وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًۭا
And when it is said to them, "Come to what Allah has revealed and to the Messenger," you see the hypocrites turning away from you in aversion.
قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ فِيهِ تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن حالِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ادَّعَوْا لِأنْفُسِهِمْ أنَّهم قَدْ جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ بِما أُنْزِلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وهو القُرْآنُ، وما أُنْزِلَ عَلى مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ، فَجاءُوا بِما يَنْقُضُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الدَّعْوى ويُبْطِلُها مِن أصْلِها ويُوَضِّحُ أنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ أصْلًا، وهو إرادَتُهُمُ التَّحاكُمُ إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا فِيما أُنْزِلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وعَلى مَن قَبْلَهُ أنْ يَكْفُرُوا بِهِ، وسَيَأْتِي بَيانُ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ، وبِهِ يَتَّضِحُ مَعْناها. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الطّاغُوتِ والِاخْتِلافُ في مَعْناهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ويُرِيدُ الشَّيْطانُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: يُرِيدُونَ والجُمْلَتانِ مَسُوقَتانِ لِبَيانِ مَحَلِّ التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَفْعَلُونَ ؟ فَقِيلَ: يُرِيدُونَ كَذا، ويُرِيدُ الشَّيْطانُ كَذا. وقَوْلُهُ: ضَلالًا مَصْدَرٌ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ أوْ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الفِعْلُ المَذْكُورُ، والتَّقْدِيرُ: ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم فَيَضِلُّونَ ضَلالًا.
﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ والصُّدُودُ: اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ، وهو الصَّدُّ عِنْدَ الخَلِيلِ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ أنَّهُما مَصْدَرانِ؛ أيْ: يُعْرِضُونَ عَنْكَ إعْراضًا. قَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ بَيانٌ لِعاقِبَةِ أمْرِهِمْ وما صارَ إلَيْهِ حالُهم؛ أيْ: كَيْفَ يَكُونُ حالُهم ﴿إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ أيْ وقْتَ إصابَتِهِمْ، فَإنَّهم يَعْجِزُونَ عِنْدَ ذَلِكَ ولا يَقْدِرُونَ عَلى الدَّفْعِ.
والمُرادُ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ ما فَعَلُوهُ مِنَ المَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها التَّحاكُمُ إلى الطّاغُوتِ ثُمَّ جاءُوكَ يَعْتَذِرُونَ عَنْ فِعْلِهِمْ، وهو عَطْفٌ عَلى أصابَتْهم وقَوْلُهُ: يَحْلِفُونَ حالٌ؛ أيْ: جاءُوكَ حالَ كَوْنِهِمْ حالِفِينَ ﴿إنْ أرَدْنا إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ أيْ: ما أرَدْنا بِتَحاكُمِنا إلى غَيْرِكَ إلّا الإحْسانَ لا الإساءَةَ، والتَّوْفِيقَ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ لا المُخالَفَةَ لَكَ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: مَعْناهُ ما أرَدْنا إلّا عَدْلًا وحَقًّا مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى﴾ [التوبة: ١٠٧] .
فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ مِنَ النِّفاقِ والعَداوَةِ لِلْحَقِّ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم مُنافِقُونَ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم﴾ أيْ: عَنْ عِقابِهِمْ، وقِيلَ: عَنْ قَبُولِ اعْتِذارِهِمْ وعِظْهم أيْ: خَوِّفْهم مِنَ النِّفاقِ ﴿وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: في حَقِّ أنْفُسِهِمْ، وقِيلَ مَعْناهُ: قُلْ لَهم خالِيًا بِهِمْ لَيْسَ مَعَهم غَيْرُهم قَوْلًا بَلِيغًا أيْ: بالِغًا في " وعْظِهِمْ " إلى المَقْصُودِ مُؤَثِّرًا فِيهِمْ، وذَلِكَ بِأنْ تَوَعَّدَهم بِسَفْكِ دِمائِهِمْ وسَبْيِ نِسائِهِمْ وسَلْبِ أمْوالِهِمْ.
﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ﴾ " مِن " زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ إلّا لِيُطاعَ فِيما أمَرَ بِهِ ونَهى عَنْهُ بِإذْنِ اللَّهِ بِعِلْمِهِ، وقِيلَ: بِتَوْفِيقِهِ ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِتَرْكِ طاعَتِكَ والتَّحاكُمِ إلى غَيْرِكَ جاءُوكَ مُتَوَسِّلِينَ إلَيْكَ مُتَنَصِّلِينَ عَنْ جِناياتِهِمْ ومُخالَفَتِهِمْ …