Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi

Ayahs 71–80 of 176

71

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ خُذُوا۟ حِذْرَكُمْ فَٱنفِرُوا۟ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُوا۟ جَمِيعًۭا

O you who have believed, take your precaution and [either] go forth in companies or go forth all together.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [٧١]

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ أيْ: تَيَقَّظُوا واحْتَرِزُوا مِنَ العَدُوِّ ولا تُمَكِّنُوهُ مِن أنْفُسِكُمْ، يُقالُ: أخَذَ حِذْرَهُ إذا تَيَقَّظَ واحْتَرَزَ مِنَ المُخَوَّفِ، كَأنَّهُ جَعَلَ الحَذَرَ آلَتَهُ الَّتِي يَقِي بِها نَفْسَهُ، ويُطْلَقُ الحَذَرُ عَلى ما يُحْذَرُ بِهِ ويَصُونُ، كالسِّلاحِ والحُزَمِ، أيِ: اسْتَعَدُّوا لِلْعَدُوِّ، والحَذَرُ عَلى هَذا حَقِيقَةٌ، وعَلى الأوَّلِ مِنَ الكِنايَةِ والتَّخْيِيلِ بِتَشْبِيهِ الحَذَرِ بِالسِّلاحِ وآلَةِ الوِقايَةِ.

قالَ في "الإكْلِيلِ": فِيهِ الأمْرُ بِاتِّخاذِ السِّلاحِ، وأنَّهُ لا يُنافِي التَّوَكُّلَ.

قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى وُجُوبِ الجِهادِ وعَلى اسْتِعْمالِ الحَذَرِ، وهو الحَزْمُ مِنَ العَدُوِّ، وتَرْكُ التَّفْرِيطِ، وكَذَلِكَ ما يَحْذَرُونَهُ وهو اسْتِعْمالُ السِّلاحِ عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ، فَتَكُونُ الرِّياضَةُ بِالمُسابَقَةِ والرِّهانِ في الخَيْلِ مِن أعْمالِ الجِهادِ.

﴿فانْفِرُوا﴾ أيِ: اخْرُجُوا إلى الجِهادِ ﴿ثُباتٍ﴾ جَمْعُ (ثُبَةٍ) بِمَعْنى الجَماعَةِ، كَما في القامُوسِ، أيْ: جَماعاتٍ مُتَفَرِّقِينَ، سَرِيَّةً بَعْدَ سَرِيَّةٍ، وفِرْقَةً بَعْدَ فُرْقَةٍ؛ إظْهارًا لِلْجَراءَةِ.

﴿أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أيْ: مُجْتَمِعِينَ كُلُّكم كَوْكَبَةً واحِدَةً؛ إيقاعًا لِلْمَهابَةِ بِتَكْثِيرِ السَّوادِ، ومُبالَغَةً في التَّحَرُّزِ عَنِ الخَطَرِ.

قالَ الحاكِمُ: اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ ذَلِكَ مَوْكُولٌ إلى اجْتِهادِ الإمامِ.

72

وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌۭ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًۭا

And indeed, there is among you he who lingers behind; and if disaster strikes you, he says, "Allah has favored me in that I was not present with them."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ [٧٢]

﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ أيْ: لَيَتَثاقَلَنَّ ولَيَتَخَلَّفَنَ عَنِ الجِهادِ والخُرُوجِ مَعَ الجَماعَةِ لِنِفاقٍ، أوْ مَعْناهُ: لَيُثَبِّطَنَ غَيْرَهُ، كَما كانَ المُنافِقُونَ يُثَبِّطُونَ غَيْرَهُمْ، وكانَ هَذا دَيْدَنُ المُنافِقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وهو الَّذِي ثَبَّطَ النّاسَ يَوْمَ أُحُدٍ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ التّابِعِينَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، فَإنَّ ما حُكِيَ عَنْهم هو دَأْبُهُمْ، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ وُقُوفًا مَعَ صَدْرِ الآيَةِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النساء: ٧١] ثُمَّ قالَ ﴿وإنَّ مِنكُمْ﴾ وقَدْ قالَ تَعالى في المُنافِقِينَ: ﴿ما هم مِنكُمْ﴾ [المجادلة: ١٤]

قالَ الحاكِمُ: والتَّقْدِيرُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ: وإنَّ مِنكم - عَلى زَعْمِهِ - في الظّاهِرِ أوْ في حُكْمِ الشَّرْعِ.

﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ كَهَزِيمَةٍ، وشَهادَةٍ، وغَلَبِ العَدُوِّ لَكم لِما لِلَّهِ في ذَلِكَ مِنَ الحِكْمَةِ ﴿قالَ﴾ أيِ: المُبَطِّئُ فَرِحًا بِصُنْعِهِ ومُعْجَبًا بِرَأْيِهِ ﴿قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾ بِالقُعُودِ ﴿إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ أيْ: حاضِرًا في المَعْرَكَةِ، فَيُصِيبُنِي ما أصابَهُمْ، يَعُدُّ ذَلِكَ مِن نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، ولَمْ يَرَ ما فاتَهُ مِنَ الأجْرِ في الصَّبْرِ أوِ الشَّهادَةِ إنْ قُتِلَ.

73

وَلَئِنْ أَصَٰبَكُمْ فَضْلٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنۢ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُۥ مَوَدَّةٌۭ يَٰلَيْتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًۭا

But if bounty comes to you from Allah, he will surely say, as if there had never been between you and him any affection. "Oh, I wish I had been with them so I could have attained a great attainment."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [٧٣]

﴿ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ كَفَتْحٍ، وغَنِيمَةٍ، ونَصْرٍ، وظَفَرٍ، ونِسْبَةُ إصابَةِ الفَضْلِ إلى جَنابِهِ تَعالى دُونَ إصابَةِ المُصِيبَةِ مِنَ العاداتِ الشَّرِيفَةِ التَّنْزِيلِيَّةِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] [الشُّعَراءِ: ٨٠].

﴿لَيَقُولَنَّ﴾ نَدامَةً عَلى تَثَبُّطِهِ وقُعُودِهِ وتَهالُكًا عَلى حُطامِ الدُّنْيا، وتَحَسُّرًا عَلى فَواتِهِ ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ أيْ: صِلَةٌ في الدِّينِ، ومَعْرِفَةٌ بِالصُّحْبَةِ ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ فَأُصِيبَ غَنائِمَ كَثِيرَةً، وحَظًّا وافِرًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: " كَأنَّ لَمْ " إلَخْ، اعْتِراضٌ بَيْنَ الفِعْلِ وهُوَ: " لَيَقُولَنّ " ومَفْعُولِهِ وهُوَ: " يا لَيْتَنِي " إلَخْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ضَعْفِ عَقِيدَتِهِمْ، وأنَّ قَوْلَهم هَذا قَوْلُ مَن لَمْ تَتَقَدَّمْ لَهُ مَعَكم مَوَدَّةٌ؛ لِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يُوادُّونَ المُؤْمِنِينَ ويُصادِقُونَهم في الظّاهِرِ، وإنْ كانُوا يَبْغُونَ لَهُمُ الغَوائِلَ في الباطِنِ، وفِيهِ تَعْجِيبٌ أيْضًا مِن قَوْلِهِمُ المَذْكُورِ.

قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: ثَمَرَةُ ذَلِكَ تَأْكِيدُ وُجُوبِ الجِهادِ وتَحْرِيمُ التَّثْبِيطِ عَنْهُ. انْتَهى.

ولَمّا ذَمَّ تَعالى المُبَطِّئِينَ عَنِ الجِهادِ رَغَّبَ المُؤْمِنِينَ فِيهِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ:

74

۞ فَلْيُقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْءَاخِرَةِ ۚ وَمَن يُقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًۭا

So let those fight in the cause of Allah who sell the life of this world for the Hereafter. And he who fights in the cause of Allah and is killed or achieves victory - We will bestow upon him a great reward.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [٧٤]

﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ أيْ: يَبِيعُونَها بِها وهُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الآجِلَةَ عَلى العاجِلَةِ ويَسْتَبْدِلُونَها بِها، والمَعْنى: إنْ صَدَّ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَلْيُقاتِلِ المُخْلِصُونَ الباذِلُونَ أنْفُسَهم في طَلَبِ الآخِرَةِ، ويُقالُ: عَنى بِالمَوْصُولِ المُنافِقِينَ المُبَطِّئِينَ، أيِ: الَّذِينَ يَشْتَرُونَها ويَخْتارُونَها عَلى الآخِرَةِ، فَيَكُونُ وعْظًا لَهم بِأنْ يُبَدِّلُوا التَّثْبِيطَ بِالجِهادِ.

﴿ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ﴾ أيْ: يُسْتَشْهَدُ ﴿أوْ يَغْلِبْ﴾ أيْ: يَظْفَرْ عَلى العَدُوِّ ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ نُعْطِيهِ ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ ثَوابًا وافِرًا.

رَوى الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَضَمَّنَ اللَّهُ لِمَن خَرَجَ في سَبِيلِهِ لا يُخْرِجُهُ إلّا جِهادًا في سَبِيلِي، وإيمانًا بِي، وتَصْدِيقًا بِرُسُلِي فَهو عَلَيَّ ضامِنٌ أنْ أُدْخِلَهُ الجَنَّةَ أوْ أُرْجِعَهُ إلى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنهُ نائِلًا ما نالَ مِن أجْرٍ أوْ غَنِيمَةٍ» (لَفْظُ مُسْلِمٍ ).

75

وَمَا لَكُمْ لَا تُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّۭا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا

And what is [the matter] with you that you fight not in the cause of Allah and [for] the oppressed among men, women, and children who say, "Our Lord, take us out of this city of oppressive people and appoint for us from Yourself a protector and appoint for us from Yourself a helper?"

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [٧٥]

﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ خِطابٌ لِلْمَأْمُورِينَ بِالقِتالِ، عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ؛ مُبالَغَةً في التَّحْرِيضِ عَلَيْهِ، وتَأْكِيدًا لِوُجُوبِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُسْتَضْعَفِينَ﴾ مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلى اسْمِ اللَّهِ، أيْ: في سَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ هم كَأنْفُسِكُمْ، وهو تَخْلِيصُهم مِنَ الأسْرِ وصَوْنُهم عَنِ العَدُوِّ، أوْ عَلى "السَّبِيلِ" بِحَذْفِ المُضافِ، أيْ: في خَلاصِ المُسْتَضْعَفِينَ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ، يَعْنِي: وأخْتَصُّ مِن سَبِيلِ اللَّهِ خَلاصَ المُسْتَضْعَفِينَ؛ لِأنَّ سَبِيلَ اللَّهِ عامٌّ في كُلِّ خَيْرٍ، وخَلاصُ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ مِن أيْدِي الكُفّارِ مِن أعْظَمِ الخَيْرِ وأخَصِّهِ.

قالَ في "الِانْتِصافِ": وفي النَّصْبِ مُبالَغَةٌ في الحَثِّ عَلى خَلاصِهِمْ مِن جِهَتَيْنِ:

إحْداهُما: التَّخْصِيصُ بَعْدَ التَّعْمِيمِ، فَإنَّهُ يَقْتَضِي إضْمارَ النّاصِبِ الَّذِي هو أخْتَصُّ، ولَوْلا النَّصْبُ لَكانَ التَّخْصِيصُ مَعْلُومًا مِن إفْرادِهِ بِالذِّكْرِ، ولَكِنْ أكَّدَ هَذا المَعْلُومَ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ بِأنْ أخْرَجَهُ إلى النُّطْقِ.

﴿مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ بَيانٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ، أوْ حالٌ مِنهُمْ، وهُمُ المُسْلِمُونَ الَّذِينَ صَدَّهُمُ المُشْرِكُونَ عَنِ الهِجْرَةِ، فَبَقُوا بِمَكَّةَ مُسْتَذَلِّينَ مُسْتَضْعَفِينَ يَلْقَوْنَ مِنهُمُ الأذى الشَّدِيدَ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو لَهم فَيَقُولُ: «اللَّهم أنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، وسَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ، وعَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ» كَما في الصَّحِيحِ.

وإنَّما ذَكَرَ (الوِلْدانِ) مَعَهُمْ؛ تَكْمِيلًا لِلِاسْتِعْطافِ واسْتِجْلابِ المَرْحَمَةِ، وتَنْبِيهًا عَلى تَناهِي ظُلْمِ المُشْرِكِينَ، بِحَيْثُ بَلَغَ أذاهُمُ الصِّبْيانَ، وإيذانًا بِإجابَةِ الدُّعاءِ الآتِي بِسَبَبِ مُشارَكَتِهِمْ في الدُّعاءِ.

﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ مِن إيذاءِ أهْلِ مَكَّةَ وإذْلالِهِمْ إيّاهُمْ، مُتَبَرِّئِينَ مِنَ المُقامِ بِها ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها﴾ أيْ: بِالشِّرْكِ الَّذِي هو ظُلْمٌ عَظِيمٌ، وبِأذِيَّةِ المُسْلِمِينَ، وهي مَكَّةُ، و(الظّالِمِ) صِفَتُها، وتَذْكِيرُهُ لِتَذْكِيرِ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ، فَإنَّ اسْمَ الفاعِلِ والمَفْعُولِ إذا أُجْرِيَ عَلى غَيْرِ مَن هو لَهُ كانَ كالفِعْلِ في التَّذْكِيرِ والتَّأْنِيثِ، بِحَسَبِ ما عَمِلَ فِيهِ، قالَهُ أبُو السُّعُودِ.

﴿واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ أيْ: سَخِّرْ لَنا مِن عِنْدِكَ حافِظًا يَحْفَظُ عَلَيْنا دِينَنا ﴿واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ ناصِرًا يَدْفَعُ عَنّا أذِيّاتِ أعْدائِنا، أوِ المَعْنى: واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ وِلايَةً ونُصْرَةً، أيْ: لِتَكُنْ أنْتَ ولِيُّنا وناصِرُنا، وقَدِ اسْتَجابَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ دُعاءَهم حَيْثُ يَسَرَّ لِبَعْضِهِمُ الخُرُوجَ إلى المَدِينَةِ، وجَعَلَ لِمَن بَقِيَ مِنهم خَيْرَ ولِيٍّ وأعَزَّ ناصِرٍ، فَفَتَحَ مَكَّةَ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ فَتَوَلّاهم أيَّ تَوَلٍّ، ونَصَرَهم أيَّةَ نُصْرَةٍ، حَتّى صارُوا أعَزَّ أهْلِها.

ورَوى البُخارِيُّ بِالسَّنَدِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُنْتُ أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، وبِهِ إلَيْهِ قالَ: كانَتْ …

76

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوٓا۟ أَوْلِيَآءَ ٱلشَّيْطَٰنِ ۖ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا

Those who believe fight in the cause of Allah, and those who disbelieve fight in the cause of Taghut. So fight against the allies of Satan. Indeed, the plot of Satan has ever been weak.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ [٧٦]

﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي في طاعَتِهِ لِإعْلاءِ كَلِمَتِهِ، فَهو ولِيُّهم وناصِرُهم ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ﴾ في طاعَةِ الشَّيْطانِ الآمِرِ بِغايَةِ الطُّغْيانِ، كَإيذاءِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وقِتالِ أقْوِيائِهِمْ ﴿فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ أيْ: جُنْدَهُ.

قالَ أبُو السُّعُودِ: وذَكَّرَهم بِهَذا العُنْوانِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ذَلِكَ نَتِيجَةٌ لِقِتالِهِمْ في سَبِيلِ الشَّيْطانِ، والإشْعارِ بِأنَّ المُؤْمِنِينَ أوْلِياءُ اللَّهِ تَعالى لِما أنَّ قِتالَهم في سَبِيلِهِ، وكُلُّ ذَلِكَ لِتَأْكِيدِ رَغْبَةِ المُؤْمِنِينَ في القِتالِ وتَقْوِيَةِ عَزائِمِهِمْ عَلَيْهِ، فَإنَّ وِلايَةَ اللَّهِ تَعالى عَلَمٌ في العِزَّةِ والقُوَّةِ، كَما أنَّ وِلايَةَ الشَّيْطانِ مَثَلٌ في الذِّلَّةِ والضَّعْفِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ فَقاتِلُوا يا أوْلِياءَ اللَّهِ أوْلِياءَ الشَّيْطانِ، ثُمَّ صَرَّحَ في التَّعْلِيلِ فَقِيلَ: ﴿إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ أيْ: في حَدِّ ذاتِهِ، فَكَيْفَ بِالقِياسِ إلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، ولَمْ يُتَعَرَّضْ لِبَيانِ قُوَّةِ جَنابِهِ تَعالى؛ إيذانًا بِظُهُورِها.

قالُوا: فائِدَةُ إدْخالِ (كانَ) في أمْثالِ هَذِهِ المَواقِعِ التَّأْكِيدُ بِبَيانِ أنَّهُ مُنْذُ كانَ كانَ كَذَلِكَ، فالمَعْنى: إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ مُنْذُ كانَ كانَ مَوْصُوفًا بِالضَّعْفِ. انْتَهى.

(والكَيْدُ): السَّعْيُ في فَسادِ الحالِ عَلى جِهَةِ الِاحْتِيالِ عَلَيْهِ، يُقالُ: كادَهُ يَكِيدُهُ إذا سَعى في إيقاعِ الضَّرَرِ عَلى جِهَةِ الحِيلَةِ عَلَيْهِ، أفادَهُ الرّازِيُّ.

77

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوٓا۟ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌۭ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةًۭ ۚ وَقَالُوا۟ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلَآ أَخَّرْتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ قَرِيبٍۢ ۗ قُلْ مَتَٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌۭ وَٱلْءَاخِرَةُ خَيْرٌۭ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا

Have you not seen those who were told, "Restrain your hands [from fighting] and establish prayer and give zakah"? But then when fighting was ordained for them, at once a party of them feared men as they fear Allah or with [even] greater fear. They said, "Our Lord, why have You decreed upon us fighting? If only You had postponed [it for] us for a short time." Say, The enjoyment of this world is little, and the Hereafter is better for he who fears Allah. And injustice will not be done to you, [even] as much as a thread [inside a date seed]."

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ [٧٧]

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ﴾ وهُمُ المُؤْمِنُونَ عِنْدَ اسْتِئْذانِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في القِتالِ قَبْلَ أنْ يُؤْمَرُوا بِهِ ﴿كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾ أيْ: عَنِ القِتالِ، فَإنَّكم لَمْ تُؤْمَرُوا بِهِ ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ أيْ: أتِمُّوا الصَّلَواتِ الخَمْسَ بِوُضُوئِها ورُكُوعِها وسُجُودِها، وما يَجِبُ فِيها مِن مَواقِيتِها، وأعْطُوا زَكاةَ أمْوالِكم ﴿فَلَمّا كُتِبَ﴾ أيْ: فُرِضَ ﴿عَلَيْهِمُ القِتالُ﴾ أيِ: الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ حِينَ قَوِيَ حالُهم ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ أيْ: طائِفَةٌ مِنهم وهُمُ المُنافِقُونَ، وإدْخالُهم مَعَ المُؤْمِنِينَ لِما كانُوا يُظْهِرُونَهُ مِن أنْفُسِهِمْ أنَّهم مِنهم ﴿يَخْشَوْنَ النّاسَ﴾ أيْ: يَخافُونَ أهْلَ مَكَّةَ الكُفّارَ أنْ يَقْتُلُوهم ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أيْ: كَما يَخْشَوْنَ اللَّهَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ بَأْسَهُ ﴿أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾ أيْ: أكْثَرَ خَوْفًا مِنهُ.

فَإنْ قِيلَ: ظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾ يُوهِمُ الشَّكَّ، وذَلِكَ عَلى عَلّامِ الغُيُوبِ مُحالٌ (أُجِيبَ) بِأنَّ (أوْ) إمّا بِمَعْنى (بَلْ) أوْ هي لِلتَّنْوِيعِ عَلى أنَّ المَعْنى: أنَّ خَشْيَةَ بَعْضِهِمْ كَخَشْيَةِ اللَّهِ وخَشْيَةَ بَعْضِهِمْ أشَدُّ مِنها، أوْ لِلْإبْهامِ عَلى السّامِعِ، بِمَعْنى أنَّهم عَلى إحْدى الصِّفَتَيْنِ مِنَ المُساواةِ والشِّدَّةِ، وهو قَرِيبٌ مِمّا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧] [الصّافّاتِ: ١٤٧] يَعْنِي أنَّ مَن يُبْصِرُهم يَقُولُ: إنَّهم مِائَةُ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ.

* *

تَنْبِيهٌ:

حَكى المُفَسِّرُونَ هُنا رِوايَةً عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ المُهاجِرِينَ، وأنَّهم كانُوا يَلْقَوْنَ مِن مُشْرِكِي مَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ أذًى شَدِيدًا، فَيَشْكُونَ ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ ويَقُولُوا: ائْذَنْ لَنا في قِتالِهِمْ، فَيَقُولُ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: «كُفُّوا أيْدِيَكُمْ، فَإنِّي لَمْ أُومَرْ بِقِتالِهِمْ، واشْتَغَلُوا بِإقامَةِ دِينِكم مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ» ثُمَّ بَعْدَ الهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ لَمّا أُمِرُوا بِقِتالِهِمْ في وقْعَةِ بَدْرٍ كَرِهَهُ بَعْضُهُمْ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

وعِنْدِي أنَّ هَذِهِ الآيَةَ كَسَوابِقِها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ؛ تَقْرِيعًا لَهم وتَحْذِيرًا لِلْمُخْلِصِينَ مِن شاكِلَتِهِمْ، والقَوْلُ بِنُزُولِها في بَعْضِ المُؤْمِنِينَ لا يَصِحُّ لِوُجُوهٍ:

مِنها: أنَّ في إسْنادِها عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَن لَيْسَ عَلى شَرْطِ الصَّحِيحِ.

ومِنها: أنْ طَلَبَهم لِلْجِهادِ وهم في مَكَّةَ مَعَ قِلَّةِ العَدَدِ والعُدَدِ، ومُمالَأةِ العَدُوِّ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ جانِبٍ - في غايَةِ البُعْدِ.

ومِنها: أنَّ السِّياقَ في المُنافِقِينَ، وقَدِ ابْتُدِئَ الكَلامُ في شَأْنِهِمْ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْـزِلَ إلَيْكَ وما أُنْـزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠] إلى قَوْلِهِ تَعالى الآتِي: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ﴾ [النساء: ٨٩] الآيَةَ، كَما يَظْهَرُ …

78

أَيْنَمَا تَكُونُوا۟ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍۢ مُّشَيَّدَةٍۢ ۗ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌۭ يَقُولُوا۟ هَٰذِهِۦ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۭ يَقُولُوا۟ هَٰذِهِۦ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًۭا

Wherever you may be, death will overtake you, even if you should be within towers of lofty construction. But if good comes to them, they say, "This is from Allah "; and if evil befalls them, they say, "This is from you." Say, "All [things] are from Allah." So what is [the matter] with those people that they can hardly understand any statement?

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [٧٨]

﴿أيْنَما تَكُونُوا﴾ أيْ: في أيِّ مَكانٍ تَكُونُوا عِنْدَ الأجَلِ ﴿يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ﴾ أيِ: الَّذِي لِأجْلِهِ تَكْرَهُونَ القِتالَ؛ زَعْمًا مِنكم أنَّهُ مِن مَظانِّهِ، وتُحِبُّونَ القُعُودَ عَنْهُ، عَلى زَعْمِ أنَّهُ مَنجاةٌ مِنهُ، أيْ: وإذا كانَ لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ فَبِأنْ يَقَعَ عَلى وجْهٍ يَكُونُ مُسْتَعْقِبًا لِلسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ كانَ أوْلى مِن أنْ لا يَكُونَ كَذَلِكَ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب: ١٦] [الأحْزابِ: ١٦].

﴿ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ﴾ أيْ: حُصُونٍ: ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾ أيْ: مَرْفُوعَةٍ مُسْتَحْكَمَةٍ، لا يَصِلُ إلَيْها القاتِلُ الإنْسانِيُّ، لَكِنَّها لا تَمْنَعُ القاتِلَ الإلَهِيَّ، كَما قالَ زُهَيْرُ بْنُ أبِي سُلْمى:

؎ومَن هابَ أسْبابَ المَنايا يَنَلْنَهُ ولَوْ رامَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ

وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ هَهُنا حِكايَةً مُطَوَّلَةً عَنْ مُجاهِدٍ، والشّاهِدُ مِنها هُنا أنَّها كانَتْ أُخْبِرَتْ بِأنَّها تَمُوتُ بِالعَنْكَبُوتِ، فاتَّخَذَ لَها زَوْجُها قَصْرًا مَنِيعًا شاهِقًا؛ لِيُحْرِزَها مِن ذَلِكَ، فَبَيْنَما هم يَوْمًا فَإذا العَنْكَبُوتُ في السَّقْفِ، فَأراها إيّاها فَقالَتْ: أهَذِهِ الَّتِي تَحْذَرُها عَلَيَّ؟! واللَّهِ لا يَقْتُلُها إلّا أنا، فَأنْزِلُوها مِنَ السَّقْفِ، فَعَمَدَتْ إلَيْها فَوَطِئَتْها بِإبْهامِ رِجْلِها فَقَتَلَتْها، فَطارَ مِن سُمِّها شَيْءٌ فَوَقَعَ بَيْنَ ظُفْرِها ولَحْمِها، واسْوَدَّتْ رِجْلُها، فَكانَ في ذَلِكَ أجْلُها، فَماتَتْ.

ولَمّا حَكى تَعالى عَنِ المُنافِقِينَ كَوْنَهم مُتَثاقِلِينَ عَنِ الجِهادِ، خائِفِينَ مِنَ المَوْتِ، غَيْرَ راغِبِينَ في سَعادَةِ الآخِرَةِ، أتْبَعَ ذَلِكَ بِخَلَّةٍ لَهم أشْنَعَ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ كَخِصْبٍ ورِزْقٍ مِن ثِمارٍ وزُرُوعٍ وأوْلادٍ ونَحْوِها ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: مِن قِبَلِهِ، لَمّا عَلِمَ فِينا الخَيْرَ ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ كَقَحْطٍ وجَدْبٍ، وغَلاءِ السِّعْرِ، ونَقْصٍ في الزُّرُوعِ والثِّمارِ، ومَوْتِ أوْلادِ ونِتاجٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ يَعْنُونَ: مِن شُؤْمِكَ، كَما قالَ تَعالى عَنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ: ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] [الأعْرافِ: مِنَ الآيَةِ ١٣١]وعَنْ قَوْمٍ صالِحٍ: ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ [النمل: ٤٧] [النَّمْلِ: مِنَ الآيَةِ ٤٧].

قالَ أبُو السُّعُودِ: فَأُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِأنْ يَرُدَّ زَعْمَهُمُ الباطِلَ ويُرْشِدَهم إلى الحَقِّ ويُلْقِمَهُمُ الحَجَرَ بِبَيانِ إسْنادِ الكُلِّ إلَيْهِ تَعالى عَلى الإجْمالِ، إذْ لا يَجْتَرِءُونَ عَلى مُعارَضَةِ أمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حَيْثُ قِيلَ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ أيْ: كُلُّ واحِدَةٍ مِنَ النِّعْمَةِ والبَلِيَّةِ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى، خَلْقًا وإيجادًا، مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لِي مَدْخَلٌ في وُقُوعِ شَيْءٍ مِنها بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ كَما تَزْعُمُونَ، بَلْ وُقُوعُ الأُولى مِنهُ تَعالى بِالذّاتِ …

79

مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍۢ فَمِنَ ٱللَّهِ ۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍۢ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولًۭا ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۭا

What comes to you of good is from Allah, but what comes to you of evil, [O man], is from yourself. And We have sent you, [O Muhammad], to the people as a messenger, and sufficient is Allah as Witness.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولا وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [٧٩]

﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ﴾ أيْ: نِعْمَةٍ ﴿فَمِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: فَمِن نِعْمَتِهِ وتَفَضُّلِهِ ابْتِداءً ﴿وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ﴾ أيْ: بَلِيَّةٍ ﴿فَمِن نَفْسِكَ﴾ أيْ: مِن شُؤْمِها بِسَبَبِ اقْتِرافِها المَعاصِيَ المُوجِبَةَ لَها، وإنْ كانَتْ مِن حَيْثُ الإيجادِ مُنْتَسِبَةً إلَيْهِ تَعالى، نازِلَةً مِن عِنْدِهِ عُقُوبَةً، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠] [الشُّورى: ٣٠].

رَوى ابْنُ عَساكِرَ، عَنِ البَراءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «ما مِن عَثْرَةٍ ولا اخْتِلاجِ عِرْقٍ ولا خَدْشِ عُودٍ إلّا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيكُمْ، وما يَغْفِرُ اللَّهُ أكْثَرُ» .

ورَوى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لا يُصِيبُ عَبْدًا نُكْتَةٌ فَما فَوْقَها أوْ دُونَها إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، قالَ وقَرَأ: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]» .

لَطِيفَةٌ

الخِطابُ فِي: ﴿أصابَكَ﴾ عامٌّ لِكُلِّ مَن يَقِفُ عَلَيْهِ، لا لِلنَّبِيِّ ﷺ، كَقَوْلِهِ:

؎إذا أنْتَ أكْرَمْتَ الكَرِيمَ مَلَكْتَهُ

ويَدْخُلُ فِيهِ المَذْكُورُونَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لَهُ ﷺ كَما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ، لَكِنْ لا لِبَيانِ حالِهِ ﷺ، بَلْ لِبَيانِ حالِ الكَفَرَةِ بِطَرِيقِ التَّصْوِيرِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِإظْهارِ كَمالِ السُّخْطِ والغَضَبِ عَلَيْهِمْ، والإشْعارِ بِأنَّهم لِفَرْطِ جَهْلِهِمْ وبَلادَتِهِمْ بِمَعْزِلٍ مِنِ اسْتِحْقاقِ الخِطابِ، لا سِيَّما بِمِثْلِ هَذِهِ الحِكْمَةِ الأنِيقَةِ، قَرَّرَهُ أبُو السُّعُودِ.

قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: وثَمَرَةُ الآيَةِ رَدُّ التَّطَيُّرِ والتَّشاؤُمِ.

﴿وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولا﴾ بَيانٌ لِجَلالَةِ مَنصِبِهِ ﷺ ومَكانَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، بَعْدَ بَيانِ بُطْلانِ زَعْمِهِمُ الفاسِدِ في حَقِّهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِناءً عَلى جَهْلِهِمْ بِشَأْنِهِ الجَلِيلِ، وتَعْرِيفُ (النّاسِ) لِلِاسْتِغْراقِ، أفادَهُ أبُو السُّعُودِ، أيْ: فَمِن أيْنَ يُتَصَوَّرُ لَكَ الشُّؤْمُ وقَدْ أُرْسِلْتَ داعِيًا العُمُومَ إلى الخَيْراتِ؟! فَأنْتَ مَنشَأُ كُلِّ خَيْرٍ ورَحْمَةٍ ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أيْ: عَلى رِسالَتِكَ وصِدْقِكَ بِإظْهارِ المُعْجِزاتِ عَلى يَدَيْكَ، أيْ: وإذا ثَبَتَتْ رِسالَتُكَ فاليُمْنُ في طاعَتِكَ، والشُّؤْمُ في مُخالَفَتِكَ.

80

مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًۭا

He who obeys the Messenger has obeyed Allah; but those who turn away - We have not sent you over them as a guardian.

القَوْلُ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعالى:

﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [٨٠]

﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ لِأنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُبَلِّغٌ لِأمْرِهِ ونَهْيِهِ، فَمَرْجِعُ الطّاعَةِ وعَدِمَها هو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ﴿ومَن تَوَلّى﴾ عَنْ طاعَتِهِ ﴿فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أيْ: كَفِيلًا تَحْفَظُ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم وتَحاسِبُهم عَلَيْها وتُعاقِبُهم بِحَسَبِها ﴿فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ وعَلَيْنا الحِسابُ﴾ [الرعد: ٤٠] [الرَّعْدِ: ٤٠].

ولَمّا بَيَّنَ تَعالى وُجُوبَ طاعَةِ الرَّسُولِ تَأثَّرَهُ بِذِكْرِ مُعامَلَتِهِمْ مَعَهُ، فَقالَ:

Commentary: Mahasin al-Ta'wil by Jamal al-Din al-Qasimi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.