

What is [the matter] with you [that you are] two groups concerning the hypocrites, while Allah has made them fall back [into error and disbelief] for what they earned. Do you wish to guide those whom Allah has sent astray? And he whom Allah sends astray - never will you find for him a way [of guidance].

قوله تعالى: {فَمَا لَكُمْ} : مبتدأ وخبر. و «في المنافقين» فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه متعلقٌ بما تعلَّق به الخبرُ وهو «لكم» أي: أيُّ شيءٌ كائنٌ لكم - أو مستقر لكم - في أمر المنافقين. والثاني: أنه متعلق بمعنى فئتين، فإنه في قوة «ما لكم تفترقون في أمور المنافقين» فحُذِف المضافُ، وأُقيم المضافُ إليه مُقامَه. والثالث: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من «فئتين» لأنه في الأصل صفةٌ لها، تقديرُه: فئتين مفترقتين في المنافقين، وصفةُ النكرة إذا قُدِّمت عليها انتصبَتْ حالاً.

وفي «فئتين» وجهان، أحدُهما: أنها حالٌ من الكاف والميم في «لكم» ، والعاملُ فيها الاستقرارُ الذي تعلَّق به «لكم» ومثلُه: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ} [المدثر: 49] ، وقد تقدَّم أنَّ هذه الحالَ لازمةٌ؛ لأن الكلامً لا يَتِمُّ دونَها، وهذا مذهبُ البصريين في كل ما جاء من هذا التركيب والثاني - وهو مذهب الكوفيين-: أنه نصبٌ على خبر «كان» مضمرةً، والتقدير: ما لكم في المنافقين كنتم فئتين، وأجازوا: «ما لك الشاتمَ» أي: ما لك كنت الشاتمَ، والبصريون لا يجيزون ذلك لأنه حالٌ والحالُ لا تتعرَّف، ويدلُّ على كونه حالاً التزامُ مجيئه في هذا التركيب نكرةً، وهذا كما قالوا في «ضربي زيداً قائماً» إن «قائماً» لا يجوز نصبُه على خبر «كان» المقدرةِ، بل على الحال لالتزامِ تنكيره. وقد تقدَّم اشتقاقُ «الفئة» في البقرة.

قوله: {والله أَرْكَسَهُمْ} مبتدأ وخبر، وفيها وجهان أظهرهما: أنها حالٌ: إمَّا من المنافقين - وهو الظاهرُ - وإمَّا من المخاطبين، والرابطُ الواوُ، كأنه انكرَ عليهم اختلافَهم في هؤلاء، والحال أن الله قد ردَّهم إلى الكفر. والثاني: أنها مستأنفةٌ أخبر تعالى عنهم بذلك. و «بما كَسَبوا» متعلقٌ ب «أَرْكَسهم» والباء سببية أي: بسبب كَسْبهم، و «ما» مصدريةٌ أو بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ على الثاني لا [على] الأولِ على الصحيح.

والإِركاس: الردُّ والرَّجْعُ، ومنه الرِّكْس للرجيع، قال عليه السلام في الرَّوْثة لمَّا أُتِيَ بها: «إنها رِكْس» وقال أمية بن أبي الصلت:

163 - 3- فَأُرْكِسوا في جحيم النار إنَّهمُ ... كانوا عصاةً وقالو الإفْكَ والزورا

أي: رُدُّوا، وقال الراغب: «الرِّكْس والنِّكْس: الرِّذْلُ، إلا أنَّ الرِّكْس أبلغُ، لأن النِّكَس ما جُعِل أعلاه أسفله، والرِّكس ما صار رجيعاً بعد أن كان طعاماً. وقيل: أَرْكسه أَوْبقَه، قال:

163 - 4- بشُؤْمِك أَرْكَسْتَني في الخَنا ... وأَرْمَيْتَني بضروبِ العَنا

وقيل: الإِركاس: الإِضلال، ومنه:

136 - 5- وأَرْكَسْتَنِي عن طريق الهدى ... وصَيَّرْتَنِي مَثَلاً للعِدى

وقيل: هو التنكيسُ، ومنه:

163 - 6- رُكِّسوا في فتنةٍ مظلمةٍ ... كسوادِ الليلِ يَتْلُوها فِتَنْ

ويقال: أَرْكس وَرَكَّس بالتشديد ورَكَس بالتخفيف: ثلاث لغات بمعنى واحد، وارتكس هو أي: رجَع. وقرأ عبد الله: «ركَسَهم» ثلاثياً، وقرئ « رَكَّسهم - رُكِّسوا» بالتشديد فيهما. وقال أبو البقاء: «وفيه لغةٌ أخرى» رَكَسه الله «من غير همز ولا تشديد، ولا أعلم أحداً قرأ به» قلت: قد تقدَّم أن عبد الله قرأ «والله ركسهم» من غير همز ولا تشديد، وكلام أبي البقاء مُخّلِّصٌ فإنه إنما ادَّعى عدمَ العلمِ بأنها قراءةٌ لا عدمَ القراءة بها. قال الراغب: «إلا أن» أركسه «أبلغُ من» رَكَسه «كما أنَّ أَسْفَله أبلغُ من سُفْلَه» وفيه نظر.

89

وَدُّوا۟ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا۟ فَتَكُونُونَ سَوَآءًۭ ۖ فَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنْهُمْ أَوْلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا۟ فَخُذُوهُمْ وَٱقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ۖ وَلَا تَتَّخِذُوا۟ مِنْهُمْ وَلِيًّۭا وَلَا نَصِيرًا

They wish you would disbelieve as they disbelieved so you would be alike. So do not take from among them allies until they emigrate for the cause of Allah. But if they turn away, then seize them and kill them wherever you find them and take not from among them any ally or helper.

قوله تعالى: {لَوْ تَكْفُرُونَ} : «لو» يجوزُ فيها وجهان، أحدهما: أن تكونَ مصدرية. والثاني: أنها على بابها من كونِها حرفاً لما كان سيقع لوقوع غيره، فعلى الأول تتقدَّر مع ما بعدَها بمصدر، وذلك المصدرُ في محل المفعول ل «وَدُّوا» ، وحينئذ فلا جوابَ لها، والتقدير: وَدُّوا كفركم، وعلى الثاني يكون مفعولُ «وَدَّ» محذوفاً «، وجوابُ» لو «أيضاً» محذوف، لدلالةِ المعنى عليهما، والتقدير: وَدُّوا كفركم لو تكفرون كما كفروا لسُرُّوا بذلك.

و «كما كفروا» نعتٌ لمصدر محذوف تقديره: كفراً مثلَ كفرهم، أو حالٌ من ضمير ذلك المصدر كما هو مذهب سيبويه، / و «فتكونوا» عطف على «تكفرون» والتقدير: وَدُّوا كفركم فكونَكم مستوين معهم في شَرْعهم. قال الزمخشري: «ولو نُصِب على جوابِ التمني لجاز» وجعل الشيخ فيه نظراً من حيث إن النصبَ في جواب التمني إذا كان التمني بلفظ الفعل يَحْتاج إلى سماع من العرب، بل لو جاء لم تتحقَّقَ فيه الجوابيةُ، لأنَّ «ودَّ» التي بمعنى التمني متعلقها المصادر لا الذوات، فإذا نصب الفعل بعد الفاء لم يتعيَّنْ أن تكون فاءَ جواب، لاحتمال أن يكونَ من باب عطف المصدر المقدر على المصدر الملفوظ به فيكون من باب:

163 - 7- لَلُبْس عباءةٍ وتَقَرَّ عيني ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

يعني كأنَّ المصدر المفعولَ ب «يود» ملفوظٌ به، والمصدرُ المقدَّرُ ب «أن» والفعلِ عطفٌ عليه، فَجَعَلَ المصدرَ المحذوفَ ملفوظاً به في مقابلةِ المقدِّرِ ب «أَنْ» والفعلِ، وإلاَّ فالمصدرُ المحذوفُ ليس ملفوظاً به إلا بهذا التأويلِ المذكورِ، بل المنقولُ أنَّ الفعلَ ينتصبُ على جوابِ التمني إذا كان بالحرفِ نحو «ليت» ، و «لو» و «ألا» إذا أُشْربتا معنى التمني. وفيما قاله الشيخ نظر؛ لأن الزمخشري لم يَعْنِ بالتمني المفهومَ من فعل الوَدادةِ، بل المفهومَ من لفظ «لو» المشعرةِ بالتمني، وقد جاء النصب في جوابها كقوله: {فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ} [الشعراء: 102] ، وقد قَدَّمْتُ تحقيقَ هذه المسألةِ، فقد ظَهَر ما قاله الزمخشري من غير توقُّفٍ. «وسواءً» خبر «تكونون» وهو في الأصل مصدرٌ واقعٌ موقعَ اسمِ الفاعلِ بمعنى مُسْتوين؛ ولذلك وُحِّد نحو: «رجال عَدْلٌ» .

90

إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوْمٍۭ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَٰقٌ أَوْ جَآءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَٰتِلُوكُمْ أَوْ يُقَٰتِلُوا۟ قَوْمَهُمْ ۚ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَٰتَلُوكُمْ ۚ فَإِنِ ٱعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَٰتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا۟ إِلَيْكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًۭا

Except for those who take refuge with a people between yourselves and whom is a treaty or those who come to you, their hearts strained at [the prospect of] fighting you or fighting their own people. And if Allah had willed, He could have given them power over you, and they would have fought you. So if they remove themselves from you and do not fight you and offer you peace, then Allah has not made for you a cause [for fighting] against them.

قوله تعالى: {إِلاَّ الذين يَصِلُونَ} : فيه قولان، أظهرُهما: أنه استثناءٌ متصلٌ، والمستثنى منه قولُه {فَخُذُوهُمْ واقتلوهم} والمُسْتَثْنَوْن على هذا قومٌ كفارٌ، ومعنى الوَصْلةِ هنا الوَصْلَةُ بالمعاهَدَةِ والمهادَنَةِ، وقال أبو عبيد: «هو اتصالُ النسب» وغَلَّطة النحاس بأن النسبَ كان ثابتاً بين النبيِّ صلَّى الله عليه وسلم والصحابة وبين المشركين، ومع ذلك لم يَمْنَعْهم ذلك من قتالهم. والثاني: أنه منقطعٌ - وهو قول أبي مسلم الأصفهاني، واختيار الراغب - قال أبو مسلم: «لَمَّا أوجبَ اللَّهُ الهجرةَ على كلِّ مَنْ أسلمَ استثنى مَنْ له عذرٌ فقال: {إِلاَّ الذين يَصِلُونَ} وهم قوم قصدوا الهجرة إلى الرسول ونصرتَه، وكان بينهم وبين المسلمين عَهْدٌ فأقاموا عندهم إلى أن يمكِّنهم الخلاصُ، واستثنى بعد ذلك مَنْ صار إلى الرسول وإلى أصحابِه لأنه يَخافُ اللَّهَ فيه، ولا يقاتِلُ الكفارَ أيضاً لأنهم أقاربُه، أو لأنه يخاف على أولاده الذين هم في أيديهم» فعلى هذا القولِ يكون استثناءً منقطعاً، لأن هؤلاء المستثنين لم يدخُلوا تحت قولِه: {فَمَا لَكُمْ فِي المنافقين فِئَتَيْنِ} والمستثَنْون على هذا مؤمنون.

و {بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ} يجوز أن يكونَ جملةً من مبتدأ وخبر في محل جرِّ صفةً ل «قوم» ، ويجوز أن يكونَ «بينكم» وحده صفةً ل «قوم» فيكونَ في محلِّ جر ويتعلَّقُ بمحذوفٍ، و «ميثاق» على هذا رفعٌ بالفاعلية؛ لأنَّ الظرفَ اعتمد على موصوفٍ، وهذا الوجهُ أقربُ؛ لأنَّ الوصفَ بالمفردِ أصلٌ للوصفِ بالجملة.

قوله: {أَوْ جَآءُوكُمْ} فيه وجهان، أظهرُهما: أنه عطفٌ على الصلة، كأنه قيل: أو إلا الذين جاؤوكم حَصِرَتْ صدورُهم، فيكون المستثنى صنفين من الناس، أحدهما واصلٌ إلى قومٍ معاهِدين، والآخر مَنْ جاء غَيْر مقاتِلٍ للمسلمين ولا لقومِه. والثاني: أنه عطفٌ على صفةِ «قوم» وهي قولُه {بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ} فيكون المستثنى صنفاً واحداً يختلف باختلافِ مَنْ يصل إليه من معاهِدٍ وكافرٍ. واختار الأولَ الزمخشري وابن عطية، قال الزمخشري: «الوجهُ العطفُ على الصلةِ لقوله: {فَإِنِ اعتزلوكم فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ} بعد قوله: {فَخُذُوهُمْ واقتلوهم} فقرَّر أنَّ كفَّهم عن القتال أحدُ سببي استحقاقِهم لنفي التعرُّض لهم، وتَرْكِ الإِيقاع. بهم. فإن قلت: كلُّ واحد من الاتصالين له تأثيرٌ في صحة الاستثناء استحقاقِ تَرْكِ التعرضِ للاتصال بالمعاهِدين والاتصالِ بالكافِّين، فهلا جَوَّزْتَ أن يكون العطفُ على صفةِ» قوم «ويكون قولُه: {فَإِنِ اعتزلوكم} تقريراً لحكمِ اتِّصالهم بالكافِّين واختلاطِهم بهم وجَرْيهم على سُنَنِهم؟ قلت: هو جائز، ولكنّ الأولَ أظهرُ وأجْرى على أسلوب الكلام» انتهى.

وإنما كان أظهرَ لوجهين، أحدهما من جهة الصناعة، والثاني من جهة المعنى: أمَّا الأولُ فلأنَّ عطفَه على الصلة لكون النسبة فيه إسناديةً، وذلك أن المستثنى مُحَدَّثٌ عنه محكومٌ له بخلاف حكم المستثنى منه، فإذا قَدَّرْتَ العطفَ على الصلة كان مُحَدَّثاً عنه بما عَطَفْتَه بخلاف ما إذا عَطّفْتَه على الصفة، فإنه يكونُ تقييداً في «قوم» الذين هم قيدٌ في الصلةِ المُحَدَّثِ عن صاحبها، ومتى دار الأمر بين أن تكون النسبة إسناديةً وبين أن تكون تقييدية كان جعلُها إسناديةً أَوْلى لاستقلالها.

والثاني من جهة المعنى: وذلك أنَّ العطفَ على الصلة يؤدي إلى أنَّ سببَ تَرْكِ التعرُّض لهم تركُهم القتالَ وكَفُّهم عنه، وهذا سببٌ قريب، والعطفُ على الصفة يؤدي إٍلى أنَّ سببَ تركِ التعرضِ لهم وصولُهم إلى قوم كافِّين عن القتال وهذا سببٌ بعيدٌ، وإذا دار الأمرُ بين سببٍ قريبٍ وآخرَ بعيدٍ فاعتبارُ القريبِ أَوْلَى.

والجمهورُ على إثبات «أو» ، وفي مصحف أُبَيّ: «جاؤوكم» من غير «أو» وخَرَّجها الزمخشري على أحد أربعة أوجه: إمَّا البيانِ ل «يَصِلون» ، أو البدلِ منه، أو …

Commentary: Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.