Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah

Ayahs 71–80 of 176

71

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ خُذُوا۟ حِذْرَكُمْ فَٱنفِرُوا۟ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُوا۟ جَمِيعًۭا

O you who have believed, take your precaution and [either] go forth in companies or go forth all together.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ ﴿وَإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ ﴿وَلَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللهِ لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾

هَذا خِطابٌ لِلْمُخْلِصِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وأمْرٌ لَهم بِجِهادِ الكُفّارِ، والخُرُوجِ في سَبِيلِ اللهِ، وحِمايَةِ الشَرْعِ.

و"خُذُوا حِذْرَكُمْ" مَعْناهُ: احْزِمُوا واسْتَعِدُّوا بِأنْواعِ الِاسْتِعْدادِ، فَهُنا يَدْخُلُ أخْذُ السِلاحِ وغَيْرِهِ، و"انْفِرُوا" مَعْناهُ: اخْرُجُوا مُجِدِّينَ مُصَمِّمِينَ، يُقالُ: نَفَرَ الرَجُلُ يَنْفِرُ -بِكَسْرِ الفاءِ- نَفِيرًا، ونَفَرَتِ الدابَّةُ تَنْفُرُ -بِضَمِّ الفاءِ- نُفُورًا. و"ثُباتٍ" مَعْناهُ: جَماعاتٌ مُتَفَرِّقاتٌ، فَهي كِنايَةٌ عَنِ السَرايا.

وَ"جَمِيعًا" مَعْناهُ: الجَيْشُ الكَثِيفُ مَعَ النَبِيِّ ﷺ، هَكَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. والثُبَةُ: حُكِيَ أنَّها فَوْقَ العَشْرَةِ مِنَ الرِجالِ، وزْنُها فُعَلَةٌ بِفَتْحِ العَيْنِ، أصْلُها: ثُبْوَةٌ، وقِيلَ: ثُبَيَةٌ، حُذِفَتْ لامُها بَعْدَ أنْ تَحَرَّكَتْ وانْقَلَبَتْ ألِفًا حَذْفًا غَيْرَ مَقِيسٍ، ولِذَلِكَ جُمِعَتْ: ثِبُونْ، بِالواوِ والنُونِ عِوَضًا عَنِ المَحْذُوفِ، وكُسِرَ أوَّلُها في الجَمْعِ دَلالَةً عَلى خُرُوجِها عن بابِها لِأنَّ بابَها أنْ تُجْمَعَ بِالتاءِ أبَدًا، فَيُقالَ: ثُباتٍ، وتُصَغَّرُ: ثُبَيَّةٌ، أصْلُها: ثُبَيْوَةٌ، وأمّا ثُبَةُ الحَوْضِ -وَهِيَ وسَطُهُ الَّذِي يَثُوبُ الماءُ إلَيْهِ- فالمَحْذُوفُ مِنها العَيْنُ، وأصْلُها: ثُوَبَةٌ وتَصْغِيرُها: ثُوَبْيَةٌ، وهي مِن ثابَ يَثُوبُ، وكَذَلِكَ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في بَيْتِ أبِي ذُؤَيْبٍ:

؎ فَلَمّا جَلاها بِالإيامِ تَحَيَّزَتْ ثُباتًا عَلَيْها ذُلُّها واكْتِئابُها

إنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ لَيْسَ بِجَمْعٍ، سِيقَ عَلى الأصْلِ، لِأنَّ أصْلَ ثُبَةٍ: ثُبَوَةٌ، تَحَرَّكَتِ الواوُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فانْقَلَبَتْ ألِفًا، فَساقَها أبُو ذُؤَيْبٍ في هَذِهِ الحالِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ مِنكُمْ﴾ إنَّ إيجابٌ، والخِطابُ لِجَماعَةِ المُؤْمِنِينَ، والمُرادُ بِـ "مِن" المُنافِقُونَ، وعَبَّرَ عنهم بِـ "مِنكُمْ" إذْ هم في عِدادِ المُؤْمِنِينَ ومُنْتَحِلُونَ دَعْوَتَهُمْ، واللامُ الداخِلَةُ عَلى "مَن" لامُ التَأْكِيدِ دَخَلَتْ عَلى اسْمِ "إنَّ" لَمّا كانَ الخَبَرُ مُتَقَدِّمًا في المَجْرُورِ، وذَلِكَ مَهْيَعٌ في كَلامِهِمْ، كَقَوْلِكَ: "إنَّ في الدارِ لَزَيْدًا"، واللامُ الداخِلَةُ عَلى "لَيُبَطِّئَنَّ" لامُ قَسَمٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ، تَقْدِيرُهُ: "وَإنَّ مِنكم لَمَن واللهِ- لَيُبَطِّئَنَّ" وقِيلَ: هي لامُ تَأْكِيدٍ، ولَيُبَطِّئَنَّ مَعْناهُ: يُبَطِّئُ غَيْرَهُ، أيْ: يُثَبِّطُهُ ويَحْمِلُهُ عَلى التَخَلُّفِ عن مَغازِي رَسُولِ اللهِ ﷺ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "لَيُبْطِئَنَّ" بِالتَخْفِيفِ في الطاءِ. و"مُصِيبَةٌ" يَعْنِي مِن قَتْلٍ واسْتِشْهادٍ، وإنَّما هي مُصِيبَةٌ بِحَسَبِ اعْتِقادِ المُنافِقِينَ ونَظَرِهِمُ الفاسِدِ، أو عَلى أنَّ المَوْتَ كُلَّهُ مُصِيبَةٌ كَما شاءَ اللهُ تَعالى، وإنَّما الشَهادَةُ في الحَقِيقَةِ نِعْمَةٌ لِحُسْنِ مَآلِها، و"شَهِيدًا" مَعْناهُ: مُشاهِدًا، فالمَعْنى: أنَّ المُنافِقَ يَسُرُّهُ غَيْبُهُ إذا كانَتْ شِدَّةٌ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَخَلُّفَهُ إنَّما هو فَزَعٌ مِنَ القِتالِ، ونُكُولٌ عَنِ الجِهادِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ …

72

وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَٰبَتْكُم مُّصِيبَةٌۭ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَىَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًۭا

And indeed, there is among you he who lingers behind; and if disaster strikes you, he says, "Allah has favored me in that I was not present with them."

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ ﴿وَإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ ﴿وَلَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللهِ لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾

هَذا خِطابٌ لِلْمُخْلِصِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وأمْرٌ لَهم بِجِهادِ الكُفّارِ، والخُرُوجِ في سَبِيلِ اللهِ، وحِمايَةِ الشَرْعِ.

و"خُذُوا حِذْرَكُمْ" مَعْناهُ: احْزِمُوا واسْتَعِدُّوا بِأنْواعِ الِاسْتِعْدادِ، فَهُنا يَدْخُلُ أخْذُ السِلاحِ وغَيْرِهِ، و"انْفِرُوا" مَعْناهُ: اخْرُجُوا مُجِدِّينَ مُصَمِّمِينَ، يُقالُ: نَفَرَ الرَجُلُ يَنْفِرُ -بِكَسْرِ الفاءِ- نَفِيرًا، ونَفَرَتِ الدابَّةُ تَنْفُرُ -بِضَمِّ الفاءِ- نُفُورًا. و"ثُباتٍ" مَعْناهُ: جَماعاتٌ مُتَفَرِّقاتٌ، فَهي كِنايَةٌ عَنِ السَرايا.

وَ"جَمِيعًا" مَعْناهُ: الجَيْشُ الكَثِيفُ مَعَ النَبِيِّ ﷺ، هَكَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. والثُبَةُ: حُكِيَ أنَّها فَوْقَ العَشْرَةِ مِنَ الرِجالِ، وزْنُها فُعَلَةٌ بِفَتْحِ العَيْنِ، أصْلُها: ثُبْوَةٌ، وقِيلَ: ثُبَيَةٌ، حُذِفَتْ لامُها بَعْدَ أنْ تَحَرَّكَتْ وانْقَلَبَتْ ألِفًا حَذْفًا غَيْرَ مَقِيسٍ، ولِذَلِكَ جُمِعَتْ: ثِبُونْ، بِالواوِ والنُونِ عِوَضًا عَنِ المَحْذُوفِ، وكُسِرَ أوَّلُها في الجَمْعِ دَلالَةً عَلى خُرُوجِها عن بابِها لِأنَّ بابَها أنْ تُجْمَعَ بِالتاءِ أبَدًا، فَيُقالَ: ثُباتٍ، وتُصَغَّرُ: ثُبَيَّةٌ، أصْلُها: ثُبَيْوَةٌ، وأمّا ثُبَةُ الحَوْضِ -وَهِيَ وسَطُهُ الَّذِي يَثُوبُ الماءُ إلَيْهِ- فالمَحْذُوفُ مِنها العَيْنُ، وأصْلُها: ثُوَبَةٌ وتَصْغِيرُها: ثُوَبْيَةٌ، وهي مِن ثابَ يَثُوبُ، وكَذَلِكَ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في بَيْتِ أبِي ذُؤَيْبٍ:

؎ فَلَمّا جَلاها بِالإيامِ تَحَيَّزَتْ ثُباتًا عَلَيْها ذُلُّها واكْتِئابُها

إنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ لَيْسَ بِجَمْعٍ، سِيقَ عَلى الأصْلِ، لِأنَّ أصْلَ ثُبَةٍ: ثُبَوَةٌ، تَحَرَّكَتِ الواوُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فانْقَلَبَتْ ألِفًا، فَساقَها أبُو ذُؤَيْبٍ في هَذِهِ الحالِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ مِنكُمْ﴾ إنَّ إيجابٌ، والخِطابُ لِجَماعَةِ المُؤْمِنِينَ، والمُرادُ بِـ "مِن" المُنافِقُونَ، وعَبَّرَ عنهم بِـ "مِنكُمْ" إذْ هم في عِدادِ المُؤْمِنِينَ ومُنْتَحِلُونَ دَعْوَتَهُمْ، واللامُ الداخِلَةُ عَلى "مَن" لامُ التَأْكِيدِ دَخَلَتْ عَلى اسْمِ "إنَّ" لَمّا كانَ الخَبَرُ مُتَقَدِّمًا في المَجْرُورِ، وذَلِكَ مَهْيَعٌ في كَلامِهِمْ، كَقَوْلِكَ: "إنَّ في الدارِ لَزَيْدًا"، واللامُ الداخِلَةُ عَلى "لَيُبَطِّئَنَّ" لامُ قَسَمٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ، تَقْدِيرُهُ: "وَإنَّ مِنكم لَمَن واللهِ- لَيُبَطِّئَنَّ" وقِيلَ: هي لامُ تَأْكِيدٍ، ولَيُبَطِّئَنَّ مَعْناهُ: يُبَطِّئُ غَيْرَهُ، أيْ: يُثَبِّطُهُ ويَحْمِلُهُ عَلى التَخَلُّفِ عن مَغازِي رَسُولِ اللهِ ﷺ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "لَيُبْطِئَنَّ" بِالتَخْفِيفِ في الطاءِ. و"مُصِيبَةٌ" يَعْنِي مِن قَتْلٍ واسْتِشْهادٍ، وإنَّما هي مُصِيبَةٌ بِحَسَبِ اعْتِقادِ المُنافِقِينَ ونَظَرِهِمُ الفاسِدِ، أو عَلى أنَّ المَوْتَ كُلَّهُ مُصِيبَةٌ كَما شاءَ اللهُ تَعالى، وإنَّما الشَهادَةُ في الحَقِيقَةِ نِعْمَةٌ لِحُسْنِ مَآلِها، و"شَهِيدًا" مَعْناهُ: مُشاهِدًا، فالمَعْنى: أنَّ المُنافِقَ يَسُرُّهُ غَيْبُهُ إذا كانَتْ شِدَّةٌ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَخَلُّفَهُ إنَّما هو فَزَعٌ مِنَ القِتالِ، ونُكُولٌ عَنِ الجِهادِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ …

73

وَلَئِنْ أَصَٰبَكُمْ فَضْلٌۭ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُنۢ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُۥ مَوَدَّةٌۭ يَٰلَيْتَنِى كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًۭا

But if bounty comes to you from Allah, he will surely say, as if there had never been between you and him any affection. "Oh, I wish I had been with them so I could have attained a great attainment."

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ ﴿وَإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم شَهِيدًا﴾ ﴿وَلَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ اللهِ لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾

هَذا خِطابٌ لِلْمُخْلِصِينَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ، وأمْرٌ لَهم بِجِهادِ الكُفّارِ، والخُرُوجِ في سَبِيلِ اللهِ، وحِمايَةِ الشَرْعِ.

و"خُذُوا حِذْرَكُمْ" مَعْناهُ: احْزِمُوا واسْتَعِدُّوا بِأنْواعِ الِاسْتِعْدادِ، فَهُنا يَدْخُلُ أخْذُ السِلاحِ وغَيْرِهِ، و"انْفِرُوا" مَعْناهُ: اخْرُجُوا مُجِدِّينَ مُصَمِّمِينَ، يُقالُ: نَفَرَ الرَجُلُ يَنْفِرُ -بِكَسْرِ الفاءِ- نَفِيرًا، ونَفَرَتِ الدابَّةُ تَنْفُرُ -بِضَمِّ الفاءِ- نُفُورًا. و"ثُباتٍ" مَعْناهُ: جَماعاتٌ مُتَفَرِّقاتٌ، فَهي كِنايَةٌ عَنِ السَرايا.

وَ"جَمِيعًا" مَعْناهُ: الجَيْشُ الكَثِيفُ مَعَ النَبِيِّ ﷺ، هَكَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ. والثُبَةُ: حُكِيَ أنَّها فَوْقَ العَشْرَةِ مِنَ الرِجالِ، وزْنُها فُعَلَةٌ بِفَتْحِ العَيْنِ، أصْلُها: ثُبْوَةٌ، وقِيلَ: ثُبَيَةٌ، حُذِفَتْ لامُها بَعْدَ أنْ تَحَرَّكَتْ وانْقَلَبَتْ ألِفًا حَذْفًا غَيْرَ مَقِيسٍ، ولِذَلِكَ جُمِعَتْ: ثِبُونْ، بِالواوِ والنُونِ عِوَضًا عَنِ المَحْذُوفِ، وكُسِرَ أوَّلُها في الجَمْعِ دَلالَةً عَلى خُرُوجِها عن بابِها لِأنَّ بابَها أنْ تُجْمَعَ بِالتاءِ أبَدًا، فَيُقالَ: ثُباتٍ، وتُصَغَّرُ: ثُبَيَّةٌ، أصْلُها: ثُبَيْوَةٌ، وأمّا ثُبَةُ الحَوْضِ -وَهِيَ وسَطُهُ الَّذِي يَثُوبُ الماءُ إلَيْهِ- فالمَحْذُوفُ مِنها العَيْنُ، وأصْلُها: ثُوَبَةٌ وتَصْغِيرُها: ثُوَبْيَةٌ، وهي مِن ثابَ يَثُوبُ، وكَذَلِكَ قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ في بَيْتِ أبِي ذُؤَيْبٍ:

؎ فَلَمّا جَلاها بِالإيامِ تَحَيَّزَتْ ثُباتًا عَلَيْها ذُلُّها واكْتِئابُها

إنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ لَيْسَ بِجَمْعٍ، سِيقَ عَلى الأصْلِ، لِأنَّ أصْلَ ثُبَةٍ: ثُبَوَةٌ، تَحَرَّكَتِ الواوُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فانْقَلَبَتْ ألِفًا، فَساقَها أبُو ذُؤَيْبٍ في هَذِهِ الحالِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنَّ مِنكُمْ﴾ إنَّ إيجابٌ، والخِطابُ لِجَماعَةِ المُؤْمِنِينَ، والمُرادُ بِـ "مِن" المُنافِقُونَ، وعَبَّرَ عنهم بِـ "مِنكُمْ" إذْ هم في عِدادِ المُؤْمِنِينَ ومُنْتَحِلُونَ دَعْوَتَهُمْ، واللامُ الداخِلَةُ عَلى "مَن" لامُ التَأْكِيدِ دَخَلَتْ عَلى اسْمِ "إنَّ" لَمّا كانَ الخَبَرُ مُتَقَدِّمًا في المَجْرُورِ، وذَلِكَ مَهْيَعٌ في كَلامِهِمْ، كَقَوْلِكَ: "إنَّ في الدارِ لَزَيْدًا"، واللامُ الداخِلَةُ عَلى "لَيُبَطِّئَنَّ" لامُ قَسَمٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ، تَقْدِيرُهُ: "وَإنَّ مِنكم لَمَن واللهِ- لَيُبَطِّئَنَّ" وقِيلَ: هي لامُ تَأْكِيدٍ، ولَيُبَطِّئَنَّ مَعْناهُ: يُبَطِّئُ غَيْرَهُ، أيْ: يُثَبِّطُهُ ويَحْمِلُهُ عَلى التَخَلُّفِ عن مَغازِي رَسُولِ اللهِ ﷺ، وقَرَأ مُجاهِدٌ: "لَيُبْطِئَنَّ" بِالتَخْفِيفِ في الطاءِ. و"مُصِيبَةٌ" يَعْنِي مِن قَتْلٍ واسْتِشْهادٍ، وإنَّما هي مُصِيبَةٌ بِحَسَبِ اعْتِقادِ المُنافِقِينَ ونَظَرِهِمُ الفاسِدِ، أو عَلى أنَّ المَوْتَ كُلَّهُ مُصِيبَةٌ كَما شاءَ اللهُ تَعالى، وإنَّما الشَهادَةُ في الحَقِيقَةِ نِعْمَةٌ لِحُسْنِ مَآلِها، و"شَهِيدًا" مَعْناهُ: مُشاهِدًا، فالمَعْنى: أنَّ المُنافِقَ يَسُرُّهُ غَيْبُهُ إذا كانَتْ شِدَّةٌ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَخَلُّفَهُ إنَّما هو فَزَعٌ مِنَ القِتالِ، ونُكُولٌ عَنِ الجِهادِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ …

74

۞ فَلْيُقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْءَاخِرَةِ ۚ وَمَن يُقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًۭا

So let those fight in the cause of Allah who sell the life of this world for the Hereafter. And he who fights in the cause of Allah and is killed or achieves victory - We will bestow upon him a great reward.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُنْيا بِالآخِرَةِ ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿وَما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِجالِ والنِساءِ والوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِنَ هَذِهِ القَرْيَةِ الظالِمِ أهْلُها واجْعَلْ لَنا مِنَ لَدُنْكَ ولِيًّا واجْعَلْ لَنا مِنَ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾

هَذا أمْرٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ وصَفَهم بِالجِهادِ في سَبِيلِ اللهِ.

و"يَشْرُونَ" مَعْناهُ: يَبِيعُونَ في هَذا المَوْضِعِ، وإنْ جاءَ في مَواضِعَ: يَشْتَرُونَ، فالمَعْنى هاهُنا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى: يَبِيعُونَ.

ثُمَّ وصَفَ اللهُ ثَوابَ المُقاتِلِ في سَبِيلِ اللهِ، فَذَكَرَ غايَتَيْ حالَتَيْهِ، واكْتَفى بِالغايَتَيْنِ عَمّا بَيْنَهُما، وذَلِكَ أنَّ غايَةَ المَغْلُوبِ في القِتالِ أنْ يُقْتَلَ، وغايَةَ الَّذِي يَقْتُلُ ويَغْنَمُ أنْ يَتَّصِفَ بِأنَّهُ غالِبٌ عَلى الإطْلاقِ. والأجْرُ العَظِيمُ: الجَنَّةُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "فَلْيُقاتِلْ" بِسُكُونِ لامِ الأمْرِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "فَلِيُقاتِلْ" بِكَسْرِها، وقَرَأ مُحارِبُ بْنُ دِثارٍ "فَيَقْتُلْ أو يَغْلِبْ" عَلى بِناءِ الفِعْلَيْنِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُؤْتِيهِ" بِالنُونِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "فَسَوْفَ يُؤْتِيهِ" بِالياءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَما لَكُمْ" اللامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما يَتَعَلَّقُ بِالمُسْتَفْهَمِ عنهُ مِن مَعْنى الفِعْلِ، تَقْدِيرُهُ: وأيُّ شَيْءٍ مَوْجُودٍ أو كائِنٍ أو نَحْوِ ذَلِكَ لَكُمْ؟ و"لا تُقاتِلُونَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ تَقْدِيرُهُ: تارِكِينَ، أو مُضَيِّعِينَ. وقَوْلُهُ: "والمُسْتَضْعَفِينَ" عُطِفَ عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى، أيْ: وفي سَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ، وقِيلَ: عُطِفَ عَلى السَبِيلِ، أيْ: وفي المُسْتَضْعَفِينَ لِاسْتِنْقاذِهِمْ، ويَعْنِي بِالمُسْتَضْعَفِينَ مَن بِمَكَّةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ تَحْتَ إذْلالِ كَفَرَةِ قُرَيْشٍ وأذاهم لا يَسْتَطِيعُونَ خُرُوجًا، ولا يَطِيبُ لَهم -عَلى الأذى- إقامَةٌ، وفي هَؤُلاءِ «كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "اللهُمَّ أنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ، وعَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، اللهُمَّ أنْجِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ".»

"والوِلْدانِ" بابُهُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ ولِيدٍ، وقَدْ يَكُونُ جَمْعَ ولَدٍ كَوَرَلٍ ووِرْلانٍ، فَهي عَلى الوَجْهَيْنِ عِبارَةٌ عَنِ الصِبْيانِ، والقَرْيَةُ هاهُنا- مَكَّةُ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والآيَةُ تَتَناوَلُ المُؤْمِنِينَ والأسْرى وحَواضِرَ الشِرْكِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ووَحَّدَ الظالِمَ لِأنَّهُ مَوْضِعُ اتِّخاذِ الفِعْلِ، ألا تَرى أنَّ الفِعْلَ إنَّما تَقْدِيرُهُ: الَّذِي ظَلَمَ أهْلَها، ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ حِيلَةٌ إلّا الدُعاءَ دَعَوْا في الِاسْتِنْقاذِ، وفِيما يُوالِيهِمْ مِن مَعُونَةِ اللهِ تَعالى، وما يَنْصُرُهم عَلى أُولَئِكَ الظَلَمَةِ مِن فَتْحِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

75

وَمَا لَكُمْ لَا تُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّۭا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا

And what is [the matter] with you that you fight not in the cause of Allah and [for] the oppressed among men, women, and children who say, "Our Lord, take us out of this city of oppressive people and appoint for us from Yourself a protector and appoint for us from Yourself a helper?"

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَياةَ الدُنْيا بِالآخِرَةِ ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿وَما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِجالِ والنِساءِ والوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِنَ هَذِهِ القَرْيَةِ الظالِمِ أهْلُها واجْعَلْ لَنا مِنَ لَدُنْكَ ولِيًّا واجْعَلْ لَنا مِنَ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾

هَذا أمْرٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ وصَفَهم بِالجِهادِ في سَبِيلِ اللهِ.

و"يَشْرُونَ" مَعْناهُ: يَبِيعُونَ في هَذا المَوْضِعِ، وإنْ جاءَ في مَواضِعَ: يَشْتَرُونَ، فالمَعْنى هاهُنا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ بِمَعْنى: يَبِيعُونَ.

ثُمَّ وصَفَ اللهُ ثَوابَ المُقاتِلِ في سَبِيلِ اللهِ، فَذَكَرَ غايَتَيْ حالَتَيْهِ، واكْتَفى بِالغايَتَيْنِ عَمّا بَيْنَهُما، وذَلِكَ أنَّ غايَةَ المَغْلُوبِ في القِتالِ أنْ يُقْتَلَ، وغايَةَ الَّذِي يَقْتُلُ ويَغْنَمُ أنْ يَتَّصِفَ بِأنَّهُ غالِبٌ عَلى الإطْلاقِ. والأجْرُ العَظِيمُ: الجَنَّةُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "فَلْيُقاتِلْ" بِسُكُونِ لامِ الأمْرِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "فَلِيُقاتِلْ" بِكَسْرِها، وقَرَأ مُحارِبُ بْنُ دِثارٍ "فَيَقْتُلْ أو يَغْلِبْ" عَلى بِناءِ الفِعْلَيْنِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُؤْتِيهِ" بِالنُونِ، وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "فَسَوْفَ يُؤْتِيهِ" بِالياءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَما لَكُمْ" اللامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِما يَتَعَلَّقُ بِالمُسْتَفْهَمِ عنهُ مِن مَعْنى الفِعْلِ، تَقْدِيرُهُ: وأيُّ شَيْءٍ مَوْجُودٍ أو كائِنٍ أو نَحْوِ ذَلِكَ لَكُمْ؟ و"لا تُقاتِلُونَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ تَقْدِيرُهُ: تارِكِينَ، أو مُضَيِّعِينَ. وقَوْلُهُ: "والمُسْتَضْعَفِينَ" عُطِفَ عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى، أيْ: وفي سَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ، وقِيلَ: عُطِفَ عَلى السَبِيلِ، أيْ: وفي المُسْتَضْعَفِينَ لِاسْتِنْقاذِهِمْ، ويَعْنِي بِالمُسْتَضْعَفِينَ مَن بِمَكَّةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ تَحْتَ إذْلالِ كَفَرَةِ قُرَيْشٍ وأذاهم لا يَسْتَطِيعُونَ خُرُوجًا، ولا يَطِيبُ لَهم -عَلى الأذى- إقامَةٌ، وفي هَؤُلاءِ «كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "اللهُمَّ أنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ، وعَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، اللهُمَّ أنْجِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ".»

"والوِلْدانِ" بابُهُ أنْ يَكُونَ جَمْعَ ولِيدٍ، وقَدْ يَكُونُ جَمْعَ ولَدٍ كَوَرَلٍ ووِرْلانٍ، فَهي عَلى الوَجْهَيْنِ عِبارَةٌ عَنِ الصِبْيانِ، والقَرْيَةُ هاهُنا- مَكَّةُ بِإجْماعٍ مِنَ المُتَأوِّلِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

والآيَةُ تَتَناوَلُ المُؤْمِنِينَ والأسْرى وحَواضِرَ الشِرْكِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ووَحَّدَ الظالِمَ لِأنَّهُ مَوْضِعُ اتِّخاذِ الفِعْلِ، ألا تَرى أنَّ الفِعْلَ إنَّما تَقْدِيرُهُ: الَّذِي ظَلَمَ أهْلَها، ولَمّا لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ حِيلَةٌ إلّا الدُعاءَ دَعَوْا في الِاسْتِنْقاذِ، وفِيما يُوالِيهِمْ مِن مَعُونَةِ اللهِ تَعالى، وما يَنْصُرُهم عَلى أُولَئِكَ الظَلَمَةِ مِن فَتْحِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى.

76

ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ يُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوٓا۟ أَوْلِيَآءَ ٱلشَّيْطَٰنِ ۖ إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا

Those who believe fight in the cause of Allah, and those who disbelieve fight in the cause of Taghut. So fight against the allies of Satan. Indeed, the plot of Satan has ever been weak.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطاغُوتِ فَقاتِلُوا أولِياءَ الشَيْطانِ إنَّ كَيْدَ الشَيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم وأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ الناسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أو أشَدَّ خَشْيَةً وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالُ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾

هَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي تَقْوِيَةَ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ وتَحْرِيضَهُمْ، و"الطاغُوتِ" كُلُّ ما عُبِدَ واتُّبِعَ مِن دُونِ اللهِ، وتَدُلُّ قَرِينَةُ ذِكْرِ الشَيْطانِ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالطاغُوتِ هُنا الشَيْطانُ، وإعْلامُهُ تَعالى بِضَعْفِ كَيْدِ الشَيْطانِ تَقْوِيَةٌ لِقُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، وتَجْرِئَةٌ لَهم عَلى مُقارَعَةِ الكَيْدِ الضَعِيفِ فَإنَّ العَزْمَ والحَزْمَ الَّذِي يَكُونُ عَلى حَقائِقِ الإيمانِ يَكْسِرُهُ ويَهُدُّهُ، ودَخَلَتْ "كانَ" دالَّةً عَلى لُزُومِ الصِفَةِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ فِيمَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ﴾، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: كانَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، والمِقْدادُ بْنُ عَمْرٍو الكِنْدِيُّ، وجَماعَةٌ سِواهم قَدْ أنِفُوا مِنَ الذُلِّ بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، وسَألُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ أنْ يُبِيحَ لَهم مُقاتَلَةَ المُشْرِكِينَ، فَأمَرَهُمُ اللهُ تَعالى بِكَفِّ الأيْدِي، وألّا يَفْعَلُوا، فَلَمّا كانَ بِالمَدِينَةِ وفُرِضَ القِتالُ، شَقَّ ذَلِكَ عَلى بَعْضِهِمْ، وصَعُبَ مَوْقِعُهُ، ولَحِقَهم ما يَلْحَقُ البَشَرَ مِنَ الخَوَرِ والكَعِّ عن مُقارَعَةِ العَدُوِّ فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ.

وقالَ قَوْمٌ: كانَ كَثِيرٌ مِنَ العَرَبِ قَدِ اسْتَحْسَنُوا الدُخُولَ في دِينِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عَلى فَرائِضِهِ الَّتِي كانَتْ قَبْلَ القِتالِ مِنَ الصَلاةِ والزَكاةِ ونَحْوِها، والمُوادَعَةِ وكَفِّ الأيْدِي، فَلَمّا نَزَلَ القِتالُ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وجَزِعُوا لَهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: إنَّما الآيَةُ حِكايَةٌ عَنِ اليَهُودِ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ مَعَ نَبِيِّهِمْ في وقْتِهِ، فَمَعْنى الحِكايَةِ عنهم تَقْبِيحُ فِعْلِهِمْ، ونَهْيُ المُؤْمِنِينَ عن فِعْلِ مِثْلِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِالآيَةِ المُنافِقُونَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ وأمْثالُهُ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا قَدْ سَكَنُوا عَلى الكُرْهِ إلى فَرائِضِ الإسْلامِ مَعَ الدَعَةِ وعَدَمِ القِتالِ، فَلَمّا نَزَلَ القِتالُ شَقَّ عَلَيْهِمْ وصَعُبَ عَلَيْهِمْ صُعُوبَةً شَدِيدَةً، إذْ كانُوا مُكَذِّبِينَ بِالثَوابِ، ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويُحَسِّنُ هَذا القَوْلَ أنَّ ذِكْرَ المُنافِقِينَ يَطَّرِدُ فِيما بَعْدَها مِنَ الآياتِ.

ومَعْنى "كُفُّوا أيْدِيَكُمْ": أمْسِكُوا عَنِ القِتالِ. والفَرِيقُ: الطائِفَةُ مِنَ الناسِ، كَأنَّهُ فارَقَ غَيْرَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿يَخْشَوْنَ الناسَ كَخَشْيَةِ اللهِ﴾ يَعْنِي أنَّهم كانُوا يَخافُونَ اللهَ في جِهَةِ المَوْتِ، لِأنَّهم لا يَخْشَوْنَ المَوْتَ إلّا مِنهُ، فَلَمّا كَتَبَ عَلَيْهِمْ قِتالَ الناسِ رَأوا أنَّهم يَمُوتُونَ بِأيْدِيهِمْ، فَخَشَوْهم في جِهَةِ المَوْتِ كَما كانُوا يَخْشَوْنَ اللهَ. وقالَ الحَسَنُ: قَوْلُهُ: "كَخَشْيَةِ اللهِ" يَدُلُّ عَلى أنَّها في المُؤْمِنِينَ، وهي خَشْيَةُ خَوْفٍ لا خَشْيَةُ …

77

أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوٓا۟ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ ٱلْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌۭ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ ٱلنَّاسَ كَخَشْيَةِ ٱللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةًۭ ۚ وَقَالُوا۟ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا ٱلْقِتَالَ لَوْلَآ أَخَّرْتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٍۢ قَرِيبٍۢ ۗ قُلْ مَتَٰعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌۭ وَٱلْءَاخِرَةُ خَيْرٌۭ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا

Have you not seen those who were told, "Restrain your hands [from fighting] and establish prayer and give zakah"? But then when fighting was ordained for them, at once a party of them feared men as they fear Allah or with [even] greater fear. They said, "Our Lord, why have You decreed upon us fighting? If only You had postponed [it for] us for a short time." Say, The enjoyment of this world is little, and the Hereafter is better for he who fears Allah. And injustice will not be done to you, [even] as much as a thread [inside a date seed]."

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللهِ والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطاغُوتِ فَقاتِلُوا أولِياءَ الشَيْطانِ إنَّ كَيْدَ الشَيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم وأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ الناسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أو أشَدَّ خَشْيَةً وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالُ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾

هَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي تَقْوِيَةَ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ وتَحْرِيضَهُمْ، و"الطاغُوتِ" كُلُّ ما عُبِدَ واتُّبِعَ مِن دُونِ اللهِ، وتَدُلُّ قَرِينَةُ ذِكْرِ الشَيْطانِ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالطاغُوتِ هُنا الشَيْطانُ، وإعْلامُهُ تَعالى بِضَعْفِ كَيْدِ الشَيْطانِ تَقْوِيَةٌ لِقُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، وتَجْرِئَةٌ لَهم عَلى مُقارَعَةِ الكَيْدِ الضَعِيفِ فَإنَّ العَزْمَ والحَزْمَ الَّذِي يَكُونُ عَلى حَقائِقِ الإيمانِ يَكْسِرُهُ ويَهُدُّهُ، ودَخَلَتْ "كانَ" دالَّةً عَلى لُزُومِ الصِفَةِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ﴾ اخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ فِيمَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ﴾، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: كانَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ، والمِقْدادُ بْنُ عَمْرٍو الكِنْدِيُّ، وجَماعَةٌ سِواهم قَدْ أنِفُوا مِنَ الذُلِّ بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ، وسَألُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ أنْ يُبِيحَ لَهم مُقاتَلَةَ المُشْرِكِينَ، فَأمَرَهُمُ اللهُ تَعالى بِكَفِّ الأيْدِي، وألّا يَفْعَلُوا، فَلَمّا كانَ بِالمَدِينَةِ وفُرِضَ القِتالُ، شَقَّ ذَلِكَ عَلى بَعْضِهِمْ، وصَعُبَ مَوْقِعُهُ، ولَحِقَهم ما يَلْحَقُ البَشَرَ مِنَ الخَوَرِ والكَعِّ عن مُقارَعَةِ العَدُوِّ فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ.

وقالَ قَوْمٌ: كانَ كَثِيرٌ مِنَ العَرَبِ قَدِ اسْتَحْسَنُوا الدُخُولَ في دِينِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ عَلى فَرائِضِهِ الَّتِي كانَتْ قَبْلَ القِتالِ مِنَ الصَلاةِ والزَكاةِ ونَحْوِها، والمُوادَعَةِ وكَفِّ الأيْدِي، فَلَمّا نَزَلَ القِتالُ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وجَزِعُوا لَهُ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ. وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: إنَّما الآيَةُ حِكايَةٌ عَنِ اليَهُودِ أنَّهم فَعَلُوا ذَلِكَ مَعَ نَبِيِّهِمْ في وقْتِهِ، فَمَعْنى الحِكايَةِ عنهم تَقْبِيحُ فِعْلِهِمْ، ونَهْيُ المُؤْمِنِينَ عن فِعْلِ مِثْلِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المُرادُ بِالآيَةِ المُنافِقُونَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ وأمْثالُهُ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا قَدْ سَكَنُوا عَلى الكُرْهِ إلى فَرائِضِ الإسْلامِ مَعَ الدَعَةِ وعَدَمِ القِتالِ، فَلَمّا نَزَلَ القِتالُ شَقَّ عَلَيْهِمْ وصَعُبَ عَلَيْهِمْ صُعُوبَةً شَدِيدَةً، إذْ كانُوا مُكَذِّبِينَ بِالثَوابِ، ذَكَرَهُ المَهْدَوِيُّ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

ويُحَسِّنُ هَذا القَوْلَ أنَّ ذِكْرَ المُنافِقِينَ يَطَّرِدُ فِيما بَعْدَها مِنَ الآياتِ.

ومَعْنى "كُفُّوا أيْدِيَكُمْ": أمْسِكُوا عَنِ القِتالِ. والفَرِيقُ: الطائِفَةُ مِنَ الناسِ، كَأنَّهُ فارَقَ غَيْرَهُ، وقَوْلُهُ: ﴿يَخْشَوْنَ الناسَ كَخَشْيَةِ اللهِ﴾ يَعْنِي أنَّهم كانُوا يَخافُونَ اللهَ في جِهَةِ المَوْتِ، لِأنَّهم لا يَخْشَوْنَ المَوْتَ إلّا مِنهُ، فَلَمّا كَتَبَ عَلَيْهِمْ قِتالَ الناسِ رَأوا أنَّهم يَمُوتُونَ بِأيْدِيهِمْ، فَخَشَوْهم في جِهَةِ المَوْتِ كَما كانُوا يَخْشَوْنَ اللهَ. وقالَ الحَسَنُ: قَوْلُهُ: "كَخَشْيَةِ اللهِ" يَدُلُّ عَلى أنَّها في المُؤْمِنِينَ، وهي خَشْيَةُ خَوْفٍ لا خَشْيَةُ …

78

أَيْنَمَا تَكُونُوا۟ يُدْرِككُّمُ ٱلْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِى بُرُوجٍۢ مُّشَيَّدَةٍۢ ۗ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌۭ يَقُولُوا۟ هَٰذِهِۦ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌۭ يَقُولُوا۟ هَٰذِهِۦ مِنْ عِندِكَ ۚ قُلْ كُلٌّۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ فَمَالِ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًۭا

Wherever you may be, death will overtake you, even if you should be within towers of lofty construction. But if good comes to them, they say, "This is from Allah "; and if evil befalls them, they say, "This is from you." Say, "All [things] are from Allah." So what is [the matter] with those people that they can hardly understand any statement?

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُنْيا قَلِيلٌ والآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾ [النساء: ٧٧] ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِ اللهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللهِ فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ المَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِهَؤُلاءِ: مَتاعُ الدُنْيا، أيِ الاسْتِمْتاعُ بِالحَياةِ فِيها الَّذِي حَرَصْتُمْ عَلَيْهِ وأشْفَقْتُمْ مِن فَقْدِهِ، قَلِيلٌ، لِأنَّهُ فانٍ زائِلٌ، والآخِرَةُ الَّتِي هي نَعِيمٌ مُؤَبَّدٌ خَيْرٌ لِمَن أطاعَ اللهَ واتَّقاهُ في الِامْتِثالِ لِأوامِرِهِ عَلى المَحابِّ والمَكارِهِ.

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ: "تُظْلَمُونَ" بِالتاءِ عَلى الخِطابِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "يُظْلَمُونَ" بِالياءِ عَلى تَرْكِ المُخاطَبَةِ وذِكْرِ الغائِبِ.

والفَتِيلُ: الخَيْطُ في شِقِّ نَواةِ التَمْرَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ.

و﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ المَوْتُ﴾ جَزاءٌ وجَوابُهُ، وهَكَذا قِراءَةُ الجُمْهُورِ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: "يُدْرِكُكُمُ" بِضَمِّ الكافَيْنِ ورَفْعِ الفِعْلِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ دُخُولِ الفاءِ كَأنَّهُ قالَ: فَيُدْرِكُكُمُ المَوْتُ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ. وهَذا إخْبارٌ مِنَ اللهِ يَتَضَمَّنُ تَحْقِيرَ الدُنْيا، وأنَّهُ لا مَنجى مِنَ الفَناءِ والتَنَقُّلِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ: "فِي بُرُوجٍ"، فالأكْثَرُ والأصَحُّ أنَّهُ أرادَ البُرُوجَ والحُصُونَ الَّتِي في الأرْضِ المَبْنِيَّةِ، لِأنَّها غايَةُ البَشَرِ في التَحَصُّنِ والمَنَعَةِ، فَمَثَّلَ اللهُ لَهم بِها، قالَ قَتادَةُ: المَعْنى: في قُصُورٍ مُحَصَّنَةٍ، وقالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، والجُمْهُورُ. وقالَ السُدِّيُّ: هي بُرُوجٌ في السَماءِ الدُنْيا مَبْنِيَّةٌ، وحَكى مَكِّيٌّ هَذا القَوْلَ عن مالِكٍ، وأنَّهُ قالَ: ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿والسَماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ [البروج: ١]. وحَكى النَقّاشُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ مَعْناهُ: في قُصُورٍ مِن حَدِيدٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:

وهَذا لا يُعْطِيهِ اللَفْظُ، وإنَّما البُرُوجُ في القُرْآنِ إذا ورَدَتْ مُقْتَرِنَةً بِذِكْرِ السَماءِ بُرُوجُ المَنازِلِ لِلْقَمَرِ وغَيْرِهِ، عَلى ما سَمَّتْها العَرَبُ وعَرَفَتْها. وبَرَجَ مَعْناهُ: ظَهَرَ، ومِنهُ البُرُوجُ، أيِ: المُطَوَّلَةُ الظاهِرَةُ، ومِنهُ تَبَرُّجُ المَرْأةِ.

و"مُشَيَّدَةٍ" قالَ الزَجّاجُ وغَيْرُهُ: مَعْناهُ مَرْفُوعَةٌ مُطَوَّلَةٌ، لِأنَّ "شادَ الرَجُلُ البِناءَ" إذا صَنَعَهُ بِالشِيدِ، وهو الجِصُّ، و"أشادَ" و"شَيَّدَ" إذا رَفَعَهُ وعَلّاهُ، ومِنهُ "أشادَ الرَجُلُ ذِكْرَ الرَجُلِ" إذا رَفَعَهُ، وقالَتْ طائِفَةٌ: "مُشَيَّدَةٍ" مَعْناهُ: مُحَسَّنَةٌ بِالشِيدِ، وذَلِكَ عِنْدَهم أنَّ "شادَ الرَجُلُ" مَعْناهُ: جَصَّصَ بِالشِيدِ، وشَيَّدَ مَعْناهُ: كَرَّرَ ذَلِكَ الفِعْلَ، فَهي لِلْمُبالَغَةِ، كَما تَقُولُ: "كَسَرْتُ العُودَ مَرَّةً"، و"كَسَّرْتُهُ في مَواضِعَ مِنهُ كَثِيرَةٍ مِرارًا"، و"خَرَقْتُ الثَوْبَ وخَرَّقْتُهُ" إذا كانَ الخَرْقُ مِنهُ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، فَعَلى هَذا يَصِحُّ أنْ تَقُولَ: "شادَ الرَجُلُ الجِدارَ مَرَّةً"، و"شَيَّدَ الرَجُلُ الجِدارَ" إذا أرَدْتَ المُبالَغَةَ، لِأنَّ التَشْيِيدَ مِنهُ وقَعَ في مَواضِعَ كَثِيرَةٍ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ:

؎ شادَهُ مَرْمَرًا وجَلَّلَهُ كَلْـ سًا …

79

مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍۢ فَمِنَ ٱللَّهِ ۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍۢ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ وَأَرْسَلْنَٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولًۭا ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًۭا

What comes to you of good is from Allah, but what comes to you of evil, [O man], is from yourself. And We have sent you, [O Muhammad], to the people as a messenger, and sufficient is Allah as Witness.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِنَ نَفْسِكَ وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولا وكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ ﴿مَن يُطِعِ الرَسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللهَ ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ﴿وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ واللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأعْرِضْ عنهم وتَوَكَّلْ عَلى اللهِ وكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾

قالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" شَرْطِيَّةٌ، ودَخَلَتْ "مِن" بَعْدَها لِأنَّ الشَرْطَ لَيْسَ بِواجِبٍ فَأشْبَهَ النَفْيَ الَّذِي تَدْخُلُهُ "مِن". وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" بِمَعْنى "الَّذِي" و"مِن" لِبَيانِ الجِنْسِ، لِأنَّ المُصِيبَ لِلْإنْسانِ أشْياءُ كَثِيرَةٌ، حَسَنَةٌ وسَيِّئَةٌ، ورَخاءٌ وشِدَّةٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ. وغَيْرُهُ داخِلٌ في المَعْنى، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمَرْءِ عَلى الجُمْلَةِ.

ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والحَسَنِ، والرَبِيعِ، وابْنِ زَيْدٍ، وأبِي صالِحٍ، وغَيْرِهِمُ: القَطْعُ واسْتِئْنافُ الإخْبارِ مِنَ اللهِ تَعالى بِأنَّ الحَسَنَةَ مِنهُ وبِفَضْلِهِ، والسَيِّئَةَ مِنَ الإنْسانِ بِإذْنابِهِ، وهي مِنَ اللهِ بِالخَلْقِ والِاخْتِراعِ.

وفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَمِن نَفْسِكَ وأنا قَضَيْتُها عَلَيْكَ"، وقَرَأ بِها ابْنُ عَبّاسٍ، وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّها في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَأنا كَتَبْتُها"، ورُوِيَ أنَّ أُبَيًّا وابْنَ مَسْعُودٍ قَرَآ: "وَأنا قَدَّرْتُها عَلَيْكَ".

ويُعَضِّدُ هَذا التَأْوِيلَ أحادِيثُ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مَعْناها: أنَّ ما يُصِيبُ ابْنَ آدَمَ مِن مَصائِبَ فَإنَّما هي عُقُوبَةُ ذُنُوبِهِ، ومِن ذَلِكَ « "أنَّ أبا بَكْرٍ الصِدِّيقَ رَضِيَ اللهُ عنهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] جَزِعَ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ألَسْتَ تَمْرَضُ؟ ألَسْتَ تَسْقَمُ؟ ألَسْتَ تَغْتَمُّ؟، وقالَ أيْضًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "ما يُصِيبُ الرَجُلَ خَدْشَةُ عُودٍ ولا عَثْرَةُ قَدَمٍ، ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللهُ عنهُ أكْثَرُ"». فَفي هَذا بَيانُ أنَّ تِلْكَ كُلَّها مُجازاةٌ عَلى ما يَقَعُ مِنَ الإنْسانِ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: مَعْنى الآيَةِ كَمَعْنى الَّتِي قَبْلَها في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ [النساء: ٧٨] عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ "يَقُولُونَ". فَتَقْدِيرُهُ: "فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا، يَقُولُونَ: ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ"، ويَجِيءُ القَطْعُ عَلى هَذا القَوْلِ مِن قَوْلِهِ: "وَأرْسَلْناكَ".

وقالَتْ طائِفَةٌ: بَلِ القَطْعُ في الآيَةِ مِن أوَّلِها، والآيَةُ مُضَمَّنَةٌ الإخْبارَ أنَّ الحَسَنَةَ مِنَ اللهِ وبِفَضْلِهِ، وتَقْدِيرُ ما بَعْدَهُ: وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ عَلى جِهَةِ الإنْكارِ والتَقْرِيرِ، فَعَلى هَذِهِ المَقالَةِ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ مَحْذُوفَةٌ مِنَ الكَلامِ، وحَكى هَذا القَوْلَ المَهْدَوِيُّ. و"رَسُولًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، وهي حالٌ تَتَضَمَّنُ مَعْنى التَأْكِيدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولا﴾، ثُمَّ تَلاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ تَوَعُّدٌ لِلْكَفَرَةِ، وتَهْدِيدٌ تَقْتَضِيهِ قُوَّةُ الكَلامِ، لِأنَّ المَعْنى: شَهِيدًا عَلى مَن كَذَّبَهُ، والمَعْنى أنَّ الرَسُولَ إنَّما يَأْمُرُ ويَنْهى بَيانًا مِنَ اللهِ وتَبْلِيغًا، فَإنَّما هي أوامِرُ اللهِ ونَواهِيهِ.

قالَتْ فِرْقَةٌ: سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "مَن أحَبَّنِي …

80

مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرْسَلْنَٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًۭا

He who obeys the Messenger has obeyed Allah; but those who turn away - We have not sent you over them as a guardian.

قَوْلُهُ تَعالى:

﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِنَ نَفْسِكَ وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولا وكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ ﴿مَن يُطِعِ الرَسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللهَ ومَن تَوَلّى فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ﴿وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ واللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأعْرِضْ عنهم وتَوَكَّلْ عَلى اللهِ وكَفى بِاللهِ وكِيلا﴾

قالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" شَرْطِيَّةٌ، ودَخَلَتْ "مِن" بَعْدَها لِأنَّ الشَرْطَ لَيْسَ بِواجِبٍ فَأشْبَهَ النَفْيَ الَّذِي تَدْخُلُهُ "مِن". وقالَتْ فِرْقَةٌ: "ما" بِمَعْنى "الَّذِي" و"مِن" لِبَيانِ الجِنْسِ، لِأنَّ المُصِيبَ لِلْإنْسانِ أشْياءُ كَثِيرَةٌ، حَسَنَةٌ وسَيِّئَةٌ، ورَخاءٌ وشِدَّةٌ، وغَيْرُ ذَلِكَ، والخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ. وغَيْرُهُ داخِلٌ في المَعْنى، وقِيلَ: الخِطابُ لِلْمَرْءِ عَلى الجُمْلَةِ.

ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والحَسَنِ، والرَبِيعِ، وابْنِ زَيْدٍ، وأبِي صالِحٍ، وغَيْرِهِمُ: القَطْعُ واسْتِئْنافُ الإخْبارِ مِنَ اللهِ تَعالى بِأنَّ الحَسَنَةَ مِنهُ وبِفَضْلِهِ، والسَيِّئَةَ مِنَ الإنْسانِ بِإذْنابِهِ، وهي مِنَ اللهِ بِالخَلْقِ والِاخْتِراعِ.

وفِي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَمِن نَفْسِكَ وأنا قَضَيْتُها عَلَيْكَ"، وقَرَأ بِها ابْنُ عَبّاسٍ، وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّها في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَأنا كَتَبْتُها"، ورُوِيَ أنَّ أُبَيًّا وابْنَ مَسْعُودٍ قَرَآ: "وَأنا قَدَّرْتُها عَلَيْكَ".

ويُعَضِّدُ هَذا التَأْوِيلَ أحادِيثُ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مَعْناها: أنَّ ما يُصِيبُ ابْنَ آدَمَ مِن مَصائِبَ فَإنَّما هي عُقُوبَةُ ذُنُوبِهِ، ومِن ذَلِكَ « "أنَّ أبا بَكْرٍ الصِدِّيقَ رَضِيَ اللهُ عنهُ لَمّا نَزَلَتْ ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] جَزِعَ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ألَسْتَ تَمْرَضُ؟ ألَسْتَ تَسْقَمُ؟ ألَسْتَ تَغْتَمُّ؟، وقالَ أيْضًا عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: "ما يُصِيبُ الرَجُلَ خَدْشَةُ عُودٍ ولا عَثْرَةُ قَدَمٍ، ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللهُ عنهُ أكْثَرُ"». فَفي هَذا بَيانُ أنَّ تِلْكَ كُلَّها مُجازاةٌ عَلى ما يَقَعُ مِنَ الإنْسانِ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: مَعْنى الآيَةِ كَمَعْنى الَّتِي قَبْلَها في قَوْلِهِ: ﴿وَإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ [النساء: ٧٨] عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ "يَقُولُونَ". فَتَقْدِيرُهُ: "فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا، يَقُولُونَ: ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ"، ويَجِيءُ القَطْعُ عَلى هَذا القَوْلِ مِن قَوْلِهِ: "وَأرْسَلْناكَ".

وقالَتْ طائِفَةٌ: بَلِ القَطْعُ في الآيَةِ مِن أوَّلِها، والآيَةُ مُضَمَّنَةٌ الإخْبارَ أنَّ الحَسَنَةَ مِنَ اللهِ وبِفَضْلِهِ، وتَقْدِيرُ ما بَعْدَهُ: وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ عَلى جِهَةِ الإنْكارِ والتَقْرِيرِ، فَعَلى هَذِهِ المَقالَةِ ألِفُ الِاسْتِفْهامِ مَحْذُوفَةٌ مِنَ الكَلامِ، وحَكى هَذا القَوْلَ المَهْدَوِيُّ. و"رَسُولًا" نُصِبَ عَلى الحالِ، وهي حالٌ تَتَضَمَّنُ مَعْنى التَأْكِيدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولا﴾، ثُمَّ تَلاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ تَوَعُّدٌ لِلْكَفَرَةِ، وتَهْدِيدٌ تَقْتَضِيهِ قُوَّةُ الكَلامِ، لِأنَّ المَعْنى: شَهِيدًا عَلى مَن كَذَّبَهُ، والمَعْنى أنَّ الرَسُولَ إنَّما يَأْمُرُ ويَنْهى بَيانًا مِنَ اللهِ وتَبْلِيغًا، فَإنَّما هي أوامِرُ اللهِ ونَواهِيهِ.

قالَتْ فِرْقَةٌ: سَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "مَن أحَبَّنِي …

Commentary: Al-Muharrar al-Wajiz by Ibn 'Atiyyah. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.