وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا۟ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيْتَ ٱلْمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًۭا
And when it is said to them, "Come to what Allah has revealed and to the Messenger," you see the hypocrites turning away from you in aversion.
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا أنْ يَكْفُرُوا بِهِ ويُرِيدُ الشَيْطانُ أنْ يُضِلَّهم ضَلالا بَعِيدًا﴾ ﴿وَإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللهُ وإلى الرَسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عنكَ صُدُودًا﴾
تَقُولُ العَرَبُ: زَعَمَ فُلانٌ كَذا، في الأمْرِ الَّذِي يَضْعُفُ فِيهِ التَحْقِيقُ، وتَتَقَوّى فِيهِ شُبَهُ الإبْطالِ، فَغايَةُ دَرَجَةِ الزَعْمِ إذا قَوِيَ أنْ يَكُونَ مَظْنُونًا. يُقالُ: زَعْمٌ بِفَتْحِ الزايِ، وهو المَصْدَرُ، وزُعْمٌ بِضَمِّها، وهو الِاسْمُ، وكَذَلِكَ زَعْمُ المُنافِقِينَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ هو مِمّا قَوِيَتْ فِيهِ شُبْهَةُ الإبْطالِ لِسُوءِ أفْعالِهِمْ، حَتّى صَحَّحَها الخَبَرُ مِنَ اللهِ تَعالى عنهُمْ، ومِن هَذا قَوْلُ النَبِيِّ ﷺ: « "بِئْسَ مَطِيَّةُ الرَجُلِ زَعَمُوا"،» وقَدْ قالَ الأعْشى:
؎ ونُبِّئْتُ قَيْسًا ولَمْ أبْلُهُ كَما زَعَمُوا خَيْرَ أهْلِ اليَمَن
فَقالَ المَمْدُوحُ: وما هو إلّا الزَعْمُ وحَرَمُهُ، وإذا قالَ سِيبَوَيْهِ: "زَعَمَ الخَلِيلُ" فَإنَّما يَسْتَعْمِلُها فِيما انْفَرَدَ الخَلِيلُ بِهِ، وكانَ أقْوى رُتَبِ "زَعَمَ" أنْ تَبْقى مَعَها عُهْدَةُ الخَبَرِ عَلى المُخْبِرِ. و"أنْ" مَعْمُولَةٌ لِـ "يَزْعُمُونَ".
وقالَ عامِرٌ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في مُنافِقٍ اسْمُهُ بِشْرٌ، خاصَمَ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ، فَدَعاهُ اليَهُودِيُّ إلى المُسْلِمِينَ لِعِلْمِهِ أنَّهم لا يَرْتَشُونَ، وكانَ هو يَدْعُو اليَهُودِيَّ إلى اليَهُودِ لِعِلْمِهِ أنَّهم يَرْتَشُونَ، فاتَّفَقا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى أنْ أتَيا كاهِنًا كانَ بِالمَدِينَةِ فَرَضِياهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِما وفي صَنِيعِهِما.
فالَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ هُمُ المُنافِقُونَ، والَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ هُمُ اليَهُودُ، وكُلٌّ قَدْ أُمِرَ في كِتابِهِ بِالكُفْرِ بِالطاغُوتِ، و"الطاغُوتِ" هُنا- الكاهِنُ المَذْكُورُ، فَهَذا تَأْنِيبٌ لِلصِّنْفَيْنِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الطاغُوتُ هُنا هو كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وهو الَّذِي تَراضَيا بِهِ، فَعَلى هَذا إنَّما يُؤَنِّبُ صِنْفَ المُنافِقِينَ وحْدَهُ، وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ، وبِما أُنْزِلَ مِن قَبْلِهِ بِزَعْمِهِمْ، لِأنَّ اليَهُودَ لَمْ يُؤْمَرُوا في شَرْعِهِمْ بِالكُفْرِ بِالأحْبارِ، وكَعْبٌ مِنهم. وذَكَرَ النَقّاشُ أنَّ كَعْبًا هَذا أصْلُهُ مِن طَيِّئٍ وتَهَوَّدَ. وقالَ مُجاهِدٌ: نَزَلَتْ في مُؤْمِنٍ ويَهُودِيٍّ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتْ في يَهُودِيَّيْنِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذانِ القَوْلانِ بَعِيدانِ مِنَ الاسْتِقامَةِ عَلى ألْفاظِ الآيَةِ، وقالَ السُدِّيُّ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ مِن قُرَيْظَةَ والنَضِيرِ، وذَلِكَ أنَّهم تَفاخَرُوا بِسَبَبِ تَكافُؤِ دِمائِهِمْ، إذْ كانَتِ النَضِيرُ في الجاهِلِيَّةِ تَدِي مَن قَتَلَتْ، وتَسْتَقِيدُ إذا قَتَلَتْ قُرَيْظَةُ مِنهُمْ، فَأبَتْ قُرَيْظَةُ لَمّا جاءَ الإسْلامُ، وطَلَبُوا المُنافَرَةَ، فَدَعا المُؤْمِنُونَ مِنهم إلى النَبِيِّ ﷺ، ودَعا المُنافِقُونَ إلى أبِي بُرْدَةَ الكاهِنِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِمْ. وحَكى الزَجّاجُ: أنَّ المُنافِقَ المُتَقَدِّمَ الذِكْرِ أو غَيْرَهُ اخْتَصَمَ عِنْدَ النَبِيِّ ﷺ فَقَضى في أمْرِهِ، فَحُرِجَ وقالَ لِخَصْمِهِ: لا أرْضى بِحُكْمِهِ، فَذَهَبا إلى أبِي بَكْرٍ فَقَضى بَيْنَهُما، فَقالَ المُنافِقُ: لا أرْضى، فَذَهَبا إلى عُمَرَ …