Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi

Ayahs 71–80 of 176

71

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ خُذُوا۟ حِذْرَكُمْ فَٱنفِرُوا۟ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُوا۟ جَمِيعًۭا

O you who have believed, take your precaution and [either] go forth in companies or go forth all together.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى عادَ بَعْدَ التَّرْغِيبِ في طاعَةِ اللَّهِ وطاعَةِ رَسُولِهِ إلى ذِكْرِ الجِهادِ الَّذِي تَقَدَّمَ، لِأنَّهُ أشَقُّ الطّاعاتِ، ولِأنَّهُ أعْظَمُ الأُمُورِ الَّتِي بِها يَحْصُلُ تَقْوِيَةُ الدِّينِ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: الحَذَرُ والحِذْرُ بِمَعْنًى واحِدٍ، كالأثَرِ والإثْرِ، والمَثَلِ والمِثْلِ، يُقالُ: أخَذَ حِذْرَهُ إذا تَيَقَّظَ واحْتَرَزَ مِنَ المُخَوِّفِ، كَأنَّهُ جَعَلَ الحَذَرَ آلَتَهُ الَّتِي يَقِي بِها نَفْسَهُ ويَعْصِمُ بِها رُوحَهُ، والمَعْنى احْذَرُوا واحْتَرِزُوا مِنَ العَدُوِّ ولا تُمَكِّنُوهُ مِن أنْفُسِكم، هَذا ما ذَكَرَهُ صاحِبُ ”الكَشّافِ“ . وقالَ الواحِدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: المُرادُ بِالحِذْرِ هَهُنا السِّلاحُ، والمَعْنى خُذُوا سِلاحَكم، والسِّلاحُ يُسَمّى حِذْرًا، أيْ خُذُوا سِلاحَكم وتَحَذَّرُوا.

والثّانِي: أنَّ يَكُونَ ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ بِمَعْنى احْذَرُوا عَدُوَّكم لِأنَّ هَذا الأمْرَ بِالحِذْرِ يَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِأخْذِ السِّلاحِ، لِأنَّ أخْذَ السِّلاحِ هو الحَذَرُ مِنَ العَدُوِّ، فالتَّأْوِيلُ أيْضًا يَعُودُ إلى الأوَّلِ، فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ الأمْرُ مُصَرِّحٌ بِأخْذِ السِّلاحِ، وعَلى القَوْلِ الثّانِي أخْذُ السِّلاحِ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِفَحْوى الكَلامِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: ذَلِكَ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِالحَذَرِ عَنْهُ إنْ كانَ مُقْتَضى الوُجُودِ لَمْ يَنْفَعِ الحَذَرُ، وإنْ كانَ مُقْتَضى العَدَمِ لا حاجَةَ إلى الحَذَرِ، فَعَلى التَّقْدِيرَيْنِ الأمْرُ بِالحَذَرِ عَبَثٌ، وعَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«المَقْدُورُ كائِنٌ والهَمُّ فَضْلٌ» “ وقِيلَ أيْضًا: الحَذَرُ لا يُغْنِي مِنَ القَدَرِ فَنَقُولُ: إنْ صَحَّ هَذا الكَلامُ بَطَلَ القَوْلُ بِالشَّرائِعِ، فَإنَّهُ يُقالُ: إنْ كانَ الإنْسانُ مِن أهْلِ السَّعادَةِ في قَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ فَلا حاجَةَ إلى الإيمانِ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ الشَّقاوَةِ لَمْ يَنْفَعْهُ الإيمانُ والطّاعَةُ، فَهَذا يُفْضِي إلى سُقُوطِ التَّكْلِيفِ بِالكُلِّيَّةِ، والتَّحْقِيقُ في الجَوابِ أنَّهُ لَمّا كانَ الكُلُّ بِقَدَرٍ كانَ الأمْرُ بِالحَذَرِ أيْضًا داخِلًا في القَدَرِ، فَكانَ قَوْلُ القائِلِ: أيُّ فائِدَةٍ في الحَذَرِ ؟ كَلامًا مُتَناقِضًا، لِأنَّهُ لَمّا كانَ هَذا الحَذَرُ مُقَدَّرًا فَأيُّ فائِدَةٍ في هَذا السُّؤالِ الطّاعِنِ في الحَذَرِ.

صفحة ١٤٢

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: (فانْفِرُوا) يُقالُ: نَفَرَ القَوْمُ يَنْفِرُونَ نَفْرًا ونَفِيرًا إذا نَهَضُوا لِقِتالِ عَدُوٍّ وخَرَجُوا لِلْحَرْبِ، واسْتَنْفَرَ الإمامُ النّاسَ لِجِهادِ العَدُوِّ فَنَفَرُوا يَنْفِرُونَ إذا حَثَّهم عَلى النَّفِيرِ ودَعاهم إلَيْهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: ”«وإذا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفِرُوا» “ والنَّفِيرُ اسْمٌ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ يَنْفِرُونَ، ومِنهُ يُقالُ: فُلانٌ لا في العِيرِ ولا في النَّفِيرِ، وقالَ أصْحابُ العَرَبِيَّةِ: أصْلُ هَذا الحَرْفِ مِنَ النُّفُورِ والنِّفارِ وهو الفَزَعُ، يُقالُ نَفَرَ إلَيْهِ إذا فَزِعَ إلَيْهِ، ونَفَرَ مِنهُ إذا فَزِعَ مِنهُ وكَرِهَهُ، ومَعْنى الآيَةِ فانْفِرُوا إلى قِتالِ عَدُوِّكم.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: قالَ جَمِيعُ أهْلِ اللُّغَةِ: الثُّباتُ جَماعاتٌ مُتَفَرِّقَةٌ واحِدُها ثُبَةٌ، وأصْلُها مِن: ثَبَيْتُ الشَّيْءَ، أيْ جَمَعْتُهُ، ويُقالُ أيْضًا: ثَبَيْتُ عَلى الرَّجُلِ إذا …

72

وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌۭ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًۭا

And indeed, there is among you he who lingers behind; and if disaster strikes you, he says, "Allah has favored me in that I was not present with them."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ ﴿ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ .

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (وإنَّ مِنكم) يَجِبُ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ واخْتَلَفُوا عَلى قَوْلَيْنِ:

الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ المُنافِقُونَ كانُوا يُثَبِّطُونَ النّاسَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ تَقْدِيرُهُ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ، فَإذا كانَ هَذا المُبْطِئُ مُنافِقًا فَكَيْفَ جَعَلَ المُنافِقَ قِسْمًا مِنَ المُؤْمِنِ في قَوْلِهِ: (وإنَّ مِنكم) .

والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ المُنافِقَ مِنَ المُؤْمِنِينَ مِن حَيْثُ الجِنْسِ والنَّسَبِ والِاخْتِلاطِ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى جَعَلَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ لِأنَّهم كانُوا في الظّاهِرِ مُتَشَبِّهِينَ بِأهْلِ الإيمانِ.

الثّالِثُ: كَأنَّهُ قِيلَ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا في زَعْمِكم ودَعْواكم كَقَوْلِهِ: ﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحجر: ٦] .

القَوْلُ الثّانِي: إنَّ هَؤُلاءِ المُبْطِئِينَ كانُوا ضَعَفَةَ المُؤْمِنِينَ وهو اخْتِيارُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ قالُوا: والتَّبْطِئَةُ بِمَعْنى الإبْطاءِ أيْضًا، وفائِدَةُ هَذا التَّشْدِيدِ تَكَرُّرُ الفِعْلِ مِنهُ. وحَكى أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: ما

صفحة ١٤٣

أبْطَأ بِكَ يا فُلانُ عَنّا، وإدْخالُهُمُ الباءَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ في نَفْسِهِ غَيْرُ مُتَعَدٍّ، فَعَلى هَذا مَعْنى الآيَةِ أنَّ فِيهِمْ مَن يُبَطِّئُ عَنْ هَذا الغَرَضِ ويَتَثاقَلُ عَنْ هَذا الجِهادِ، فَإذا ظَفِرَ المُسْلِمُونَ تَمَنَّوْا أنْ يَكُونُوا مَعَهم لِيَأْخُذُوا الغَنِيمَةَ، وإنْ أصابَتْهم مُصِيبَةٌ سَرَّهم أنْ كانُوا مُتَخَلِّفِينَ. قالَ: وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ أرادَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ [التوبة: ٣٩] قالَ: والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: (لَيُبَطِّئَنَّ) الإبْطاءُ مِنهم لا تَثْبِيطُ غَيْرِهِمْ، ما حَكاهُ تَعالى مِن قَوْلِهِمْ: ﴿يالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ عِنْدَ الغَنِيمَةِ، ولَوْ كانَ المُرادُ مِنهُ تَثْبِيطُ الغَيْرِ لَمْ يَكُنْ لِهَذا الكَلامِ مَعْنًى. وطَعَنَ القاضِي في هَذا القَوْلِ وقالَ: إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ هَؤُلاءِ المُبْطِئِينَ أنَّهم يَقُولُونَ عِنْدَ مُصِيبَةِ المُؤْمِنِينَ: ﴿قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ فَيُعِدُّ قُعُودَهُ عَنِ القِتالِ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومِثْلُ هَذا الكَلامِ إنَّما يَلِيقُ بِالمُنافِقِينَ لا بِالمُؤْمِنِينَ، وأيْضًا لا يَلِيقُ بِالمُؤْمِنِينَ أنْ يُقالَ لَهم: ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ﴾ يَعْنِي الرَّسُولَ: (مَوَدَّةٌ) فَثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى المُؤْمِنِينَ، وإنَّما يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى المُنافِقِينَ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ حُمِلَ عَلى أنَّهُ مِنَ الإبْطاءِ والتَّثاقُلِ صَحَّ في المُنافِقِينَ، لِأنَّهم كانُوا يَتَأخَّرُونَ عَنِ الجِهادِ ويَتَثاقَلُونَ ولا يُسْرِعُونَ إلَيْهِ، وإنْ حُمِلَ عَلى تَثْبِيطِ الغَيْرِ صَحَّ أيْضًا فِيهِمْ، فَقَدْ كانُوا …

73

وَلَئِنْ أَصَٰبَكُمْ فَضْلٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنۢ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُۥ مَوَدَّةٌۭ يَٰلَيْتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًۭا

But if bounty comes to you from Allah, he will surely say, as if there had never been between you and him any affection. "Oh, I wish I had been with them so I could have attained a great attainment."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ ﴿ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ .

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: (وإنَّ مِنكم) يَجِبُ أنْ يَكُونَ راجِعًا إلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ واخْتَلَفُوا عَلى قَوْلَيْنِ:

الأوَّلُ: المُرادُ مِنهُ المُنافِقُونَ كانُوا يُثَبِّطُونَ النّاسَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ تَقْدِيرُهُ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ، فَإذا كانَ هَذا المُبْطِئُ مُنافِقًا فَكَيْفَ جَعَلَ المُنافِقَ قِسْمًا مِنَ المُؤْمِنِ في قَوْلِهِ: (وإنَّ مِنكم) .

والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:

الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى جَعَلَ المُنافِقَ مِنَ المُؤْمِنِينَ مِن حَيْثُ الجِنْسِ والنَّسَبِ والِاخْتِلاطِ.

الثّانِي: أنَّهُ تَعالى جَعَلَهم مِنَ المُؤْمِنِينَ بِحَسَبِ الظّاهِرِ لِأنَّهم كانُوا في الظّاهِرِ مُتَشَبِّهِينَ بِأهْلِ الإيمانِ.

الثّالِثُ: كَأنَّهُ قِيلَ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا في زَعْمِكم ودَعْواكم كَقَوْلِهِ: ﴿وقالُوا ياأيُّها الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحجر: ٦] .

القَوْلُ الثّانِي: إنَّ هَؤُلاءِ المُبْطِئِينَ كانُوا ضَعَفَةَ المُؤْمِنِينَ وهو اخْتِيارُ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ قالُوا: والتَّبْطِئَةُ بِمَعْنى الإبْطاءِ أيْضًا، وفائِدَةُ هَذا التَّشْدِيدِ تَكَرُّرُ الفِعْلِ مِنهُ. وحَكى أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: ما

صفحة ١٤٣

أبْطَأ بِكَ يا فُلانُ عَنّا، وإدْخالُهُمُ الباءَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ في نَفْسِهِ غَيْرُ مُتَعَدٍّ، فَعَلى هَذا مَعْنى الآيَةِ أنَّ فِيهِمْ مَن يُبَطِّئُ عَنْ هَذا الغَرَضِ ويَتَثاقَلُ عَنْ هَذا الجِهادِ، فَإذا ظَفِرَ المُسْلِمُونَ تَمَنَّوْا أنْ يَكُونُوا مَعَهم لِيَأْخُذُوا الغَنِيمَةَ، وإنْ أصابَتْهم مُصِيبَةٌ سَرَّهم أنْ كانُوا مُتَخَلِّفِينَ. قالَ: وهَؤُلاءِ هُمُ الَّذِينَ أرادَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ [التوبة: ٣٩] قالَ: والَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: (لَيُبَطِّئَنَّ) الإبْطاءُ مِنهم لا تَثْبِيطُ غَيْرِهِمْ، ما حَكاهُ تَعالى مِن قَوْلِهِمْ: ﴿يالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ عِنْدَ الغَنِيمَةِ، ولَوْ كانَ المُرادُ مِنهُ تَثْبِيطُ الغَيْرِ لَمْ يَكُنْ لِهَذا الكَلامِ مَعْنًى. وطَعَنَ القاضِي في هَذا القَوْلِ وقالَ: إنَّهُ تَعالى حَكى عَنْ هَؤُلاءِ المُبْطِئِينَ أنَّهم يَقُولُونَ عِنْدَ مُصِيبَةِ المُؤْمِنِينَ: ﴿قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ فَيُعِدُّ قُعُودَهُ عَنِ القِتالِ نِعْمَةً مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومِثْلُ هَذا الكَلامِ إنَّما يَلِيقُ بِالمُنافِقِينَ لا بِالمُؤْمِنِينَ، وأيْضًا لا يَلِيقُ بِالمُؤْمِنِينَ أنْ يُقالَ لَهم: ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ﴾ يَعْنِي الرَّسُولَ: (مَوَدَّةٌ) فَثَبَتَ أنَّهُ لا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى المُؤْمِنِينَ، وإنَّما يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى المُنافِقِينَ، ثُمَّ قالَ: فَإنْ حُمِلَ عَلى أنَّهُ مِنَ الإبْطاءِ والتَّثاقُلِ صَحَّ في المُنافِقِينَ، لِأنَّهم كانُوا يَتَأخَّرُونَ عَنِ الجِهادِ ويَتَثاقَلُونَ ولا يُسْرِعُونَ إلَيْهِ، وإنْ حُمِلَ عَلى تَثْبِيطِ الغَيْرِ صَحَّ أيْضًا فِيهِمْ، فَقَدْ كانُوا …

74

۞ فَلْيُقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْءَاخِرَةِ ۚ وَمَن يُقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًۭا

So let those fight in the cause of Allah who sell the life of this world for the Hereafter. And he who fights in the cause of Allah and is killed or achieves victory - We will bestow upon him a great reward.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَمَّ المُبْطِئِينَ في الجِهادِ عادَ إلى التَّرْغِيبِ فِيهِ فَقالَ: ﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ولِلْمُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ: ﴿يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾ وجْهانِ:

الأوَّلُ: أنَّ (يَشْرُونَ) مَعْناهُ يَبِيعُونَ.

قالَ ابْنُ مُفَرِّغٍ:

وشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي مِن بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هامَهْ

قالَ: وبُرْدٌ هو غُلامُهُ، وشَرَيْتُهُ بِمَعْنى بِعْتُهُ، وتَمَنّى المَوْتَ بَعْدَ بَيْعِهِ، فَكانَ مَعْنى الآيَةِ: فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَبِيعُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ، وهو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ﴾ [التوبة: ١١١] إلى قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة: ١١١] .

والقَوْلُ الثّانِي: مَعْنى قَوْلِهِ: (يَشْرُونَ) أيْ يَشْتَرُونَ قالُوا: والمُخاطَبُونَ بِهَذا الخِطابِ هُمُ المُنافِقُونَ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ أُحُدٍ، وتَقْرِيرُ الكَلامِ: فَلْيُقاتِلِ الَّذِينَ يَخْتارُونَ الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ، وعَلى هَذا التَّقْدِيرِ فَلا بُدَّ مِن حَذْفٍ تَقْدِيرُهُ: آمَنُوا ثُمَّ قاتَلُوا لِاسْتِحالَةِ حُصُولِ الأمْرِ بِشَرائِعِ الإسْلامِ قَبْلَ حُصُولِ الإسْلامِ. وعِنْدِي في الآيَةِ احْتِمالاتٌ أُخْرى:

أحَدُها: أنَّ الإنْسانَ لَمّا أرادَ أنْ يَبْذُلَ هَذِهِ الحَياةَ الدُّنْيا في سَبِيلِ اللَّهِ بَخِلَتْ نَفْسُهُ بِها، فاشْتَراها مِن نَفْسِهِ بِسَعادَةِ الآخِرَةِ لِيَقْدِرَ عَلى بَذْلِها في سَبِيلِ اللَّهِ بِطِيبَةِ النَّفْسِ.

وثانِيها: أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالقِتالِ مَقْرُونًا بِبَيانِ فَسادِ ما لِأجْلِهِ يَتْرُكُ الإنْسانُ القِتالَ، فَإنَّ مَن تَرَكَ القِتالَ فَإنَّما يَتْرُكُهُ رَغْبَةً في الحَياةِ الدُّنْيا، وذَلِكَ يُوجِبُ فَواتَ سَعادَةِ الآخِرَةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: اشْتَغِلْ بِالقِتالِ واتْرُكْ تَرْجِيحَ الفانِي عَلى الباقِي.

وثالِثُها: كَأنَّهُ قِيلَ: الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ إنَّما رَجَّحُوا الحَياةَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ إذا كانَتْ مَقْرُونَةً بِالسَّعادَةِ والغِبْطَةِ والكَرامَةِ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلْيُقاتِلُوا، فَإنَّهم بِالمُقاتَلَةِ يَفُوزُونَ بِالغِبْطَةِ والكَرامَةِ في الدُّنْيا، لِأنَّهم بِالمُقاتَلَةِ يَسْتَوْلُونَ عَلى الأعْداءِ ويَفُوزُونَ بِالأمْوالِ، فَهَذِهِ وُجُوهٌ خَطَرَتْ بِالبالِ واللَّهُ أعْلَمُ بِمُرادِهِ.

صفحة ١٤٥

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ والمَعْنى مَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَسَواءٌ صارَ مَقْتُولًا لِلْكُفّارِ أوْ صارَ غالِبًا لِلْكُفّارِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا، وهو المَنفَعَةُ الخالِصَةُ الدّائِمَةُ المَقْرُونَةُ بِالتَّعْظِيمِ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لا واسِطَةَ بَيْنَ هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ، فَإذا كانَ الأجْرُ حاصِلًا عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ لَمْ يَكُنْ عَمَلٌ أشْرَفَ مِنَ الجِهادِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُجاهِدَ لا بُدَّ وأنْ يُوَطِّنَ نَفْسَهُ عَلى أنَّهُ لا بُدَّ مِن أحَدِ أمْرَيْنِ، إمّا أنْ يَقْتُلَهُ العَدُوُّ، وإمّا أنْ يَغْلِبَ العَدُوَّ ويَقْهَرَهُ، فَإنَّهُ إذا عَزَمَ عَلى ذَلِكَ لَمْ يَفِرَّ عَنِ الخَصْمِ ولَمْ يُحْجِمْ عَنِ المُحارَبَةِ، فَأمّا إذا دَخَلَ لا عَلى هَذا العَزْمِ فَما أسْرَعَ ما يَقَعُ في الفِرارِ، فَهَذا …

75

وَمَا لَكُمْ لَا تُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّۭا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا

And what is [the matter] with you that you fight not in the cause of Allah and [for] the oppressed among men, women, and children who say, "Our Lord, take us out of this city of oppressive people and appoint for us from Yourself a protector and appoint for us from Yourself a helper?"

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها واجْعَل لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا واجْعَل لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّ المُرادَ مِنهُ إنْكارُهُ تَعالى لِتَرْكِهِمُ القِتالِ، فَصارَ ذَلِكَ تَوْكِيدًا لِما تَقَدَّمَ مِنَ الأمْرِ بِالجِهادِ وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ الجِهادَ واجِبٌ، ومَعْناهُ أنَّهُ لا عُذْرَ لَكم في تَرْكِ المُقاتَلَةِ وقَدْ بَلَغَ حالُ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ مِنَ المُسْلِمِينَ إلى ما بَلَغَ في الضَّعْفِ، فَهَذا حَثٌّ شَدِيدٌ عَلى القِتالِ، وبَيانُ العِلَّةِ الَّتِي لَها صارَ القِتالُ واجِبًا، وهو ما في القِتالِ مِن تَخْلِيصِ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ مِن أيْدِي الكَفَرَةِ، لِأنَّ هَذا الجَمْعَ إلى الجِهادِ يَجْرِي مَجْرى فِكاكِ الأسِيرِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَتِ المُعْتَزِلَةُ قَوْلُهُ: ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إنْكارٌ عَلَيْهِمْ في تَرْكِ القِتالِ وبَيانُ أنَّهُ لا عُذْرَ لَهُمُ البَتَّةَ في تَرْكِهِ، ولَوْ كانَ فِعْلُ العَبْدِ بِخَلْقِ اللَّهِ لَبَطَلَ هَذا الكَلامُ لِأنَّ مِن أعْظَمِ العُذْرِ أنَّ اللَّهَ ما خَلَقَهُ وما أرادَهُ وما قَضى بِهِ، وجَوابُهُ مَذْكُورٌ.

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اتَّفَقُوا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ مُتَّصِلٌ بِما قَبْلَهُ، وفِيهِ وجْهانِ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى السَّبِيلِ، والمَعْنى: ما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ وفي المُسْتَضْعَفِينَ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى اسْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أيْ في سَبِيلِ اللَّهِ وفي سَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ.

المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المُرادُ بِالمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بَقُوا بِمَكَّةَ وعَجَزُوا عَنِ الهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ، وكانُوا يَلْقَوْنَ مِن كُفّارِ مَكَّةَ أذًى شَدِيدًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُنْتُ أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ النِّساءِ والوِلْدانِ.

المَسْألَةُ الخامِسَةُ: الوِلْدانُ: جَمْعُ الوَلَدِ، ونَظِيرُهُ مِمّا جاءَ عَلى فِعْلٍ وفِعْلانِ، نَحْوَ حِزْبٍ وحِزْبانِ،

صفحة ١٤٦

ووِرْكٍ ووِرْكانِ، كَذَلِكَ وِلْدٌ ووِلْدانٌ. قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالرِّجالِ والنِّساءِ الأحْرارُ والحَرائِرُ، وبِالوِلْدانِ العَبِيدُ والإماءُ، لِأنَّ العَبْدَ والأمَةَ يُقالُ لَهُما الوَلِيدُ والوَلِيدَةُ، وجَمْعُهُما الوِلْدانُ والوَلائِدُ، إلّا أنَّهُ جَعَلَ هَهُنا الوِلْدانَ جَمْعًا لِلذُّكُورِ والإناثِ تَغْلِيبًا لِلذُّكُورِ عَلى الإناثِ، كَما يُقالُ آباءٌ وإخْوَةٌ واللَّهُ أعْلَمُ.

* * *

المَسْألَةُ السّادِسَةُ: إنَّما ذَكَرَ اللَّهُ الوِلْدانَ مُبالَغَةً في شَرْحِ ظُلْمِهِمْ حَيْثُ بَلَغَ أذاهُمُ الوِلْدانَ غَيْرَ المُكَلَّفِينَ إرْغامًا لِآبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ، ومَبْغَضَةً لَهم بِمَكانِهِمْ، ولِأنَّ المُسْتَضْعَفِينَ كانُوا يُشْرِكُونَ صِبْيانَهم في دُعائِهِمِ اسْتِنْزالًا لِرَحْمَةِ اللَّهِ بِدُعاءِ صِغارِهِمُ الَّذِينَ لَمْ يُذْنِبُوا، كَما ورَدَتِ السُّنَّةُ بِإخْراجِهِمْ في الِاسْتِسْقاءِ، ثُمَّ حَكى تَعالى عَنْ هَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها واجْعَل لَنا مِن لَدُنْكَ ولِيًّا واجْعَل لَنا مِن لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ …

76

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوٓا۟ أَوْلِيَآءَ ٱلشَّيْطَٰنِ ۖ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا

Those who believe fight in the cause of Allah, and those who disbelieve fight in the cause of Taghut. So fight against the allies of Satan. Indeed, the plot of Satan has ever been weak.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقاتِلُوا أوْلِياءَ﴾

صفحة ١٤٧

﴿الشَّيْطانِ إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ .

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا بَيَّنَ وُجُوبَ الجِهادِ بَيَّنَ أنَّهُ لا عِبْرَةَ بِصُورَةِ الجِهادِ، بَلِ العِبْرَةُ بِالقَصْدِ والدّاعِي، فالمُؤْمِنُونَ يُقاتِلُونَ لِغَرَضِ نُصْرَةِ دِينِ اللَّهِ وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ، والكافِرُونَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ، وهَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ كُلَّ مَن كانَ غَرَضُهُ في فِعْلِهِ رِضا غَيْرِ اللَّهِ فَهو في سَبِيلِ الطّاغُوتِ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ هَذِهِ القِسْمَةَ وهي أنَّ القِتالَ إمّا أنْ يَكُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ ما سِوى اللَّهِ طاغُوتًا، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أمَرَ المُقاتِلِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأنْ يُقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ، وبَيَّنَ أنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا، لِأنَّ اللَّهَ يَنْصُرُ أوْلِياءَهُ، والشَّيْطانُ يَنْصُرُ أوْلِياءَهُ ولا شَكَّ أنَّ نُصْرَةَ الشَّيْطانِ لِأوْلِيائِهِ أضْعَفُ مِن نُصْرَةِ اللَّهِ لِأوْلِيائِهِ، ألا تَرى أنَّ أهْلَ الخَيْرِ والدِّينِ يَبْقى ذِكْرُهُمُ الجَمِيلُ عَلى وجْهِ الدَّهْرِ وإنْ كانُوا حالَ حَياتِهِمْ في غايَةِ الفَقْرِ والذِّلَّةِ، وأمّا المُلُوكُ والجَبابِرَةُ فَإذا ماتُوا انْقَرَضَ أثَرُهم ولا يَبْقى في الدُّنْيا رَسْمُهم ولا ظُلْمُهم، والكَيْدُ السَّعْيُ في فَسادِ الحالِ عَلى جِهَةِ الِاحْتِيالِ عَلَيْهِ يُقالُ: كادَهُ يَكِيدُهُ إذا سَعى في إيقاعِ الضَّرَرِ عَلى جِهَةِ الحِيلَةِ عَلَيْهِ وفائِدَةُ إدْخالِ (كانَ) في قَوْلِهِ: ﴿كانَ ضَعِيفًا﴾ لِلتَّأْكِيدِ لِضَعْفِ كَيْدِهِ، يَعْنِي أنَّهُ مُنْذُ كانَ، كانَ مَوْصُوفًا بِالضَّعْفِ والذِّلَّةِ.

77

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوٓا۟ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌۭ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةًۭ ۚ وَقَالُوا۟ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلَآ أَخَّرْتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ قَرِيبٍۢ ۗ قُلْ مَتَٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌۭ وَٱلْءَاخِرَةُ خَيْرٌۭ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا

Have you not seen those who were told, "Restrain your hands [from fighting] and establish prayer and give zakah"? But then when fighting was ordained for them, at once a party of them feared men as they fear Allah or with [even] greater fear. They said, "Our Lord, why have You decreed upon us fighting? If only You had postponed [it for] us for a short time." Say, The enjoyment of this world is little, and the Hereafter is better for he who fears Allah. And injustice will not be done to you, [even] as much as a thread [inside a date seed]."

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ .

وفِيهِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: هَذِهِ الآيَةُ صِفَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ أوِ المُنافِقِينَ ؟ فِيهِ قَوْلانِ:

الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في المُؤْمِنِينَ، قالَ الكَلْبِيُّ: «نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ والمِقْدادِ وقُدامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ وسَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، كانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ أنْ يُهاجِرُوا إلى المَدِينَةِ، ويَلْقَوْنَ مِنَ المُشْرِكِينَ أذًى شَدِيدًا فَيَشْكُونَ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَقُولُونَ: ائْذَنْ لَنا في قِتالِهِمْ ويَقُولُ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كُفُّوا أيْدِيَكم فَإنِّي لَمْ أُومَرْ بِقِتالِهِمْ، واشْتَغِلُوا بِإقامَةِ دِينِكم مِنَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ وأُمِرُوا بِقِتالِهِمْ في وقْعَةِ بَدْرٍ كَرِهَهُ بَعْضُهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ» . واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى هَذا القَوْلِ بِأنَّ الَّذِينَ يَحْتاجُ الرَّسُولُ أنْ يَقُولَ لَهم: كُفُّوا عَنِ القِتالِ هُمُ الرّاغِبُونَ في القِتالِ، والرّاغِبُونَ في القِتالِ هُمُ المُؤْمِنُونَ، فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ الآيَةَ نازِلَةٌ في حَقِّ المُؤْمِنِينَ. ويُمْكِنُ الجَوابُ عَنْهُ بِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا يُظْهِرُونَ مِن أنْفُسِهِمْ أنّا مُؤْمِنُونَ وأنّا نُرِيدُ قِتالَ الكُفّارِ ومُحارَبَتَهم، فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ بِقِتالِهِمُ الكُفّارَ أحْجَمَ المُنافِقُونَ عَنْهُ وظَهَرَ مِنهم خِلافُ ما كانُوا يَقُولُونَهُ.

القَوْلُ الثّانِي: أنَّ الآيَةَ نازِلَةٌ في حَقِّ المُنافِقِينَ، واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى هَذا القَوْلِ بِأنَّ الآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى

صفحة ١٤٨

أُمُورٍ تَدُلُّ عَلى أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِالمُنافِقِينَ:

فالأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى قالَ في وصْفِهِمْ: ﴿يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾ ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا الوَصْفَ لا يَلِيقُ إلّا بِالمُنافِقِ، لِأنَّ المُؤْمِنَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ خَوْفُهُ مِنَ النّاسِ أزْيَدَ مِن خَوْفِهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى.

والثّانِي: أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا: رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ، والِاعْتِراضُ عَلى اللَّهِ لَيْسَ إلّا مِن صِفَةِ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى قالَ لِلرَّسُولِ: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى﴾ وهَذا الكَلامُ يُذْكَرُ مَعَ مَن كانَتْ رَغْبَتُهُ في الدُّنْيا أكْثَرَ مِن رَغْبَتِهِ في الآخِرَةِ، وذَلِكَ مِن صِفاتِ المُنافِقِينَ.

وأجابَ القائِلُونَ بِالقَوْلِ الأوَّلِ عَنْ هَذِهِ الوُجُوهِ بِحَرْفٍ واحِدٍ، وهو أنَّ حُبَّ الحَياةِ والنُّفْرَةَ عَنِ القَتْلِ مِن لَوازِمِ الطِّباعِ، فالخَشْيَةُ المَذْكُورَةُ في هَذِهِ الآيَةِ مَحْمُولَةٌ عَلى هَذا المَعْنى، وقَوْلُهم: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ﴾ مَحْمُولٌ عَلى التَّمَنِّي لِتَخْفِيفِ التَّكْلِيفِ لا عَلى وجْهِ الإنْكارِ لِإيجابِ اللَّهِ تَعالى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ مَذْكُورٌ لا لِأنَّ القَوْمَ كانُوا مُنْكِرِينَ لِذَلِكَ، بَلْ لِأجْلِ إسْماعِ اللَّهِ لَهم هَذا الكَلامَ مِمّا يُهَوِّنُ عَلى القَلْبِ أمْرَ هَذِهِ الحَياةِ، فَحِينَئِذٍ يَزُولُ مِن قَلْبِهِمْ …

78

أَيْنَمَا تَكُونُوا۟ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍۢ مُّشَيَّدَةٍۢ ۗ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌۭ يَقُولُوا۟ هَٰذِهِۦ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۭ يَقُولُوا۟ هَٰذِهِۦ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًۭا

Wherever you may be, death will overtake you, even if you should be within towers of lofty construction. But if good comes to them, they say, "This is from Allah "; and if evil befalls them, they say, "This is from you." Say, "All [things] are from Allah." So what is [the matter] with those people that they can hardly understand any statement?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ والمَقْصُودُ مِن هَذا الكَلامِ تَبْكِيتُ مَن حَكى عَنْهم أنَّهم عِنْدَ فَرْضِ القِتالِ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ، فَقالَ تَعالى: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ﴾ فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ لا خَلاصَ لَهم مِنَ المَوْتِ، والجِهادُ مَوْتٌ مُسْتَعْقِبٌ لِسَعادَةِ الآخِرَةِ، فَإذا كانَ لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ، فَبِأنْ يَقَعَ عَلى وجْهٍ يَكُونُ مُسْتَعْقِبًا لِلسَّعادَةِ الأبَدِيَّةِ كانَ أوْلى مِن أنْ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ مِنَ المَوْتِ أوِ القَتْلِ وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٦] والبُرُوجُ في كَلامِ العَرَبِ هي القُصُورُ والحُصُونُ، وأصْلُها في اللُّغَةِ مِنَ الظُّهُورِ، يُقالُ: تَبَرَّجَتِ المَرْأةُ، إذا أظْهَرَتْ مَحاسِنَها، والمُشَيَّدَةُ المُرْتَفِعَةُ، وقُرِئَ (مَشِيدَةٍ) قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: مِن شادَ إذا رَفَعَهُ أوْ طَلاهُ بِالشَّيْدِ وهو الجَصُّ، وقَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ بِكَسْرِ الياءِ وصْفًا لَها بِفِعْلِ فاعِلِها مَجازًا، كَما قالُوا: قَصِيدَةٌ شاعِرَةٌ، وإنَّما الشّاعِرُ قائِلُها.

صفحة ١٥٠

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ .

اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ المُنافِقِينَ كَوْنَهم مُتَثاقِلِينَ عَنِ الجِهادِ خائِفِينَ مِنَ المَوْتِ غَيْرَ راغِبِينَ في سَعادَةِ الآخِرَةِ حَكى عَنْهم في هَذِهِ الآيَةِ خَصْلَةً أُخْرى قَبِيحَةً أقْبَحَ مِنَ الأُولى، وفي النَّظْمِ وجْهٌ آخَرُ، وهو أنَّ هَؤُلاءِ الخائِفِينَ مِنَ المَوْتِ المُتَثاقِلِينَ في الجِهادِ مِن عادَتِهِمْ أنَّهم إذا جاهَدُوا وقاتَلُوا فَإنْ أصابُوا راحَةً وغَنِيمَةً قالُوا: هَذِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وإنْ أصابَهم مَكْرُوهٌ قالُوا: هَذا مِن شُؤْمِ مُصاحَبَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهَذا يَدُلُّ عَلى غايَةِ حُمْقِهِمْ وجَهْلِهِمْ وشِدَّةِ عِنادِهِمْ، وفي الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: ذَكَرُوا في الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ وُجُوهًا:

الأوَّلُ: قالَ المُفَسِّرُونَ: كانَتِ المَدِينَةُ مَمْلُوءَةً مِنَ النِّعَمِ وقْتَ مَقْدَمِ الرَّسُولِ ﷺ، فَلَمّا ظَهَرَ عِنادُ اليَهُودِ ونِفاقُ المُنافِقِينَ أمْسَكَ اللَّهُ عَنْهم بَعْضَ الإمْساكِ كَما جَرَتْ عادَتُهُ في جَمِيعِ الأُمَمِ، قالَ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيٍّ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ [الأعراف: ٩٤] فَعِنْدَ هَذا قالَ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ: ما رَأيْنا أعْظَمَ شُؤْمًا مِن هَذا الرَّجُلِ، نَقَصَتْ ثِمارُنا وغَلَتْ أسْعارُنا مُنْذُ قَدِمَ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ يَعْنِي الخَصْبَ ورُخْصَ السِّعْرِ وتَتابُعَ الأمْطارِ قالُوا: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ جَدْبٌ وغَلاءُ سِعْرٍ قالُوا هَذا مِن شُؤْمِ مُحَمَّدٍ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٣١] وعَنْ قَوْمِ صالِحٍ: ﴿قالُوا اطَّيَّرْنا بِكَ وبِمَن مَعَكَ﴾ [النمل: ٤٧] .

القَوْلُ الثّانِي: المُرادُ مِنَ الحَسَنَةِ النَّصْرُ عَلى الأعْداءِ والغَنِيمَةُ، ومِنَ السَّيِّئَةِ القَتْلُ والهَزِيمَةُ قالَ القاضِي: والقَوْلُ الأوَّلُ هو …

79

مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍۢ فَمِنَ ٱللَّهِ ۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍۢ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولًۭا ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۭا

What comes to you of good is from Allah, but what comes to you of evil, [O man], is from yourself. And We have sent you, [O Muhammad], to the people as a messenger, and sufficient is Allah as Witness.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ .

قالَ أبُو عَلِيٍّ الجُبّائِيُّ: قَدْ ثَبَتَ أنَّ لَفْظَ السَّيِّئَةِ تارَةً يَقَعُ عَلى البَلِيَّةِ والمِحْنَةِ، وتارَةً يَقَعُ عَلى الذَّنْبِ والمَعْصِيَةِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أضافَ السَّيِّئَةَ إلى نَفْسِهِ في الآيَةِ الأُولى بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ وأضافَها في هَذِهِ الآيَةِ إلى العَبْدِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ فَلا بُدَّ مِنَ التَّوْفِيقِ بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ وإزالَةِ التَّناقُضِ عَنْهُما، ولَمّا كانَتِ السَّيِّئَةُ بِمَعْنى البَلاءِ والشِّدَّةِ مُضافَةً إلى اللَّهِ وجَبَ أنْ تَكُونَ السَّيِّئَةُ بِمَعْنى المَعْصِيَةِ مُضافَةً إلى العَبْدِ حَتّى يَزُولَ التَّناقُضُ بَيْنَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ المُتَجاوِرَتَيْنِ، قالَ: وقَدْ حَمَلَ المُخالِفُونَ أنْفُسَهم عَلى تَغْيِيرِ الآيَةِ وقَرَؤُوا: (فَمِن تَعْسِكَ) فَغَيَّرُوا القُرْآنَ وسَلَكُوا مِثْلَ طَرِيقَةِ الرّافِضَةِ مِنَ ادِّعاءِ التَّغْيِيرِ في القُرْآنِ.

فَإنْ قِيلَ: فَلِماذا فَصَلَ تَعالى بَيْنَ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ في هَذِهِ الآيَةِ فَأضافَ الحَسَنَةَ الَّتِي هي الطّاعَةُ إلى نَفْسِهِ دُونَ السَّيِّئَةِ وكِلاهُما فِعْلُ العَبْدِ عِنْدَكم ؟

قُلْنا: لِأنَّ الحَسَنَةَ وإنْ كانَتْ مِن فِعْلِ العَبْدِ فَإنَّما وصَلَ إلَيْها بِتَسْهِيلِهِ تَعالى وألْطافِهِ فَصَحَّتِ الإضافَةُ إلَيْهِ، وأمّا السَّيِّئَةُ الَّتِي هي مِن فِعْلِ العَبْدِ فَهي غَيْرُ مُضافَةٍ إلى اللَّهِ تَعالى لا بِأنَّهُ تَعالى فَعَلَها ولا بِأنَّهُ أرادَها، ولا بِأنَّهُ أمَرَ بِها، ولا بِأنَّهُ رَغِبَ فِيها، فَلا جَرَمَ انْقَطَعَتْ إضافَةُ هَذِهِ السَّيِّئَةِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ إلى اللَّهِ تَعالى. هَذا مُنْتَهى كَلامِ الرَّجُلِ في هَذا المَوْضِعِ.

ونَحْنُ نَقُولُ: هَذِهِ الآيَةُ دالَّةٌ عَلى أنَّ الإيمانَ حَصَلَ بِتَخْلِيقِ اللَّهِ تَعالى، والقَوْمُ لا يَقُولُونَ بِهِ فَصارُوا مَحْجُوجِينَ بِالآيَةِ.

إنَّما قُلْنا: إنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى ذَلِكَ لِأنَّ الإيمانَ حَسَنَةٌ، وكُلُّ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ.

إنَّما قُلْنا: إنَّ الإيمانَ حَسَنَةٌ، لِأنَّ الحَسَنَةَ هي الغِبْطَةُ الخالِيَةُ عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ القُبْحِ، ولا شَكَّ أنَّ الإيمانَ كَذَلِكَ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ حَسَنَةً لِأنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن أحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إلى اللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٢] المُرادُ بِهِ كَلِمَةُ الشَّهادَةِ، وقِيلَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ والإحْسانِ﴾ [النحل: ٩٠] قِيلَ: هو لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَثَبَتَ أنَّ الإيمانَ حَسَنَةٌ، وإنَّما قُلْنا إنَّ كُلَّ حَسَنَةٍ مِنَ اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، وقَوْلُهُ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ﴾ يُفِيدُ العُمُومَ في جَمِيعِ الحَسَناتِ، ثُمَّ حَكَمَ عَلى كُلِّها بِأنَّها مِنَ اللَّهِ، فَيَلْزَمُ مِن هاتَيْنِ المُقَدِّمَتَيْنِ، أعْنِي أنَّ الإيمانَ حَسَنَةٌ، وكُلُّ حَسَنَةٍ مِنَ اللَّهِ، القَطْعُ بِأنَّ الإيمانَ مِنَ اللَّهِ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن كَوْنِ الإيمانِ مِنَ اللَّهِ هو أنَّ اللَّهَ أقْدَرَهُ عَلَيْهِ وهَداهُ إلى مَعْرِفَةِ حَسَنِهِ، وإلى مَعْرِفَةِ قُبْحِ ضِدِّهِ الَّذِي هو الكُفْرُ ؟

قُلْنا: جَمِيعُ الشَّرائِعِ مُشْتَرِكَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الإيمانِ والكُفْرِ عِنْدَكم، ثُمَّ إنَّ العَبْدَ بِاخْتِيارِ نَفْسِهِ أوْجَدَ الإيمانَ، ولا مَدْخَلَ لِقُدْرَةِ …

80

مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًۭا

He who obeys the Messenger has obeyed Allah; but those who turn away - We have not sent you over them as a guardian.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ .

والمَعْنى أنَّ مَن أطاعَ الرَّسُولَ لِكَوْنِهِ رَسُولًا مُبَلِّغًا إلى الخَلْقِ أحْكامَ اللَّهِ فَهو في الحَقِيقَةِ ما أطاعَ إلّا اللَّهَ، وذَلِكَ في الحَقِيقَةِ لا يَكُونُ إلّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا، فَإنَّ مَن أعْماهُ اللَّهُ عَنِ الرُّشْدِ وأضَلَّهُ عَنِ الطَّرِيقِ، فَإنَّ أحَدًا مِنَ الخَلْقِ لا يَقْدِرُ عَلى إرْشادِهِ.

واعْلَمْ أنَّ مَن أنارَ اللَّهُ قَلْبَهُ بِنُورِ الهِدايَةِ قَطَعَ بِأنَّ الأمْرَ كَما ذَكَرْنا، فَإنَّكَ تَرى الدَّلِيلَ الواحِدَ تَعْرِضُهُ عَلى شَخْصَيْنِ في مَجْلِسٍ واحِدٍ، ثُمَّ إنَّ أحَدَهُما يَزْدادُ إيمانًا عَلى إيمانٍ عِنْدَ سَماعِهِ، والآخَرُ يَزْدادُ كُفْرًا عَلى كُفْرٍ عِنْدَ سَماعِهِ، ولَوْ أنَّ المُحِبَّ لِذَلِكَ الكَلامِ أرادَ أنْ يُخْرِجَ عَنْ قَلْبِهِ حُبَّ ذَلِكَ الكَلامِ واعْتِقادَ صِحَّتِهِ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، ولَوْ أنَّ المُبْغِضَ لَهُ أرادَ أنْ يُخْرِجَ عَنْ قَلْبِهِ بُغْضَ ذَلِكَ الكَلامِ واعْتِقادَ فَسادِهِ لَمْ يَقْدِرْ، ثُمَّ بَعْدَ أيّامٍ رُبَّما انْقَلَبَ المُحِبُّ مُبْغِضًا والمُبْغِضُ مُحِبًّا، فَمَن تَأمَّلَ لِلْبُرْهانِ القاطِعِ الَّذِي ذَكَرْناهُ في أنَّهُ لا بُدَّ مِن إسْنادِ جَمِيعِ المُمْكِناتِ إلى واجِبِ الوُجُودِ، ثُمَّ اعْتَبَرَ مِن نَفْسِهِ الِاسْتِقْراءَ الَّذِي ذَكَرْناهُ، ثُمَّ لَمْ يَقْطَعْ بِأنَّ الكُلَّ بِقَضاءِ اللَّهِ وقَدَرِهِ، فَلْيَجْعَلْ واقِعَتَهُ مِن أدَلِّ الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ لا تَحْصُلُ الهِدايَةُ إلّا بِخَلْقِ اللَّهِ مِن جِهَةِ أنَّ مَعَ العِلْمِ بِمِثْلِ هَذا الدَّلِيلِ، ومَعَ العِلْمِ بِمِثْلِ هَذا الِاسْتِقْراءِ لَمّا لَمْ يَحْصُلْ في قَلْبِهِ هَذا الِاعْتِقادُ، عَرَفَ أنَّهُ لَيْسَ ذَلِكَ إلّا بِأنَّ اللَّهَ صَدَّهُ عَنْهُ ومَنَعَهُ مِنهُ. بَقِيَ في الآيَةِ مَسائِلُ:

المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ مِن أقْوى الدَّلائِلِ عَلى أنَّهُ مَعْصُومٌ في جَمِيعِ الأوامِرِ والنَّواهِي وفي كُلِّ ما يُبَلِّغُهُ عَنِ اللَّهِ، لِأنَّهُ لَوْ أخْطَأ في شَيْءٍ مِنها لَمْ تَكُنْ طاعَتُهُ طاعَةَ اللَّهِ وأيْضًا وجَبَ أنْ يَكُونَ مَعْصُومًا في جَمِيعِ أفْعالِهِ، لِأنَّهُ تَعالى أمَرَ بِمُتابَعَتِهِ في قَوْلِهِ: (فاتَّبِعُوهُ) [الأنعام: ١٥٣] والمُتابَعَةُ عِبارَةٌ عَنِ الإتْيانِ بِمِثْلِ فِعْلِ الغَيْرِ لِأجْلِ أنَّهُ فِعْلُ ذَلِكَ الغَيْرِ، فَكانَ الآتِي بِمِثْلِ ذَلِكَ الفِعْلِ مُطِيعًا لِلَّهِ في قَوْلِهِ: (فاتَّبِعُوهُ) [الأنعام: ١٥٣] فَثَبَتَ أنَّ الِانْقِيادَ لَهُ في جَمِيعِ أقْوالِهِ وفي جَمِيعِ أفْعالِهِ، إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ، طاعَةٌ لِلَّهِ وانْقِيادٌ لِحُكْمِ اللَّهِ.

المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في كِتابِ الرِّسالَةِ في بابِ فَرْضِ الطّاعَةِ لِلرَّسُولِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ تَكْلِيفٍ كَلَّفَ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ في بابِ الوُضُوءِ والصَّلاةِ والزَّكاةِ والصَّوْمِ والحَجِّ وسائِرِ الأبْوابِ في القُرْآنِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّكْلِيفُ مُبَيَّنًا في القُرْآنِ، فَحِينَئِذٍ لا سَبِيلَ لَنا إلى القِيامِ بِتِلْكَ التَّكالِيفِ إلّا بِبَيانِ الرَّسُولِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ لَزِمَ القَوْلُ بِأنَّ طاعَةَ الرَّسُولِ عَيْنُ طاعَةِ اللَّهِ، هَذا مَعْنى كَلامِ الشّافِعِيِّ.

صفحة ١٥٥

المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: قَوْلُهُ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ …

Commentary: Mafatih al-Ghayb by Fakhr al-Din al-Razi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.