Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi

Ayahs 61–70 of 176

61

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًۭا

And when it is said to them, "Come to what Allah has revealed and to the Messenger," you see the hypocrites turning away from you in aversion.

قوله تعالى: {رَأَيْتَ} : فيها وجهان، أحدُهما: أنها من رؤية البصر أي: مجاهرة وتصريحاً. والثاني: انها من رؤية القلب أي: «علمت» ، ف «يصدُّون» في محل نصب على الحال القول الأول، وفي محلِّ المفعول الثاني على الثاني. و «صدوداً» فيه وجهان، احدهما: أنه اسم مصدر، والمصدر إنما هو الصدُّ، وهذا اختبار ابن عطية، وعزاه مكي للخليل بن أحمد. والثاني: انه مصدر بنفسه يقال: صد صَدًّاً وصُدوداً، وقال بعضُهم: «الصُّدود: مصدر» صَدَّ «اللازم، والصَّدُّ مصدر» صد «المتعدي، نحو: {فَصَدَّهُمْ عَنِ السبيل} [النمل: 24] ، والفعل هنا متعدِّ بالحرف لا بنفسِه، فلذلك جاء مصدرُه على» فُعُول «لأنَّ فُعولاً غالباً للازم» وهذا فيه نظرٌ، إذ لقائلٍ أَنْ يقولَ: هو هنا متعد، غايةُ ما فيه أنه حَذَف المفعول أي: يَصُدُّون غيرهم - أو المتحاكمين عندك - صدوداً، وأمَّا فُعول فاء في المتعدي نحو: لزمه لُزوماً وفتنة فُتوناً.

62

فَكَيْفَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّآ إِحْسَٰنًۭا وَتَوْفِيقًا

So how [will it be] when disaster strikes them because of what their hands have put forth and then they come to you swearing by Allah, "We intended nothing but good conduct and accommodation."

قوله تعالى: {فَكَيْفَ} : يجوز في «كيف» وجهان، أحدهما: انها في محل نصب، وهو قول الزجاج قال: «تقديره: فكيف تراهم» والثاني: أنها في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف أي: فكيف صنيعُهم في وقت إصابة المصيبة إياهم؟ و «إذا معمولةٌ لذلك المقدر بعد» كيف «، والباء في» بما «للسببية، و» ما «يجوز أن تكونَ مصدريةً أو اسمية، فالعائدُ محذوف. قوله: {يَحْلِفُونَ} حال من فاعل» جاؤوك «و» إنْ «نافية أي: ما أردنا و» إحسانا «مفعول به، أو استثناء على حسب القولين في المسألة.

63

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِىٓ أَنفُسِهِمْ قَوْلًۢا بَلِيغًۭا

Those are the ones of whom Allah knows what is in their hearts, so turn away from them but admonish them and speak to them a far-reaching word.

قوله تعالى: {في أَنْفُسِهِمْ} : فيه أوجه: أَوْجهُها: أن يتعلق ب «قل» وفيه معنيان، الأولُ: قل لهم خالياً لا يكون معهم أحد، لأنَّ ذلك أَدْعى إلى قَبول النصحية. الثاني: قل لهم في معنى أنفسهم المنطوية على النفاق قولاً يَبْلُغ بهم ما يَزْجُرهم عن العَوْدِ إلى النفاق. الثاني من الأوجهِ أَنْ يتعلَّق ب «بليغاً» أي: قولاً مؤثِّراً في قلوبِهم يغتمُّون به اغتماماً، ويستشعرون به استشعاراً، قال معناه الزمخشري، ورَدَّ عليه الشيخ بأنَّ هذا مذهبُ الكوفيين، إذ فيه تقديمُ معمولِ الصفة على الموصوف، لو قلت: «جاء زيداً رجلٌ يضربُ» لم يجز عند البصريين؛ لأنه لا يتقدم المعمولُ إلا حيث يجوز تقديم العامل، والعامل هنا لا يجوزُ تقديمه؛ لأن الصفة لا تتقدم على الموصوف، والكوفيون يجيزون تقديم معمولَ الصفة على الموصوف، وأمَّا قول البصريين: إنه لا يتقدم المعمول إلا حيث يتقدم العامل ففيه بحث، وذلك أنَّا وجدنا هذه القاعدة منخرمةً في قوله: {فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ} [الضحى: 9 - 10] ف «اليتيم» معمول «ل» تقهر «، و» السائل «معمول ل» تنهر «وقد تقدًّما على» لا «الناهية، والعاملُ فيهما لا يجوز تقديمُه عليها إذ، المجزوم لا يتقدَّم على جازمه، فقد تقدَّم المعمول حيث لا يتقدم العامل، وكذلك قالوا في قوله:

1602 - قنافِذُ هَدَّاجون حولَ بيوتِهم ... بما كان إيَّاها عطيَّةُ عَوَّدا

خَرَّجوا هذا البيتَ على أنَّ في» كان «ضميرَ الشان، و» عَطِيَّةُ «مبتدأ و» عَوَّدَ «خبرُه، حتى لا يَليَ» كان «معمولُ خبرها، وهو غيرُ ظرفٍ ولا شِبْهِه، فلزمهم من ذلك تقديمُ المعمول وهو» إياهم «حيث لايتقدمَ العاملُ؛ لأن الخبرَ متى كان فعلاً رافعاً لضمير مستتر امتنع تقديمه على المبتدأ / لئلا يلتبسَ بالفاعل نحو:» زيد ضرب عمراً «وأصلُ منشأ هذا البحث تقديمُ خبرِ» ليس «عليها، أجازه الجمهور لقوله تعالى: {أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ} [هود: 8] ووجه الدليلِ أنَّ» يوم «معمولٌ ل» مصروفاً «، وقد تقدَّم على» ليس «وتقديمُ المعمولِ يُؤْذِنُ بتقديم العامل، فَعُورضوا بما ذ‍َكَرْتُ لك، وللنظر في هذا البحثِ مجالٌ ليس هذا محلَّه، وقد أتقنت ذلك في كتابي» الشرحُ الكبير: شرح تسهيل الفوائد «فعليك به. الثالث: ونُقِل عن مجاهد ولا أظنُّه يَصِحُّ عنه - أنه متلعق ب» مصيبة «فهو التقديم والتأخير، والقرآن يُنَزَّهُ عن ذلك، وإنما ذَكَرْتُه تنبيهاً على ضَعْفه.

64

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا۟ ٱللَّهَ تَوَّابًۭا رَّحِيمًۭا

And We did not send any messenger except to be obeyed by permission of Allah. And if, when they wronged themselves, they had come to you, [O Muhammad], and asked forgiveness of Allah and the Messenger had asked forgiveness for them, they would have found Allah Accepting of repentance and Merciful.

قوله تعالى: {لِيُطَاعَ} هذه لام كي، والفعل بعدها منصوب بإضمار «أن» وهذا استثناءٌ مفرغ من المفعول له، والتقدير: وما أرسلنا من رسولٍ لشيءٍ من الأشياء إلا للطاعة. «وبإذن الله» فيه ثلاثة أوجه، أحدهما: [أنه] متعلقٌ ب «يُطاع» ، والباء للسببية، وإليه ذهب أبو البقاء، قال: «وقيل: هو مفعولٌ به أي: بسبب أمر الله» . الثاني: أن يتعلق ب «أرسلنا» أي: وما أَرْسلنا بأمر الله أي: بشريعته. الثالث: أن يتعلق بمحذوف على أنه حالٌ من الضمير في «يطاعَ» ، وبه بدأ أبو البقاء. وقال ابن عطية: «وعلى التعليقين: أي: تعليِقِه ب» يُطاعَ «أو ب» أَرْسلنا «فالكلامُ عامُّ اللفظِ خاصُّ المعنى؛ لأنَّا نقطعُ أن الله تعالى قد أراد من بعضِهم ألاَّ يُطيعوه، ولذلك تَأوَّلَ بعضُهم الإِذنَ بالعلم وبعضُهم بالإِرشاد» قال الشيخ: «ولا يُحتاج لذلك لأن قوله» عامُّ اللفظ «ممنوعُ، وذلك أن» يُطاع «مبني للمفعول، فيقدَّر ذلك الفاعلُ المحذوفَ خاصاً، وتقديره:» إلا ليطيعَه مَنْ أراد اللَّهُ طاعتَه «.

قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ} قد تقدَّم الكلامُ على» أنَّ «الواقعةِ بعد» لو «و» إذ «ظرفٌ معمولٌ لخبر» أنَّ «وهو» جاؤوك «وقال: {واستغفر لَهُمُ الرسول} ولم يَقُلْ» واستغفرت «خروجاً من الخطاب إلى الغَيْبة؛ لِما في هذا الاسم الظاهر من التشريفِ والتنويه بوصف الرسالة. و» وجَد «هنا يُحْتَملُ أن تكونَ العِلْمية فتتعدى لاثنين، والثاني» تواباً «وأن تكون غيرَ العِلْمية فتتعدى لواحد، ويكون» تواباً «حالاً. وأمَّا» رحيماً «فيحتمل أن يكون حالاً من ضمير» تَوَّاباً «وأن يكون بدلاً من» تواباً «ويُحتمل أن يكونَ خبراً ثانياً في الأصل بناء على تعدُّد الخبر وهو الصحيح، فلمَّا دخل الناسخُ نُصِبَ الخبرُ المتعدد تقول:» زيدٌ فاضلٌ شاعرٌ فقيه عالم «ثم تقول:» علمتُ زيدا فاضلاً شاعراً فقيهاً عالماً «إلا أنه لا يَحْسُن أن يقال هنا:» وشاعراً: مفعول ثالث، وفقيهاً: رابع، وعالماً: خامس «.

65

فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًۭا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًۭا

But no, by your Lord, they will not [truly] believe until they make you, [O Muhammad], judge concerning that over which they dispute among themselves and then find within themselves no discomfort from what you have judged and submit in [full, willing] submission.

قوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} : في هذه المسألةِ أربعة أقوال، أحدها: وهو قول ابن جرير أنَّ «لا» الأولى رَدٌّ لكلام تقدَّمها، تقديرُه: «فلا تعقِلون، أو: ليس الأمرُ كما يزعمون من أنهم آمنوا بما أنزل إليك، ثم استأنف قسماً بعد ذلك، فعلى هذا يكون الوقف على» لا «تاماً. الثاني: أن» لا «الأولى قُدِّمَتْ على القسم اهتماماً بالنفي، ثم كُرِّرت توكيداً، وكان يَصِحُّ إسقاطُ الأولى ويبقى [معنى] النفي ولكن تفوتُ الدلالةُ على الاهتمامِ المذكورِ، وكان يَصِحُّ إسقاطُ الثانيةِ ويبقى معنى الاهتمامِ، ولكن تفوتُ الدلالةُ النفي، فجُمع بينهما لذلك. الثالث: أن الثانيةَ زائدةٌ، والقَسَمُ معترِضٌ بين حرفِ النفي والمنفي، وكأنَّ التقديرَ: فلا يؤمنون وربِّك. الرابع: أن الأولى زائدة، والثانيةَ غيرُ زائدةٍ، وهو اختيارُ الزمخشري فإنه قال:» لا «مزيدةٌ لتأكيد معنى القسم كما زيدت في {لِّئَلاَّ يَعْلَمَ} [الحديد: 29] لتأكيدِ وجوبِ العلمِ، و» لا يؤمنون «جوابُ القسم، فإنْ قلت: هَلاَّ زعمت أنها زِيدت لتظاهر» لا «في» لا يؤمنون «قلت: يأبى ذلك استواءُ النفيِ والإثبات فيه، وذلك قوله: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ} [الحاقة: 38] يعني أنه قد جاءت» لا «قبل القسم حيث لم تكن» لا «موجودةً في الجواب، فالزمخشري يرى ان» لا «في قوله تعالى: {فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُون} [الحاقة: 38] أنها زائدةٌ أيضاً لتأكيدِ معنى القسم، وهو أحدُ القولين، والقولُ الآخر كقول الطبري المتقدم، ومثلُ الآية في التخاريج المذكورة قولُ الآخر:

1603 - فلا واللَّهِ لا يُلْفَى لِما بي ... ولا لَلِما بهم أبداً دواءُ

قوله {حتى يُحَكِّمُوكَ} :» حتى «غايةٌ متعلقة بقوله» لا يؤمنون «أي: ينتفي عنهم الإيمانُ إلى هذه الغاية وهي تحكيمك وعدمُ وجدانِهم الحرجَ وتسليمُهم لأمرك. والتفت في قوله» ربِّك «من الغَيْبة في قوله {واستغفر لَهُمُ الرسول} رجوعاً إلى قوله» ثم جاؤوك «وقرأ أبو السَّمَّال:» شَجْر «بسكون الجيم هرباً من توالي الحركات وهي ضعيفةٌ، لأنَّ الفتحَ أخو السكون. و» بينهم «ظرف منصوب ب» شجر «هذا هو الصحيح، وأجاز أبو البقاء فيه أن يكونَ حالاً وجعل في صاحب هذه الحال احتمالين، أحدُهما: أن يكون حالاً من» ما «الموصولة، والثاني: أنه حال من فاعل» شجر «وهو نفس الموصول أيضاً في المعنى، فعلى هذا يتعلق بمحذوف، و» ثم لا يجدوا «عطفٌ على ما بعد» حتى «،» ويَجِدُوا «يَحْتمل أن تكون المتعديةَ لاثنين، فيكونُ الأول» حرجاً «والثاني الجارُّ قبلَه فيتعلَّقُ بمحذوف، وأن تكونَ المتعدية لواحد فيجوز في» في أنفسهم «وجهان، أحدهما: أنه متعلق ب» يجدوا «تعلُّقَ الفَضَلات.

والثاني: أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه حالٌ من «حَرَجاً» لأنَّ صفةَ النكرةِ لَمَّا قُدِّمَتْ عليها انتصبَتْ حالاً.

و {مِّمَّا قَضَيْتَ} فيه وجان، أحدُهما: أنه متعلقٌ بنفس «حرجاً» ؛ لأنك تقول: «خَرَجْتُ من كذا» والثاني: أنه متعلق بمحذوف، فهو في محلِ نصبٍ لأنه صفة ل «حرجاً» و «ما» يجوز أن تكونَ مصدريةً، وأن تكون بمعنى الذي، أي: حرجاً من قضائك، أومن الذي قضيته، وأن تكونَ نكرةً موصوفةً، فالعائدُ على هذين القولين محذوف.

66

وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُوا۟ مِن دِيَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌۭ مِّنْهُمْ ۖ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا۟ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًۭا

And if We had decreed upon them, "Kill yourselves" or "Leave your homes," they would not have done it, except for a few of them. But if they had done what they were instructed, it would have been better for them and a firmer position [for them in faith].

قوله تعالى: {أَنِ اقتلوا} : «أن» فيها وجهان، أحدُهما: أنها المفسرةُ؛ لأنها أتت بعدما هو بمعنى القولِ لا حروفِه، وهذا أَظْهَرُ. والثاني: أنها مصدريةٌ، وما بعدها من فعل الأمر صلتُها وفيه إشكال من حيث إنه أذا سُبِكَ منها ومِمَّا بعدها مصدرٌ فاتت الدلالة على الأمر، ألا ترى أنك إذا قلت: «كتبت إليه أَنْ قم» فيه من الدلالة على طلبِ القيامِ بطريقِ الأمر ما لا في قولِك: «كتبت إليه القيامَ» ولكنهم جَوَّزوا ذلك، واستدلُّوا بقولهم «كتبت إليه بأَنْ قم» ، ووجهُ الدلالةِ أنَّ حرفَ الجَرِّ لا يُعَلَّق، وتحريرُ المبحثِ في ذلك في «الشرح الكبير للتسهيل» .

وقرأ أبو عمرو بكسرِ نون «أَنْ» ، وضم واو «أو» وكسرهما حمزة وعاصم، وضَمَّهما باقي السبعة، فالكسرُ على أصل التقاء الساكنين، والضمُّ للإتباع للثالث، إذ هو مضمومٌ ضمةً لازمة، وإنما فَرَّق أبو عمرو لأن الواوَ أختُ الضمةِ، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك في البقرة عند قوله: {فَمَنِ اضطر} [الآية: 173] .

قوله: {مَّا فَعَلُوهُ} الهاء يُحْتمل أن تكون ضمير مصدر «اقتلوا» أو «اخرجوا» أي: ما فعلوا القتل أو ما فعلوا الخروج. وقد أبعد فخر الدين الرازي حيث زعم أنها تعودُ إليهما معاً، لنُبُوِّ الصناعة عنه. [وأجاز أبو البقاء وجهاً رابعاً] : وهو أن يعودَ على المكتوبِ ودَلَّ عليه «كتبنا» .

قوله: {إِلاَّ قَلِيلٌ} رفعُهُ من وجهين، أحدهما: أنه بدلٌ من فاعل «فَعَلوه» وهو المختارُ على النصب؛ لأن الكلامَ غيرُ موجبٍ، الثاني: أنه معطوفُ على ذلك الضمير المرفوع، و «إلاَّ» حرفُ عطف، وهذا رأي الكوفيين، ولهذه المسألةِ موضوعٌ غير هذا. وقرأ ابن عامر وجماعة: «إلا قليلاً» نصباً وفيه وجهان، أشهرُهما: أنه نصب على الاستثناء وإن كان الاختيارُ الرفَع؛ لأنَّ المعنى موجودٌ معه كما هو موجود مع النصب، ويَزيدُ عليه بموافقة اللفظ. والثاني: أنه صفة لمصدر محذوف تقديرُه: «إلا فعلاً قليلاً» قاله الزمخشري، وفي نظرٌ، إذ الظاهرُ أنَّ «منهم» صفةٌ ل «قليلاً» ومتى حُمِل القليلُ على غير الأشخاص يَقْلَق هذا التركيب، إذلا فائدةَ حينئذ في ذِكْرِ «منهم» .

قوله: {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ} قد تقدَّم الكلام على نظير هذه المسألة في مواضع، «وما» في «ما يوعظون» موصولةٌ اسمية. والباءُ في «به» تحتمل أن تكونَ المعدِّيةَ دخلت على الموعوظ به، والموعوظُ به على هذا هو التكاليف من الأوامر والنواهي، وتُسَمَّى أوامرُ اللَّهِ تعالى ونواهيه مواعظَ لأنها مقترنةٌ بالوعد والوعيد، وأَنْ تكونَ للسبية، والتقدير: ما يوعظون بسببه أي: بسبب تَرْكِه، ودلَّ على التَرْكِ المحذوفِ قولُه: «ولو أنهم فعلوا» واسمُ كان ضميرٌ عائد على الفعلِ المفهوم من قوله {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواُْ} أي: لكان فعلُ ما يُوعظون به، و «خيراً» خبرها، و «تثبيتاً» تمييز ل «أشد» .

67

وَإِذًۭا لَّءَاتَيْنَٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجْرًا عَظِيمًۭا

And then We would have given them from Us a great reward.

و {وَإِذاً} : حرفُ جوابٍ وجزاءٍ. وهل هذان المعنيان لازِمان لها، أو تكونُ جواباً فقط؟ قولان، الأول قول الشلوبين تَبَعاً لظاهر قول سيبويه. والثاني: قول الفارسي، فإذا قال القائل: «أزورُك غداً» فقلت: «إذن أكرمَك» فهي عنده جواب وجزاء، وإذا قلت «إذاً أظنَّك صادقاً» كانت حرفَ جواب فقط، وكأنه أخذ هذا من قرينة الحال، وقد تقدَّم أنها من النواصِب للمضارع بشروطٍ ذُكِرت. وقال أبو البقاء: «وإذَنْ جوابٌ ملغاةٌ» فظاهرُ هذه العبارةِ موافقٌ لقول الفارسي، وفيه نظرٌ، لأن الفارسيَّ لا يقول في مثلِ هذه الآية إنها جواب فقط، وكونُها جواباً يحتاجُ إلى شيءٍ مقدَّرٍ. قال الزمخشري: وإذن جوابٌ لسؤالٍ مقدَّرٍ كأنه قيل: وماذا يكون لهم بعد التثبيتِ أيضاً فقيل: لو تثبتوا لآتيناهم لأنَّ «إذَنْ» جوابٌ وجزاء. و «مِنْ لَدُنّا» فيه وجهان أظهرُهما: أنه متعلقٌ ب «آتيناهم» والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوف لأنه حالٌ من «أجراً» ؛ لأنه في الأصل صفةُ نكرةٍ قُدِّمَتْ عليها، و «أجراً» مفعولٌ ثانٍ ل «آتيناهم» .

68

وَلَهَدَيْنَٰهُمْ صِرَٰطًۭا مُّسْتَقِيمًۭا

And We would have guided them to a straight path.

و {صِرَاطاً} : مفعولٌ ثانٍ ل «هدَيْناهم» .

69

وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّۦنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُو۟لَٰٓئِكَ رَفِيقًۭا

And whoever obeys Allah and the Messenger - those will be with the ones upon whom Allah has bestowed favor of the prophets, the steadfast affirmers of truth, the martyrs and the righteous. And excellent are those as companions.

قوله تعالى: {مِّنَ النبيين} : فيه أربعةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنه بيانٌ للذين أَنْعَم الله عليهم. والثاني: أنه حالٌ من الضميرِ المجرور في « عليهم» ، والثالث: أنه حالٌ من الموصولِ وهو في المعنى كالأول، وعلى هذين الوجهين فيتعلَّق بمحذوفٍ أي: كائنين من النبيين. والرابع: أن يتعلَّق ب «يُطِعِ» قال الراغب: «اي: ومَنْ يُطِع الله والرسول من النبيين ومن بعدهم، ويكونُ قوله: {فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم} إشارةً إلى الملأ الأعلى، ثم قال: {وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً} ويُبَي‍ِّن ذلك قولُه عليه السلام عند الموت:» اللهم أَلْحِقْني بالرفيق الأعلى «وهذا ظاهرٌ» انتهى. وقد أفسده الشيخ من جهة لامعنى ومن جهة الصناعة. أمَّا مِنْ جهةِ المعنى فلأِنَّ الرسولَ هنا هو محمدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد أَخْبَرَ تعالى أنه مَنْ يُطِعِ الله ورسوله فهو مع ذُكر، ولو جُعل «مِن النبيين» متعلِّقاً ب «يُطِع» لكان «من النبيين» تفسيراً ل «مَنْ» الشرطية «فيلزم أن يكونَ في زمانه عليه السلام أو بعده أنبياءُ يطيعونه، وهذا غيرُ ممكنٍ لقوله تعالى: {وَخَاتَمَ النبيين} [الأحزاب: 30] وقوله عليه السلام:» لا نبيَّ بعدي «وأمَّا مِنْ جهةِ الصناعةِ فلأِنَّ ما قبل الفاء الواقعةِ جواباً للشرط لا يعمل فيما بعدها، لو قلت:» إنْ تضرب يقم عمروٌ زيداً لم يَجُزْ «وهل هذه الأوصافُ الأربعةُ لصنفٍ واحدٍ من الناس أو لأصنافٍ مختلفة؟ قولان.

قوله: {وَحَسُنَ أولئك رَفِيقاً} في نصبِ» رفيقاً «قولان، أحدهما: أنه تمييزٌ، والثاني: أنه حالٌ، وعلى تقديرِ كونِه تمييزاً في احتمالان، أحدُهما: أن يكونَ منقولاً من الفاعلية وتقديرهُ:» وحِسُنَ رفيقُ أولئك «فالرفيقُ على هذا غيرُ المميِّز، ولا يجوزُ دخولُ» مِنْ «عليه.

والثاني: ألاَّ يكونَ منقولاً، فيكونُ نفسَ المميِّز، وتدخل عليه» مِنْ «وإنما أتى به هنا مفرداً لأحدِ معنيين: إمَّا لأنَّ الرفيقَ كالخليطِ والصديق في وقوعِها على المفردِ والمثنى والمجموع بلفظٍ واحدٍ، وإمَّا اكتفاءً بالواحد عن الجمعِ لفَهْمِ المعنى، وحَسَّن ذلك كونُه فاصلةً. ويجوز في» أولئك «أن يكونَ إشارةً إلى النبيين ومَنْ بعدهم، وأَنْ يكونَ إشارةً إلى مَنْ يُطِع اللَّهَ ورسولَه، وإنَّما جَمَع على معناها، وعلى هذا فيُحتمل أَنْ يقال: إنه راعى لفظ» مَنْ «فأفردَ في قوله» رفيقاً «ومعناها فجمع في قوله» أولئك «، إلا أن البَداءَةَ في ذلك بالحَمْل على اللفظ أحسنُ، وعلى هذا فيكونُ قد جَمَعَ فيها بين الحملِ على اللفظ في» يُطِعْ «ثم على المعنى في» أولئك «ثم على اللفظ في» رفيقاً «.

والجمهورُ على فتح الحاء وضم السين من «حَسُن» وقرأ أبو السمَّال بفتحِها وسكونِ السينِ تخفيفاً نحو «عَضْد» في «عَضُد» وهي لغة تميم، ويجوز: «وحُسْن» بضم الحاء وسكون السين، كأنهم نقلوا حركة العينِ إلى الفاء بعد سَلْبِها حركتَها وهذه لغةُ بعض قيس.

وجَعَل الزمخشري هذا من بابِ التعجب فإنه قال: «فيه معنى التعجب كأنه قيل: وما أَحْسَنَ أولئك رفيقاً، ولاستقلاِله بمعنى التعجب قُرئ» وحَسْنَ «بسكون السين، يقول المتعجب:» حَسُنَ الوجهُ وجهُك «و» حَسْن الوجهُ وجهك «بالفتح والضم مع التسكين» قال الشيخ: «وهو تخليطٌ وتركيب مذهبٍ على مذهبٍ، فنقول: اختلفوا في» فَعُل «المرادِ به المدحُ: فذهب الفارسي وأكثر النحويين، إلى جواز إلحاقهِ بباب نعم وبئس فقط فلا يكون فاعلُه إلا ما يكونُ فاعلاً لهما. وذهب الأخفش والمبرد إلى جواز إلحاقه بباب نعم وبئس فيُجْعَلُ فاعلُه كفاعِلهما، وذلك إذا لم يَدْخُلْه معنى التعجب، وإلى جواز ألحاقه بفعلِ التعجبِ فلا يَجْرِي مَجْرى نعم وبئس في الفاعل ولا في بقية أحكامهما، فتقول:» لَضَرُبَتْ يَدُكَ «و» لَضَرُبَتِ اليدُ «، فأخذ التعجب من مذهب الأخفش، والتمثيل من مذهب الفارسي، فلم يَتَّبع مذهباً من المذهبين. وأمَّا جَعْلُه التسكينَ …

70

ذَٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيمًۭا

That is the bounty from Allah, and sufficient is Allah as Knower.

قوله تعالى: {ذلك الفضل مِنَ الله} : «ذلك» مبتدأ، وفي الخبر وجهان، أحدُهما: أنه «الفضلُ» والجارُّ في محلِّ نصب على الحال، والعاملُ فيها معنى الإِشارة والثاني: أنه الجارُّ، و «الفضلُ» صفةٌ لاسم الإِشارة، ويجوز أن يكون الفضلُ والجارُّ بعدَه خبرين ل «ذلك» على رأي مَنْ يُجيزه قوله: {وكفى بالله عَلِيماً} . قال ابن عطية «ولذلك دخلت الباءُ على اسمِ الله لتدلَّ على الأمر» /، وقد تقدَّم الكلامُ على هذه المسألة مستوفى.

Commentary: Al-Durr al-Masun by Al-Samin al-Halabi. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.