وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًۭا
And when it is said to them, "Come to what Allah has revealed and to the Messenger," you see the hypocrites turning away from you in aversion.
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ .
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِ هَؤُلاءِ، ناسَبَ الِانْتِقالَ إلَيْهِ مِن مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] . والمَوْصُولُ مُرادٌ بِهِ قَوْمٌ مَعْرُوفُونَ وهم فَرِيقٌ مِنَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا مِنَ اليَهُودِ وأظْهَرُوا الإسْلامَ لِقَوْلِهِ ﴿رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ﴾، ولِذَلِكَ قالَ ﴿يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ .
وقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ اخْتِلافًا مُتَقارِبًا: فَعَنْ قَتادَةَ والشَّعْبِيِّ أنَّ يَهُودِيًّا اخْتَصَمَ مَعَ مُنافِقٍ اسْمُهُ بِشْرٌ فَدَعا اليَهُودِيُّ المُنافِقَ إلى التَّحاكُمِ عِنْدَ النَّبِيءِ ﷺ لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَأْخُذُ الرِّشْوَةَ ولا يَجُورُ في الحُكْمِ، ودَعا المُنافِقُ إلى التَّحاكُمِ عِنْدَ كاهِنٍ مِن جُهَيْنَةَ كانَ بِالمَدِينَةِ.
صفحة ١٠٣
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اليَهُودِيَّ دَعا المُنافِقَ إلى التَّحاكُمِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنَّ المُنافِقَ دَعا إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ.
فَأبى اليَهُودِيُّ وانْصَرَفا مَعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَضى لِلْيَهُودِيِّ، فَلَمّا خَرَجا، قالَ المُنافِقُ: لا أرْضى، انْطَلِقْ بِنا إلى أبِي بَكْرٍ، فَحَكَمَ أبُو بَكْرٍ بِمِثْلِ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ، فَقالَ المُنافِقُ: انْطَلِقْ بِنا إلى عُمَرَ، فَلَمّا بَلَغَ عُمَرَ، وأخْبَرَهُ اليَهُودِيُّ الخَبَرَ وصَدَّقَهُ المُنافِقُ، قالَ عُمَرُ: رُوَيْدَكُما حَتّى أخْرُجَ إلَيْكُما، فَدَخَلَ وأخَذَ سَيْفَهُ ثُمَّ ضَرَبَ بِهِ المُنافِقَ حَتّى بَرَدَ، وقالَ: هَكَذا أقْضِي عَلى مَن لَمْ يَرْضَ بِقَضاءِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
«وقالَ جِبْرِيلُ: إنَّ عُمَرَ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فَلَقَّبَهُ النَّبِيءُ ﷺ الفارُوقَ» .
وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ بَيْنَ قُرَيْظَةَ والخَزْرَجِ حِلْفٌ، وبَيْنَ النَّضِيرِ والأوْسِ حِلْفٌ في الجاهِلِيَّةِ، وكانَتِ النَّضِيرُ أكْثَرَ وأشْرَفَ، فَكانُوا إذا قَتَلَ قُرَظِيٌّ نَضِيرِيًّا قُتِلَ بِهِ وأخَذَ أهْلُ القَتِيلِ دِيَةَ صاحِبِهِمْ بَعْدَ قَتْلِ قاتِلِهِ، وكانَتِ الدِّيَةُ مِائَةَ وسْقٍ مِن تَمْرٍ، وإذا قَتَلَ نَضِيرِيٌّ قُرَظِيًّا لَمْ يُقْتَلْ بِهِ وأعْطى دِيَتَهُ فَقَطْ: سِتِّينَ وسْقًا.
فَلَمّا أسْلَمَ نَفَرٌ مِنَ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ قَتَلَ نَضِيرِيٌّ قُرَظِيًّا واخْتَصَمُوا، فَقالَتِ النَّضِيرُ: نُعْطِيكم سِتِّينَ وسْقًا كَما كُنّا اصْطَلَحْنا في الجاهِلِيَّةِ، وقالَتْ قُرَيْظَةُ: هَذا شَيْءٌ فَعَلْتُمُوهُ في الجاهِلِيَّةِ لِأنَّكم كَثُرْتُمْ وقَلَلْنا فَقَهَرْتُمُونا، ونَحْنُ اليَوْمَ إخْوَةٌ ودِينُنا ودِينُكم واحِدٌ، فَقالَ بَعْضُهم وكانَ مُنافِقًا: انْطَلِقُوا إلى أبِي بُرْدَةَ وكانَ أبُو بُرْدَةَ كاهِنًا يَقْضِي بَيْنَ اليَهُودِ فِيما يَتَنافَرُونَ إلَيْهِ فِيهِ.
وقالَ المُسْلِمُونَ: لا بَلْ نَنْطَلِقُ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. وأبُو بُرْدَةَ بِدالٍ بَعْدَ الرّاءِ عَلى الصَّحِيحِ، وكَذَلِكَ وقَعَ في مَفاتِيحِ الغَيْبِ، وفي الإصابَةِ لِابْنِ حَجَرٍ، ووَقَعَ في كُتُبٍ كَثِيرَةٍ بِزايٍ بَعْدَ الرّاءِ وهو تَحْرِيفٌ اشْتَبَهَ بِأبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ نَضْلَةَ …