Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi

Ayahs 71–80 of 176

71

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ خُذُوا۟ حِذْرَكُمْ فَٱنفِرُوا۟ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُوا۟ جَمِيعًۭا

O you who have believed, take your precaution and [either] go forth in companies or go forth all together.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: احْذَرُوا عَدْوَّكم.

والثّانِي: خُذُوا سِلاحَكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فانْفِرُوا ثُباتٍ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: جَماعاتٍ، واحِدَتُها: ثُبَةٌ، يُرِيدُ جَماعَةً بَعْدَ جَماعَةٍ وقالَ الزَّجّاجُ: "الثَّباتُ": الجَماعاتُ المُتَفَرِّقَةُ.

قالَ زُهَيْرٌ:

؎ وقَدْ أغْدُوا عَلى ثُبَةٍ كِرامٍ نَشاوى واجِدِينَ لِما نَشاءُ

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿فانْفِرُوا ثُباتٍ ﴾، أيْ: عُصَبًا، سَرايا مُتَفَرِّقِينَ، ﴿أوِ انْفِرُوا [جَمِيعًا﴾ يَعْنِي] كُلُّكم.

فَصْلٌ

وَقَدْ نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ وقَوْلَهُ ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ [التَّوْبَةِ: ٤١] وَقَوْلَهُ ﴿إلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ [التَّوْبَةِ: ٣٩] مَنسُوخاتٌ بِقَوْلِهِ ﴿وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٢] قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: والأمْرُ في ذَلِكَ بِحَسْبِ ما يَراهُ الإمامُ، ولَيْسَ في هَذا مِنَ المَنسُوخِ شَيْءٌ.

72

وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌۭ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًۭا

And indeed, there is among you he who lingers behind; and if disaster strikes you, he says, "Allah has favored me in that I was not present with them."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها في المُنافِقِينَ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وأصْحابِهِ كانُوا يَتَثاقَلُونَ عَنِ الجِهادِ، فَإنْ لَقِيَتِ السَّرِيَّةُ نَكْبَةً، قالَ مَن أبْطَأ مِنهُمْ: لَقَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ، وإنْ لَقُوا غَنِيمَةً، قالَ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم. هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في المُسْلِمِينَ الَّذِينَ قَلَّتْ عُلُومُهم بِأحْكامِ الدِّينِ، فَتَثَبَّطُوا لِقِلَّةِ العِلْمِ، لا لِضَعْفِ الدَّيْنِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، وغَيْرُهُ. فَعَلى الأوَّلِ تَكُونُ إضافَتُهم إلى المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ "مِنكُمْ" لِمَوْضِعِ نُطْقِهِمْ بِالإسْلامِ، وجَرَيانِ أحْكامِهِ عَلَيْهِمْ، وعَلى الثّانِي تَكُونُ الإضافَةُ حَقِيقَةً، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اللّامُ في "لِمَن" لامُ تَأْكِيدٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: واللّامُ في "لَيُبَطِّئَنَّ" لامُ القَسَمِ، كَقَوْلِكَ: إنَّ مِنكم لَمَن أحْلَفَ بِاللَّهِ لِيُبْطِّئَنَّ، يُقالُ: "أبْطَأ الرَّجُلُ" و"بَطُؤَ" . فَمَعْنى "أبْطَأ": تَأخَّرَ، ومَعْنى "بَطُؤَ": ثَقُلَ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "لَيُبَطِّئَنَّ" بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ، وفي مَعْنى "لَيُبَطِّئَنَّ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: لَيُبَطِّئَنَّ هو بِنَفْسِهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: لَيُبَطِّئَنَّ غَيْرَهُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: و"المُصِيبَةُ": النَّكْبَةُ. و"الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ": الفَتْحُ والغَنِيمَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ( كَأنَّ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّة ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ: كَأنْ لَمْ تَكُنْ بِالتّاءِ، لِأنَّ الفاعِلَ المُسْنَدَ إلَيْهِ مُؤَنَّثٌ في اللَّفْظِ وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ: يَكُنْ بِالياءِ، لِأنَّ التَّأْنِيثَ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ. قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لِيَقُولَنَّ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم، كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ، أيْ: كَأنَّهُ لَمْ يُعاقِدْكم عَلى أنْ يُجاهِدَ مَعَكم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ مُعْتَرِضًا بِهِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لِيَقُولَنَّ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ، قالَ: قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ، كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ. فَيَكُونُ مَعْنى "المَوَدَّةِ" أيْ: كَأنَّهُ لَمْ يُعاقِدْكم عَلى الإيمانِ.

73

وَلَئِنْ أَصَٰبَكُمْ فَضْلٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنۢ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُۥ مَوَدَّةٌۭ يَٰلَيْتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًۭا

But if bounty comes to you from Allah, he will surely say, as if there had never been between you and him any affection. "Oh, I wish I had been with them so I could have attained a great attainment."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها في المُنافِقِينَ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وأصْحابِهِ كانُوا يَتَثاقَلُونَ عَنِ الجِهادِ، فَإنْ لَقِيَتِ السَّرِيَّةُ نَكْبَةً، قالَ مَن أبْطَأ مِنهُمْ: لَقَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ، وإنْ لَقُوا غَنِيمَةً، قالَ: يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم. هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في المُسْلِمِينَ الَّذِينَ قَلَّتْ عُلُومُهم بِأحْكامِ الدِّينِ، فَتَثَبَّطُوا لِقِلَّةِ العِلْمِ، لا لِضَعْفِ الدَّيْنِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ، وغَيْرُهُ. فَعَلى الأوَّلِ تَكُونُ إضافَتُهم إلى المُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ "مِنكُمْ" لِمَوْضِعِ نُطْقِهِمْ بِالإسْلامِ، وجَرَيانِ أحْكامِهِ عَلَيْهِمْ، وعَلى الثّانِي تَكُونُ الإضافَةُ حَقِيقَةً، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: اللّامُ في "لِمَن" لامُ تَأْكِيدٍ.

قالَ الزَّجّاجُ: واللّامُ في "لَيُبَطِّئَنَّ" لامُ القَسَمِ، كَقَوْلِكَ: إنَّ مِنكم لَمَن أحْلَفَ بِاللَّهِ لِيُبْطِّئَنَّ، يُقالُ: "أبْطَأ الرَّجُلُ" و"بَطُؤَ" . فَمَعْنى "أبْطَأ": تَأخَّرَ، ومَعْنى "بَطُؤَ": ثَقُلَ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: "لَيُبَطِّئَنَّ" بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ، وفي مَعْنى "لَيُبَطِّئَنَّ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: لَيُبَطِّئَنَّ هو بِنَفْسِهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: لَيُبَطِّئَنَّ غَيْرَهُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: و"المُصِيبَةُ": النَّكْبَةُ. و"الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ": الفَتْحُ والغَنِيمَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ( كَأنَّ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّة ) قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ، والمُفَضَّلُ، عَنْ عاصِمٍ: كَأنْ لَمْ تَكُنْ بِالتّاءِ، لِأنَّ الفاعِلَ المُسْنَدَ إلَيْهِ مُؤَنَّثٌ في اللَّفْظِ وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ: يَكُنْ بِالياءِ، لِأنَّ التَّأْنِيثَ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ. قالَ الزَّجّاجُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لِيَقُولَنَّ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم، كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ، أيْ: كَأنَّهُ لَمْ يُعاقِدْكم عَلى أنْ يُجاهِدَ مَعَكم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ مُعْتَرِضًا بِهِ، فَيَكُونُ المَعْنى: ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لِيَقُولَنَّ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ، قالَ: قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ، كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ. فَيَكُونُ مَعْنى "المَوَدَّةِ" أيْ: كَأنَّهُ لَمْ يُعاقِدْكم عَلى الإيمانِ.

74

۞ فَلْيُقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْءَاخِرَةِ ۚ وَمَن يُقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًۭا

So let those fight in the cause of Allah who sell the life of this world for the Hereafter. And he who fights in the cause of Allah and is killed or achieves victory - We will bestow upon him a great reward.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ يَشْرُونَ هاهُنا: بِمَعْنى: يَبْتَغُونَ في قَوْلِ الجَماعَةِ. وأنْشَدُوا

؎ وشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي مِن بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هامَةً

و "بُرْدٌ": غُلامٌ لَهُ باعَهُ. ومَعْنى الآَيَةِ: لِيَكُنْ قِتالُ المُقاتِلِينَ عَلى وجْهِ الإخْلاصِ، وطَلَبِ الآَخِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ﴾ خَرَجَ مَخْرَجَ الغالِبِ، وقَدْ يُثابُ مَن لَمْ يَغْلِبْ ولَمْ يَقْتُلْ.

75

وَمَا لَكُمْ لَا تُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّۭا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا

And what is [the matter] with you that you fight not in the cause of Allah and [for] the oppressed among men, women, and children who say, "Our Lord, take us out of this city of oppressive people and appoint for us from Yourself a protector and appoint for us from Yourself a helper?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ﴾ قالَ الفَرّاءُ: تَقْدِيرُهُ: وفي المُسْتَضْعَفِينَ. وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: المُسْتَضْعَفُونَ في مَوْضِعِ خَفْضٍ، والمَعْنى: في سَبِيلِ اللَّهِ، وسَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ، أيْ: ما لَكم لا تَسْعُونَ في خَلاصِ هَؤُلاءِ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهم ناسٌ مُسْلِمُونَ كانُوا بِمَكَّةَ لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَخْرُجُوا. و"القَرْيَةُ": مَكَّةُ في قَوْلِ الجَماعَةِ. قالَ الفَرّاءُ: وإنَّما خُفِضَ "الظّالِمُ" لِأنَّهُ نَعْتٌ لِلْأهْلِ، فَلَمّا عادَ الأهْلُ عَلى القَرْيَةِ كانَ فِعْلُ ما أُضِيفَ إلَيْها بِمَنزِلَةِ فِعْلِها، تَقُولُ: مَرَرْتُ بِالرَّجُلِ الواسِعَةِ دارُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ قالَ أبُو سُلَيْمانَ: سَألُوا اللَّهَ ولِيًّا مِن عِنْدِهِ يَلِي إخْراجَهم مِنها، ونَصِيرًا يَمْنَعُهم مِنَ المُشْرِكِينَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَلَمّا فَتْحَ رَسُولُ اللَّهِ مَكَّةَ، جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلامُ ولِيَّهم، واسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَتّابَ بْنَ أُسَيْدٍ، فَكانَ نَصِيرًا لَهم، يُنْصِفُ الضَّعِيفَ مِنَ القَوِيِّ.

76

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوٓا۟ أَوْلِيَآءَ ٱلشَّيْطَٰنِ ۖ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا

Those who believe fight in the cause of Allah, and those who disbelieve fight in the cause of Taghut. So fight against the allies of Satan. Indeed, the plot of Satan has ever been weak.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ﴾ الطّاغُوت هاهُنا: الشَّيْطانُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الطّاغُوتُ هاهُنا: في مَعْنى جَماعَةٍ، كَقَوْلِهِ "وَلَحْمُ الخِنْزِيرِ" مَعْناهُ: ولَحْمُ الخَنازِيرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ﴾ يَعْنِي: مَكْرُهُ وصَنِيعُهُ (كانَ ضَعِيفًا) حَيْثُ خَذَلَ أصْحابَهُ يَوْمَ بَدْرٍ.

77

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوٓا۟ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌۭ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةًۭ ۚ وَقَالُوا۟ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلَآ أَخَّرْتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ قَرِيبٍۢ ۗ قُلْ مَتَٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌۭ وَٱلْءَاخِرَةُ خَيْرٌۭ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا

Have you not seen those who were told, "Restrain your hands [from fighting] and establish prayer and give zakah"? But then when fighting was ordained for them, at once a party of them feared men as they fear Allah or with [even] greater fear. They said, "Our Lord, why have You decreed upon us fighting? If only You had postponed [it for] us for a short time." Say, The enjoyment of this world is little, and the Hereafter is better for he who fears Allah. And injustice will not be done to you, [even] as much as a thread [inside a date seed]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في نَفَرٍ مِنَ المُهاجِرِينَ، كانُوا يُحِبُّونَ أنْ يُؤْذَنَ لَهم في قِتالِ المُشْرِكِينَ وهم بِمَكَّةَ قَبْلَ أنْ يُفْرَضَ القِتالُ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، فَلَمّا أُذِنَ لَهم فِيهِ، كَرِهَهُ بَعْضُهم. رَوى هَذا المَعْنى أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، والسُّدِّيِّ، ومُقاتِلٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ واصِفَةً أحْوالَ قَوْمٍ كانُوا في الزَّمانِ المُتَقَدِّمِ، فَحَذَّرَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ مِن مِثْلِ حالِهِمْ، رَوى هَذا المَعْنى عَطِيَّةُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: كَأنَّهُ يُومِئُ إلى قِصَّةِ الَّذِينَ قالُوا: ابْعَثْ لَنا مَلِكًا. وقالَ مُجاهِدٌ: هي في اليَهُودِ.

فَأمّا كَفُّ اليَدِ، فالمُرادُ بِهِ: الِامْتِناعُ عَنِ القِتالِ، ذَلِكَ كانَ بِمَكَّةَ، و"كَتَبَ" بِمَعْنى: فَرَضَ، وذَلِكَ بِالمَدِينَةِ، هَذا عَلى القَوْلِ الأوَّلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ في هَذا الفَرِيقِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ. والثّانِي: أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ، فَلَمّا فُرِضَ القِتالُ، نافَقُوا جُبْنًا وخَوْفًا. والثّالِثُ: أنَّهم مُؤْمِنُونَ غَيْرَ أنَّ طَبائِعَهم غَلَبَتْهم، فَنَفَرَتْ نُفُوسُهم عَنِ القِتالِ.

قَوْلُهُ ﴿يَخْشَوْنَ النّاسَ﴾ في المُرادِ بِالنّاسِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: كُفّارُ مَكَّةَ. والثّانِي: جَمِيعُ الكُفّارِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾ قِيلَ: إنَّ "أوْ" بِمَعْنى: الواوُ، و"كُتِبَتْ" بِمَعْنى: فَرَضَتْ. و"لَوْلا" بِمَعْنى: "هَلّا" . قالَ الفَرّاءُ: إذا لَمْ تَرَ بَعْدَها اسْمًا، فَهي اسْتِفْهامٌ، بِمَعْنى: هَلّا، وإذا رَأيْتَ بَعْدَها اسْمًا مَرْفُوعًا، فَهي الَّتِي جَوابُها اللّامُ، تَقُولُ: لَوْلا عَبْدُ اللَّهِ لَضَرَبْتُكَ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إذا رَأيْتَها بِغَيْرِ جَوابٍ، فَهي بِمَعْنى: "هَلّا" تَقُولُ: لَوْلا فَعْلَتَ كَذا، ومِثْلُها "لَوْلا" فَإذا رَأيْتَ لِـ "لَوْلا" جَوابًا، فَلَيْسَتْ بِمَعْنى: "هَلّا إنَّما هي الَّتِي تَكُونُ لِأمْرٍ يَقَعُ بِوُقُوعِ غَيْرِهِ، كَقَوْلِهِ ﴿فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ﴾ ﴿لَلَبِثَ في بَطْنِهِ﴾ [الصّافّاتِ: ١٤٣] قُلْتُ: فَأمّا "لَوْلا" الَّتِي لَها جَوابٌ فَكَثِيرَةٌ في الكَلامِ، وأنْشَدُوا في ذَلِكَ:

؎ لَوْلا الحَياءُ وأنَّ رَأْسِيَّ قَدْ عَثا فِيهِ المَشِيبُ لَزُرْتُ أُمَّ القاسِمِ

وَأمّا الَّتِي بِمَعْنى: "هَلّا" فَأنْشَدُوا مِنها:

؎ تَعُدُّونَ عُقْرَ النَّبِيبِ أفْضَلَ مَجْدِكم ∗∗∗ بَنِي ضَوْطَرى لَوْلا الكَمِيَّ المُقَنَّعا

أرادَ: فَهَلّا تُعِدُّونَ الكَمِيَّ، والكَمِيَّ: الدّاخِلُ في السِّلاحِ.

وَفِي الأجَلِ القَرِيبِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ المَوْتُ، فَكَأنَّهم قالُوا: هَلّا تَرَكَتْنا نَمُوتُ مَوْتًا، وعافَيْتَنا مِنَ القَتْلِ هَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّهُ إمْهالُ زَمانٍ، فَكَأنَّهم قالُوا: هَلّا أخَّرْتَ فَرْضَ الجِهادِ عَنّا قَلِيلًا حَتّى نَكْثُرَ ونَقْوى، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ في آَخَرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ أيْ: مُدَّةُ الحَياةِ فِيها قَلِيلَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ولا يَظْلِمُونَ بِالياءِ. وقَرَأ نافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ: بِالتّاءِ، وقَدْ سَبَقَ ذِكْرُ المَتاعِ والفَتِيلِ.

78

أَيْنَمَا تَكُونُوا۟ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍۢ مُّشَيَّدَةٍۢ ۗ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌۭ يَقُولُوا۟ هَٰذِهِۦ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۭ يَقُولُوا۟ هَٰذِهِۦ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًۭا

Wherever you may be, death will overtake you, even if you should be within towers of lofty construction. But if good comes to them, they say, "This is from Allah "; and if evil befalls them, they say, "This is from you." Say, "All [things] are from Allah." So what is [the matter] with those people that they can hardly understand any statement?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: أنَّ المُنافِقِينَ قالُوا: في حَقِّ شُهَداءِ أُحُدٍ، لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا، وما قُتِلُوا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٍ، والبُرُوجُ: الحُصُونُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. وفي "المُشَيَّدَةِ" خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها الحَصِينَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ. والثّانِي: المُطَوَّلَةُ، قالَهُ أبُو مالِكٍ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّالِثُ: المُجَصَّصَةُ، قالَهُ هِلالُ بْنُ خِبابٍ، واليَزِيدِيُّ. والرّابِعُ: أنَّها المَبْنِيَّةُ بِالشَّيْدِ، وهو الجِصُّ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. والخامِسُ: أنَّها بُرُوجٌ في السَّماءِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، والثَّوْرِيُّ. وقالَ السُّدِّيُّ: هي قُصُورٌ بِيضٌ في السَّماءِ مَبْنِيَّةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ تُصِبْهُمْ﴾ اخْتَلَفُوا فِيهِمْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ واليَهُودُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: المُنافِقُونَ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّالِثُ: اليَهُودُ، قالَهُ ابْنُ السُّرِّيِّ.

وَفِي الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الحَسَنَةَ: الخِصْبُ، والمَطَرُ. والسَّيِّئَةُ: الجَدْبُ، والغَلاءُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ الحَسَنَةَ: الفَتْحُ والغَنِيمَةُ. والسَّيِّئَةُ: الهَزِيمَةُ والجِراحُ، ونَحْوُ ذَلِكَ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مِن عِنْدِكَ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: بِشُؤْمِكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: بِسُوءِ تَدْبِيرِكَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ، أمّا الحَسَنَةُ، فَأنْعَمَ بِها عَلَيْكَ، وأمّا السَّيِّئَةُ، فابْتَلاكَ بِها،

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ﴾ وقَفَ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ عَلى الألِفِ مِن "فَما" في قَوْلِهِ: ﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ﴾ و ﴿مالِ هَذا الكِتابِ﴾ و ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ﴾ و ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والباقُونَ وقَفُوا عَلى اللّامِ. فَأمّا "الحَدِيثُ"، فَقِيلَ: هو القُرْآَنُ، فَكَأنَّهُ قالَ: لا يَفْقَهُونَ القُرْآَنَ، فَيُؤْمِنُونَ بِهِ، ويَعْلَمُونَ أنَّ الكُلَّ مِن عِنْدِ اللَّهِ.

79

مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍۢ فَمِنَ ٱللَّهِ ۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍۢ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولًۭا ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۭا

What comes to you of good is from Allah, but what comes to you of evil, [O man], is from yourself. And We have sent you, [O Muhammad], to the people as a messenger, and sufficient is Allah as Witness.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ في المُخاطَبِ بِهَذا الكَلامِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ عامٌّ، فَتَقْدِيرُهُ: ما أصابَكَ أيُّها الإنْسانُ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمُرادُ بِهِ غَيْرُهُ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ما أصابَكَ اللَّهُ مِن حَسَنَةٍ، وما أصابَكَ اللَّهُ بِهِ مِن سَيِّئَةٍ، فالفِعْلانِ يَرْجِعانِ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وفي "الحَسَنَةِ" و"السَّيِّئَةِ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ الحَسَنَةَ: ما فَتَحَ عَلَيْهِ يَوْمَ بَدْرٍ، والسَّيِّئَةَ: ما أصابَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: الحَسَنَةُ: الطّاعَةُ، والسَّيِّئَةُ، المَعْصِيَةُ، قالَهُ أبُو العالِيَةَ. والثّالِثُ: الحَسَنَةُ: النِّعْمَةُ، والسَّيِّئَةُ: البَلِيَّةُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وعَنْ أبِي العالِيَةِ نَحْوُهُ، وهو أصَحُّ، لِأنَّ الآَيَةَ عامَّةٌ. ورَوى كَرُدابِ، عَنْ يَعْقُوبَ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ بِتَشْدِيدِ النُّونِ، ورَفْعِها، ونَصْبِ المِيمِ، وخَفْضِ اسْمِ "اللَّهِ" ﴿وَما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ بِنَصْبِ المِيمِ، ورَفْعِ السِّينِ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿وَما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ بِنَصْبِ المِيمِ، و رَفْعِ السِّينِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمِن نَفْسِكَ﴾ أيْ: فَبِذَنْبِكَ، قالَهُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والجَماعَةُ. وذَكَرَ فِيهِ ابْنُ الأنْبارِيِّ وجْهًا آَخَرَ، فَقالَ: المَعْنى: أفَمِن نَفْسِكَ فَأُضْمِرَتْ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ، كَما أُضْمِرَتْ في قَوْلِهِ ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ﴾ أيْ: أوْ تِلْكَ نِعْمَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: ذِكْرُ الرَّسُولِ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ: (وَأرْسَلْناكَ) والباءُ في "بِاللَّهِ" مُؤَكَّدَةٌ. والمَعْنى: وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا.

وَ "شَهِيدًا": مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، لِأنَّكَ إذا قُلْتَ: كَفى بِاللَّهِ، ولَمْ تُبَيِّنْ في أيِّ شَيْءٍ الكِفايَةَ كُنْتَ مُبْهَمًا.

وَفِي المُرادِ بِشَهادَةِ اللَّهِ هاهُنا: ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: شَهِيدًا لَكَ بِأنَّكَ رَسُولُهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: عَلى مَقالَتِهِمْ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّالِثُ: لَكَ بِالبَلاغِ، وعَلَيْهِمْ بِالتَّكْذِيبِ والنِّفاقِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ عابَ اللَّهُ هَؤُلاءِ حِينَ قالُوا: إنَّ الحَسَنَةَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، والسَّيِّئَةَ مِن عِنْدِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ عادَ، فَقالَ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِنَ نَفْسِكَ﴾ فَهَلْ قالَ القَوْمُ إلّا هَكَذا؟ فَعَنْهُ جَوابانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم أضافُوا السَّيِّئَةَ إلى النَّبِيِّ ﷺ تَشاؤُمًا بِهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ، فَقالَ: كَلٌّ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ. ثُمَّ قالَ: ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ، فَمِنِ اللَّهِ، أيْ: مِن فَضْلِهِ، وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ، فَبِذَنْبِكَ، وإنْ كانَ الكُلُّ مِنَ اللَّهِ تَقْدِيرًا.

والثّانِي: أنَّ جَماعَةً مِن أرْبابِ المَعانِي قالُوا: في الكَلامِ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ، تَقْدِيرُهُ: فَما لِهَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا، يَقُولُونَ: ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ، فَمِنِ اللَّهِ، وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ، فَمِن نَفْسِكَ، فَيَكُونُ هَذا مِن قَوْلِهِمْ. والمَحْذُوفُ المُقَدَّرُ في القُرْآَنِ كَثِيرٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٧] أيْ: يَقُولانِ: رَبُّنا. ومِثْلُهُ ﴿أوْ …

80

مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًۭا

He who obeys the Messenger has obeyed Allah; but those who turn away - We have not sent you over them as a guardian.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ سَبَبُ نُزُولِها: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "مَن أطاعَنِي، فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ، ومَن أحَبَّنِي، فَقَدْ أحَبَّ اللَّهَ" فَقالَ المُنافِقُونَ: لَقَدْ قارَبَ هَذا الرَّجُلُ الشِّرْكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ مُقاتِلٌ. ومَعْنى الكَلامِ: مَن قَبِلَ ما أتى بِهِ الرَّسُولَ، فَإنَّما قَبِلَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، ومَن تَوَلّى، أيْ: أعْرَضَ عَنْ طاعَتِهِ. وفي "الحَفِيظِ" قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ الرَّقِيبُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: المُحاسِبُ، قالَهُ السُّدِّيُّ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

فَصْلٌ

قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا كانَ قَبْلَ الأمْرِ بِالقِتالِ، ثُمَّ نُسِخَ بِآَيَةِ السَّيْفِ.

Commentary: Zad al-Masir by Ibn al-Jawzi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.