Muslim99Muslim99
← Tafsir library

4. An-Nisaa

The Women · Medinan · 176 ayahs

سُورَةُ النِّسَاءِ

Reading Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur

Ayahs 61–70 of 176

61

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًۭا

And when it is said to them, "Come to what Allah has revealed and to the Messenger," you see the hypocrites turning away from you in aversion.

﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ .

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِ هَؤُلاءِ، ناسَبَ الِانْتِقالَ إلَيْهِ مِن مَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] . والمَوْصُولُ مُرادٌ بِهِ قَوْمٌ مَعْرُوفُونَ وهم فَرِيقٌ مِنَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا مِنَ اليَهُودِ وأظْهَرُوا الإسْلامَ لِقَوْلِهِ ﴿رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ﴾، ولِذَلِكَ قالَ ﴿يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ .

وقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ اخْتِلافًا مُتَقارِبًا: فَعَنْ قَتادَةَ والشَّعْبِيِّ أنَّ يَهُودِيًّا اخْتَصَمَ مَعَ مُنافِقٍ اسْمُهُ بِشْرٌ فَدَعا اليَهُودِيُّ المُنافِقَ إلى التَّحاكُمِ عِنْدَ النَّبِيءِ ﷺ لِعِلْمِهِ أنَّهُ لا يَأْخُذُ الرِّشْوَةَ ولا يَجُورُ في الحُكْمِ، ودَعا المُنافِقُ إلى التَّحاكُمِ عِنْدَ كاهِنٍ مِن جُهَيْنَةَ كانَ بِالمَدِينَةِ.

صفحة ١٠٣

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ اليَهُودِيَّ دَعا المُنافِقَ إلى التَّحاكُمِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأنَّ المُنافِقَ دَعا إلى كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ.

فَأبى اليَهُودِيُّ وانْصَرَفا مَعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَضى لِلْيَهُودِيِّ، فَلَمّا خَرَجا، قالَ المُنافِقُ: لا أرْضى، انْطَلِقْ بِنا إلى أبِي بَكْرٍ، فَحَكَمَ أبُو بَكْرٍ بِمِثْلِ حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ، فَقالَ المُنافِقُ: انْطَلِقْ بِنا إلى عُمَرَ، فَلَمّا بَلَغَ عُمَرَ، وأخْبَرَهُ اليَهُودِيُّ الخَبَرَ وصَدَّقَهُ المُنافِقُ، قالَ عُمَرُ: رُوَيْدَكُما حَتّى أخْرُجَ إلَيْكُما، فَدَخَلَ وأخَذَ سَيْفَهُ ثُمَّ ضَرَبَ بِهِ المُنافِقَ حَتّى بَرَدَ، وقالَ: هَكَذا أقْضِي عَلى مَن لَمْ يَرْضَ بِقَضاءِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

«وقالَ جِبْرِيلُ: إنَّ عُمَرَ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فَلَقَّبَهُ النَّبِيءُ ﷺ الفارُوقَ» .

وقالَ السُّدِّيُّ: كانَ بَيْنَ قُرَيْظَةَ والخَزْرَجِ حِلْفٌ، وبَيْنَ النَّضِيرِ والأوْسِ حِلْفٌ في الجاهِلِيَّةِ، وكانَتِ النَّضِيرُ أكْثَرَ وأشْرَفَ، فَكانُوا إذا قَتَلَ قُرَظِيٌّ نَضِيرِيًّا قُتِلَ بِهِ وأخَذَ أهْلُ القَتِيلِ دِيَةَ صاحِبِهِمْ بَعْدَ قَتْلِ قاتِلِهِ، وكانَتِ الدِّيَةُ مِائَةَ وسْقٍ مِن تَمْرٍ، وإذا قَتَلَ نَضِيرِيٌّ قُرَظِيًّا لَمْ يُقْتَلْ بِهِ وأعْطى دِيَتَهُ فَقَطْ: سِتِّينَ وسْقًا.

فَلَمّا أسْلَمَ نَفَرٌ مِنَ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ قَتَلَ نَضِيرِيٌّ قُرَظِيًّا واخْتَصَمُوا، فَقالَتِ النَّضِيرُ: نُعْطِيكم سِتِّينَ وسْقًا كَما كُنّا اصْطَلَحْنا في الجاهِلِيَّةِ، وقالَتْ قُرَيْظَةُ: هَذا شَيْءٌ فَعَلْتُمُوهُ في الجاهِلِيَّةِ لِأنَّكم كَثُرْتُمْ وقَلَلْنا فَقَهَرْتُمُونا، ونَحْنُ اليَوْمَ إخْوَةٌ ودِينُنا ودِينُكم واحِدٌ، فَقالَ بَعْضُهم وكانَ مُنافِقًا: انْطَلِقُوا إلى أبِي بُرْدَةَ وكانَ أبُو بُرْدَةَ كاهِنًا يَقْضِي بَيْنَ اليَهُودِ فِيما يَتَنافَرُونَ إلَيْهِ فِيهِ.

وقالَ المُسْلِمُونَ: لا بَلْ نَنْطَلِقُ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. وأبُو بُرْدَةَ بِدالٍ بَعْدَ الرّاءِ عَلى الصَّحِيحِ، وكَذَلِكَ وقَعَ في مَفاتِيحِ الغَيْبِ، وفي الإصابَةِ لِابْنِ حَجَرٍ، ووَقَعَ في كُتُبٍ كَثِيرَةٍ بِزايٍ بَعْدَ الرّاءِ وهو تَحْرِيفٌ اشْتَبَهَ بِأبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ نَضْلَةَ …

62

فَكَيْفَ إِذَآ أَصَٰبَتْهُم مُّصِيبَةٌۢ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحْلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنْ أَرَدْنَآ إِلَّآ إِحْسَٰنًۭا وَتَوْفِيقًا

So how [will it be] when disaster strikes them because of what their hands have put forth and then they come to you swearing by Allah, "We intended nothing but good conduct and accommodation."

صفحة ١٠٧

﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ .

تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ﴾ [النساء: ٦١] الآيَةَ، لِأنَّ الصُّدُودَ عَنْ ذَلِكَ يُوجِبُ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَيُوشِكُ أنْ يُصِيبَهُمُ اللَّهُ بِمُصِيبَةٍ مِن غَيْرِ فِعْلِ أحَدٍ، مِثْلَ انْكِشافِ حالِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ فَيُعْرَفُوا بِالكُفْرِ فَيُصْبِحُوا مُهَدَّدِينَ، أوْ مُصِيبَةٌ مِن أمْرِ اللَّهِ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ بِأنْ يُظْهِرُوا لَهُمُ العَداوَةَ وأنْ يَقْتُلُوهم لِنِفاقِهِمْ فَيَجِيئُوا يَعْتَذِرُونَ بِأنَّهم ما أرادُوا بِالتَّحاكُمِ إلى أهْلِ الطّاغُوتِ إلّا قَصْدَ الإحْسانِ إلَيْهِمْ وتَأْلِيفِهِمْ إلى الإيمانِ والتَّوْفِيقِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ.

وهَذا وعِيدٌ لِأنَّ (إذا) لِلْمُسْتَقْبَلِ، فالفِعْلانِ بَعْدَها: وهُما (أصابَتْهم) و(جاءُوكَ) مُسْتَقْبَلانِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠] ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١] .

و(كَيْفَ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ مَعْلُومٍ مِن سِياقِ الكَلامِ: أيْ كَيْفَ حالُهم حِينَ تُصِيبُهم مُصِيبَةٌ بِسَبَبِ ما فَعَلُوا فَيَجِيئُونَكَ مُعْتَذِرِينَ.

والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهْوِيلِ، كَما تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى آنِفًا ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] .

وتَرْكِيبُ ”كَيْفَ بِكَ“ يُقالُ إذا أُرِيدَتْ بِشارَةٌ أوْ وعِيدٌ تَعْجِيبًا أوْ تَهْوِيلًا. فَمِنَ الأوَّلِ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِسُراقَةَ بْنِ مالِكٍ: «كَيْفَ بِكَ إذا لَبِسْتَ سِوارَيْ كِسْرى، بِشارَةً بِأنَّ سِوارَيْ كِسْرى سَيَقَعانِ بِيَدِ جَيْشِ المُسْلِمِينَ، فَلَمّا أُتِيَ بِسِوارَيْ كِسْرى في غَنائِمِ فَتْحِ فارِسَ ألْبَسَها عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ سُراقَةَ بْنَ مالِكٍ تَحْقِيقًا لِمُعْجِزَةِ النَّبِيءِ» ﷺ - .

صفحة ١٠٨

ومِنَ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٢٥] وقَدْ جَمَعَ الأمْرَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] الآيَةَ.

وقَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ جاءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِتَمْيِيزِهِمْ لِلسّامِعِينَ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ، لِأنَّهم قَدْ حَصَلَ مِن ذِكْرِ صِفاتِهِمْ ما جَعَلَهم كالمُشاهَدِينَ، وأرادَ بِما في قُلُوبِهِمُ الكُفْرَ الَّذِي أبْطَنُوهُ وأمَرَ رَسُولَهُ بِالإعْراضِ عَنْهم.

وحَقِيقَةُ الإعْراضِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلى الشَّيْءِ بِقَصْدِ التَّباعُدِ عَنْهُ، مُشْتَقٌّ مِنَ العُرْضِ بِضَمِّ العَيْنِ وهو الجانِبُ، فَلَعَلَّ أصْلَ الهَمْزَةِ في فِعْلِ أعْرَضَ لِلدُّخُولِ في الشَّيْءِ، أيْ دَخَلَ في عُرْضِ المَكانِ، أوِ الهَمْزَةُ لِلصَّيْرُورَةِ، أيْ صارَ ذا عُرْضٍ، أيْ جانِبٍ، أيْ أظْهَرَ جانِبَهُ لِغَيْرِهِ ولَمْ يُظْهِرْ لَهُ وجْهَهُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ اسْتِعْمالًا شائِعًا في التَّرْكِ والإمْساكِ عَنِ المُخالَطَةِ والمُحادَثَةِ، لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ الإعْراضَ غالِبًا.

يُقالُ: أعْرَضَ عَنْهُ كَما يُقالُ: صَدَّ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى …

63

أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَعْلَمُ ٱللَّهُ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِىٓ أَنفُسِهِمْ قَوْلًۢا بَلِيغًۭا

Those are the ones of whom Allah knows what is in their hearts, so turn away from them but admonish them and speak to them a far-reaching word.

صفحة ١٠٧

﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ ثُمَّ جاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنْ أرَدْنا إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهم وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ .

تَفْرِيعٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ﴾ [النساء: ٦١] الآيَةَ، لِأنَّ الصُّدُودَ عَنْ ذَلِكَ يُوجِبُ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَيُوشِكُ أنْ يُصِيبَهُمُ اللَّهُ بِمُصِيبَةٍ مِن غَيْرِ فِعْلِ أحَدٍ، مِثْلَ انْكِشافِ حالِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ فَيُعْرَفُوا بِالكُفْرِ فَيُصْبِحُوا مُهَدَّدِينَ، أوْ مُصِيبَةٌ مِن أمْرِ اللَّهِ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ بِأنْ يُظْهِرُوا لَهُمُ العَداوَةَ وأنْ يَقْتُلُوهم لِنِفاقِهِمْ فَيَجِيئُوا يَعْتَذِرُونَ بِأنَّهم ما أرادُوا بِالتَّحاكُمِ إلى أهْلِ الطّاغُوتِ إلّا قَصْدَ الإحْسانِ إلَيْهِمْ وتَأْلِيفِهِمْ إلى الإيمانِ والتَّوْفِيقِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ.

وهَذا وعِيدٌ لِأنَّ (إذا) لِلْمُسْتَقْبَلِ، فالفِعْلانِ بَعْدَها: وهُما (أصابَتْهم) و(جاءُوكَ) مُسْتَقْبَلانِ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠] ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١] .

و(كَيْفَ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ مَعْلُومٍ مِن سِياقِ الكَلامِ: أيْ كَيْفَ حالُهم حِينَ تُصِيبُهم مُصِيبَةٌ بِسَبَبِ ما فَعَلُوا فَيَجِيئُونَكَ مُعْتَذِرِينَ.

والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّهْوِيلِ، كَما تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ في قَوْلِهِ تَعالى آنِفًا ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] .

وتَرْكِيبُ ”كَيْفَ بِكَ“ يُقالُ إذا أُرِيدَتْ بِشارَةٌ أوْ وعِيدٌ تَعْجِيبًا أوْ تَهْوِيلًا. فَمِنَ الأوَّلِ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ لِسُراقَةَ بْنِ مالِكٍ: «كَيْفَ بِكَ إذا لَبِسْتَ سِوارَيْ كِسْرى، بِشارَةً بِأنَّ سِوارَيْ كِسْرى سَيَقَعانِ بِيَدِ جَيْشِ المُسْلِمِينَ، فَلَمّا أُتِيَ بِسِوارَيْ كِسْرى في غَنائِمِ فَتْحِ فارِسَ ألْبَسَها عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ سُراقَةَ بْنَ مالِكٍ تَحْقِيقًا لِمُعْجِزَةِ النَّبِيءِ» ﷺ - .

صفحة ١٠٨

ومِنَ الثّانِي قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: ٢٥] وقَدْ جَمَعَ الأمْرَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١] الآيَةَ.

وقَوْلُهُ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ جاءَ بِاسْمِ الإشارَةِ لِتَمْيِيزِهِمْ لِلسّامِعِينَ أكْمَلَ تَمْيِيزٍ، لِأنَّهم قَدْ حَصَلَ مِن ذِكْرِ صِفاتِهِمْ ما جَعَلَهم كالمُشاهَدِينَ، وأرادَ بِما في قُلُوبِهِمُ الكُفْرَ الَّذِي أبْطَنُوهُ وأمَرَ رَسُولَهُ بِالإعْراضِ عَنْهم.

وحَقِيقَةُ الإعْراضِ عَدَمُ الِالتِفاتِ إلى الشَّيْءِ بِقَصْدِ التَّباعُدِ عَنْهُ، مُشْتَقٌّ مِنَ العُرْضِ بِضَمِّ العَيْنِ وهو الجانِبُ، فَلَعَلَّ أصْلَ الهَمْزَةِ في فِعْلِ أعْرَضَ لِلدُّخُولِ في الشَّيْءِ، أيْ دَخَلَ في عُرْضِ المَكانِ، أوِ الهَمْزَةُ لِلصَّيْرُورَةِ، أيْ صارَ ذا عُرْضٍ، أيْ جانِبٍ، أيْ أظْهَرَ جانِبَهُ لِغَيْرِهِ ولَمْ يُظْهِرْ لَهُ وجْهَهُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ اسْتِعْمالًا شائِعًا في التَّرْكِ والإمْساكِ عَنِ المُخالَطَةِ والمُحادَثَةِ، لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ الإعْراضَ غالِبًا.

يُقالُ: أعْرَضَ عَنْهُ كَما يُقالُ: صَدَّ عَنْهُ، كَقَوْلِهِ تَعالى …

64

وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوٓا۟ أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَٱسْتَغْفَرُوا۟ ٱللَّهَ وَٱسْتَغْفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُوا۟ ٱللَّهَ تَوَّابًۭا رَّحِيمًۭا

And We did not send any messenger except to be obeyed by permission of Allah. And if, when they wronged themselves, they had come to you, [O Muhammad], and asked forgiveness of Allah and the Messenger had asked forgiveness for them, they would have found Allah Accepting of repentance and Merciful.

صفحة ١٠٩

﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ .

جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ في خِلالِ الخَبَرِ عَنْ قَضِيَّةِ المُنافِقِ الَّذِي تَحاكَمَ إلى الطّاغُوتِ. وهو رُجُوعٌ إلى الغَرَضِ الأوَّلِ، وهو الإنْحاءُ عَلَيْهِمْ في إعْراضِهِمْ عَنِ التَّحاكُمِ إلى الرَّسُولِ، وأنَّ إعْراضَهم ذَلِكَ مُؤْذِنٌ بِنِفاقِهِمْ: بِبَيانِ أنَّ مَعْنى الإيمانِ الرِّضا بِحُكْمِ الرَّسُولِ إذْ ما جاءَ الرَّسُولُ إلّا لِيُطاعَ فَكَيْفَ يُعْرَضُ عَنْهُ.

وقَوْلُهُ بِإذْنِ اللَّهِ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في (يُطاعَ) أيْ مُتَلَبِّسًا في ذَلِكَ بِإذْنِ اللَّهِ أيْ بِأمْرِهِ ووِصايَتِهِ، إذْ لا تَظْهَرُ فائِدَةُ الشَّرائِعِ بِدُونِ امْتِثالِها. فَمِنَ الرُّسُلِ مَن أُطِيعَ، ومِنهم مَن عُصِيَ تارَةً أوْ دائِمًا، وقَدْ عُصِيَ مُوسى في مَواقِعَ، وعُصِيَ عِيسى في مُعْظَمِ أمْرِهِ، ولَمْ يُعْصَ مُحَمَّدٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِهِ المُحِقِّينَ إلّا بِتَأوُّلٍ مِثْلِ ما وقَعَ في يَوْمِ أُحُدٍ إذْ قالَ اللَّهُ تَعالى ”وعَصَيْتُمْ“، وإنَّما هو عِصْيانٌ بِتَأوُّلٍ، ولَكِنَّهُ اعْتُبِرَ عِصْيانًا لِكَوْنِهِ في الواقِعِ مُخالَفَةً لِأمْرِ الرَّسُولِ؛ ولِذَلِكَ كانَ أكْمَلُ مَظاهِرِ الرِّسالَةِ تَأْيِيدَ الرَّسُولِ بِالسُّلْطانِ، وكَوْنَ السُّلْطانِ في شَخْصِهِ لِكَيْلا يَكُونَ في حاجَةٍ إلى غَيْرِهِ، وإنَّما تَمَّ هَذا المَظْهَرُ في رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ ولِذَلِكَ وُصِفَ بِأنَّهُ نَبِيءُ المَلاحِمِ، وقَدِ ابْتَدَأتْ بَوارِقُ ذَلِكَ في رِسالَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولَمْ تُسْتَكْمَلْ، وكَمُلَتْ لِمُحَمَّدٍ ﷺ . قالَ تَعالى ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وأنْزَلْنا مَعَهُمُ الكِتابَ والمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالقِسْطِ وأنْزَلْنا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ ولِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنْصُرُهُ ورُسُلَهُ بِالغَيْبِ﴾ [الحديد: ٢٥] ولا أحْسَبُهُ أرادَ بِرُسُلِهِ إلّا رَسُولَهُ مُحَمَّدًا ﷺ وكانَ هو المُرادُ مِنَ الجَمْعِ لِأنَّهُ الأكْمَلُ فِيهِمْ.

* * *

﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ .

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ [النساء: ٦٢] تَوْبِيخًا لَهم عَلى تَحاكُمِهِمْ إذْ كانَ ذَلِكَ عِصْيانًا عَلى عِصْيانٍ، فَإنَّهم ما كَفاهم أنْ أعْرَضُوا عَنْ تَحْكِيمِ الرَّسُولِ حَتّى زادُوا فَصَدُّوا عَمَّنْ قالَ لَهم: ﴿تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ﴾ [النساء: ٦١] . فَلَوِ

صفحة ١١٠

اسْتَفاقُوا حِينَئِذٍ مِن غُلَوائِهِمْ لَعَلِمُوا أنَّ إرادَتَهم أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الكُفّارِ والكَهَنَةِ جَرِيمَةٌ يَجِبُ الِاسْتِغْفارُ مِنها ولَكِنَّهم أصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا. وفي ذِكْرِ ”لَوْ“ وجَعْلِ ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ جَوابًا لَها إشارَةٌ إلى أنَّهم لَمّا لَمْ يَفْعَلُوا فَقَدْ حُرِمُوا الغُفْرانَ.

وكانَ فِعْلُ هَذا المُنافِقِ ظُلْمًا لِنَفْسِهِ، لِأنَّهُ أقْحَمَها في مَعْصِيَةِ اللَّهِ ومَعْصِيَةِ الرَّسُولِ، فَجَرَّ لَها عِقابَ الآخِرَةِ وعَرَّضَها لِمَصائِبِ الِانْتِقامِ في العاجِلَةِ.

65

فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا۟ فِىٓ أَنفُسِهِمْ حَرَجًۭا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا۟ تَسْلِيمًۭا

But no, by your Lord, they will not [truly] believe until they make you, [O Muhammad], judge concerning that over which they dispute among themselves and then find within themselves no discomfort from what you have judged and submit in [full, willing] submission.

﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ .

تَفْرِيعٌ عَنْ قَوْلِهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ [النساء: ٦٠] وما بَعْدَهُ إذْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ أنَّهم فَعَلُوا ما فَعَلُوا وهم يَزْعُمُونَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ، فَكانَ الزَّعْمُ إشارَةً إلى انْتِفاءِ إيمانِهِمْ، ثُمَّ أُرْدِفَ بِما هو أصْرَحُ وهو أنَّ أفْعالَهم تُنافِي كَوْنَهم مُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ لا يُؤْمِنُونَ، وأكَّدَهُ بِالقَسَمِ وبِالتَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ.

وأصْلُ الكَلامِ: فَوَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ، والعَرَبُ تَأْتِي بِحَرْفِ النَّفْيِ قَبْلَ القَسَمِ إذا كانَ جَوابُ القَسَمِ مَنفِيًّا لِلتَّعْجِيلِ بِإفادَةِ أنَّ ما بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ قَسَمٌ عَلى النَّفْيِ لِما تَضَمَّنَتْهُ الجُمْلَةُ المَعْطُوفُ عَلَيْها. فَتَقْدِيمُ النَّفْيِ لِلِاهْتِمامِ بِالنَّفْيِ، كَقَوْلِ قَيْسِ بْنِ عاصِمٍ:

فَلا واللَّهِ أشْرَبُها صَحِيحًا ولا أُشْفى بِها أبَدًا سَقِيما

ويَكْثُرُ أنْ يَأْتُوا مَعَ حَرْفِ النَّفْيِ بَعْدَ العاطِفِ بِحَرْفِ نَفْيٍ مِثْلِهِ في الجَوابِ لِيَحْصُلَ مَعَ الِاهْتِمامِ التَّأْكِيدُ، كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وهو الِاسْتِعْمالُ الأكْثَرُ، ولَمْ أرَ في كَلامِ العَرَبِ تَقْدِيمَ (لا) عَلى حَرْفِ العَطْفِ إبْطالًا لِلْكَلامِ السّابِقِ، ووَقَعَ في قَوْلِ أبِي تَمّامٍ:

لا والَّذِي هو عالِمٌ أنَّ النَّوى ∗∗∗ صَبْرٌ وأنَّ أبا الحُسَيْنِ كَرِيمُ

ولَيْسَتْ ”لا“ هَذِهِ هي الَّتِي تَرِدُ مَعَ فِعْلِ القَسَمِ مَزِيدَةً والكَلامُ مَعَها عَلى الإثْباتِ، نَحْوَ لا أُقْسِمُ وفي غَيْرِ القَسَمِ نَحْوَ ﴿لِيَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ﴾ [الحديد: ٢٩]، لِأنَّ تِلْكَ لَيْسَ الكَلامُ مَعَها

صفحة ١١١

عَلى النَّفْيِ، وهَذِهِ الكَلامُ مَعَها نَفْيٌ، فَهي تَأْكِيدٌ لَهُ عَلى ما اخْتارَهُ أكْثَرُ المُحَقِّقِينَ خِلافًا لِصاحِبِ الكَشّافِ، ولا يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ مَواقِعُ الحَرْفِ الواحِدِ مُتَّحِدَةً في المَواقِعِ المُتَقارِبَةِ.

وقَدْ نُفِيَ عَنْ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ أنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ كَما يَزْعُمُونَ في حالٍ يَظُنُّهُمُ النّاسُ مُؤْمِنِينَ، ولا يَشْعُرُ النّاسُ بِكُفْرِهِمْ، فَلِذَلِكَ احْتاجَ الخَبَرُ لِلتَّأْكِيدِ بِالقَسَمِ وبِالتَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ، لِأنَّهُ كَشْفٌ لِباطِنِ حالِهِمْ. والمُقْسَمُ عَلَيْهِ هو: الغايَةُ، وما عُطِفَ عَلَيْها بِثُمَّ، مَعًا، فَإنْ هم حَكَّمُوا غَيْرَ الرَّسُولِ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم فَهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ.

أيْ إذا كانَ انْصِرافُهم عَنْ تَحْكِيمِ الرَّسُولِ لِلْخَشْيَةِ مِن جَوْرِهِ كَما هو مَعْلُومٌ مِنَ السِّياقِ فافْتَضَحَ كُفْرَهم، وأعْلَمَ اللَّهُ الأُمَّةَ أنَّ هَؤُلاءِ لا يَكُونُونَ مُؤْمِنِينَ حَتّى يُحَكِّمُوا الرَّسُولَ ولا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِن حُكْمِهِ، أيْ حَرَجًا يَصْرِفُهم عَنْ تَحْكِيمِهِ، أوْ يُسْخِطُهم مَن حُكْمِهِ بَعْدَ تَحْكِيمِهِ، وقَدْ عُلِمَ مِن هَذا أنَّ المُؤْمِنِينَ لا يَنْصَرِفُونَ عَنْ تَحْكِيمِ الرَّسُولِ ولا يَجِدُونَ في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِن قَضائِهِ بِحُكْمِ قِياسِ الأحْرى.

ولَيْسَ المُرادُ الحَرَجَ الَّذِي يَجِدُهُ المَحْكُومُ عَلَيْهِ مِن كَراهِيَةِ ما يُلْزَمُ بِهِ إذا لَمْ يُخامِرْهُ شَكٌّ في عَدْلِ الرَّسُولِ وفي إصابَتِهِ وجْهَ الحَقِّ. وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ النُّورِ كَيْفَ يَكُونُ الإعْراضُ عَنْ حُكْمِ الرَّسُولِ كُفْرًا، سَواءً كانَ مِن مُنافِقٍ أمْ مِن مُؤْمِنٍ، إذْ قالَ في شَأْنِ المُنافِقِينَ ﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم إذا فَرِيقٌ …

66

وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ ٱقْتُلُوٓا۟ أَنفُسَكُمْ أَوِ ٱخْرُجُوا۟ مِن دِيَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌۭ مِّنْهُمْ ۖ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا۟ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيْرًۭا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًۭا

And if We had decreed upon them, "Kill yourselves" or "Leave your homes," they would not have done it, except for a few of them. But if they had done what they were instructed, it would have been better for them and a firmer position [for them in faith].

﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمُ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ .

لَمْ يَظْهَرْ وجْهُ اتِّصالِهِ بِما قَبْلَهُ لِيُعْطَفَ عَلَيْهِ، لِأنَّ ما ذُكِرَ هُنا لَيْسَ أوْلى بِالحُكْمِ مِنَ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، أيْ لَيْسَ أوْلى بِالِامْتِثالِ حَتّى يُقالَ: لَوْ أنّا كَلَّفْناهم بِالرِّضا بِما هو دُونَ قَطْعِ الحُقُوقِ لَما رَضُوا، بَلِ المَفْرُوضُ هُنا أشُدُّ عَلى النُّفُوسِ مِمّا عَصَوْا فِيهِ. فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: وجْهُ اتِّصالِها أنَّ المُنافِقَ لَمّا لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ النَّبِيءِ ﷺ وأرادَ التَّحاكُمَ إلى الطّاغُوتِ.

وقالَتِ اليَهُودُ: ما أسْخَفَ هَؤُلاءِ يُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ ثُمَّ لا

صفحة ١١٤

يَرْضَوْنَ بِحُكْمِهِ، ونَحْنُ قَدْ أمَرَنا نَبِيئُنا بِقَتْلِ أنْفُسِنا فَفَعَلْنا وبَلَغَتِ القَتْلى مِنّا سَبْعِينَ ألْفًا؛ فَقالَ ثابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ: لَوْ كُتِبَ ذَلِكَ عَلَيْنا لَفَعَلْنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقًا لِثابِتِ بْنِ قَيْسٍ. ولا يَخْفى بُعْدُهُ عَنِ السِّياقِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما قِيلَ ﴿ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ بَلْ قِيلَ: لَفَعَلَهُ فَرِيقٌ مِنهم.

وقالَ الفَخْرُ: هي تَوْبِيخٌ لِلْمُنافِقِينَ، أيْ لَوْ شَدَّدْنا عَلَيْهِمُ التَّكْلِيفَ لَما كانَ مِنَ العَجَبِ ظُهُورُ عِنادِهِمْ، ولَكِنّا رَحِمْناهم بِتَكْلِيفِهِمُ اليُسْرَ فَلْيَتْرُكُوا العِنادَ. وهي عَلى هَذا الوَجْهِ تَصْلُحُ لِأنْ تَكُونَ تَحْرِيضًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى امْتِثالِ الرَّسُولِ وانْتِفاءِ الحَرَجِ عَنْهم مِن أحْكامِهِ، فَإنَّهُ لَمْ يُكَلِّفْهم إلّا اليُسْرَ، كُلُّ هَذا مَحْمُولٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَتْلِ النُّفُوسِ أنْ يَقْتُلَ أحَدٌ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ.

وعِنْدِي أنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ هُنا مِن بَراعَةِ المَقْطَعِ تَهْيِئَةً لِانْتِقالِ الكَلامِ إلى التَّحْرِيضِ عَلى الجِهادِ الآتِي في قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] وأنَّ المُرادَ بِـ ﴿اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾: لِيَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا فَإنَّ المُؤْمِنِينَ يُقاتِلُونَ قَوْمَهم وأقارِبَهم مِنَ المُشْرِكِينَ في الجِهادِ المَأْمُورِ بِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ الآيَةَ.

والمُرادُ بِالخُرُوجِ مِنَ الدِّيارِ الهِجْرَةُ، أيْ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ هِجْرَةً مِنَ المَدِينَةِ، وفي هَذا تَنْوِيهٌ بِالمُهاجِرِينَ والمُجاهِدِينَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إلّا قَلِيلٌ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِنَ الواوِ في ﴿ما فَعَلُوهُ﴾ عَلى الِاسْتِثْناءِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِالنَّصْبِ عَلى أحَدِ وجْهَيِ الِاسْتِثْناءِ مِنَ الكَلامِ المَنفِيِّ.

ومَعْنى ﴿ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣]، أيْ ما يُؤْمَرُونَ بِهِ أمْرَ تَحْذِيرٍ وتَرْقِيقٍ، أيْ مَضْمُونُ ما يُوعَظُونَ لِأنَّ الوَعْظَ هو الكَلامُ والأمْرُ، والمَفْعُولُ هو المَأْمُورُ بِهِ، أيْ لَوْ فَعَلُوا كُلَّ ما يُبَلِّغُهُمُ الرَّسُولُ، ومِن ذَلِكَ الجِهادُ والهِجْرَةُ. وكَوْنُهُ خَيْرًا: أنَّ فِيهِ خَيْرَ الدُّنْيا لِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وهم لا يَعْلَمُونَ.

ومَعْنى كَوْنِهِ أشَدَّ تَثْبِيتًا يَحْتَمِلُ أنَّهُ التَّثْبِيتُ عَلى الإيمانِ وبِذَلِكَ فَسَّرُوهُ، ويَحْتَمِلُ عِنْدِي أنَّهُ أشَدُّ تَثْبِيتًا لَهم، أيْ لِبَقائِهِمْ بَيْنَ أعْدائِهِمْ ولِعِزَّتِهِمْ وحَياتِهِمُ الحَقِيقِيَّةِ …

67

وَإِذًۭا لَّءَاتَيْنَٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجْرًا عَظِيمًۭا

And then We would have given them from Us a great reward.

﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمُ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ .

لَمْ يَظْهَرْ وجْهُ اتِّصالِهِ بِما قَبْلَهُ لِيُعْطَفَ عَلَيْهِ، لِأنَّ ما ذُكِرَ هُنا لَيْسَ أوْلى بِالحُكْمِ مِنَ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، أيْ لَيْسَ أوْلى بِالِامْتِثالِ حَتّى يُقالَ: لَوْ أنّا كَلَّفْناهم بِالرِّضا بِما هو دُونَ قَطْعِ الحُقُوقِ لَما رَضُوا، بَلِ المَفْرُوضُ هُنا أشُدُّ عَلى النُّفُوسِ مِمّا عَصَوْا فِيهِ. فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: وجْهُ اتِّصالِها أنَّ المُنافِقَ لَمّا لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ النَّبِيءِ ﷺ وأرادَ التَّحاكُمَ إلى الطّاغُوتِ.

وقالَتِ اليَهُودُ: ما أسْخَفَ هَؤُلاءِ يُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ ثُمَّ لا

صفحة ١١٤

يَرْضَوْنَ بِحُكْمِهِ، ونَحْنُ قَدْ أمَرَنا نَبِيئُنا بِقَتْلِ أنْفُسِنا فَفَعَلْنا وبَلَغَتِ القَتْلى مِنّا سَبْعِينَ ألْفًا؛ فَقالَ ثابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ: لَوْ كُتِبَ ذَلِكَ عَلَيْنا لَفَعَلْنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقًا لِثابِتِ بْنِ قَيْسٍ. ولا يَخْفى بُعْدُهُ عَنِ السِّياقِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما قِيلَ ﴿ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ بَلْ قِيلَ: لَفَعَلَهُ فَرِيقٌ مِنهم.

وقالَ الفَخْرُ: هي تَوْبِيخٌ لِلْمُنافِقِينَ، أيْ لَوْ شَدَّدْنا عَلَيْهِمُ التَّكْلِيفَ لَما كانَ مِنَ العَجَبِ ظُهُورُ عِنادِهِمْ، ولَكِنّا رَحِمْناهم بِتَكْلِيفِهِمُ اليُسْرَ فَلْيَتْرُكُوا العِنادَ. وهي عَلى هَذا الوَجْهِ تَصْلُحُ لِأنْ تَكُونَ تَحْرِيضًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى امْتِثالِ الرَّسُولِ وانْتِفاءِ الحَرَجِ عَنْهم مِن أحْكامِهِ، فَإنَّهُ لَمْ يُكَلِّفْهم إلّا اليُسْرَ، كُلُّ هَذا مَحْمُولٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَتْلِ النُّفُوسِ أنْ يَقْتُلَ أحَدٌ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ.

وعِنْدِي أنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ هُنا مِن بَراعَةِ المَقْطَعِ تَهْيِئَةً لِانْتِقالِ الكَلامِ إلى التَّحْرِيضِ عَلى الجِهادِ الآتِي في قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] وأنَّ المُرادَ بِـ ﴿اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾: لِيَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا فَإنَّ المُؤْمِنِينَ يُقاتِلُونَ قَوْمَهم وأقارِبَهم مِنَ المُشْرِكِينَ في الجِهادِ المَأْمُورِ بِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ الآيَةَ.

والمُرادُ بِالخُرُوجِ مِنَ الدِّيارِ الهِجْرَةُ، أيْ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ هِجْرَةً مِنَ المَدِينَةِ، وفي هَذا تَنْوِيهٌ بِالمُهاجِرِينَ والمُجاهِدِينَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إلّا قَلِيلٌ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِنَ الواوِ في ﴿ما فَعَلُوهُ﴾ عَلى الِاسْتِثْناءِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِالنَّصْبِ عَلى أحَدِ وجْهَيِ الِاسْتِثْناءِ مِنَ الكَلامِ المَنفِيِّ.

ومَعْنى ﴿ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣]، أيْ ما يُؤْمَرُونَ بِهِ أمْرَ تَحْذِيرٍ وتَرْقِيقٍ، أيْ مَضْمُونُ ما يُوعَظُونَ لِأنَّ الوَعْظَ هو الكَلامُ والأمْرُ، والمَفْعُولُ هو المَأْمُورُ بِهِ، أيْ لَوْ فَعَلُوا كُلَّ ما يُبَلِّغُهُمُ الرَّسُولُ، ومِن ذَلِكَ الجِهادُ والهِجْرَةُ. وكَوْنُهُ خَيْرًا: أنَّ فِيهِ خَيْرَ الدُّنْيا لِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وهم لا يَعْلَمُونَ.

ومَعْنى كَوْنِهِ أشَدَّ تَثْبِيتًا يَحْتَمِلُ أنَّهُ التَّثْبِيتُ عَلى الإيمانِ وبِذَلِكَ فَسَّرُوهُ، ويَحْتَمِلُ عِنْدِي أنَّهُ أشَدُّ تَثْبِيتًا لَهم، أيْ لِبَقائِهِمْ بَيْنَ أعْدائِهِمْ ولِعِزَّتِهِمْ وحَياتِهِمُ الحَقِيقِيَّةِ …

68

وَلَهَدَيْنَٰهُمْ صِرَٰطًۭا مُّسْتَقِيمًۭا

And We would have guided them to a straight path.

﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمُ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهم ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْرًا لَهم وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ ﴿ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ .

لَمْ يَظْهَرْ وجْهُ اتِّصالِهِ بِما قَبْلَهُ لِيُعْطَفَ عَلَيْهِ، لِأنَّ ما ذُكِرَ هُنا لَيْسَ أوْلى بِالحُكْمِ مِنَ المَذْكُورِ قَبْلَهُ، أيْ لَيْسَ أوْلى بِالِامْتِثالِ حَتّى يُقالَ: لَوْ أنّا كَلَّفْناهم بِالرِّضا بِما هو دُونَ قَطْعِ الحُقُوقِ لَما رَضُوا، بَلِ المَفْرُوضُ هُنا أشُدُّ عَلى النُّفُوسِ مِمّا عَصَوْا فِيهِ. فَقالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: وجْهُ اتِّصالِها أنَّ المُنافِقَ لَمّا لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ النَّبِيءِ ﷺ وأرادَ التَّحاكُمَ إلى الطّاغُوتِ.

وقالَتِ اليَهُودُ: ما أسْخَفَ هَؤُلاءِ يُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ ثُمَّ لا

صفحة ١١٤

يَرْضَوْنَ بِحُكْمِهِ، ونَحْنُ قَدْ أمَرَنا نَبِيئُنا بِقَتْلِ أنْفُسِنا فَفَعَلْنا وبَلَغَتِ القَتْلى مِنّا سَبْعِينَ ألْفًا؛ فَقالَ ثابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ: لَوْ كُتِبَ ذَلِكَ عَلَيْنا لَفَعَلْنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقًا لِثابِتِ بْنِ قَيْسٍ. ولا يَخْفى بُعْدُهُ عَنِ السِّياقِ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما قِيلَ ﴿ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ بَلْ قِيلَ: لَفَعَلَهُ فَرِيقٌ مِنهم.

وقالَ الفَخْرُ: هي تَوْبِيخٌ لِلْمُنافِقِينَ، أيْ لَوْ شَدَّدْنا عَلَيْهِمُ التَّكْلِيفَ لَما كانَ مِنَ العَجَبِ ظُهُورُ عِنادِهِمْ، ولَكِنّا رَحِمْناهم بِتَكْلِيفِهِمُ اليُسْرَ فَلْيَتْرُكُوا العِنادَ. وهي عَلى هَذا الوَجْهِ تَصْلُحُ لِأنْ تَكُونَ تَحْرِيضًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلى امْتِثالِ الرَّسُولِ وانْتِفاءِ الحَرَجِ عَنْهم مِن أحْكامِهِ، فَإنَّهُ لَمْ يُكَلِّفْهم إلّا اليُسْرَ، كُلُّ هَذا مَحْمُولٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِقَتْلِ النُّفُوسِ أنْ يَقْتُلَ أحَدٌ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ.

وعِنْدِي أنَّ ذِكْرَ ذَلِكَ هُنا مِن بَراعَةِ المَقْطَعِ تَهْيِئَةً لِانْتِقالِ الكَلامِ إلى التَّحْرِيضِ عَلى الجِهادِ الآتِي في قَوْلِهِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] وأنَّ المُرادَ بِـ ﴿اقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾: لِيَقْتُلْ بَعْضُكم بَعْضًا فَإنَّ المُؤْمِنِينَ يُقاتِلُونَ قَوْمَهم وأقارِبَهم مِنَ المُشْرِكِينَ في الجِهادِ المَأْمُورِ بِهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ الآيَةَ.

والمُرادُ بِالخُرُوجِ مِنَ الدِّيارِ الهِجْرَةُ، أيْ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ هِجْرَةً مِنَ المَدِينَةِ، وفي هَذا تَنْوِيهٌ بِالمُهاجِرِينَ والمُجاهِدِينَ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿إلّا قَلِيلٌ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ مِنَ الواوِ في ﴿ما فَعَلُوهُ﴾ عَلى الِاسْتِثْناءِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ بِالنَّصْبِ عَلى أحَدِ وجْهَيِ الِاسْتِثْناءِ مِنَ الكَلامِ المَنفِيِّ.

ومَعْنى ﴿ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ عُلِمَ مِن قَوْلِهِ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم وعِظْهُمْ﴾ [النساء: ٦٣]، أيْ ما يُؤْمَرُونَ بِهِ أمْرَ تَحْذِيرٍ وتَرْقِيقٍ، أيْ مَضْمُونُ ما يُوعَظُونَ لِأنَّ الوَعْظَ هو الكَلامُ والأمْرُ، والمَفْعُولُ هو المَأْمُورُ بِهِ، أيْ لَوْ فَعَلُوا كُلَّ ما يُبَلِّغُهُمُ الرَّسُولُ، ومِن ذَلِكَ الجِهادُ والهِجْرَةُ. وكَوْنُهُ خَيْرًا: أنَّ فِيهِ خَيْرَ الدُّنْيا لِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وهم لا يَعْلَمُونَ.

ومَعْنى كَوْنِهِ أشَدَّ تَثْبِيتًا يَحْتَمِلُ أنَّهُ التَّثْبِيتُ عَلى الإيمانِ وبِذَلِكَ فَسَّرُوهُ، ويَحْتَمِلُ عِنْدِي أنَّهُ أشَدُّ تَثْبِيتًا لَهم، أيْ لِبَقائِهِمْ بَيْنَ أعْدائِهِمْ ولِعِزَّتِهِمْ وحَياتِهِمُ الحَقِيقِيَّةِ …

69

وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّۦنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُو۟لَٰٓئِكَ رَفِيقًۭا

And whoever obeys Allah and the Messenger - those will be with the ones upon whom Allah has bestowed favor of the prophets, the steadfast affirmers of truth, the martyrs and the righteous. And excellent are those as companions.

صفحة ١١٦

﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيئِينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ .

تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٦٧] وإنَّما عُطِفَتْ بِاعْتِبارِ إلْحاقِها بِجُمْلَةِ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ [النساء: ٦٦] . وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في جُمْلَةِ جَوابِ الشَّرْطِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى جَدارَتِهِمْ بِمَضْمُونِ الخَبَرِ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ لِأجْلِ مَضْمُونِ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ. والمَعِيَّةُ مَعِيَّةُ المَنزِلَةِ في الجَنَّةِ وإنْ كانَتِ الدَّرَجاتُ مُتَفاوِتَةً.

ومَعْنى مَن يُطِعِ مَن يَتَّصِفُ بِتَمامِ مَعْنى الطّاعَةِ، أيْ أنْ لا يَعْصِيَ اللَّهَ ورَسُولَهُ. ودَلَّتْ ”مَعَ“ عَلى أنَّ مَكانَةَ مَدْخُولِها أرْسَخُ وأعْرَفُ.

وفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أنْتَ مَعَ مَن أحْبَبْتَ» . والصِّدِّيقُونَ هُمُ الَّذِينَ صَدَّقُوا الأنْبِياءَ ابْتِداءً، مِثْلَ الحَوارِيِّينَ والسّابِقِينَ الأوَّلِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. وأمّا الشُّهَداءُ فَهم مَن قُتِلُوا في سَبِيلِ إعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ. والصّالِحُونَ الَّذِينَ لَزِمَتْهُمُ الِاسْتِقامَةُ.

و(حَسُنَ) فِعْلٌ مُرادٌ بِهِ المَدْحُ مُلْحَقٌ بِنِعْمَ ومُضَمَّنٌ مَعْنى التَّعَجُّبِ مِن حُسْنِهِمْ، وذَلِكَ شَأْنُ ”فَعُلَ“ بِضَمِّ العَيْنِ مِنَ الثُّلاثِيِّ أنْ يَدُلَّ عَلى مَدْحٍ أوْ ذَمٍّ بِحَسَبِ مادَّتِهِ مَعَ التَّعَجُّبِ، وأصْلُ الفِعْلِ ”حَسَنَ“ بِفَتْحَتَيْنِ فَحُوِّلَ إلى فَعُلَ بِضَمِّ العَيْنِ لِقَصْدِ المَدْحِ والتَّعَجُّبِ. و”أُولَئِكَ“ فاعِلُ ”حَسُنَ“ . و”رَفِيقًا“ تَمْيِيزٌ، أيْ ما أحْسَنَهم حَسُنُوا مِن جِنْسِ الرُّفَقاءِ.

والرَّفِيقُ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ، وفي حَدِيثِ الوَفاةِ الرَّفِيقَ الأعْلى. وتَعْرِيفُ الجُزْأيْنِ في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ وهو حَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِأنَّ فَضْلَ اللَّهِ أنْواعٌ، وأصْنافٌ، ولَكِنَّهُ أُرِيدَ المُبالَغَةُ في قُوَّةِ هَذا الفَضْلِ، فَهو كَقَوْلِهِمْ: أنْتَ الرَّجُلُ.

والتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ ﴿وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الَّذِينَ تَلَبَّسُوا بِهَذِهِ المَنقَبَةِ، وإنْ لَمْ يَعْلَمْهُمُ النّاسُ، فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهم والجَزاءُ بِيَدِهِ فَهو يُوَفِّيهِمُ الجَزاءَ عَلى قَدْرِ ما عَلِمَ مِنهم، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ.

70

ذَٰلِكَ ٱلْفَضْلُ مِنَ ٱللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيمًۭا

That is the bounty from Allah, and sufficient is Allah as Knower.

صفحة ١١٦

﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيئِينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ ﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ .

تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿وإذًا لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٦٧] وإنَّما عُطِفَتْ بِاعْتِبارِ إلْحاقِها بِجُمْلَةِ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ [النساء: ٦٦] . وجِيءَ بِاسْمِ الإشارَةِ في جُمْلَةِ جَوابِ الشَّرْطِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى جَدارَتِهِمْ بِمَضْمُونِ الخَبَرِ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ لِأجْلِ مَضْمُونِ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ. والمَعِيَّةُ مَعِيَّةُ المَنزِلَةِ في الجَنَّةِ وإنْ كانَتِ الدَّرَجاتُ مُتَفاوِتَةً.

ومَعْنى مَن يُطِعِ مَن يَتَّصِفُ بِتَمامِ مَعْنى الطّاعَةِ، أيْ أنْ لا يَعْصِيَ اللَّهَ ورَسُولَهُ. ودَلَّتْ ”مَعَ“ عَلى أنَّ مَكانَةَ مَدْخُولِها أرْسَخُ وأعْرَفُ.

وفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أنْتَ مَعَ مَن أحْبَبْتَ» . والصِّدِّيقُونَ هُمُ الَّذِينَ صَدَّقُوا الأنْبِياءَ ابْتِداءً، مِثْلَ الحَوارِيِّينَ والسّابِقِينَ الأوَّلِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ. وأمّا الشُّهَداءُ فَهم مَن قُتِلُوا في سَبِيلِ إعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ. والصّالِحُونَ الَّذِينَ لَزِمَتْهُمُ الِاسْتِقامَةُ.

و(حَسُنَ) فِعْلٌ مُرادٌ بِهِ المَدْحُ مُلْحَقٌ بِنِعْمَ ومُضَمَّنٌ مَعْنى التَّعَجُّبِ مِن حُسْنِهِمْ، وذَلِكَ شَأْنُ ”فَعُلَ“ بِضَمِّ العَيْنِ مِنَ الثُّلاثِيِّ أنْ يَدُلَّ عَلى مَدْحٍ أوْ ذَمٍّ بِحَسَبِ مادَّتِهِ مَعَ التَّعَجُّبِ، وأصْلُ الفِعْلِ ”حَسَنَ“ بِفَتْحَتَيْنِ فَحُوِّلَ إلى فَعُلَ بِضَمِّ العَيْنِ لِقَصْدِ المَدْحِ والتَّعَجُّبِ. و”أُولَئِكَ“ فاعِلُ ”حَسُنَ“ . و”رَفِيقًا“ تَمْيِيزٌ، أيْ ما أحْسَنَهم حَسُنُوا مِن جِنْسِ الرُّفَقاءِ.

والرَّفِيقُ يَسْتَوِي فِيهِ الواحِدُ والجَمْعُ، وفي حَدِيثِ الوَفاةِ الرَّفِيقَ الأعْلى. وتَعْرِيفُ الجُزْأيْنِ في قَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ يُفِيدُ الحَصْرَ وهو حَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِأنَّ فَضْلَ اللَّهِ أنْواعٌ، وأصْنافٌ، ولَكِنَّهُ أُرِيدَ المُبالَغَةُ في قُوَّةِ هَذا الفَضْلِ، فَهو كَقَوْلِهِمْ: أنْتَ الرَّجُلُ.

والتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ ﴿وكَفى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الَّذِينَ تَلَبَّسُوا بِهَذِهِ المَنقَبَةِ، وإنْ لَمْ يَعْلَمْهُمُ النّاسُ، فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهم والجَزاءُ بِيَدِهِ فَهو يُوَفِّيهِمُ الجَزاءَ عَلى قَدْرِ ما عَلِمَ مِنهم، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في هَذِهِ السُّورَةِ.

Commentary: Al-Tahrir wa al-Tanwir by Muhammad al-Tahir ibn 'Ashur. Qur'an text and translation via AlQuran Cloud.