Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 71–80 of 176

71

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ خُذُوا۟ حِذْرَكُمْ فَٱنفِرُوا۟ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُوا۟ جَمِيعًۭا

O you who have believed, take your precaution and [either] go forth in companies or go forth all together.

صفحة ١١٧

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ ﴿ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾

اسْتِئْنافٌ وانْتِقالٌ إلى التَّحْرِيضِ عَلى الجِهادِ بِمُناسَبَةٍ لَطِيفَةٍ، فَإنَّهُ انْتَقَلَ مِن طاعَةِ الرَّسُولِ إلى ذِكْرِ أشَدِّ التَّكالِيفِ، ثُمَّ ذِكْرِ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيئِينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ، وكانَ الحالُ أدْعى إلى التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الشَّهادَةِ دُونَ بَقِيَّةِ الخِلالِ المَذْكُورَةِ مَعَها المُمْكِنَةِ النَّوالِ.

وهَذِهِ الآيَةُ تُشِيرُ لا مَحالَةَ إلى تَهْيِئَةِ غَزْوَةٍ مِن غَزَواتِ المُسْلِمِينَ، ولَيْسَ في كَلامِ السَّلَفِ ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِها، ولا شَكَّ أنَّها لَمْ تَكُنْ أوَّلَ غَزْوَةٍ لِأنَّ غَزْوَةَ بَدْرٍ وقَعَتْ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، وكَذَلِكَ غَزْوَةُ أُحُدٍ الَّتِي نَزَلَتْ فِيها سُورَةُ آلِ عِمْرانَ، ولَيْسَتْ نازِلَةً في غَزْوَةِ الأحْزابِ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فانْفِرُوا ثُباتٍ﴾ يَقْتَضِي أنَّهم غازُونَ لا مَغْزُوُّونَ.

ولَعَلَّها نَزَلَتْ لِمُجَرَّدِ التَّنْبِيهِ إلى قَواعِدِ الِاسْتِعْدادِ لِغَزْوِ العَدُوِّ، والتَّحْذِيرِ مِنَ العَدُوِّ الكاشِحِ، ومِنَ العَدُوِّ الكائِدِ، ولَعَلَّها إعْدادٌ لِغَزْوَةِ الفَتْحِ، فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ في سَنَةِ سِتٍّ، وكانَ فَتْحُ مَكَّةَ في سِنَةِ ثَمانٍ، ولا شَكَّ أنَّ تِلْكَ المُدَّةَ كانَتْ مُدَّةَ اشْتِدادِ التَّألُّبِ مِنَ العَرَبِ كُلِّهِمْ لِنُصْرَةِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ والذَّبِّ عَنْ آلِهَتِهِمْ.

ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدُ ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ﴾ [النساء: ٧٥] إلَخْ، وقَوْلُهُ ﴿فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٤١] فَإنَّ اسْمَ الفَتْحِ أُرِيدَ بِهِ فَتْحُ مَكَّةَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧] .

وابْتَدَأ بِالأمْرِ بِأخْذِ الحَذَرِ. وهي أكْبَرُ قَواعِدِ القِتالِ لِاتِّقاءِ خُدَعِ الأعْداءِ. والحَذَرُ: هو تَوَقِّي المَكْرُوهِ.

صفحة ١١٨

ومَعْنى ذَلِكَ أنْ لا يَغْتَرُّوا بِما بَيْنَهم وبَيْنَ العَدُوِّ مِن هُدْنَةِ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، فَإنَّ العَدُوَّ وأنْصارَهُ يَتَرَبَّصُونَ بِهِمُ الدَّوائِرَ، ومِن بَيْنِهِمْ مُنافِقُونَ هم أعْداءٌ في صُورَةِ أوْلِياءَ، وهُمُ الَّذِينَ عُنُوا بِقَوْلِهِ ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ إلى فَوْزًا عَظِيمًا.

ولَفْظُ ”خُذُوا“ اسْتِعارَةٌ لِمَعْنى شِدَّةِ الحَذَرِ ومُلازَمَتِهِ، لِأنَّ حَقِيقَةَ الأخْذِ تَناوُلُ الشَّيْءِ الَّذِي كانَ بَعِيدًا عَنْكَ، ولَمّا كانَ النِّسْيانُ والغَفْلَةُ يُشْبِهانِ البُعْدَ والإلْقاءَ كانَ التَّذَكُّرُ والتَّيَقُّظُ يُشْبِهانِ أخْذَ الشَّيْءِ بَعْدَ إلْقائِهِ، كَقَوْلِهِ ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وقَوْلِهِمْ: أخَذَ عَلَيْهِ عَهْدًا ومِيثاقًا.

ولَيْسَ الحَذَرُ مَجازًا في السِّلاحِ كَما تَوَهَّمَهُ كَثِيرٌ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، فَعَطَفَ السِّلاحَ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ ﴿فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ تَفْرِيعٌ عَنْ أخْذِ الحَذَرِ لِأنَّهم إذا أخَذُوا حِذْرَهم تَخَيَّرُوا أسالِيبَ القِتالِ بِحَسَبِ حالِ العَدُوِّ، وانْفِرُوا بِمَعْنى …

72

وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌۭ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًۭا

And indeed, there is among you he who lingers behind; and if disaster strikes you, he says, "Allah has favored me in that I was not present with them."

صفحة ١١٧

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ ﴿ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾

اسْتِئْنافٌ وانْتِقالٌ إلى التَّحْرِيضِ عَلى الجِهادِ بِمُناسَبَةٍ لَطِيفَةٍ، فَإنَّهُ انْتَقَلَ مِن طاعَةِ الرَّسُولِ إلى ذِكْرِ أشَدِّ التَّكالِيفِ، ثُمَّ ذِكْرِ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيئِينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ، وكانَ الحالُ أدْعى إلى التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الشَّهادَةِ دُونَ بَقِيَّةِ الخِلالِ المَذْكُورَةِ مَعَها المُمْكِنَةِ النَّوالِ.

وهَذِهِ الآيَةُ تُشِيرُ لا مَحالَةَ إلى تَهْيِئَةِ غَزْوَةٍ مِن غَزَواتِ المُسْلِمِينَ، ولَيْسَ في كَلامِ السَّلَفِ ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِها، ولا شَكَّ أنَّها لَمْ تَكُنْ أوَّلَ غَزْوَةٍ لِأنَّ غَزْوَةَ بَدْرٍ وقَعَتْ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، وكَذَلِكَ غَزْوَةُ أُحُدٍ الَّتِي نَزَلَتْ فِيها سُورَةُ آلِ عِمْرانَ، ولَيْسَتْ نازِلَةً في غَزْوَةِ الأحْزابِ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فانْفِرُوا ثُباتٍ﴾ يَقْتَضِي أنَّهم غازُونَ لا مَغْزُوُّونَ.

ولَعَلَّها نَزَلَتْ لِمُجَرَّدِ التَّنْبِيهِ إلى قَواعِدِ الِاسْتِعْدادِ لِغَزْوِ العَدُوِّ، والتَّحْذِيرِ مِنَ العَدُوِّ الكاشِحِ، ومِنَ العَدُوِّ الكائِدِ، ولَعَلَّها إعْدادٌ لِغَزْوَةِ الفَتْحِ، فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ في سَنَةِ سِتٍّ، وكانَ فَتْحُ مَكَّةَ في سِنَةِ ثَمانٍ، ولا شَكَّ أنَّ تِلْكَ المُدَّةَ كانَتْ مُدَّةَ اشْتِدادِ التَّألُّبِ مِنَ العَرَبِ كُلِّهِمْ لِنُصْرَةِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ والذَّبِّ عَنْ آلِهَتِهِمْ.

ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدُ ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ﴾ [النساء: ٧٥] إلَخْ، وقَوْلُهُ ﴿فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٤١] فَإنَّ اسْمَ الفَتْحِ أُرِيدَ بِهِ فَتْحُ مَكَّةَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧] .

وابْتَدَأ بِالأمْرِ بِأخْذِ الحَذَرِ. وهي أكْبَرُ قَواعِدِ القِتالِ لِاتِّقاءِ خُدَعِ الأعْداءِ. والحَذَرُ: هو تَوَقِّي المَكْرُوهِ.

صفحة ١١٨

ومَعْنى ذَلِكَ أنْ لا يَغْتَرُّوا بِما بَيْنَهم وبَيْنَ العَدُوِّ مِن هُدْنَةِ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، فَإنَّ العَدُوَّ وأنْصارَهُ يَتَرَبَّصُونَ بِهِمُ الدَّوائِرَ، ومِن بَيْنِهِمْ مُنافِقُونَ هم أعْداءٌ في صُورَةِ أوْلِياءَ، وهُمُ الَّذِينَ عُنُوا بِقَوْلِهِ ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ إلى فَوْزًا عَظِيمًا.

ولَفْظُ ”خُذُوا“ اسْتِعارَةٌ لِمَعْنى شِدَّةِ الحَذَرِ ومُلازَمَتِهِ، لِأنَّ حَقِيقَةَ الأخْذِ تَناوُلُ الشَّيْءِ الَّذِي كانَ بَعِيدًا عَنْكَ، ولَمّا كانَ النِّسْيانُ والغَفْلَةُ يُشْبِهانِ البُعْدَ والإلْقاءَ كانَ التَّذَكُّرُ والتَّيَقُّظُ يُشْبِهانِ أخْذَ الشَّيْءِ بَعْدَ إلْقائِهِ، كَقَوْلِهِ ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وقَوْلِهِمْ: أخَذَ عَلَيْهِ عَهْدًا ومِيثاقًا.

ولَيْسَ الحَذَرُ مَجازًا في السِّلاحِ كَما تَوَهَّمَهُ كَثِيرٌ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، فَعَطَفَ السِّلاحَ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ ﴿فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ تَفْرِيعٌ عَنْ أخْذِ الحَذَرِ لِأنَّهم إذا أخَذُوا حِذْرَهم تَخَيَّرُوا أسالِيبَ القِتالِ بِحَسَبِ حالِ العَدُوِّ، وانْفِرُوا بِمَعْنى …

73

وَلَئِنْ أَصَٰبَكُمْ فَضْلٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنۢ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُۥ مَوَدَّةٌۭ يَٰلَيْتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًۭا

But if bounty comes to you from Allah, he will surely say, as if there had never been between you and him any affection. "Oh, I wish I had been with them so I could have attained a great attainment."

صفحة ١١٧

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ ﴿ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾

اسْتِئْنافٌ وانْتِقالٌ إلى التَّحْرِيضِ عَلى الجِهادِ بِمُناسَبَةٍ لَطِيفَةٍ، فَإنَّهُ انْتَقَلَ مِن طاعَةِ الرَّسُولِ إلى ذِكْرِ أشَدِّ التَّكالِيفِ، ثُمَّ ذِكْرِ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيئِينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ، وكانَ الحالُ أدْعى إلى التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الشَّهادَةِ دُونَ بَقِيَّةِ الخِلالِ المَذْكُورَةِ مَعَها المُمْكِنَةِ النَّوالِ.

وهَذِهِ الآيَةُ تُشِيرُ لا مَحالَةَ إلى تَهْيِئَةِ غَزْوَةٍ مِن غَزَواتِ المُسْلِمِينَ، ولَيْسَ في كَلامِ السَّلَفِ ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِها، ولا شَكَّ أنَّها لَمْ تَكُنْ أوَّلَ غَزْوَةٍ لِأنَّ غَزْوَةَ بَدْرٍ وقَعَتْ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ، وكَذَلِكَ غَزْوَةُ أُحُدٍ الَّتِي نَزَلَتْ فِيها سُورَةُ آلِ عِمْرانَ، ولَيْسَتْ نازِلَةً في غَزْوَةِ الأحْزابِ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فانْفِرُوا ثُباتٍ﴾ يَقْتَضِي أنَّهم غازُونَ لا مَغْزُوُّونَ.

ولَعَلَّها نَزَلَتْ لِمُجَرَّدِ التَّنْبِيهِ إلى قَواعِدِ الِاسْتِعْدادِ لِغَزْوِ العَدُوِّ، والتَّحْذِيرِ مِنَ العَدُوِّ الكاشِحِ، ومِنَ العَدُوِّ الكائِدِ، ولَعَلَّها إعْدادٌ لِغَزْوَةِ الفَتْحِ، فَإنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ في سَنَةِ سِتٍّ، وكانَ فَتْحُ مَكَّةَ في سِنَةِ ثَمانٍ، ولا شَكَّ أنَّ تِلْكَ المُدَّةَ كانَتْ مُدَّةَ اشْتِدادِ التَّألُّبِ مِنَ العَرَبِ كُلِّهِمْ لِنُصْرَةِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ والذَّبِّ عَنْ آلِهَتِهِمْ.

ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدُ ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ﴾ [النساء: ٧٥] إلَخْ، وقَوْلُهُ ﴿فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٤١] فَإنَّ اسْمَ الفَتْحِ أُرِيدَ بِهِ فَتْحُ مَكَّةَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ كَقَوْلِهِ ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧] .

وابْتَدَأ بِالأمْرِ بِأخْذِ الحَذَرِ. وهي أكْبَرُ قَواعِدِ القِتالِ لِاتِّقاءِ خُدَعِ الأعْداءِ. والحَذَرُ: هو تَوَقِّي المَكْرُوهِ.

صفحة ١١٨

ومَعْنى ذَلِكَ أنْ لا يَغْتَرُّوا بِما بَيْنَهم وبَيْنَ العَدُوِّ مِن هُدْنَةِ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، فَإنَّ العَدُوَّ وأنْصارَهُ يَتَرَبَّصُونَ بِهِمُ الدَّوائِرَ، ومِن بَيْنِهِمْ مُنافِقُونَ هم أعْداءٌ في صُورَةِ أوْلِياءَ، وهُمُ الَّذِينَ عُنُوا بِقَوْلِهِ ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ إلى فَوْزًا عَظِيمًا.

ولَفْظُ ”خُذُوا“ اسْتِعارَةٌ لِمَعْنى شِدَّةِ الحَذَرِ ومُلازَمَتِهِ، لِأنَّ حَقِيقَةَ الأخْذِ تَناوُلُ الشَّيْءِ الَّذِي كانَ بَعِيدًا عَنْكَ، ولَمّا كانَ النِّسْيانُ والغَفْلَةُ يُشْبِهانِ البُعْدَ والإلْقاءَ كانَ التَّذَكُّرُ والتَّيَقُّظُ يُشْبِهانِ أخْذَ الشَّيْءِ بَعْدَ إلْقائِهِ، كَقَوْلِهِ ﴿خُذِ العَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، وقَوْلِهِمْ: أخَذَ عَلَيْهِ عَهْدًا ومِيثاقًا.

ولَيْسَ الحَذَرُ مَجازًا في السِّلاحِ كَما تَوَهَّمَهُ كَثِيرٌ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ في الآيَةِ الأُخْرى ﴿ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢]، فَعَطَفَ السِّلاحَ عَلَيْهِ.

وقَوْلُهُ ﴿فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ تَفْرِيعٌ عَنْ أخْذِ الحَذَرِ لِأنَّهم إذا أخَذُوا حِذْرَهم تَخَيَّرُوا أسالِيبَ القِتالِ بِحَسَبِ حالِ العَدُوِّ، وانْفِرُوا بِمَعْنى …

74

۞ فَلْيُقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْءَاخِرَةِ ۚ وَمَن يُقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًۭا

So let those fight in the cause of Allah who sell the life of this world for the Hereafter. And he who fights in the cause of Allah and is killed or achieves victory - We will bestow upon him a great reward.

صفحة ١٢١

﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ .

الفاءُ: إمّا لِلتَّفْرِيعِ، تَفْرِيعُ الأمْرِ عَلى الآخَرِ، أيْ فُرِّعَ فَلْيُقاتِلْ عَلى ﴿خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا﴾ [النساء: ٧١]، أوْ هي فاءٌ فَصِيحَةٌ، أفْصَحَتْ عَمّا دَلَّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] وقَوْلِهِ ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢] لِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ اقْتَضى الأمْرَ بِأخْذِ الحِذْرِ، وهو مُهَيِّئٌ لِطَلَبِ القِتالِ والأمْرِ بِالنَّفِيرِ والإعْلامِ بِمَن حالُهم حالُ المُتَرَدِّدِ المُتَقاعِسِ، أيْ فَإذا عَلِمْتُمْ جَمِيعَ ذَلِكَ، فالَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ هُمُ ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ لا كُلُّ أحَدٍ.

و”يَشْرُونَ“ مَعْناهُ يَبِيعُونَ، لِأنَّ شَرى مُقابِلُ اشْتَرى، مِثْلَ باعَ وابْتاعَ وأكْرى واكْتَرى، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

فالَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا هُمُ الَّذِينَ يَبْذُلُونَها ويَرْغَبُونَ في حَظِّ الآخِرَةِ، وإسْنادُ القِتالِ المَأْمُورِ بِهِ إلى أصْحابِ هَذِهِ الصِّلَةِ وهي: ﴿يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ لِلتَّنْوِيهِ بِفَضْلِ المُقاتِلِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ، .

لِأنَّ في الصِّلَةِ إيماءٌ إلى عِلَّةِ الخَبَرِ، أيْ يَبْعَثُهم عَلى القِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ بَذْلُهم حَياتَهُمُ الدُّنْيا لِطَلَبِ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ، وفَضِيحَةِ أمْرِ المُبَطِّئِينَ حَتّى يَرْتَدِعُوا عَنِ التَّخَلُّفِ، وحَتّى يَكْشِفَ المُنافِقُونَ عَنْ دَخِيلَتِهِمْ، فَكانَ

صفحة ١٢٢

مَعْنى الكَلامِ: فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ المُؤْمِنُونَ حَقًّا فَإنَّهم يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ، .

ولا يَفْهَمُ أحَدٌ مِن قَوْلِهِ ﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ بِالقِتالِ مُخْتَصٌّ بِفَرِيقٍ دُونَ آخَرَ. لِأنَّ بَذْلَ الحَياةِ في الحُصُولِ عَلى ثَوابِ الآخِرَةِ شَيْءٌ غَيْرُ ظاهِرٍ حَتّى يُعَلَّقَ التَّكْلِيفُ بِهِ، وإنَّما هو ضَمائِرُ بَيْنَ العِبادِ ورَبِّهِمْ، فَتَعَيَّنَ أنَّ إسْنادَ الأمْرِ إلى أصْحابِ هَذِهِ الصِّلَةِ مَقْصُودٌ مِنهُ الثَّناءُ عَلى المُجاهِدِينَ، وتَحْقِيرُ المُبَطِّئِينَ، كَما يَقُولُ القائِلُ: ”لَيْسَ بِعُشِّكِ فادْرُجِي“ . فَهَذا تَفْسِيرُ الآيَةِ بِوَجْهٍ لا يَعْتَرِيهِ إشْكالٌ.

ودَخَلَ في قَوْلِهِ ﴿أوْ يَغْلِبْ﴾ أصْنافُ الغَلَبَةِ عَلى العَدُوِّ بِقَتْلِهِمْ أوْ أسْرِهِمْ أوْ غُنْمِ أمْوالِهِمْ.

وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى القَتْلِ والغَلَبَةِ في قَوْلِهِ ﴿فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ﴾ ولَمْ يَزِدْ أوْ يُؤْسَرْ إبايَةً مِن أنْ يَذْكُرَ لَهم حالَةً ذَمِيمَةً لا يَرْضاها اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهي حالَةُ الأسْرِ؛ فَسَكَتَ عَنْها لِئَلّا يَذْكُرَها في مَعْرِضِ التَّرْغِيبِ وإنْ كانَ لِلْمُسْلِمِ عَلَيْها أجْرٌ عَظِيمٌ أيْضًا إذا بَذَلَ جُهْدَهُ في …

75

وَمَا لَكُمْ لَا تُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّۭا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا

And what is [the matter] with you that you fight not in the cause of Allah and [for] the oppressed among men, women, and children who say, "Our Lord, take us out of this city of oppressive people and appoint for us from Yourself a protector and appoint for us from Yourself a helper?"

صفحة ١٢١

﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ .

الفاءُ: إمّا لِلتَّفْرِيعِ، تَفْرِيعُ الأمْرِ عَلى الآخَرِ، أيْ فُرِّعَ فَلْيُقاتِلْ عَلى ﴿خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا﴾ [النساء: ٧١]، أوْ هي فاءٌ فَصِيحَةٌ، أفْصَحَتْ عَمّا دَلَّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] وقَوْلِهِ ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢] لِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ اقْتَضى الأمْرَ بِأخْذِ الحِذْرِ، وهو مُهَيِّئٌ لِطَلَبِ القِتالِ والأمْرِ بِالنَّفِيرِ والإعْلامِ بِمَن حالُهم حالُ المُتَرَدِّدِ المُتَقاعِسِ، أيْ فَإذا عَلِمْتُمْ جَمِيعَ ذَلِكَ، فالَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ هُمُ ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ لا كُلُّ أحَدٍ.

و”يَشْرُونَ“ مَعْناهُ يَبِيعُونَ، لِأنَّ شَرى مُقابِلُ اشْتَرى، مِثْلَ باعَ وابْتاعَ وأكْرى واكْتَرى، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

فالَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا هُمُ الَّذِينَ يَبْذُلُونَها ويَرْغَبُونَ في حَظِّ الآخِرَةِ، وإسْنادُ القِتالِ المَأْمُورِ بِهِ إلى أصْحابِ هَذِهِ الصِّلَةِ وهي: ﴿يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ لِلتَّنْوِيهِ بِفَضْلِ المُقاتِلِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ، .

لِأنَّ في الصِّلَةِ إيماءٌ إلى عِلَّةِ الخَبَرِ، أيْ يَبْعَثُهم عَلى القِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ بَذْلُهم حَياتَهُمُ الدُّنْيا لِطَلَبِ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ، وفَضِيحَةِ أمْرِ المُبَطِّئِينَ حَتّى يَرْتَدِعُوا عَنِ التَّخَلُّفِ، وحَتّى يَكْشِفَ المُنافِقُونَ عَنْ دَخِيلَتِهِمْ، فَكانَ

صفحة ١٢٢

مَعْنى الكَلامِ: فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ المُؤْمِنُونَ حَقًّا فَإنَّهم يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ، .

ولا يَفْهَمُ أحَدٌ مِن قَوْلِهِ ﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ بِالقِتالِ مُخْتَصٌّ بِفَرِيقٍ دُونَ آخَرَ. لِأنَّ بَذْلَ الحَياةِ في الحُصُولِ عَلى ثَوابِ الآخِرَةِ شَيْءٌ غَيْرُ ظاهِرٍ حَتّى يُعَلَّقَ التَّكْلِيفُ بِهِ، وإنَّما هو ضَمائِرُ بَيْنَ العِبادِ ورَبِّهِمْ، فَتَعَيَّنَ أنَّ إسْنادَ الأمْرِ إلى أصْحابِ هَذِهِ الصِّلَةِ مَقْصُودٌ مِنهُ الثَّناءُ عَلى المُجاهِدِينَ، وتَحْقِيرُ المُبَطِّئِينَ، كَما يَقُولُ القائِلُ: ”لَيْسَ بِعُشِّكِ فادْرُجِي“ . فَهَذا تَفْسِيرُ الآيَةِ بِوَجْهٍ لا يَعْتَرِيهِ إشْكالٌ.

ودَخَلَ في قَوْلِهِ ﴿أوْ يَغْلِبْ﴾ أصْنافُ الغَلَبَةِ عَلى العَدُوِّ بِقَتْلِهِمْ أوْ أسْرِهِمْ أوْ غُنْمِ أمْوالِهِمْ.

وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى القَتْلِ والغَلَبَةِ في قَوْلِهِ ﴿فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ﴾ ولَمْ يَزِدْ أوْ يُؤْسَرْ إبايَةً مِن أنْ يَذْكُرَ لَهم حالَةً ذَمِيمَةً لا يَرْضاها اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهي حالَةُ الأسْرِ؛ فَسَكَتَ عَنْها لِئَلّا يَذْكُرَها في مَعْرِضِ التَّرْغِيبِ وإنْ كانَ لِلْمُسْلِمِ عَلَيْها أجْرٌ عَظِيمٌ أيْضًا إذا بَذَلَ جُهْدَهُ في …

76

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوٓا۟ أَوْلِيَآءَ ٱلشَّيْطَٰنِ ۖ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا

Those who believe fight in the cause of Allah, and those who disbelieve fight in the cause of Taghut. So fight against the allies of Satan. Indeed, the plot of Satan has ever been weak.

صفحة ١٢١

﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا واجْعَلْ لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ .

الفاءُ: إمّا لِلتَّفْرِيعِ، تَفْرِيعُ الأمْرِ عَلى الآخَرِ، أيْ فُرِّعَ فَلْيُقاتِلْ عَلى ﴿خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا﴾ [النساء: ٧١]، أوْ هي فاءٌ فَصِيحَةٌ، أفْصَحَتْ عَمّا دَلَّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] وقَوْلِهِ ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢] لِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ اقْتَضى الأمْرَ بِأخْذِ الحِذْرِ، وهو مُهَيِّئٌ لِطَلَبِ القِتالِ والأمْرِ بِالنَّفِيرِ والإعْلامِ بِمَن حالُهم حالُ المُتَرَدِّدِ المُتَقاعِسِ، أيْ فَإذا عَلِمْتُمْ جَمِيعَ ذَلِكَ، فالَّذِينَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ هُمُ ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ لا كُلُّ أحَدٍ.

و”يَشْرُونَ“ مَعْناهُ يَبِيعُونَ، لِأنَّ شَرى مُقابِلُ اشْتَرى، مِثْلَ باعَ وابْتاعَ وأكْرى واكْتَرى، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ [البقرة: ١٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

فالَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا هُمُ الَّذِينَ يَبْذُلُونَها ويَرْغَبُونَ في حَظِّ الآخِرَةِ، وإسْنادُ القِتالِ المَأْمُورِ بِهِ إلى أصْحابِ هَذِهِ الصِّلَةِ وهي: ﴿يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ لِلتَّنْوِيهِ بِفَضْلِ المُقاتِلِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ، .

لِأنَّ في الصِّلَةِ إيماءٌ إلى عِلَّةِ الخَبَرِ، أيْ يَبْعَثُهم عَلى القِتالِ في سَبِيلِ اللَّهِ بَذْلُهم حَياتَهُمُ الدُّنْيا لِطَلَبِ الحَياةِ الأبَدِيَّةِ، وفَضِيحَةِ أمْرِ المُبَطِّئِينَ حَتّى يَرْتَدِعُوا عَنِ التَّخَلُّفِ، وحَتّى يَكْشِفَ المُنافِقُونَ عَنْ دَخِيلَتِهِمْ، فَكانَ

صفحة ١٢٢

مَعْنى الكَلامِ: فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ المُؤْمِنُونَ حَقًّا فَإنَّهم يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ، .

ولا يَفْهَمُ أحَدٌ مِن قَوْلِهِ ﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾ أنَّ الأمْرَ بِالقِتالِ مُخْتَصٌّ بِفَرِيقٍ دُونَ آخَرَ. لِأنَّ بَذْلَ الحَياةِ في الحُصُولِ عَلى ثَوابِ الآخِرَةِ شَيْءٌ غَيْرُ ظاهِرٍ حَتّى يُعَلَّقَ التَّكْلِيفُ بِهِ، وإنَّما هو ضَمائِرُ بَيْنَ العِبادِ ورَبِّهِمْ، فَتَعَيَّنَ أنَّ إسْنادَ الأمْرِ إلى أصْحابِ هَذِهِ الصِّلَةِ مَقْصُودٌ مِنهُ الثَّناءُ عَلى المُجاهِدِينَ، وتَحْقِيرُ المُبَطِّئِينَ، كَما يَقُولُ القائِلُ: ”لَيْسَ بِعُشِّكِ فادْرُجِي“ . فَهَذا تَفْسِيرُ الآيَةِ بِوَجْهٍ لا يَعْتَرِيهِ إشْكالٌ.

ودَخَلَ في قَوْلِهِ ﴿أوْ يَغْلِبْ﴾ أصْنافُ الغَلَبَةِ عَلى العَدُوِّ بِقَتْلِهِمْ أوْ أسْرِهِمْ أوْ غُنْمِ أمْوالِهِمْ.

وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى القَتْلِ والغَلَبَةِ في قَوْلِهِ ﴿فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ﴾ ولَمْ يَزِدْ أوْ يُؤْسَرْ إبايَةً مِن أنْ يَذْكُرَ لَهم حالَةً ذَمِيمَةً لا يَرْضاها اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وهي حالَةُ الأسْرِ؛ فَسَكَتَ عَنْها لِئَلّا يَذْكُرَها في مَعْرِضِ التَّرْغِيبِ وإنْ كانَ لِلْمُسْلِمِ عَلَيْها أجْرٌ عَظِيمٌ أيْضًا إذا بَذَلَ جُهْدَهُ في …

77

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوٓا۟ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌۭ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةًۭ ۚ وَقَالُوا۟ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلَآ أَخَّرْتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ قَرِيبٍۢ ۗ قُلْ مَتَٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌۭ وَٱلْءَاخِرَةُ خَيْرٌۭ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا

Have you not seen those who were told, "Restrain your hands [from fighting] and establish prayer and give zakah"? But then when fighting was ordained for them, at once a party of them feared men as they fear Allah or with [even] greater fear. They said, "Our Lord, why have You decreed upon us fighting? If only You had postponed [it for] us for a short time." Say, The enjoyment of this world is little, and the Hereafter is better for he who fears Allah. And injustice will not be done to you, [even] as much as a thread [inside a date seed]."

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] .

تَهَيَّأ المَقامُ لِلتَّذْكِيرِ بِحالِ فَرِيقٍ مِنَ المُسْلِمِينَ اخْتَلَفَ أوَّلُ حالِهِ وآخِرُهُ، فاسْتَطْرَدَ هُنا التَّعْجِيبُ مِن شَأْنِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِراضِ في أثْناءِ الحَثِّ عَلى الجِهادِ، وهَؤُلاءِ فَرِيقٌ يَوَدُّونَ أنْ يُؤْذَنَ لَهم بِالقِتالِ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ في إبّانِهِ جَبُنُوا. وقَدْ عُلِمَ مَعْنى حِرْصِهِمْ عَلى القِتالِ قَبْلَ أنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِ ﴿قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾، لِأنَّ كَفَّ اليَدِ مُرادٌ مِنهُ تَرْكُ القِتالَ، كَما قالَ ﴿وهُوَ الَّذِي كَفَّ أيْدِيَهم عَنْكم وأيْدِيَكم عَنْهم بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: ٢٤] .

والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٥] والجُمَلِ الَّتِي بَعْدَها وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٤] الآيَةَ اقْتَضَتِ اعْتِراضَها مُناسَبَةُ العِبْرَةِ بِحالِ هَذا

صفحة ١٢٥

الفَرِيقِ وتَقَلُّبِها، فالَّذِينَ قِيلَ لَهم ذَلِكَ هم جَمِيعُ المُسْلِمِينَ، وسَبَبُ القَوْلِ لَهم هو سُؤالُ فَرِيقٍ مِنهم، ومَحَلُّ التَّعْجِيبِ إنَّما هو حالُ ذَلِكَ الفَرِيقِ مِنَ المُسْلِمِينَ.

ومَعْنى ﴿كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ﴾ أنَّهُ كُتِبَ عَلَيْكم في عُمُومِ المُسْلِمِينَ القادِرِينَ. وقَدْ دَلَّتْ إذا الفُجائِيَّةُ عَلى أنَّ هَذا الفَرِيقَ لَمْ يَكُنْ تُتَرَقَّبُ مِنهم هَذِهِ الحالَةُ، لِأنَّهم كانُوا يَظْهَرُونَ مِنَ الحَرِيصِينَ عَلى القِتالِ.

قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: إنَّ هاتِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في طائِفَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا لَقُوا بِمَكَّةَ مِنَ المُشْرِكِينَ أذًى شَدِيدًا، فَقالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ يا رَسُولَ اللَّهِ كُنّا في عِزٍّ ونَحْنُ مُشْرِكُونَ فَلَمّا آمَنّا صِرْنا أذِلَّةً واسْتَأْذَنُوهُ في قِتالِ المُشْرِكِينَ، فَقالَ لَهم «إنِّي أُمِرْتُ بِالعَفْوِ فَكُفُّوا أيْدِيَكم، وأقِيمُوا الصَّلاةَ، وآتُوا الزَّكاةَ» فَلَمّا هاجَرَ النَّبِيءُ ﷺ إلى المَدِينَةِ، وفُرِضَ الجِهادُ جَبُنَ فَرِيقٌ مِن جُمْلَةِ الَّذِينَ اسْتَأْذَنُوهُ في القِتالِ، فَفِيهِمْ نَزَلَتِ الآيَةُ.

والمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ مِن هَؤُلاءِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، وسَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ، والمِقْدادَ بْنَ الأسْوَدِ، وقُدامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ، وأصْحابَهم، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾ مَسُوقٌ مَساقَ التَّوْبِيخِ لَهم حَيْثُ رَغِبُوا تَأْخِيرَ العَمَلِ بِأمْرِ اللَّهِ بِالجِهادِ لِخَوْفِهِمْ مِن بَأْسِ المُشْرِكِينَ، فالتَّشْبِيهُ جارٍ عَلى طَرِيقَةِ المُبالَغَةِ لِأنَّ حَمْلَ هَذا الكَلامِ عَلى ظاهِرِ الإخْبارِ لا يُلائِمُ حالَهم مِن فَضِيلَةِ الإيمانِ والهِجْرَةِ.

وقالَ السُّدِّيُّ: ﴿الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾ قَوْمٌ أسْلَمُوا قَبْلَ أنْ يُفْرَضَ القِتالُ وسَألُوا أنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمُ القِتالُ فَلَمّا فُرِضَ القِتالُ ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ النّاسَ﴾ . واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المَعْنِيِّ بِالفَرِيقِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ النّاسَ﴾ …

78

أَيْنَمَا تَكُونُوا۟ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍۢ مُّشَيَّدَةٍۢ ۗ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌۭ يَقُولُوا۟ هَٰذِهِۦ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۭ يَقُولُوا۟ هَٰذِهِۦ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًۭا

Wherever you may be, death will overtake you, even if you should be within towers of lofty construction. But if good comes to them, they say, "This is from Allah "; and if evil befalls them, they say, "This is from you." Say, "All [things] are from Allah." So what is [the matter] with those people that they can hardly understand any statement?

صفحة ١٢٩

﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ .

يَتَعَيَّنُ عَلى المُخْتارِ مِمّا رُوِيَ في تَعْيِينِ الفَرِيقِ الَّذِينَ ذُكِرُوا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٧٧] مِن أنَّهم فَرِيقٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُهاجِرِينَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ عائِدًا إلى المُنافِقِينَ؛ لِأنَّهم مَعْلُومُونَ مِنَ المَقامِ، ولِسَبْقِ ذِكْرِهِمْ في قَوْلِهِ ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢] وتَكُونُ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَطْفَ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ، فَإنَّ ما حُكِيَ في هَذِهِ الآيَةِ لا يَلِيقُ إلّا بِالمُنافِقِينَ.

ويَكُونُ الغَرَضُ انْتَقَلَ مِنَ التَّحْرِيضِ عَلى القِتالِ إلى وصْفِ الَّذِينَ لا يَسْتَجِيبُونَ إلى القِتالِ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِما يُبَلِّغُهُمُ النَّبِيءُ ﷺ مِن وعْدِ اللَّهِ بِنَصْرِ المُؤْمِنِينَ.

وأمّا عَلى رِوايَةِ السُّدِّيِّ فَيُحْتَمَلُ أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ دَخَلُوا في الإسْلامِ حَدِيثًا مِن قَبائِلِ العَرَبِ كانُوا عَلى شَفا الشَّكِّ فَإذا حَلَّ بِهِمْ سُوءٌ أوْ بُؤْسٌ تَطَيَّرُوا بِالإسْلامِ فَقالُوا: هَذِهِ الحالَةُ السُّوأى مِن شُؤْمِ الإسْلامِ.

وقَدْ قِيلَ: إنَّ بَعْضَ الأعْرابِ كانَ إذا أسْلَمَ وهاجَرَ إلى المَدِينَةِ فَنَمَتْ أنْعامُهُ ورَفُهَتْ حالُهُ حَمِدَ الإسْلامَ، وإذا أصابَهُ مَرَضٌ أوْ مَوَتانٌ في أنْعامِهِ تَطَيَّرَ بِالإسْلامِ فارْتَدَّ عَنْهُ، ومِنهُ حَدِيثُ الأعْرابِيِّ الَّذِي أصابَتْهُ الحُمّى في المَدِينَةِ فاسْتَقالَ مِنَ النَّبِيءِ بَيْعَتَهُ وقالَ النَّبِيءُ ﷺ في شَأْنِهِ «المَدِينَةُ كالكِيرِ تَنْفِي خَبَثَها ويَنْصَعُ طِيبُها» .

والقَوْلُ المُرادُ في قَوْلِهِ ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ هو قَوْلٌ نَفْسِيٌّ، لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَجْتَرِئُونَ عَلى أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ عَلَنًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهم يُظْهِرُونَ الإيمانَ بِهِ.

أوْ هو قَوْلٌ يَقُولُونَهُ بَيْنَ إخْوانِهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ،

صفحة ١٣٠

يَقُولُونَ: هَذِهِ مِن عِنْدِ مُحَمَّدٍ، فَيَكُونُ الإتْيانُ بِكافِ الخِطابِ مِن قَبِيلِ حِكايَةِ كَلامِهِمْ بِحاصِلِ مَعْناهُ عَلى حَسَبِ مَقامِ الحاكِي والمَحْكِيِّ لَهُ، وهو وجْهٌ مَطْرُوقٌ في حِكايَةِ كَلامِ الغائِبِ عَنِ المُخاطَبِ إذا حَكى كَلامَهُ لِذَلِكَ المُخاطَبِ.

ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ عِيسى ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧] . والمَأْمُورُ بِهِ هو: أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبَّكَ ورَبَّهم. ووَرَدَ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ هُمُ اليَهُودُ، فالضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ السّابِقِ، لِأنَّ المَعْنِيَّ بِهِ مَعْرُوفُونَ في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ.

وقَدِيمًا قِيلَ لِأسْلافِهِمْ ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] . والمُرادُ بِالحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ هُنا ما تَعارَفَهُ العَرَبُ مِن قِبَلِ اصْطِلاحِ الشَّرِيعَةِ أعْنِي الكائِنَةِ المُلائِمَةِ والكائِنَةِ المُنافِرَةِ، كَقَوْلِهِ ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] .

وقَوْلُهُ ﴿رَبَّنا …

79

مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍۢ فَمِنَ ٱللَّهِ ۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍۢ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولًۭا ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۭا

What comes to you of good is from Allah, but what comes to you of evil, [O man], is from yourself. And We have sent you, [O Muhammad], to the people as a messenger, and sufficient is Allah as Witness.

صفحة ١٢٩

﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ .

يَتَعَيَّنُ عَلى المُخْتارِ مِمّا رُوِيَ في تَعْيِينِ الفَرِيقِ الَّذِينَ ذُكِرُوا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: ٧٧] مِن أنَّهم فَرِيقٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ المُهاجِرِينَ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ الجَمْعِ في قَوْلِهِ ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ عائِدًا إلى المُنافِقِينَ؛ لِأنَّهم مَعْلُومُونَ مِنَ المَقامِ، ولِسَبْقِ ذِكْرِهِمْ في قَوْلِهِ ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢] وتَكُونُ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةً عَطْفَ قِصَّةٍ عَلى قِصَّةٍ، فَإنَّ ما حُكِيَ في هَذِهِ الآيَةِ لا يَلِيقُ إلّا بِالمُنافِقِينَ.

ويَكُونُ الغَرَضُ انْتَقَلَ مِنَ التَّحْرِيضِ عَلى القِتالِ إلى وصْفِ الَّذِينَ لا يَسْتَجِيبُونَ إلى القِتالِ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِما يُبَلِّغُهُمُ النَّبِيءُ ﷺ مِن وعْدِ اللَّهِ بِنَصْرِ المُؤْمِنِينَ.

وأمّا عَلى رِوايَةِ السُّدِّيِّ فَيُحْتَمَلُ أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ دَخَلُوا في الإسْلامِ حَدِيثًا مِن قَبائِلِ العَرَبِ كانُوا عَلى شَفا الشَّكِّ فَإذا حَلَّ بِهِمْ سُوءٌ أوْ بُؤْسٌ تَطَيَّرُوا بِالإسْلامِ فَقالُوا: هَذِهِ الحالَةُ السُّوأى مِن شُؤْمِ الإسْلامِ.

وقَدْ قِيلَ: إنَّ بَعْضَ الأعْرابِ كانَ إذا أسْلَمَ وهاجَرَ إلى المَدِينَةِ فَنَمَتْ أنْعامُهُ ورَفُهَتْ حالُهُ حَمِدَ الإسْلامَ، وإذا أصابَهُ مَرَضٌ أوْ مَوَتانٌ في أنْعامِهِ تَطَيَّرَ بِالإسْلامِ فارْتَدَّ عَنْهُ، ومِنهُ حَدِيثُ الأعْرابِيِّ الَّذِي أصابَتْهُ الحُمّى في المَدِينَةِ فاسْتَقالَ مِنَ النَّبِيءِ بَيْعَتَهُ وقالَ النَّبِيءُ ﷺ في شَأْنِهِ «المَدِينَةُ كالكِيرِ تَنْفِي خَبَثَها ويَنْصَعُ طِيبُها» .

والقَوْلُ المُرادُ في قَوْلِهِ ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ هو قَوْلٌ نَفْسِيٌّ، لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا يَجْتَرِئُونَ عَلى أنْ يَقُولُوا ذَلِكَ عَلَنًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهم يُظْهِرُونَ الإيمانَ بِهِ.

أوْ هو قَوْلٌ يَقُولُونَهُ بَيْنَ إخْوانِهِمْ مِنَ المُنافِقِينَ،

صفحة ١٣٠

يَقُولُونَ: هَذِهِ مِن عِنْدِ مُحَمَّدٍ، فَيَكُونُ الإتْيانُ بِكافِ الخِطابِ مِن قَبِيلِ حِكايَةِ كَلامِهِمْ بِحاصِلِ مَعْناهُ عَلى حَسَبِ مَقامِ الحاكِي والمَحْكِيِّ لَهُ، وهو وجْهٌ مَطْرُوقٌ في حِكايَةِ كَلامِ الغائِبِ عَنِ المُخاطَبِ إذا حَكى كَلامَهُ لِذَلِكَ المُخاطَبِ.

ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى حِكايَةً عَنْ عِيسى ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧] . والمَأْمُورُ بِهِ هو: أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبَّكَ ورَبَّهم. ووَرَدَ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ هُمُ اليَهُودُ، فالضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ السّابِقِ، لِأنَّ المَعْنِيَّ بِهِ مَعْرُوفُونَ في وقْتِ نُزُولِ الآيَةِ.

وقَدِيمًا قِيلَ لِأسْلافِهِمْ ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] . والمُرادُ بِالحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ هُنا ما تَعارَفَهُ العَرَبُ مِن قِبَلِ اصْطِلاحِ الشَّرِيعَةِ أعْنِي الكائِنَةِ المُلائِمَةِ والكائِنَةِ المُنافِرَةِ، كَقَوْلِهِ ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] .

وقَوْلُهُ ﴿رَبَّنا …

80

مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًۭا

He who obeys the Messenger has obeyed Allah; but those who turn away - We have not sent you over them as a guardian.

صفحة ١٣٥

﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ﴿ويَقُولُونَ طاعَةٌ فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأعْرِضْ عَنْهم وتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ وكِيلًا﴾ .

هَذا كالتَّكْمِلَةِ لِقَوْلِهِ ﴿وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء: ٧٩] بِاعْتِبارِ ما تَضَمَّنَهُ مِن رَدِّ اعْتِقادِهِمْ أنَّ الرَّسُولَ مَصْدَرُ السَّيِّئاتِ الَّتِي تُصِيبُهم، ثُمَّ مِن قَوْلِهِ ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٩] إلَخْ.

المُؤْذِنُ بِأنَّ بَيْنَ الخالِقِ وبَيْنَ المَخْلُوقِ فَرْقًا في التَّأْثِيرِ وأنَّ الرِّسالَةَ مَعْنًى آخَرَ فاحْتَرَسَ بِقَوْلِهِ ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ عَنْ تَوَهُّمِ السّامِعِينَ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ في أُمُورِ التَّشْرِيعِ، فَأثْبَتَ أنَّ الرَّسُولَ في تَبْلِيغِهِ إنَّما يُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ، فَأمْرُهُ أمْرُ اللَّهِ، ونَهْيُهُ نَهْيُ اللَّهِ، وطاعَتُهُ طاعَةُ اللَّهِ، وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُهُ ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ لِاشْتِمالِها عَلى إثْباتِ كَوْنِهِ رَسُولًا واسْتِلْزامِها أنَّهُ يَأْمُرُ ويَنْهى، وأنَّ ذَلِكَ تَبْلِيغٌ لِمُرادِ اللَّهِ تَعالى، فَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن ذَلِكَ أوْ كانَ في غَفْلَةٍ فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَهُ اخْتِلافَ مَقاماتِ الرَّسُولِ.

ومَن تَوَلّى أوْ أعْرَضَ واسْتَمَرَّ عَلى المُكابَرَةِ ﴿فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾، أيْ حارِسًا لَهم ومَسْئُولًا عَنْ إعْراضِهِمْ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِهِمْ، وتَهْدِيدٌ لَهم بِأنْ صَرَفَهُ عَنِ الِاشْتِغالِ بِهِمْ، فَيُعْلَمُ أنَّ اللَّهَ سَيَتَوَلّى عِقابَهم.

والتَّوَلِّي حَقِيقَتُهُ الِانْصِرافُ والإدْبارُ، وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ [البقرة: ٢٠٥] وفي قَوْلِهِ ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ [البقرة: ١٤٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ. واسْتُعْمِلَ هُنا مَجازًا في العِصْيانِ وعَدَمِ الإصْغاءِ إلى الدَّعْوَةِ.

”ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهم لِضَعْفِ نُفُوسِهِمْ لا يُعْرِضُونَ جَهْرًا بَلْ يُظْهِرُونَ الطّاعَةَ، فَإذا أمَرَهُمُ الرَّسُولُ أوْ نَهاهم يَقُولُونَ لَهُ:“ طاعَةٌ ”أيْ: أمْرُنا طاعَةٌ، وهي كَلِمَةٌ يَدُلُّونَ بِها عَلى الِامْتِثالِ، ورُبَّما يُقالُ: سَمْعٌ وطاعَةٌ، وهو مَصْدَرٌ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ،

صفحة ١٣٦

أيْ أمْرُنا أوْ شَأْنُنا طاعَةٌ، كَما في قَوْلِهِ ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨] . ولَيْسَ هو نائِبًا عَنِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ الآتِي بَدَلًا مِنَ الفِعْلِ الَّذِي يُعْدَلُ عَنْ نَصْبِهِ إلى الرَّفْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى الثَّباتِ مِثْلَ“ قالَ سَلامٌ ”، إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ هُنا إحْداثَ الطّاعَةِ وإنَّما المَقْصُودُ أنَّنا سَنُطِيعُ ولا يَكُونُ مِنّا عِصْيانٌ.

ومَعْنى“ بَرَزُوا ”خَرَجُوا، وأصْلُ مَعْنى البُرُوزِ: الظُّهُورُ، وشاعَ إطْلاقُهُ عَلى الخُرُوجِ مَجازًا مُرْسَلًا.

و“ بَيَّتَ ”هُنا بِمَعْنى قَدَّرَ أمْرًا في السِّرِّ وأضْمَرَهُ، لِأنَّ أصْلَ البَياتِ هو فِعْلُ شَيْءٍ في اللَّيْلِ، والعَرَبُ تَسْتَعِيرُ ذَلِكَ إلى مَعْنى الإسْرارِ، لِأنَّ اللَّيْلَ أكْتَمُ لِلسِّرِّ، ولِذَلِكَ يَقُولُونَ: هَذا أمْرٌ قُضِيَ بِلَيْلٍ، أيْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أحَدٌ، وقالَ الحارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:

أجْمَعُوا أمْرَهم بِلَيْلٍ فَلَمّا أصْبَحُوا أصْبَحَتْ لَهم ضَوْضاءُ

.

وقالَ أبُو سُفْيانَ: هَذا أمْرٌ قُضِيَ بِلَيْلٍ. وقالَ تَعالى ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ …

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.